ضَمِنَ الخَطِيبُ أن يُورِد في كِتَابِه ما أَخَلَّ به الشَيْخَان (^١)، ويستدرك (^٢) ما شَذَّ مِنْ كُتُبِهم، ولَم يَفِ بِذَاك؛ لأنه أَخَلَّ بأبواب وتَرَاجِم وأَسَامِي شَذَّت عن كُتُبِهم منها ما يَلْزَمُهُم وهو: ما كان قَبْلَهُما، أو في زَمَانهما معروفًا، ومنها ما لا يَلْزَمُهم؛ لأنه عُرِفَ بَعدهُم، مثل: بَرَزة وبُرْزَة، والحَرُوري والخَروري (^٣)، ودُرَّة وذَرَّة (^٤)، وغير ذلك.
وقد ذَكرتُ مَا أَخَلَّ به في «كتاب الإكمال» فلا فَائِدَةَ في إعَادَته ها هنا، والناظر في كتابي يَعرِفُهُم؛ لأن ما عَرِي بين (^٥) المقدمات كان مما اسْتَدْرَكته (^٦) عليهم أَجْمَعِين، وزِدتُه عَلى ما ذَكَرُوه، ولأنه لم يَذكُر من المُؤتَلِف والمُخْتَلِف في الألفاظِ شَيئًا إلا يَسِيرًا.
وقد شَرَط الدارقُطْني أنه يَذكُر ذلك، ويَلْزَمُ مَنْ أَرَاد الزِيَادَةَ عَلى ما أورده (^٧) أن يُلْحِقَ بكتابه ما أَخَلَّ به (^٨) مِمَّا شَرَطَه عَلى نَفْسِه.
فإن قال قائل: إن الخَطِيبَ ﵀ لم يُرِد أن يَزيد عليه إلا فيما ذَكَره مِنْ الأسماء دون الألفاظ، فالجواب: أن هذه دَعْوَى له، لم يَذْكُرها، ولا اسْتَثْنى بها، على أن قوله يُبْطِلها، وذلك أنه قد أورد زيادة في باب لم يَذكر فيه الدارقطني
_________________
(١) يعني: أبا الحسن الدارقطني، وعبد الغني الأزدي.
(٢) في المطبوعة: (استدراك).
(٣) في «ف»: (الجرُوري، والجروَري) والمثبت من «ش».
(٤) في «ف»: (دُرة، ودَرة) والمثبت من «ش».
(٥) في «ف»: (من) والمثبت من «ش».
(٦) في المطبوعة: (استدركه).
(٧) في المطبوعة: (أورد).
(٨) كلمة (به) سقطت من «ف»، والمثبت من «ش».
[ ٨٨ ]
اسمًا (^١) بل هو اشتباه في اللفظ (^٢)، وهو:
باب: خَفِير، وجَفِير، وحُفَيْز، وخفين (^٣) زيادة.
فقال في الفصل الثالث من كتابه (^٤) -وهو ما أَخَلَّا بِذكره، وإن كَانا قَدْ أَوْرَدَا له نَظَائِر-: «ويُلْحَق به حُفيز بالحاء المبهمة المضمونة والفاء المفتوحة والزاي، وهو شَاعِرٌ مِنْ بَنِي عَبْس، ذَكره الزُبَير بن بَكَّار في «كتاب النسب» وأورد أبياتًا نسبها إليه.
أخبرنا عَلِي بن أبي علي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن المُخَلِّص، وأحمد ابن عبد الله الدُورِي قالا: حدثنا أحمد بن سُلَيمان الطُوسِي، حدثنا الزُبَير بن بَكَّار قال: وقال حُفَيْزٌ العَبْسِي ورواها بعضُ النَاس لِجَرير، وليست له، وهي لِحُفَيز.
إنَّ النَّدَى مِنْ بَنِي ذُبْيَانَ قَدْ عَلِمُوا … والجُودَ في آلِ مَنْظُورِ بنِ سَيَّارِ.
وذكر أبياتًا».
قلت: وهذا الباب ذَكَره الدَارقُطْني، ولم يذكر فيه أسماء، وهو على شرطه صحيح. فقال (^٥): باب: خَفِير، وجَفِير، وحَقِير، وخُفَّين (^٦).
وقال: أما خُفَير، فهو مذكور في حديث عَدِي بن حَاتِم، عن النبي ﷺ قال:
«لَيُوشَكَنَّ أَنْ تَخْرُج الظَعِينةُ مِنْ الحِيْرَةِ إلى مَكَّة بِغَيْر خَفِير» (^٧).
وأما جَفِير: فهو جَفِيرُ القَوْس، وهو مَذكور في حديث الرَبِيع بن صُبَيح، عن
_________________
(١) في المطبوعة: (أسماء).
