فَمِنْهَا حَدِيْثُ (رقم: ٤٠): عَنْ عُتْبةَ بْنِ أَبِي حَكِيْمٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوْ أَيُّوْبَ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّوْنَ ﵃ … فِي نُزُوْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التَّوْبَةُ: ١٠٨].
عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيْمٍ فِيهِ ضَعْفٌ.
وَمِنْهَا حَدِيْث (رقم: ١٨٦): عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُوْنَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ … حَدِيْث "لَا صَلاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ القُرْآنِ فَمَا زَادَ".
جَعْفَرُ بْنُ مَيْمُوْنَ فِيْهِ ضَعْفٌ.
وَمِنْهَا حَدِيْثُ (رقم: ١٨٩): عَنْ إِبْرَاهِيْمَ السَّكْسَكِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُوْلَ الله، عَلِّمْنِي شَيْئًا يُجْزِيْنِي عَنِ القُرْآنِ". الحَدِيْثَ.
إِبْرَاهِيْمُ السَّكْسَكِيُّ فِيْهِ ضَعْفٌ.
هَذِهِ أَمْثِلَةٌ، وَالخُلَاصَةُ أَنَّ الغَالِبَ عَلَى أَحَادِيْثَ الكِتَاب الصِّحَّة.
_________________
(١) (٣/ ١١٣).
(٢) "السُّنَنُ الكُبْرَى" (٩/ ١٧٤)، "التَّمْهِيْدُ" لابْنِ عَبْدِ البَرِ (٢/ ٢١).
[ ١٤ ]
الوَجْهُ الرَّابِع: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ الأَسَانِيْدَ النَّظِيْفَةَ وَالقَوِيَّةَ؛ أَنَّهُ يَسُوْقُ -فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ- أَدِلَّةً وَقَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الخَبَرِ الَّذِي خَرَّجَهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيْث (رَقم: ٦٣١، ٦٣٢، ٦٣٣): بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ مِنْ طُرِقٍ عَنْ إِسْمَاعِيْلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوْسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً فَأَدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ أَفْلَسَ وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهِي لَهُ، فَإِنْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَمَا بَقِي فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ".
قَالَ ابْنُ الجَارُوْدِ: وَقَالَ ابْنُ يَحْيَى -قُلْتُ: يَعْنِي: مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الذُّهْلِيَّ-: "رَوَاهُ مَالِكٌ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَيُوْنُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُطْلَقٌ، -يَعْنِي مُرْسَلٌ- عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، وَهُمْ أَوْلَى بِالحَدِيْثِ، يَعْنِي: مِنْ طَرِيْقِ الزُّهْرِيِّ".
فَبَيَّنَ هُنَا أَنَّ الصَّوَابَ فِي الإِسْنَادِ الإِرْسَال عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَإِسْمَاعِيْلُ بْنُ عَيَّاشٍ رِوَايَتُهُ عَنِ الحِجَازِيِّيْن ضَعِيْفَةٌ.
قُلْتُ: وَلِذَا قَالَ أَبُوْ دَاوُدَ: "حَدِيْثُ مَالِكٌ أَصَحُّ". يَعْنِي: المُرْسَلَ.
وَتَقْيِيْدُ ذَلِكَ بِالزُّهْرِيِّ -أَي: إِرْسَال الحَدِيْث- مِنْ قِبَلِ ابْنِ الجَارُوْدِ مُهِمٌّ، أَرَادَ أَنْ يُبَيّنَ أَنَّ الحَدِيْثَ قَدْ صَحَّ مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيْقِ، وَقَدْ سَاقَهُ قَبْلَ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيْلَ بْنِ عَيَّاشٍ (برقم: ٦٣٠)، مِنْ طَرِيْقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
ثُمَّ سَاقَهُ ابْنُ الجَارُوْدِ -أَيْضًا- بَعْدَ حَدِيْثِ إِسمَاعِيْلَ بْنِ عَيَّاشٍ -مِنْ طَرِيْقٍ
[ ١٥ ]
آخَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَكَأَنَّهُ يُرِيْدُ أَنْ يُؤَكِّدَ صِحَّةَ الحَدِيْث.
