توافقت الروايات على أن الأمير قُتِل في بعض بلدان الشرق، اغتاله غِلمان له أتراك، وأخذوا ماله وفرُّوا.
واختُلف في الموضع والتاريخ، أمّا الموضع فقيل: خُوْزِستان أو الأَهْوَاز، وهما واحد، وقيل: جُرْجَان، وقيل: كَرمَان.
وأمّا التاريخ فذكر ابن الجوزيُّ الأميرَ في وفيات سنة ٤٧٥ من «المنتظم»، وجَزَم بوفاته فيها، ثم ذكره في وفيات سنة ٤٨٦ وجزم بوفاته فيها أو في التي تليها، وكلا القولين مرويّ عن شيخه محمد بن ناصر، ففي «التذكرة» [ص ١٢٠٥]: «قال ابن ناصر: قُتل الحافظ ابن ماكولا، وقد كان سافر نحو كَرْمَان، ومعه مماليكه الأتراك، فقتلوه وأخذوا ماله في سنة خمس وسبعين وأربعمائة (٤٧٥)، هكذا نقل ابن النجار. وقال أبو سعد السمعاني: سمعت ابن ناصر يقول: قُتِل ابن ماكولا بالأهواز إما في سنة ست أو سبع وثمانين وأربعمائة (٤٨٦)».
وفي «التقييد» [ص ٤١٨]: «أخبرنا محمد بن عمر بن علي بن خليفة الحربي قال: أبنا ابنُ ناصر إجازة: مولد أبي نصر ابن ماكولا في سنة عشرين وأربعمائة، وقتل في سنة خمس وتسعين (كذا) وأربعمائة بخوز كرمان (كذا) قتله غلمان له
[ ٥١ ]
من الأتراك وأخذوا الموجود من ماله».
وقوله: «وتسعين» محرف والصواب «وسبعين» جزمًا.
وفي «وفيات ابن خلكان» [٣/ ٣٠٦]: «قال الحُميدي: خرج إلى خراسان ومعه غلمان له أتراك فقتلوه بجرجان، وأخذوا ماله وهربوا، وطاح دمه هدرًا، رحمه الله تعالى».
والحميدي توفي سنة ٤٨٨، كما مرّ في الرواة عن الأمير. وفي معنى الأول ما ذكره ابن عساكر عن إسماعيل ابن السمرقندي قال: «سنة نيف وسبعين وأربعمائة». وفي معنى بل هو عبارة عنه فيما أرى قول ابن السمعاني «بعد الثمانين». فأمّا قول ابن خلكان: «وقال غيره في سنة تسع وسبعين» فشاذ، ولم يبين قائله، وكذلك قول ياقوت وتبعه الكُتبي «سنة خمس وثمانين» وأراه وهما.
وثَمّ قضايا قد يستدل بها على تأخر موت الأمير عن سنة ٤٧٥:
الأولى: أنّ ابن ناصر من الرواة عن الأمير مع أنّه إنّما ولد سنة ٤٦٧، ويجاب عن هذا بأنّه لا مانع من سماع ابن ثماني سنين، مع أنّ ابن ناصر إنّما يروي عن الأمير بالإجازة كما صرّح به ابن نقطة في «التقييد» [ص ٤١٨]، قال: «وآخر من حدّث عنه بالإجازة محمد بن ناصر».
الثانية: ما في «التذكرة» [ص ١٢٠٦] من طريق ابن المقيّر وابن الأخضر عن ابن ناصر: «عن كتاب أبي نصر الأمير إليه» ومن طريق أبي الحسن بن الفراء عن الأمير …، فذكر خبرًا هو في «الإكمال» [١/ ١٦٢] في رسم (فافاه) و«الإكمال» يرويه الناس عن ابن المقير عن ابن ناصر عن الأمير، فيظهر أنّ الذهبي إنّما أخذ رواية ابن المقير لذاك الخبر من سند «الإكمال» نفسه. فأمّا ما في سياق الخبر من مخالفة لما في «الإكمال»؛ فكأنّ الذهبي ساق لفظ ابن الفراء عن الأمير ولم يسق لفظ ابن ناصر، وعلى هذا فابن ناصر يروي «الإكمال» أو يروي ذاك الخبر على
[ ٥٢ ]
الأقل بحق إجازة كتب بها الأمير إليه، وابن ناصر نشأ يتيمًا من عائلة هي إلى الفقر أقرب منها إلى التوسّط، فكيف يظن به وهو في السابعة من عمره تقريبًا أن يكتب الأمير إليه؟ أمّا أن يكتب إليه وهو ابن سبع عشرة سنة أو نحوها فهذا لا غبار عليه، فإنّ ابن ناصر كان في ذاك السن طالبًا لبيبًا، فغير ممتنع أن يكتب إلى الأمير يلتمس منه الإجازة فيسعفه الأمير بالكتابة إليه بها.
