محمد بن جهور بن عبيد الله بن أبي عبدة، أبو الوليد الوزير، من أهل الأدب والشعر، ومن بيت جلالة ووزارة، ذكره أبو محمد علي بن أحمد وغيره.
ومن شعره:
أبلغت في حبك أسماعي فصرت لا أصغي إلى الداعي
من صمم أورثنيه الأسى وحرقة تشعل أوجاعي
كلفتني الصبر وأني به وكيف بالصبر لمرتاع
جزعت في الحب على أنني في الخطب جلد غير مجزاع
محمد بن الحسن الزبيدي النحوي أبو بكر، من الأئمة في اللغة والعربية ألف في النحو كتابا سماه الواضح، واختصر كتاب العين اختصارًا حسنًا، وجمع في الأبنية، وفي لحن العامة، وفي أخبار النحويين، كتبًا مشهورة، وفي غير نوع من الأدب؛ وكان شاعرًا كثير الشعر. أخبرنا أبو عمر يوسف بن عبد البر قال: كتب أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي النحوي إلى أبي مسلم بن فهد:
أبا مسلم إن الفتى بجنانه ومقوله لا بالمراكب واللبس
وليس ثياب المرء تغنى قلامة إذا كان مقصورًا على قصر النفس
وليس يفيد العلم والحلم والحجا أبا مسلم طول القعود على الكرسي
وقال لي أبو محمد علي بن أحمد: كتب الوزير أبو الحسن جعفر بن عثمان المصحفي إلى صاحب الشرطة أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي اللغوي، كتابًا فيه: فاضت نفسه بالضاد، فجاوبه الزبيدي بمنظوم بين له فيه الخطأ دون تصريح وهو:
قل للوزير السني محتده لي ذمة منك أنت حافظها
[ ١ / ٤٦ ]
عناية بالعلوم مفخرة قد بهظ الأولين باهظها
يقر لي عمرها ومعمرها فيها ونظامها وجاحظها
قد كان حقًا قبول حرمتها لكن صرف الزمان لافظها
وفي خطوب الزمان لي عظة لو كان يثنى النفوس واعظها
إن لم تحافظ عصابة نسبت إليك قدمًا فمن يحافظها
لا تدعن حاجتي مطرحة فإن نفسي قد فاظ فائظها
فأجابه المصحفي:
خفض فواقًا فأنت أوحدها علمًا ونقابها وحافظها
كيف تضيع العلوم في بلد أبناؤه كلهم يحافظها
ألفاظهم كلها معطلة ما لم يعول عليك لافظها
من ذا يساويك إن نطقت وقد أقر بالعجز عنك جاحظها
علم ثنى العالمين عنك كما ثنى عن الشمس من يلاحظها
وقد أتتني فديت شاغلة للنف س أن قلت: فاظ فائظها
فأوضحنها، تفز بنادرة قد بهظ الأولين باهظها
فأجابه الزبيدي، وضمن شعره الشاهد على ذلك:
أتاني كتاب من كريم مكرم فنفس عن نفس تكاد تفيظ
فسر جميع الأولياء وروده وسىء رجال آخرون وغيظوا
[ ١ / ٤٧ ]
لقد حفظ العهد الذي قد أضاعه لدي سواه والكريم حفيظ
وباحثت عن فاظت وقبلى قالها رجال لديهم في العلوم حظوظ
روي ذاك عن كيسان سهل وأنشدوا مقال أبي الغياظ وهو مغيظ
وسميت غياظًا ولست بغائظ عدوًا ولكن للصديق تغيظ
فلا حفظ الرحمن روحك حية ولا وهي في الأرواح حين تفيظ
قال لي أبو محمد: وقد يقال فاضت نفسه يالضاد. ذكر ذلك يعقوب بن السكيت في كتاب الألفاظ. وله وقد استأذن الحكم المستنصر في الرجوع إلى أهله بإشبيلية فلم يأذن، فكتب إلى جارية له هنالك تدعى سلمى:
ويحك يا سلم لا تراعى لابد للبين من زماع
لا تحسبيني صبرت إلا كصبر ميت على النزاع
ما خلق الله من عذاب أشد من وقفة الوداع
ما بينها والحمام فرق لولا المناحات والنواعي
إن يفترق شملنا وشيكا من بعد ما كان ذا اجتماع
فكل شمل إلى افتراق وكل شعب إلى انصداع
وكل قرب إلى بعاد وكل وصل إلى انقطاع
توفي أبو بكر الزبيدي قريبًا من الثمانين وثلاث مائة. روى عنه غير واحد،
[ ١ / ٤٨ ]