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيْثُ (رقم: ٤٢٠): حَدِيْثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ عِنْدَمَا أَرَادَتِ الحَجَّ، فَقَالَ لَهَا ﷺ: "حُجِّي وَاشْتَرِطِيِّ".
فَقَدْ نَقَلَ عَنِ الذُّهْلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "حَدِيْثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عِنْدَنَا مَحْفُوْظٌ فِي قِصَّةِ ضُبَاعَةَ ﵂، مُحْتَّجٌ بِهِ لِمَنْ أَرَادَ الشَّرْطَ فِي الحَجِّ".
وَقَدْ سَاقَهُ ابْنُ الجَارُوْدِ عَنِ الذُّهْلِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيْثُ (رقم: ١٨٦): رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ يَحْيَى القَطَّانِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُوْنَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: "جَعْفَرٌ هَذَا رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَعِيْسَى بْنُ يُوْنُسَ".
قُلْتُ: كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقَوِّيَ جَعْفَرَ بْنَ مَيْمُوْنَ أَوْ يُبَيِّنَ قُوَّته، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ تُكُلِّمَ فِي جَعْفَرٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيْثُ (رقم: ٧٤٥): سَاقَهُ مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ لِهَيْعَةَ مَقْرُوْنًا بِـ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، وَعَمْرُو بْنُ الحَارِثِ ثِقَةٌ مَشْهُوْرٌ، وَابْنُ لِهَيْعَةَ مُتَكَلَّمٌ فِيْهِ، وَهَذَا مَا دَعَاهُ أَنْ يُقْرِنَهُ بِـ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، وَلَا يَكْتَفِي بِابْنِ لِهَيْعَةَ.
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيْثُ أَبِي مُوْسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ".
رَوَاهُ أَبُوْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبي مُوْسَى ﵁، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ: فَبَعْضُهُمْ رَوَاهُ هَكَذَا مَوْصُوْلًا، وَبَعْضُهُمْ أَرْسَلَهُ. وَلِذَا عِنْدَمَا سَاقَهُ ابْنُ الجَارُوْدِ (برقم: ٧٠١ - ٧٠٤) أكَّدَ أَنَّ الوَصْلَ مَحْفُوْظٌ، فَسَاقَهُ مِنْ طَرِيْقِ يُوْنُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَإِسْرَائِيْلَ، وَزُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي
[ ١٦ ]
إِسْحَاقَ مَوْصُوْلًا.
ثُمَّ قَالَ: "وَقَدْ وَصَلَهُ شَرِيْكٌ أَيْضًا وَأَسْنَدَهُ".
كُلُّ هَذَا تَأْكِيْدٌ عَلَى أَنَّ الوَصْلَ مَحْفُوْظٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيْثُ (رقم: ١٠٨، ١٠٩): سَاقَهُ مِنْ طَرِيْقِ وَهْبِ بْنِ جَرِيْرٍ، وَسَعِيْدِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيْدِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ حَائِضًا، قَالَ: "يَتَصَدَّقُ بِدِيْنَارٍ، أَوْ بِنِصْفِ دِيْنَارٍ".
قُلْتُ: قَدْ كَانَ شُعْبةُ يَرْفَعُ هَذَا الحَدِيْث، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَفَهُ، فَبَيَّنَ ابْنُ الجَارُوْدِ ذَلِكَ، فَسَاقَ مِنْ طَرِيْقِ سَعِيْدِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: "وزَعَمَ فُلانٌ وَفُلَانٌ أَنَّ الحَكَم كَانَ لَا يرفعُهُ، فَقِيْلَ لِشُعْبَةَ: حَدِّثْنَا بِمَا سَمِعْتَ وَدع قَوْلَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي أن أُعَمَّرَ فِي الدُّنْيَا عُمُرَ نُوْحٍ، وَأَنِّي تَحَدَّثْتُ بِهَذَا أَوْ سَكَتُّ عَنْ هَذَا".
ثم ساقه ابن الجارود (برقم: ١١٠) من طريق ابن مهدي، عن شعبة ولم يرفعه. فقال رجلٌ لشعبة: إنَّكَ كنتَ ترفَعهُ، قال: كُنْتُ مَجْنُوْنًا فَصَحَحْتُ.