(٢) قوله: (اشتباه في اللفظ) في «ف»: (استثناه في ألفاظ) والمثبت من «ش».
(٣) في المطبوعة: (خُفَير وجُفَير وحُقير وحُفَيْز).
(٤) «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» (١/ ٣٣٩).
(٥) «المؤتلف والمختلف» للدارقطني (٢/ ٩٣٨).
(٦) في «ف»: (خُفَير وجُفَير وحُقَير) وسقط منه خفين، والمثبت من «ش».
(٧) أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢٤٦٣) من طريق عدي بن حاتم، به بنحوه. وأخرجه البخاري (٣٥٩٥) من حديث عدي بن حاتم أيضًا مطولا.
[ ٨٩ ]
الحسن، عن أنس: «مَنْ اتَّخَذ قوسًا وجَفِيرَها» (^١).
وأما حَقِير: فَبَيَّض مَا بَعْدَه.
وأما خُفَّين: فهو مذكور في أحاديثَ النَبيِّ ﷺ، فمنها: حَدِيث عبد الله (^٢) بن بُرَيْدَة، عن أبيه، أن المُغِيرةَ بنَ شُعْبَة: «أَهْدَى إلى النبي ﷺ خُفَّين أَسْوَدَين سَاذَجَيْن، فَلَبِسَهُما، ومَسَح عَليهما وصَلَّى» (^٣).
وزادَ الخَطِيبُ أَيضًا في باب: فَرُّوخ، وفَرُّوج (^٤): عبد الرحمن بن فَرُّوخ المَدَني (^٥)، عن عبد الله بن أبي قتادة. روى عنه عبد الله بن يَرْفَأ.
وكَعْب (^٦) بن فَرُّوخ الرَقَاشِي البَصْري.
وعُمَر بن فَرُّوخ القَتَّاب البَصْري العَبْدِي، حدث عن بسطام بن المغيرة (^٧)، وحَبيب بن الزُبَير، وغيرهما. روى عنه كَثِير بن هِشَام، وأبو نُعَيْم، والحَوْضِي (^٨). وذَكَر غَيرَهُم (^٩).
قلت: وهذا الباب ذكره الدارقطني في باب: فروخ، وفروج.
وذكر في فروخ جماعة، ثم قال: «وأما فَرُّوج، فهو في حديث أبي الخَيْر، عن عُقْبَةَ بن عَامِر: «خَرَج عَلينا رسولُ الله ﷺ، وعَلَيه فَرُّوجٌ مِنْ حَرِير».
_________________
(١) أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (١١٤٢) من طريق الربيع، به.
(٢) في «ف»: (عبيد الله)، والمثبت من «ش».
(٣) أخرجه البيهقي في «السنن الكبير» (١٣٥٨، ١٣٥٩)
(٤) «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» (١/ ٨٢٨).
(٥) في المطبوعة: (المديني).
(٦) في المطبوعة: (مكعب).
(٧) كذا في الخطيتين، والصواب: بسطام بن النضر، كما في «المؤتنف» للخطيب (١/ ٨٢٩)، والتاريخ الكبير للبخاري (٢/ ١٢٤).
(٨) في «ف» (أبو نعيم الحوضي) سقط حرف الواو، والمثبت من «ش» والحوضي: هو أبو عمر حفص بن عمر.
(٩) في «ف»: (غيرهما).
[ ٩٠ ]
رواه يَزِيدُ بن أبي حَبِيبٍ، عن أبي الخَيْر (^١)» (^٢).
وكذلك زاد الخَطِيبُ (^٣) عَليه (^٤) في باب سِرْحَان، وشرخان (^٥)، وشِرْجَان.
لم يذكر فيه أسماء، بل قال: شِرْجَان مذكورٌ في حديث أبي هريرة: «خرجنا مع النبي ﷺ، ونحن شِرْجَان، صَائِم ومُفْطِر» (^٦).
وكذلك زاد في باب: خَطِيم، وحَطِيْم (^٧)، وحُطَيْم.
ولم يذكر الدارقطني (^٨) في الحَطِيْم إلا أنه أَحَدُ أَرْكَان البَيْت.
فقال الخطيب (^٩): وفي باب الخَطِيم والحَطِيم. والخَطِيم بن نُوَيْرَة المُحْرِزي، شَاعِرٌ اسْتَشْهَدَ أبو بَكر محمد بن القاسم الأَنْبَاري بِشِعْرِه في كتاب «الزاهر» (^١٠).
وقد استدرَك عَليه في غير هذه الأبواب مِمَّا يَجْري مَجْرَاهَا، فَدَلَّ هذا الفِعلُ مِنه عَلى ضِدِّ مَا ادَّعَى المُعَارِض له.
