﷽
وبه أستعين.
قال الأَمِيرُ الحَافِظُ أبو نَصْرٍ عَلِيُّ بنُ هِبَةِ اللهِ بن جَعْفَر بن مَاكُولَا ﵀:
الحَمدُ لله الذي تَفَرَّد بالكَمَال، فلا نَقْصَ في تَمَامِه، وتَوَحَّد بِمُتْقَن الفِعَال، فلا خَلَل في أَحْكامه، وقَرَّر الأمور على مَشِيئَتِه، فلا نَقْضَ لإبْرَامِه.
وصلواته على مَنْ أَرْسَله رَحْمَةً إلى خير أُمَّةٍ أُخْرِجَت للناس، وطَهَّر به القُلوب الصَدِئَة مِنْ الأَدْنَاس، وجَعَله للأنبياء صلوات الله عليه وعليهم مُكَمِّلًا وخَاتَمًا، وصَيَّره إلى الحق داعيًا وبه قَائِمًا، وعلى أهل بيته وأصحابه وأزواجه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد ذلك،
فإن أبا بكر أحمدَ بن عَلِي بن ثابت الخَطِيب البَغدادي ﵀ وكان أَحدَ الأعيان ممن شاهدناه معرفةً، وإتقانًا، وحفظًا، وضَبطًا لِحَديث رسولِ الله ﷺ، وتَفَنُّنًا في عِلَلِه وأسانيدِه، وخِبرةً برُواتِه ونَاقِليه، وعِلْمًا بِصَحِيحه، وغَرِيبه، وفَرْدِه ومُنْكَرِه، وسَقِيمه، ومَطْرُوحِه، ولم يَكُنْ للبَغْدَاديِّين بعدَ أبي الحَسَن عَلي بن عُمر الدَارقطني مَنْ يَجْري مَجْرَاه، ولا قام بعده بهذا الشأن سِواه.
وقد استفدنا كثيرًا مِنْ هذا اليَسِير الذي نُحسِنُه، وبه وعنه تَعَلَّمنا شَطرًا من هذا القَليل الذي نعرفه بِتَنْبِيهِه ومَنِّه، فجزاه الله عَنَّا الخَير، ولَقَّاه الحُسْنَى ولِجَميع مشايخنا وأئمتنا ولجميع المسلمين = كان قد عَمل بالشَّام كِتابًا سَمَّاه «المُؤْتَنِف
[ ٧٥ ]
تَكْمِلَةَ المُؤْتَلِفِ» (^١) ولما عاد إلى بغداد قرأ عَلَيَّ شَيئًا من أَولِه، مُغْرِبًا عَلَيَّ به، ومُطرِفًا (^٢) لي بما ضَمَّنَه إياه، ومُعَرِّفًا لي قَدْر ما تَيَسَّر له، وأنه قد اسْتَدرك فيه على أئمة هذا العلم أَشياءَ تَم عَليهم السَهوُ فِيها، ونَبَّه على أشياءَ غَفَلوُا عنها ولم يُحِيطُوا بها مَعْرفةً، ووجدتُه كبيرًا، فَظَننتُ أَنه قَدْ اسْتَوعب ما يُحْتَاجُ إليه في هذا المعنى، ولم يَدَع بَعْدَه لِمُتَتَبِّعٍ حُكْمًا، ولَمَّا دُعِي به فأجاب (^٣) قال لي بعضُ المُتَشاغِلين والمُعْتَنين بهذا العلم: لَقَدْ تَعِب الخَطِيبُ وأَتْعَب، تَعِبَ (^٤) بما جَمَعه، وأَتْعَب مَنْ أَراد أن يَعْرِفَ الحَقِيقَة في اسم؛ لأنه يحتاج أن يطلبه في كتاب الدارقطني، فإن لم يجده، ففي كِتَابَي عبدِ الغني، فإن لم يجده ففي كتاب الخطيب، ثم يَحتاج أن يُفَسِّر طَبقاتِه أيضًا فَيمضي زَمانه ضَياعًا، ويصير ما أُرِيدَ مِنْ إرشادِه تَضْليلًا، فلو أنك جمعت شَمل هذه الكتب وجعلتها كتابًا واحدًا، حُزتَ الثَوابَ ويَسَّرت (^٥) على مُبتَغِي العِلم الطِلَاب، ورَاجَعَني في ذلك مُرَاجعةً تَحَرَّمتُ (^٦) لها، وأوجبتُ له فيها رِعايةً لِحَقِّه، ورغبةً في مساعدته، واغْتِنامًا للأجر في إفادة مُسترشِدٍ (^٧) وتَعليم جَاهلٍ، ومعرفةِ طَالبٍ.