قلْتُ: ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيْقٍ عَنْ غَيْرِ شُعْبَةَ مَرْفُوْعًا.
فَبَيَّنَ ابْنُ الجَارُوْدِ أَنَّ شُعْبَةَ رَجَعَ عَنِ الرَّفْعِ.
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيْثُ (رقم: ٦٢٦): سَاقَهُ مِنْ طَرِيْقِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ عَائِشَة ﵂ ..
قُلْتُ: مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ هُوَ الزِّنْجِيُّ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
وَلَعَلَّهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَاقَهُ مَرَّةً ثَانِيَةُ مِنْ طَرِيْقٍ آخَر (برقم: ٦٢٧)، عَنِ
[ ١٧ ]
القَطَّانِ، عَنِ ابْنِ أبي ذِئْبٍ، عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ، عَنْ عُرْوَةَ بِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيْثُ (رقم: ٦٠٩): قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: نَهَى رَسُوْلُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ الحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِيْئَةً". وَهَذَا مُرْسَلٌ.
ثُمَّ سَاقَهُ (برقم: ٦١٠)، مِنْ طَرِيْقٍ آخَر عَنْ مَعْمَرٍ مَوْصُوْلًا.
ثُمَّ سَاقَ حَدِيْثًا آخَر (برقم: ٦١١)، مِنْ حَدِيْثِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ -رَفَعَهُ- بِنَفْسِ المَتْنِ.
ثُمَّ سَاقَ حَدِيْثًا (برقم: ٦١٢)، مِنْ طَرِيْقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ صَفِيَّةَ ﵂ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ الكَلْبِي، فَاشْتَرَاهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ.
ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيْقِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدِيْنِ.
قُلْتُ: حَدِيْثُ أَنَسٍ، وَحَدِيْثُ جَابِرٍ حَدِيْثَان صَحِيْحَان، وَقَدْ خَرَّجَهُمَا مُسْلِمٌ أَيْضًا.
فكأَنَّهُ يُرِيْدُ ضَعْفَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الأَحَادِيْثِ، خَاصَّةً حَدِيْث ابْنِ عَبَّاسٍ سَاقَهُ مُرْسَلًا وَمَوْصُولًا، فَبَيَّنَ الاخْتِلَافَ الَّذِي وَقَعَ فِيْهِ.
أَوْ يُرِيْدُ أَنْ يُبَيَّنَ أَنَّ الصَّحِيْحَ مِنَ النَّاحِيَةِ الفِقْهِيَّةِ هُوَ جَوَازُ ذَلِكَ (^١)، كَمَا فَعَلَ
_________________
(١) وهذا من فقه المصنف. والكتاب فيه لفتات فقهية، ولذا في حديث (برقم: ٤١٦) ساق حديث ابن عمر وفيه الأمر بقطع الخفين لمن لم يجد النعلين، وذلك في الإحرام، وساق بعده حديث ابن =
[ ١٨ ]
البُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ "الصَّحِيْحِ"، فَقَدْ بَوَّبَ عَلَى جَوَازِ هَذَا الشَّيءِ.
وَالكِتَابُ يَحْتَاجُ إِلَي زِيَادَةِ تَتَبُّعٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ بِشَكْلٍ أَوْضَحٍ مَنْهَج ابْنِ الجَارُوْدِ مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَةُ الحَدِيْثِيَّةِ، وَإِذَا ضُمَّ إِلَى هَذَا مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ تَضْعِيْفٍ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ فِي كِتَابِهِ "الضُّعَفَاءِ"، فَسَوْفَ يَكُوْنُ مَنْهَجُهُ أَكْثَرَ وُضُوْحًا.
وَقَدْ يَسَّرَ اللهُ تَعَالَى أَنْ شَرَعْتُ فِي شَرْحِ هَذَا الكِتَابِ (^١)، وَكَانَ ذَلِكَ فِي (٨/ ٦/ ١٤٢٣)، وَتَكَلَّمْتُ عَنْ مَنْهَجِ ابْنِ الجَارُوْدِ فِي كِتَابِهِ، وَعَنْ مَا يَتَعَلَّقُ بِرِجَالِهِ، وَكَانَتْ لِي نِيَّةٌ أَنْ أُصَنِّفَ كِتَابًا فِي رِجَالِهِ، أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُيَسِّرَ ذَلِكَ.
