وقالوا قد هجاك فقلت كلب عوى جهلا إلى ليث العرين
محمد بن أبي الحسين، رئيس جليل، عالم باللغة والأدب؛ كان في أيام الحكم المستنصر بالله ابتدأ بالعلم عنده. أخبرني أبو محمد علي بن أحمد، قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الحسين، قال: وجدت بخط أبي، قال: أمرنا الحكم المستنصر بالله ﵀، بمقابلة كتاب العين للخليل بن أحمد مع أبي على إسماعيل بن القاسم البغداذي، وابني سعيد في دار الملك التي بقصر قرطبة: وأحضر من الكتاب نسخًا كثيرة في جملتها نسخة القاضي منذر بن سعيد التي رواها بمصر عن ابن ولاد، فمر لنا صدر من الكتاب بالمقابلة، فدخل علينا الحكم في بعض الأيام، فسألنا عن النسخ، فقلنا نحن: أما نسخة القاضي التي كتبها بخطه فهي أشد النسخ تصحيفا، وخطأ، وتبديلا، فسألنا عما نذكره من ذلك، فأنشدناه أبياتًا مكسورة، وأسمعناه ألفاظًا مصحفة، ولغات مبدلة، فعجب من ذلك، وسأل أبا علي فقال له نحو ذلك، واتصل المجلس بالقاضي، فكتب إلى الحكم المستنصر رقعة وفيها:
جزى الله الخليل الخير عنا بأفضل ما جزى فهو المجازى
وما خطا الخليل سوى المغيلى وعضروطين في ربض الطراز
فصار القوم زرية كل زار وسخريًا وهزأة كل هاز
فلما دخلنا على المستنصر قال لنا: أما القاضي فقد هجاكم، وناولنا الرقعة بخط يد
[ ١ / ٥١ ]
القاضي، وكانت تحت شيء بين يديه، فقرأناها، وقلنا يا مولانا: نجل مجلسك الكريم عن انتقاص أحد فيه، لا سيما مثل القاضي في سنه ومنصبه، وإن أحب مولانا أن يقف على حقيقة ما أدركناه، فليحضره، وليحضر الأستاذ أبا علي، ثم نتكلم على كل كلمة أدركناها عليه؛ فقال: قد ابتدأ كما والبادى أظلم، وليس على من انتصر لوم، قال أبي: فمددت يدي إلى الدواة وكتبت بيد يديه:
هلم فقد دعوت إلى البراز وقد ناجزت قرنًا ذا نجاز
ولا تمش الضراء فقد أثرت ال أسود الغلب تخطر باحتفاز
وأصحر للقاء تكن صريعًا لماضى الحد مصقول جراز
رويت عن الخليل الوهم جهرًا لجهل بالكلام وبالمجاز
دعوت له بخير ثم أنحت يداك على مفاخره العزاز
تهدمها وتجعل ما علاها أسافلها ستجزيك الجوازي
جزى الله الإمام العدل عنا جزاء الخير فهو له مجازى
به وريت زناد العلم قدمًا وشرف طالبيه باعتزاز
وجلى عن كتاب العين دجنًا واظلامًا بنور ذي امتياز
بأستاذ اللغات أبي علي وأحداث بناحية الطراز
بهم صح الكتاب وصيروه من التصحيف في ظل احتراز
وأسقطنا نحن منها أبياتًا تجاوز الحد فيها.
قال: ثم أنشدتها المستنصر بالله فضحك وقال: قد انتصرت وزدت، وأمر بها فختمت، ثم وجه بها إلى القاضي، فلم يسمع له بعد ذلك كلمة.