وبدأتُ بالنظر في كتاب الخطيب، فوجدته يذكُر في أوله: أنه قد جَمَع فيه مِنْ (^٨) مُؤتَلِف أسماء الرواة وأنسَابهم ومُخْتَلِفِها، ومِمَّا تَتضمَّن كتب أصحاب
_________________
(١) يعني: «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف»، وقد صدر بتحقيقي، عن الدار العُمَرية ومكتبة الذَخائر- القاهرة.
(٢) في المطبوعة (معرفًا) وما أثبته الأقرب في قراءة الكلمة من المخطوط.
(٣) يعني: الموت، ولعلها ولما دعاه ربه فأجاب، ومن هنا بداية نسخة تشستربيتي «ش».
(٤) في المطبوعة (وتعب).
(٥) في «ف» (نثرت) والمثبت من «ش».
(٦) في «ش» (تحريت) والمثبت من «ف».
(٧) في المطبوعة (مسترشده).
(٨) كلمة (من) ليست في «ش».
[ ٧٦ ]
الحديث من ذلك -وإن لم يكن المذكور راويًا مشهورًا (^١) - ما شَذَّ عن كِتاَبيْ أبي الحسن علي بن عمر، وأبي محمد عبد الغني بن سعيد، المُصَنِّفَين في المُؤتِلف والمُختلف، وفي مُشْتَبِه النِسبة، وأنه يذكر ما (^٢) رُسِم فيهما، أو في أحدهما عَلى الوَهَم، ودَخَل عَلى مُدَوِّنه فيه الخَطَأُ والسَهْو، ويُبَين فيه صَوابَه، ويُورِدُ شَواهِدَه ويَذكُر صَحِيح ما اختلفوا فيه مِمَّا انتهى إليه عِلمُه، ويُقِر ما أَشْكَل عليه من ذلك، لِيَنْسُب كُلَّ قولٍ إلى صاحبه، وجعله خمسة فصول:
أورد في الأول منها: ما لم يذكراه، ولا واحِدٌ منهما.
وفي الثاني: أوهام كُتُبِهم.
وفي الثالث: ما أَغفلاه مِمَّا أوردَا له نَظَائِر.
وفي الرابع: أَشياءَ ذَكَراها وقَصَّرا في شَرحِها وإيضْاحِها، فَبَيَّنها، وأَتَمَّ نُقْصَانها.
وفي الخامس: ما أورداه من الأحاديث نَازِلَةً، ووقعت له عالية.
ولما أَنْعَمتُ النظَر فيه، وجَدتُه قَدْ ذَكَر في الفَصل الأول: ما قد ذكراه أو أحدهما.
وفي الفصل الثاني: قد غَلَّطَهُما في أشياء لم يَغْلِطا فيها، وأَخَلَّ بأوهام لهما ظَاهِرة.
وفي الفصل الثالث: قَدْ كتب (^٣) أشياءَ ذَكراها أو أحدهما، وأَخَلَّا (^٤) بِنَظائِرَ لِما ذَكراه، لم يَهْتَدِ إليها.
وفي الفصل الرابع: لم يَشْرَح مِنْ مَا ضَمِن بَيَانَه إلا شَيئًا يَسِيرًا، وفي كتبهم أشياء كثيرة (^٥) تحتاج إلى شرح وبيان وإيضاح وتعريف، ولا سِيَّما كتاب
_________________
(١) كلمة (مشهورا) ليست في «ف».
(٢) في «ش»: (ما نسب) وضبب فوق كلمة نسب.
(٣) في «ف» (كرر) والمثبت من «ش».
(٤) في «ف» (وأخل).
(٥) كلمة (كثيرة) ليست في «ش».
[ ٧٧ ]
عبد الغني؛ فإن أكثر ما فيه غَيرُ مُبَيَّنٍ، ووجدت له في تَضَاعِيف الكتاب أوهامًا من تَصحيفٍ وإسقاط أسماء مِنْ أَنْساب، وأَغلاطًا غيرَ ذلك، فتركته على ما هو عليه، وجمعت كتابي الذي سَمَّيته «بالإكمال» ولم أتعرض فيه لِتَغْلِيطه، ولا تَغليط (^١) غَيرِه، ورسمتُ ما غَلَط فيه واحِدٌ منهم في كتابي على الصحة، ولَمَّا أعان اللهُ تعالى على تَمَامِه، ذكرتُ ما رُوِي عن النَبيِّ ﷺ أنه قال: «مَنْ كَتَم عِلمًا عَلِمَهُ أُلْجِمَ يومَ القِيامَة بِلِجَامٍ مِنْ نَار» (^٢).
وما رُوِي عن بَعض السَلف أنه قال: «وما أوجب الله تعالى على الجهال أن يتعلموا حتى أوجب على العلماء أن يُعَلِّمُوا» (^٣).