وَهَذَا الكِتَابُ الَّذِي أُقدِّمُ لَهُ، هُوَ فِي رِجَالِ "مُنْتَقَى" ابْنِ الجَارُوْدِ مِمَّنْ لَمْ يُتَرْجَمْ لهُمْ فِي "التَّهْذِيْبِ"، وَهُوَ ضِمْنُ مَشْرُوْعٍ هُوَ "إِتْحَافُ البَرَرَه بِتَرَاجِمِ مَنْ لَيْسَ فِي التَّهْذِيْبِ مِنْ رِجَالِ كُتُبِ إِتْحَافِ المَهَرَه"، وَهُوَ عَمَلُّ فِي غَايَةٍ مِنَ الأَهَمِّيَّةِ؛ لِأَنَّ فَائِدَتَهُ عَظِيْمَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَمِنَ المَعْلُوْمِ أَنَّ عِلْمَ الرِّجَالِ مِنْ أَهَمِّ عُلُوْمِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فِيْهِ يُعْرَفُ الصَّحِيْحُ مِنَ الضَّعِيْفِ، وَالمَحْفُوْظُ مِنَ المَعْلُوْلِ، وَالقَوِيُّ مِنَ السَّقِيْمِ، وَتَعَلُّمُهُ مِنْ فُرُوْضِ الكِفَايَاتِ الَّتِي تَجِبُ عَلَى الأَمَّةِ.
أَخْرَجَ أَبُوْ مُحَمَّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ فِي كِتَابِهِ "المُحَدِّثِ الفَاصِلِ" (^٢)، وَأَبُوْ بَكْرٍ
_________________
(١) = عباس في نفس المسألة وليس فيه الأمر بقطع الخفين. قال: "لا أدري أي الحديثين نسخ الآخر".
(٢) هُوَ شَرْحٌ صَوْتِيٌّ، وَلَمْ يُتِّمْ، يَسَّرَ الله تَعَالَى إِتْمَامَهُ.
(٣) (ص: ٣٢٠).
[ ١٩ ]
الخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ فِي "الجَامِعِ" (^١) كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيْقِ أبي عَبْدِ الله البُخَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ المَدِيْنِيَّ يَقُوْلُ: "التَّفَقُهُ فِي مُعَادِ (^٢) الحَدِيْثِ نِصْفُ العِلْمِ، وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ".
وَمَعْنَى كَلَامُ ابْنِ المَدِيْنِيِّ: -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: أَنَّ النُّصُوْصَ الشَّرْعِيَّةَ نُقِلَتْ إِلَيْنَا بِوَاسِطَةِ الرِّجَالِ، وَلَا يُمْكِنُ العَمْلُ بِأَيِّ نَصٍ حَتَّى تُعْرَفُ ثِقَةَ النَّاقِل، فَعَلَى هَذَا تَكُوْنُ مَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ، وَالنِّصْفُ الآخَرِ هُوَ مُتُوْنُ النُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ المَنْقُوْلَةُ إِلَيْنَا بِالأَسَانِيْدِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مُقَدِّمَةِ "الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ" (^٣): "فَلَمَّا لَمْ نَجِدْ سَبِيْلًا إِلَى مَعْرِفَةِ شَيءٍ مِنْ مَعَانِي كِتَابِ الله، وَلَا مِنْ سُنَنِ رَسُوْلِ الله ﷺ إِلَّا مِنْ جَهَةِ النَّقْلِ وَالرِّوَايَةِ وَجَبَ أَنْ نُميَّزَ بَيْنَ عُدُوْلِ النَّاقَلَةِ وَالرُّوَاةِ وَثقَاتِهِمْ، وَأَهْلِ الحِفْظِ وَالتَّثَبْتِ وَالإِتْقَانِ مِنْهُم، وَبَيْنَ أَهْلِ الغَفَلْةِ وَالوَهْمِ، وَسُوْءِ الحِفْظِ، وَالكَذِبِ، وَاخْتِرَاعِ الأَحَادِيْثِ الكَاذِبَةِ".