فإن قال قائل: فَإن غَرَضَ الخَطِيبِ ﵀ كان (^١١) في أن يَزِيدَ عَلى مَا ذكره (^١٢) في الألفاظ إذا وجد فيه أسماء، وهذه الأبواب جميعها (^١٣) لم يزد
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٨٠١) من طريق يزيد بن أبي حبيب، به.
(٢) «المؤتلف والمختلف» (٤/ ١٨٣٩).
(٣) «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» (١/ ٥٤٢).
(٤) «المؤتلف والمختلف» (٣/ ١٣٣٤).
(٥) كذا في «ف»، و«ش» زادا (شرخان) وليس عند الدارقطني ولا الخطيب ذكر لهذا الاسم.
(٦) أخرجه أحمد (١١٨٢٦) من حديث أبي سعيدٍ الخُدري ﵁.
(٧) في «ف» تصحفت إلى: (حظيم).
(٨) «المؤتلف والمختلف» (٢/ ٩٢٢).
(٩) «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» (١/ ٣٣٨).
(١٠) «الزاهر في معاني كلمات الناس» لابن الأنباري (١/ ١٨٤).
(١١) كلمة (كان) سقطت من المطبوعة.
(١٢) في المطبوعة: (ذكراه).
(١٣) في المطبوعة: جميعا.
[ ٩١ ]
الخطيب فيها إلا الأسماء دون الألفاظ.
قلنا: هذه دعوى باطلة، وقد قَدَّمنا القَولَ أنه يَلْزَمه أَنْ يُورِدَ الزِيَادَة على ما ذكره المَزِيدُ عَلَيه بشرطه، وعلى أن هذا القول الثَاني يَبْطُلُ رَأْسًا؛ لأن الخَطِيبَ قَدْ زَادَ عَلى الدَارقُطْني في الألفاظ دون الأسماء، فقال في باب حُزُقَّة وحُرْفَة وما معهما (^١): ذكر أبو الحسن هذا الباب (^٢) فقال فيه: وأَمَّا حُزُقَّة فَذِكْرُه في حَديثٍ يُرْوَى: «ولَعِبْنَا الحُزُقَّة». ذكره يحيى بن معين (^٣).
قال الخطيب: قلت: وكَان الأَوْلَى بِأبي الحَسَن أن يَذْكُر في هذا الباب حَدِيثَ رسولِ الله ﷺ ورَوَى عن أبي نُعَيْم، عن الطَبراني، عن عَبْدان بن محمد المَرْوَزِي، عن قُتَيْبة بن سَعِيد، عن حَاتِم بن إسْمَاعِيل، عن معاوية بن (^٤) أبي مُزَرِّد (^٥)، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: سَمِعت أُذُنَاي وأَبْصَرَت عَيْنَاي هَاتَان رَسولَ الله ﷺ وهو آخِذٌ بِكَفَّيْه جَمِيعًا -يعني حَسَنًا أو حُسَيْنًا- وقَدَماه عَلى قَدَمَي رَسولِ اللهِ ﷺ، وهو يَقُول: «حُزُقَّة حُزُقَّة تَرَقَّ عَيْنَ بَقَّة». وذكر الحديث (^٦).
قلت: فَقد اسْتَدْرَك عَلَيه في اللفظ بلفظ مثله، لا بِاسم فَبَطَل مَا ادَّعَاه المُعَارِض عَنه بِكُل حَال، وكان يَلزَمُه أن يُخْرِجَ بَقِيَّة الأَلْفَاظ التي أَخَلَّ الدَارَقُطْني بذكرها؛ إذ كَان قد شَرَط أَنْ يَسْتَدْرِكَ مَا أَخَلَّ به، وقد استدرك عليه البَعضَ منها والله تعالى الموفِّق.
_________________
(١) «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف» (١/ ٢٤٩).
(٢) «المؤتلف والمختلف» للدارقطني (٢/ ٨١٩).
(٣) «التاريخ -رواية الدوري-» (٤/ ٢٩٦).
(٤) في «ش»: (عن) وهو خطأ.
(٥) في «ف»: (مزود) وهو خطأ.
(٦) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٦٥٣).
[ ٩٢ ]
وكان يَلْزَم الخَطِيب أَنْ يَسْتَدِرَك عَلى أبي الحَسَن أَسْمَاء البِلاد؛ لأن الدَارقطني ذَكر ذَلِك فَقَال: هَمْدَان وهَمَذَان (^١)، وذَكَر هَمْدان، ثم قال: وهَمَذَان: فَهو البَلَد المَشْهُور وإليه يُنْسَب الهَمَذَانِيُّون.
_________________
(١) «المؤتلف والمختلف» (٤/ ٢٣٢٤).
[ ٩٣ ]