مبتل، له تواليف متداولة في الوعظ، والزهد، وأخبار الصالحين على طريقة كتب ابن أبي الدنيا، وأشعار كثيرة في نحو ذلك، وله كتاب في الشروط على مذهب مالك بن أنس. روى عنه شيخنا أبو عبد الله بن عوف الفقيه، وأبو عمر أحمد بن يحيى ابن سميق القاضي القرطبي، وأبو عمر وعثمان بن سعيد المقرىء مات في حدود الأربع مائة.
ومن أشعاره في طريقته قوله:
الموت في كل حين ينشر الكفنا ونحن في غفلة عما يراد بنا
لا تطمئن إلى الدنيا وزخرفها وإن توشحت من أثوابها الحسنا
أين الأحبة والجيران، ما فعلوا؟ أين الذين همو كانوا لنا سكنا
سقاهم الدهر كأسًا غير صافية فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا
محمد بن سليمان بن تليد وشقي، ولى قضاء سرقسطة، ووشقة، يروى عن محمد بن أحمد العتبي، ومحمد بن يوسف بن مطروح الربعي. مات بالأندلس سنة خمس وتسعين ومائتين.
محمد بن سليمان بن أحمد بن حبيب بن الوليد بن عمر بن حبيب، بن عبد الملك ابن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، يعرف بالحبيبي أندلسي، يروى عن أهل بلده. مات بالأندلس في المحرم سنة ثمان أو تسع وعشرين وثلاث مائة.
محمد بن سليمان الرعيني أبو عبد الله البصير، يعرف بابن الحناط، كان متقدمًا في الآداب والبلاغة والشعر، وشعره كثير مجموع؛ مدح الملوك والوزراء والرؤساء، وكان يناوىء أبا عامر أحمد بن عبد الملك ابن شهيد بليغ وقته، ويعارضه؛
[ ١ / ٥٧ ]
وله معه أخبار مذكورة، ومناقضات مشهورة؛ فأخبرني الرئيس أبو الحسن عبد الرحمن بن راشد الراشدي قال: لما نعيت أبا عامر بن شهيد إلى أبي عبد الله بن الحناط، وقد عرفت ما كان بينهما من المنافسة بكى؛ وأنشدني لنفسه بديهة:
لما نعى الناعى أبا عامر أيقنت أني لست بالصابر
أودى فتى الظرف وترب الندى وسيد الأول والآخر
ولابن الحناط من كلمة طويلة في مدح أبي عامر بن شهيد أولها:
أما الفراق فلى من يومه فرق وقد أرقت له لو ينفع الأرق
أظعانهم سابقت عيني التي انهملت أم الدموع مع الأظعان تستبق
عاق العقيق عن السلوان واتضحت في توضح لي من نهج الهوى طرق
لولا النسيم الذي تأتى الرياح به إذا تضوع عن عرف الحمى الأفق
لم أدر أن بيوت الحي نازلة نجدًا ولا اعتادني نحو الحمى القلق
ما في الهوادج إلا الشمس طالعة وما بقلبي إلا الشوق والأرق
ومن أخرى:
سقيًا لمعهد لذات عهدت به غزلان وجرة ترعى روضة أنفا
من كل بيضاء مثل البدر مطلعًا هيفاء مثل قضيب البان منعطفا
إلف ألفت الضنا من بعد فرقته حتى غدا بدنى من دقة ألفا
مات أبو عبد الله بن الحناط قريبًا من الثلاثين وأربع مائة.
[ ١ / ٥٨ ]