وُلِد الأمير ببلدة «عُكْبرا»، وهي قريبة من بغداد، وفي تاريخ مولده أقوال:
الأول: سنة اثنتين وأربعمائة، كذا وقع في وفيات سنة ٤٨٦ من «المنتظم» لابن الجوزي [١٧/ ٨]، وهي السنة التي ذكر أنّ الأمير توفي فيها أو في التي بعدها، وتبعه ابنُ الأثير في «كامله» [٨/ ٣٧٤] في أخبار سنة ٤٨٦، وابن كثير في وفيات هذه
[ ٤٠ ]
السنة من «البداية» [١٦/ ١٣٨]، وبنى على ذلك قوله: «وقد جاوز الثمانين كذا ذكره ابن الجوزي».
وهذا القول غلط ففي «التذكرة» عن ابن النجار وَصَف الأمير بأنّه «أحبَّ العلم من الصِّبا» (^١).
ولم أر في شيوخ الأمير أحدًا ممّن توفي قبل سنة ٤٣٠، ولا فيها إلاّ أنّه قال في رسم (أبّا) من «الإكمال» [١/ ٨]: «وثبتني فيه السعيد أبي»، ولا في التي تليها إلا واحدًا وهو بُشْرى الرُّومي الفَاتِني، فإنّه مذكور من شيوخه، وقد نصّ الأمير على ذلك عندما ذكره في «الإكمال» [١/ ٣٠٥] في رسم (بشرى).
وغالب شيوخه هم ممن توفي سنة ٤٤٠ فما بعدها كما ستراه.
القول الثاني: سنة عشرين وأربعمائة. رواه ابن نُقطة في «التقييد» [ص ٤١٨] عن محمد بن عُمَر بن خَلِيفة الحَربي، عن ابن ناصر، إجازة، وقاله ابن الجوزي في وفيات سنة خمس وسبعين وأربعمائة من «المنتظم» [١٦/ ٢٢٦].
القول الثالث: ما في «النجوم الزاهرة» [٥/ ١١٥]: «قال شيرويه في طبقاته: وكان يعرف بالوزير سعد الملك بن ماكولا، وولد بِعُكْبَرا في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة في شعبان، وكنيته أبو نصر، قال صاحب مرآة الزمان ».
وظاهر هذا أنّ التاريخ من بقية عبارة شيرويه، وشيرويه ممن سمع من الأمير كما يأتي، فالظاهر أنّه يحكي هذا القول عن الأمير نفسه. وفي «تذكرة الحفاظ» [ص ١٢٠٣]: «قال الحافظ ابن عساكر: وزَرَ أبوه للقائم أمير المؤمنين، وولي عمه قضاء القضاة ببغداد وهو الحسين بن علي، قال: ولدت في شهر شعبان سنة إحدى وعشرين».
وهذا محكيّ عن الأمير نفسه، ويظهر أنّ ابن عساكر سمعه من إسماعيل ابن
_________________
(١) ينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥٧٥).
[ ٤١ ]
السمرقندي عن الأمير، ففي «التذكرة» بعد ذلك: «قال ابن عساكر: سمعت إسماعيل ابن السمرقندي يذكر أنّ ابن ماكولا …» ذكر وفاته كما يأتي، وإسماعيل من الرواة عن الأمير، واعتمد هذا القول ابن خلكان قال: «كانت ولادته في عُكْبرا في خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة»، وأحسبه أخذ هذا عن نقل ابن عساكر عن إسماعيل ابن السمرقندي، فإنّ بقية عبارة ابن خلكان هي معنى ما في «التذكرة» عن ابن عساكر عن ابن السمرقندي.
القول الرابع: ما في «معجم الأدباء» في ذكر وفاة الأمير: «وقال ابن الجوزي: في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ومولده بعكبرا في شعبان من سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة» كذا قال، وتبعه الكُتُبي في «فوات الوفيات» [٣/ ١١١] وليس هذا في «المنتظم». ويمكن إهمال هذا القول لولا ما في «تذكرة الحفاظ» أول الترجمة قال: «قال ولدت في شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة».
وقد يُشكّك في الأقوال الثلاثة الأخيرة بما تقدم أنّ من شيوخ الأمير من توفي سنة ٤٣١، وأنّه حكى عن أبيه المتوفى سنة ٤٣٠ في الحبس بعد مكثه فيه سنتين وخمسة أشهر.
ويجاب بما تقدم أنّ الأمير أحب العلم مِنْ الصّبا وعُني به أهله، بدليل ما تراه في رواياته في «تهذيب مستمر الأوهام» قَلَّما يروي عن شيخ بغدادي إلا قال: «قراءة في دارنا» أو «قراءة عليه في دارنا» أو نحو ذلك، فلا يُنكر إسماعه وهو ابن إحدى عشرة أو عشر أو تسع، ولا يُنكر حفظه ضبط اسم سَمِعه من أبيه وهو ابن تسع، أو ثمان أو سبع على أنه لا يُنكَر اجتماعه بأبيه في محبسه، وكان أبوه وزيرًا عربيًّا وجيهًا، وفي حبس قرواش بن المقلد العُقَيلي، وهو مَلِك عربيّ سَرِي، ولم يُعرف لوالد الأمير جُرم كبير، فالظاهر أنّه كان موسَّعًا عليه في محبسه يجتمع به أهله وولده.
[ ٤٢ ]
وبعد، فأرْجَح الأقوال هو الثالث: خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.