وما زالت الولاة بالأندلس أيام بنى أمية تليها من قبلهم ومن قبل من يقيمونه بالقيروان أو بمصر؛ فلما اضطرب أمر بنى أمية في سنة ست وعشرين ومائة بقتل الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، واشتغلوا عن مراعاة أقاصى البلاد، وقع الاضطراب بإفريقية، والاختلاف بالأندلس أيضًا من القبائل، ثم اتفقوا بالأندلس على تقديم قرشى يجمع الكلمة إلى أن تستقر الأمور بالشام لمن يخاطب، ففعلوا، وقدموا يوسف ابن عبد الرحمن الفهرى أميرا، فسكنت به الأمور، واتفقت عليه القلوب، واتصلت إمارته إلى سنة ثمان وثلاثين بعد ذهاب دولة بني أمية بست سنين؛ وكان ذهاب دولتهم جملة بقتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم في بعض نواحى الفيوم من أعمال مصر، في آخر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة بعد بيعة أبي العباس السفاح بتسعة أشهر.
وكان ممن هرب إلى الأندلس من بني أمية عبد الرحمن بن معاوية، ونحن نذكر تاريخ وصوله إليها، وسبب ولايته عليها ومن وليها بعده من أولاده وغيرهم، إلى آخر ما عندنا، ثم نذكر ما بعد ذلك على ما شرطناه إن شاء الله، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله تعالى وجل.
أول أمراء بنى أمية بالأندلس عبد الرحمن، بن معاوية بن هشام، بن عبد الملك، بن مروان، يكنى أبا المطرف، مولده بالشام سنة ثلاث عشرة ومائة، وأمه أم ولد اسمها راح؛ هرب لما ظهرت دولة بنى
[ ١ / ٨ ]
العباس، ولم يزل مستترًا إلى أن دخل الأندلس سنة ثمان وثلاثين ومائة في زمن أبي جعفر المنصور، فقامت معه اليمانية، وحارب يوسف ابن عبد الرحمن بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري الوالي على الأندلس فهزمه، واستولى عبد الرحمن على قرطبة يوم الأضحى من العام المذكور، فاتصلت ولايته إلى أن مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. كذا قال لنا أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الفقيه: يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبيدة. ورأيت في غير موضع يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبدة، فالله أعلم.
وكان عبد الرحمن بن معاوية من أهل العلم، وعلى سيرة جميلة من العدل. ومن قضاته: معاوية بن طليح الحضرمى الحمصى. وله أدب وشعر.
ومما أنشدونا له يتشوق إلى معاهده بالشام قوله:
أيها الراكب الميمم أرضى أقر من بعضى السلام لبعضى
إن جسمي، كما علمت، بأرض وفؤادى ومالكيه بأرض
قدر البين بيننا فافترقنا وطوى البين عن جفوتى غمضى
قد قضى الله بالفراق علينا فعسى باجتماعنا سوف يقضى
[ ١ / ٩ ]
؟ ولاية الأمير هشام بن عبد الرحمن ثم ولى بعد عبد الرحمن ابنه هشام، يكنى أبا الوليد، وسنه حينئذ ثلاثون سنة، فاتصلت ولايته سبعة أعوام إلى أن مات في صفر سنة ثمانين ومائة؛ وكان حسن السيرة متحيزًا للعدل، يعود المرضى ويشهد الجنائز، أمه حوراء.