وَلِأَجْلِ هَذَهِ الأَهَمِّيَّةِ لِعِلْمِ الرِّجَالِ، اهْتَمَّ أَهْلُ العِلْمِ بِذَلِكَ، وَأَلَّفُوا فِيْهِ المُؤَلَّفَاتِ الكَثِيْرَة، كَمَا هُوَ مَعْلَوُمٌ.
أَقُوْلُ: اطَّلَعْتُ عَلَى كِتَابِ الأَخِ أَبِي الطِّيِّبِ نَايِفِ بْنِ صَلَاحِ المَنْصُوْرِيّ المُسَمَّى "تَيْسِيْرُ الوَدُوْد بِتَرَاجِمِ رِجَالِ مُنْتَقَى ابْنِ الجَارُوْد"، وَهُوَ كِتَابٌ مُفِيْدٌ،
_________________
(١) (٢/ ٢١١).
(٢) مِنَ الإِعَادَةِ: وَهِي تَكْرَارُ الحَدِيْث. قُلْتُ: كَذَا فِي "الجَامِعِ"، وَفِي "المُحَدِّثِ الفَاصِلِ": "مَعَانِي الحَدِيْث". أَبُوْ الطَّيِّبِ.
(٣) (١/ ٥).
[ ٢٠ ]
وَقَدْ حَرَصَ مُؤَلِفُهُ -وَفَّقَهُ الله تَعَالَى- عَلَى التَّوْثِيْقِ وَالتَّحْقِيْقِ، وَالرُّجُوْعِ لِلْمَصَادِرِ الأَصْلِيَّةِ، وَاتَّبَعَ فِيْهِ طَرِيْقَةَ المِزِّيِّ فِي مُحَاوَلَةِ تَقَصِّي شُيُوْخِ الرَّاوِي وَتَلَامِيَذِهِ، وَجَعَلَ لهُمْ رُقُوْمًا يُعْرَفُ بِهَا فِي أَيِّ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ "إِتْحَافِ المَهَرَةِ" وَقَعْتْ رِوَايَتُهُ عَنْ ذَلِكَ الاسْمِ المَرْقُوْمِ عَلَيْهِ، وَرِوَايَةُ ذَلِكَ الاسْمِ المَرْقُوْمِ عَلَيْهِ عَنْهُ، وَهَكَذَا فِي مِيْزَاتٍ عِدَّةٍ لِهَذَا الكِتَابِ، وَيَلُوْحُ لِقَارِئِ الكِتَاب الجَهْدُ الكَبِيْرُ الَّذِي بَذَلَهُ فِيْهِ، فَجَزَاهُ اللهُ خَيْرًا وَنَفَعَ بِهِ وَبِمَا كَتَبَ.
إِلَّا أَنِّي أُنَبِّهُ عَلَى مَسْأَلَةٍ -أُحِبُّ أَنَّ المُؤَلِّفَ تَطَرَّقَ إِلَيْهَا- وَهِي أَنَّ ابْنَ الجَارُوْدِ كَانَ قَدْ أَخْرَجَ لِرِجَالٍ ضُعَفَاء، وَلِبَعْضِ المَجْهُوْلِيْن فِي كِتَابِهِ، فَمَا سَببُ تَخْرِيْجِ ابْنِ الجَارُوْدِ لَهُمْ (^١)؟.
وَالجَوَابُ عَنْ هَذَا:
أَوَّلًا: أَنَّ ابْنَ الجَارُوْدِ لَمْ يَشْتَرِطْ الصِّحَّةَ، وَإِنَّمَا سَمَّى كِتَابَهُ "مُنْتَقَى".
ثَانِيًا: أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ قَدْ يَتَسَاهَلُوْنَ فِي الاحْتِجَاجِ بِبَعْضِ الأَحَادِيْثِ الَّتِي فِيْهَا ضَعْفٌ، كَمَا يُعْلَمُ هَذَا مِنْ تَتَبُّعِ مَنَاهِجِهِمْ.