والذي يظهر لي أنّ كلمة «إليه» من زيادة بعض الرواة توهمًا، وإنّما أصل اللفظ «عن كتاب الأمير أبي نصر»، ويقصد بالكتاب ههنا كتاب الإجازة، كأنّ الأمير كتب إجازة لجماعة التمسوا منه ذلك وكتبوا أسماءهم وكان فيهم من يعتني بابن ناصر، فكتب اسم ابن ناصر معهم، فكتب الأمير بالإجازة لمن في ذاك الكتاب.
وممّا يشهد لهذا ما في رسم (فتحويه) من استدراك ابن نقطة [٤/ ٤٩٩] عند ذكر هبة الله ابن أبي الصهباء أحد شيوخ الأمير ما لفظه: «وسمع منه أبو نصر ابن ماكولا، ونسبه في إجازته كذلك …».
دلّ هذا على أنَّه كانت هناك إجازة من الأمير مكتوبة معروفة بين أهل العلم اطلع عليها ابن نقطة وأنّها كانت لجماعة، إذ لو كانت لواحد لكان الظاهر أن يسميه ابن نقطة، يقول: «في إجازته لفلان». على أنّه لو صحت كلمة «إليه» لم يكن فيها ما يُنَافي أن تكون الكتابة وابن ناصر في السابعة مثلًا؛ لأنّ الواقع فيما يظهر كما مرّ أنَّ جماعة كتبوا إلى الأمير يلتمسون الإجازة، وكتبوا ابن ناصر معهم، فكتب الأمير إلى المسمَّيْن في الكتاب، ومنهم ابن ناصر، وقد تقدم عن ابن ناصر أنّه قال مرة: إنّ الأمير قُتل سنة خمس وسبعين، فكيف يقول هذا، وعنده كتاب الأمير إليه بعد هذا التاريخ؟
[ ٥٣ ]
مؤلفات الأمير:
أشهر مؤلفات الأمير كتاب «الإكمال»، وقد حقق العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني ﵀ رحمة واسعة ستة أجزاء منه، وشرع في السابع، فحقق منه خمسين ورقة، ثم وافته المنية. وأكمله من بعده الشيخ أبو بكر محمد الهاشمي، المصحح بدائرة المعارف العثمانية بالهند، في مجلدين، مُثبِتًا عَمَل الشيخ المُعَلِّمي ثم أكمل على عمله.
كما حققه أيضًا -أعني ما تبقى من الكتاب- الأستاذ نايف العباسي.
هذا وتعد تحقيقات الشيخ المعلمي اليماني نبراسًا يَهدي مَنْ بعده، ومِنهاجًا قَويمًا لمن أراد أن يعالج صنعة التحقيق.
وكتاب «تهذيب مُسْتمر الأوهام».
وكتاب «الوزراء» ذكره الأمير في رسم (البَرِيْدِي) من «الإكمال» [١/ ٥٤٩]، قال: «أبو عبد الله البريدي الذي ولي الوزارة، قد ذكرناه في كتاب الوزراء».
وكتاب «مفاخرة القلم والسيف والدينار»، مرَّ ذكره في مبحث «الأمير والأدب».
وقد ذَكره ابن خير الإشبيلي في «فهرسته» [ص ٣٧٢] وقال: «حَدَّثَني بها الشيخ الفقيه أبو الحَسَن عَباد بن سَرحان المَعَافري ﵀ سَمَاعًا مني عليه لأكثرها، ومُنَاوَلة لِجُملتها- قال: حدثني بها الشيخ أبو بكر محمد بن طرخان -قراءة مِنِّي عليه- قال حدثني بها مُؤلِّفُها الرَّئِيسُ الأَجَلُّ أبو نَصر عَلِي بن الوزير العادل أبي القَاسِم هِبة الله بن علي بن جَعفر المعروف بالأمير بن ماكولا ﵀».
[ ٥٤ ]