أَوّلًا: أَنَّهُ مُخْتَصَرٌ، وَكَمَا سَمَّاهُ مُصَنِّفهُ أَنَّهُ "مُنْتَقَى"، وَقَدْ بَلَغَ عَدَد أَحَادِيْثِهِ نَحْو (١١١٤ حَدِيْثًا).
ثَانِيًا: مَعَ كَوْنِ هَذَا الكِتَاب مُخْتَصَرٌ، فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِكَثِيْرٍ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرِيْعَةِ.
ثَالِثًا: أنَّهُ اقْتَصَر عَلَى أَحَادِيْث الأَحْكَام، وَيُعْتَبرُ مِنْ أَوَائِلِ المُصَنَّفَاتِ المُخْتَصَرَة فِي هَذَا البَابِ، وَمِنَ المَعْلُوْمِ أَهَمِّيَة أَحَادِيْث الأَحْكَام.
وَلِذَا، لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الكِتَابِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالفَضَائِلِ، سِوَاءً كَانَ فَضَائِل الأَعْمَالَ أَوْ الصَّحَابَة وَالقَبَائِل وَالبُلْدَان، وَلا فِي الزُّهْدِ أَوِ التَّفْسِيْرِ، وَلا فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُوْرِ الاعْتِقَادِ، وَمَا شَابَه هَذِهِ الأَبْوَابِ.
_________________
(١) = كَمَا أَنِّي أَتَقَدَّمُ بِالشُّكْرِ لِأَخِي وَحَبِيْبِي الفَاضِلِ الوَفِيّ أَبِي خَالِدٍ وَلِيْدِ بْنِ بَدْرِ الدِّيْنِ الحُبَيْشِيِّ عَلَى مَا قَامَ بِهِ مِنْ جُهْدٍ، وَمُتَابَعَةٍ فِي سَبِيْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا إِنْ دَلَّ فَإِنَّمِا يَدُلَّ عَلَى سُمُوِّ هِمَّتِهِ، وُعُلُّوِّ مَكَارِمِهِ، فَجَزَاهُ الله عَنِّي خَيْرَ الجَزَاء، وَبَارَكَ فِيْهِ وَفِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ ..
[ ٦ ]
وَيُلَاحَظُ: قِلَّة التَّبْوِيْب فِي الثُّلَثِ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ، فَكِتَابُ الزَّكَاةِ سَاقَهُ بِدُوْنِ تَبْوِيْبٍ، وَكَذَا الصِّيَامِ، وَالمَنَاسِكِ، وَأَمَّا فِي البُيُوْعِ فَقَدْ فَصَلَ فِي الأَبْوَابِ بَعْضَ الشَّيءِ، وَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَمْ يَفْصلْ، وَأَمَّا الجِهَادُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَأَطَالَ التَّفْصيْلَ فِي الأَبْوَابِ بَعْضَ الشَّيءِ.
رَابِعًا: أَنَّ الغَالِبَ عَلَى أَحَادِيْثِهِ الصِّحَّةَ، وَالدَّلِيْلُ عَلَى هَذَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الوَجْهُ الأَوَّل: تَسْمِيْةُ الكِتَاب، فَاسْمُهُ "المُنْتَقَى" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ الجَارُوْدِ قَدِ انْتَقَاهُ مِنْ أَحَادِيْثَ كَثِيْرَة، فَلَيْسَ كُلُّ حَدِيْثٍ يَذْكُرْهُ فِيْهِ، بَلْ لَهُ شَرْطٌ فِي ذَلِكَ.
الوَجَهُ الثَّانِي: أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ العِلْمِ قَدْ وَصَفَ أَحَادِيْثَهُ بِالصِّحَّةِ وَالقُوَّةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: "سَمَّاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِ وَغَيْرُهُ صَحِيْحًا" (^١).
وَقَالَ الذَّهَبِي: "لا يَنْزِلُ فِيْهِ عَنْ رُتْبَةِ الحَسَنِ أَبدًا إِلَّا فِي النَّادِرِ، فِي أَحَادِيْثَ يَخْتَلِفُ فِيْهَا اجْتِهَادُ النُّقَادِ" (^٢).
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي: "وَهُوَ نَظِيْفُ الأَسَانِيْدِ" (^٣).
الوَجْهُ الثَّالِث: أَنَّ مَنْ تَتَبَّعَ أَحَادِيْث الكِتَاب يَظْهَرُ لَهُ هَذَا، وَأَنَّ الأَحَادِيْثَ الضَّعِيْفَة فِيْهِ قَلِيْلَةٌ، وَفِيْهِ أَحَادِيْث مَعْلَوْلَة.
_________________
(١) "إِتْحَافُ المَهَرَة" (١/ ١٥٩).
(٢) "سِيَرُ أَعْلام النُّبَلاء" (١٤/ ٢٣٩).
(٣) "الطَّبَقَاتُ" (٢/ ٤٦٩).
[ ٧ ]