قَالَ أَبُوْ دَاوُدَ: "وَمَا كَانَ فِي كِتَابِي مِنْ حَدِيْثٍ فِيْهِ وَهْنٌ شَدِيْدٌ فَقَدْ بَيَّنْتُهُ، وَمِنْهُ مَا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ، وَمَا لَمْ أَذْكُرْ فِيْهِ شَيْئًا فَهُوَ صَالِحٌ، وَبَعْضُهَا أَصَحُّ مِنْ بَعْضٍ" (^٢).
فَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ: (صَالِحٌ) أَيّ: صَالِحٌ للاحْتِجَاجِ.
_________________
(١) أَقُوْلَ: لَمْ أَتَطَرَّقْ لَهَا لِأَنَّهَا خَارِجُ عَمَلِيِّ، وَاللهُ المُسْتَعَان. أَبُوْ الطَّيِّبِ.
(٢) "رِسَالَةُ أَبِي دَاوُدَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ" (ص/ ٢٧ - ٢٨).
[ ٢١ ]
وَقَالَ أَبُوْ عِيْسَى التِّرْمِذِيُّ: "جَمِيْعُ مَا فِي هَذَا الكِتَابِ مِنَ الحَدِيْثِ فَهُوَ مَعْمُوْلٌ بِهِ، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مَا خَلَا حَدِيْثَيْنِ" (^١).
وَالبَعْضُ الآخَر مِنْ أَهْلِ العِلْمِ لَا يَرَى العَمْل إِلَّا بِالحَدِيْثِ الصَّحِيْحِ.
وَالمَسْأَلَةُ تَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ أَكْثَرَ، وَقَدْ تَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا المَوْضِعِ.
وَكُنْتُ -أَيْضًا- أُحِبُّ مِنَ المُؤَلِّفِ أَنْ يَجْمَعَ كُلَّ رِجَال ابْنِ الجَارُوْدِ الَّذِيْنَ خَرَّجَ لَهُمْ فِي "المُنْتَقَى"، وَيُرَتّبَهُمْ عَلَى حُرُوْفِ المُعْجَمِ، فَمَنْ كَانَ قَدْ تُرْجِمَ لَهُ فِي "التَّهْذِيْبِ" يُحِيْلُ عَلَى تَرْجَمَتِهِ فِي هَذَا الكِتَابِ، وَمَنْ لَمْ يُتَرْجَمْ لَهُ فِي "التَّهْذِيْبِ" يُبَيِّنُ تَرْجَمَتَهُ كَمَا فَعَلَ (^٢).
وَبِالله التَّوْفِيْقَ، وَاللهُ أَعْلَم، وَصَلَّى الله وَسَلَّم عَلَى عَبْدِ الله وَرَسُوْلِهِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.
وَكَتَبَ أَبُوْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِ
١٢/ ١٠/ ١٤٣٤ هـ
_________________
(١) "العِلَلُ الصَّغِيْر" -ابْن رَجَبٍ- (١/ ٤).
(٢) أَقُوْلُ: قَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَةَ نَظَرِي فِي عَدَمِ التَّرْجَمَةِ لِمَنْ قُدْ تُرْجِمَ لَهُ فِي "التَّهْذِيْبِ" فِي مُقَدِّمَةِ الكِتَابِ، وَأَنَّ ذَلِكَ تَحْصِيْل حَاصِل، وَثَانِيًا: مِنَ المَعْلُوْمِ أَنَّ كِتَابِي هَذَا هُوَ أَحَدُ كُتُبِ المَجْمُوْعَةِ الثَّانِيَة: "إِتْحَافُ البَرَرَه بِتَرَاجِمِ مَنْ لَيْسَ فِي التَّهْذِيْبِ مِنْ رِجَالِ كُتُبِ "إِتْحَاف المَهَرَة"، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ نَفْسُهُ -حَفِظَهُ الله تَعَالَى- فِي ثَنَايَا مُقَدِّمَتِهِ هَذِهِ -جَزَاهُ اللهُ خَيْرُا- وَبِاللهِ التَّوْفِيْق. أَبُوْ الطِّيِّبِ.
[ ٢٢ ]