بسم الله الرحمن الرحيم
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
الحمد لله القديم الذي لم يزل قبل كل شيء أولا الرحيم الذي ما برح لعباده المؤمنين ملاذا وموئلا الكريم إذ جعل لهم من لدنه سندا إلى جنابه موصلا وأبقى حديثهم الحسن بالأعمال الصحيحة عاليا في الملا ووصل منقطعهم بمزيد لطفه فأزال مبهما وكشف معضلا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا منعما مفضلا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من جاء عن ربه مرسلا وأكمل من قام بالحق حتى أمسى جانب الضلال متروكا مهملا الذي خصه بأوضح المعجزات كتابا منزلا وأبان به من أنواع الهداية ما كان مجملا صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين تبوأوا الإيمان منزلا وأعذبوا بنقلهم لمن جاء بعدهم من شريعته منهلا
أما بعد فإن الله سبحانه فضل هذه الأمة فشرف الإسناد وخصها باتصاله دون من سلف من العباد وأقام لذلك في كل عصر من الأئمة الأفراد والجهابذة النقاد من بذل جهده في ضبطه وأحسن الاجتهاد وطلب الوصول إلى غوامض علله فظفر بنيل المراد وذلك من معجزات نبينا ﷺ التي أخبر بوقوعها ودعا لمن قام بهذه الخصيصة وكرع في ينبوعها فقال ﷺ يسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم رواه أبو داود في سننه الجامع
[ ٢١ ]
وقال ﷺ نضر الله امرءا سمع مقالتي فأداها إلى من لم يسمعها فرب مبلغ أوعى من سامع
فباتصال الإسناد عرف الصحيح من السقيم وصان الله هذه الشريعة عن قول كل أفاك أثيم فلذلك كان الإرسال في الحديث علة يترك بها ويتوقف عن الاحتجاج به بسببه لما في إبهام المروي عنه من الغرر والاحتجاج المبني على الخطر وقد اختلف العلماء قديما وحديثا فيه وكثرت أقوالهم وتباينت آراؤهم وتعارضت أفعالهم فاستخرت الله تعالى وعلقت هذا الكتاب لبيان ذلك وإيضاح ما هو إلى الصواب أقوم المسالك جامعا فيه بين طريقة أهل الحديث وأئمة الأصول والفقهاء الذين في الرجوع إليهم أنفس حصول ذاكرا من المنقول ما أمكن الوصول إليه ومن المباحث النظرية ما يعول عند التحقيق عليه مميزا في ذلك الفث من السمين مبينا ما هو الضعيف من المتين مؤديا في جميعه حق النصيحة الواجبة علي نازعا رداء التعصب حسب الجهد والطاقة عن منكبي وإلى الله تعالى أرغب في الهداية لى الصواب والنفع به عاجلا ويوم المآب وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وسببا لنيل النعيم وسميته جامع التحصيل في أحكام المراسيل ورتبته على ستة أبواب الباب الأول في تحقيق الحديث المرسل وبيان حده الباب الثاني في ذكر مذاهب العلماء فيه الباب الثالث في الاحتجاج لكل قول وبيان الراجح من ذلك الباب الرابع في فروع وفوائد غزيرة يترتب بها ما تقدم الباب الخامس في بيان المراسيل الخفي إرسالها في أثناء السند الباب السادس في معجم الرواة المحكوم على روايتهم بالإرسال
وبالله تعالى استعين لما قصدت وأسأله التوفيق والإعانة فيما أردت فهو حسبنا ونعم الوكيل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
[ ٢٢ ]