وخَشِيتُ أن تَبقى هذه الأوهامُ في كتبهم، فَيظُن مَنْ يراها أنها الصحيح، ويَتَّبع أَثَرهُم (^٤) فيها، فَيَضِل مِنْ حَيث طَلَب الهِدَايةَ، ويَزِل مِنْ جِهةِ مَا أراد الاسْتِثْبَات، وإذا رأى كتابي رُبَّما (^٥) تَصوَّر أن الغَلَط ما ذَكرتُه أنا، وإن أحسن الظن بي، جَعَل قولي خِلافًا، وقال: كذا ذكر فلان، وكذا ذكر فلان.
فاسْتَخرتُ اللهَ تعالى ورَغِبتُ إليه في عَضْدِي (^٦) بالتوفيق والإرشاد، وسألته إلهامي القَصْدَ وتَأييدي بالسَدَاد وجمعتُ في هذا الكِتَاب أَغْلاطَ أبي الحَسَن عَلِي ابن عُمَر، وعبد الغَنِي بن سعيد مِمَّا ذَكره الخَطِيبُ، ومما لم يذكره؛ لتكون أغلاطهما في مكان واحد، وما غَلَّطَهُما فيه وهو الغَالِط، وأغلاط الخطيب في المُؤتنِف.
ورَتَّبتُه على حروف المُعْجَم لِيَسْهُل طَلبُه على مُلْتَمِسِه ويَقرُبَ وُجودُه مِنْ
_________________
(١) في «ف» (لتغليط) والمثبت من «ش».
(٢) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٠٨٤٥)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) ينظر: «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان (ص ٣٤٥).
(٤) في «ف» (أمرهم)، والمثبت من «ش».
(٥) في «ف» (بما)، والمثبت من «ش».
(٦) قال صاحب «مختار الصحاح»: «وعُضْدٌ بوزن قفل، وعَضَده من باب نصر: أعانه».
[ ٧٨ ]
طَالبِه وبَيَّنتُ الحُجَّة على ما ذكرته، والدليلَ عَلى ما أوردته، واعتمدت الإيجاز والاختصار، ولم أَسُق (^١) الطُرَق، وأُكْثِر بِتَكرير الأسَانِيد، وتركت أغلاط الخطيب (^٢) في تراجم أبواب حَكَاها عن الشَيخَين وَهِم عَلَيهما، أو على أحدهما فيها، ورتبها على غير ما رَتَّبَاه؛ تَركًا للمضايقة، ولأن ذلك مما لا يَضُر طالبَ العِلم جَهْلُه، ولا يَنفعه اسْتِفَادتُه.
ويَعلمُ اللهُ تَعالى أن قَصْدِي فيه تَبصير المُسترشِد وإرشَاد الحَائر (^٣) وتيسير الطرق على حافظي شَريعة الإسلام، وتَقريب البَعِيد على ناقلي سنن الأحكام، وهو بقدرته ولُطْفِه لا يُضِيع أَجرَ مَنْ أَحْسَن عَملًا، إنه جواد كريم رؤوف رحيم. (^٤)
_________________
(١) في «ف» (أشق)، وهو تصحيف لا معنى له، والمثبت من «ش».
(٢) قوله: (وتركت أغلاط الخطيب) في «ف» (وتركت أغلاطا للخطيب ﵀ والمثبت من «ش».
(٣) في «ف» (الحائد)، والمثبت من «ش».
(٤) قال أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي: «وبلغ أبا بكر الخطيبَ أن ابن ماكولا أخذ عليه في كتابه «المؤتنف»، وصنّف في ذلك تصنيفًا، وحضر عنده ابنُ ماكولا وسأله الخطيب عن ذلك، فأنكره ولم يُقِرّ به، وقال: يَنْسُبُني الناس إلى ما لست أُحسنه مِنْ الصَنعة، واجتهد الشيخ أبو بكر أن يعترف بذلك، وحكى له ما كان من عبد الغني بن سعيد في تتبعه أوهام الحاكم أبي عبد الله في «كتاب المدخل» وحكايات عدة من هذا المعنى وقال: أرني إياه، فإن يكن صوابًا استفدته منك، ولا أذكره إلا عنك، فأصرَّ على الإنكار وقال: لم يخطر هذا ببالي قط، ولم أبلغ هذه الدرجة أو كما قال، فلما مات الخطيب أظهر كتابه وهو الذي سماه «كتاب تهذيب مستمر الأوهام على ذوي التمني والأحلام أبي الحسن الدارقطني وأبي بكر أحمد بن علي الخطيب» وهو في عشرة أجزاء لطاف. ينظر: «معجم الأدباء» لياقوت (٥/ ١٩٩٠).
[ ٧٩ ]