٦ - واحتج البخاريُّ بحديثه في صحيحه، وأخرجَ حديثه أيضًا أبو داود السجستاني، وأبو عيسى الترمذيُّ، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو (٢) عبد الله بن ماجه القزويني، في كتبهم. وصحَّح الترمذي حديثه.
٧ - وأمَّا مسلم بن الحجَّاج فلم يحتجَّ بحديثه، وأخرج له مقرونًا بسعيد بن جُبير، وطاوس بن كيسان.
٨ - وقال البخاريُّ: ليس أحد من أصحابنا إلاَّ احتجَّ بعكرمة.
وحكى البخاريُّ عن عمرو -وهو ابن دينار- قال: أعطاني جابر بن زيد صحيفةً فيها مسائلُ، قال: سَلْ عكرمة! فَجَعَلْتُ كأني أتباطأ (٣)؛ فانتزعها من يدي، وقال: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا أعلم الناس!
٩ - وقال أبو عبد الرحمن النسائيُّ في كتاب "التمييز":
عكرمة مولى ابن عباس، ثقةٌ. وقال عثمان بن سعيد الدارميُّ (٤):
سألتُ يحيى بن معين، قلتُ: عكرمةُ أَحَبَّ إليكَ عن ابن عباسٍ أو عُبيد الله بن عبد الله؟ فقال: كلاهماة ولم يختر (٥). قلتُ: فعكرمةُ
_________________
(١) راجع تفصيل الرواة عنه في "تهذيب الكمال" للحافظ المزي ﵀، ٢٠/ ٢٦٥ - ٢٦٩، من الطبعة الأولى.
(٢) الأصل: أبي.
(٣) الأصل: أتباطئ.
(٤) تاريخه، الترجمة ٣٥٧. نقلًا عن هامش "تهذيب الكمال"، ٢٠/ ٢٨٨.
(٥) في "تهذيب الكمال": يُخيِّر.
[ ١٨ ]
أو سعيد بن جُبير؟ فقال: ثقة وثقة؛ ولم يختر (١).
١٠ - وقال يحيى بن معين: حدّثني من سمع حمَّاد بن زيد يقول: سَمِعْتُ أَيُّوب -وسُئِلَ عن عكرمة كيف هو؟ - قال: لو لم يكن عندي ثقةً لم أكْتُبْ عنه.
١١ - وقال عبد الرحمن بن [أبي] حاتم: سألت أبي عن عكرمة مولى ابن عباس؟ فقال: هو ثقة. قلت: يُحْتَجُّ بحديثه؟ قال: نعم إذا روى عن الثقات؛ والذي أنكر عليه يحيى بن سعيد ومالك فلسبب رأيه. قلت لأبي: فموالي ابن عباس؟ فقال: كُريبٌ، وسُمَيع، وشعبة، وعكرمة؛ وعكرمةُ أعلاهم.
١٢ - وذكر المروذي قال: قلتُ لأحمد بن حنبل: يُحْتجُّ بحديث عكرمة؟ قال: نعم يُحْتَجُّ به. وقال أحمد بن زهير: عكرمةُ أثبتُ الناس فيما يروي، ولم يحدث عَمَّن دونه أو مثلَه، حديثُه أكثرُه عن الصحابة.
١٣ - وقال ابن أبي ذئب: كان عكرمة مولى ابن عباس ثقةً.
وقال أبو جعفر محمَّد بن جرير الطبري: وكان عكرمة لا يدفعه أحد نعلمه عن التقدُّم في العلم بالفقه والقرآن وتأويله وكثرة الروايات (٢) للآثار.
١٤ - وقال الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عديّ الجرجانيُّ: وعكرمة مولى ابن عباس لم أُخرِّج ها هنا من حديثه شيئًا؛ لأنَّ الثقات إذا رَوَوْا عنه فهو مستقيم الحديث، إلاَّ أن يروي عنه ضعيف فيكون قد أُتي من
_________________
(١) في "تهذيب الكمال": يُخيِّر.
(٢) في "مقدمة الفتح"؛ الرواية (١٩٦).
[ ١٩ ]
قِبل الضعيف، لا مِن قِبَلِهِ. ولم يمتنع الأئمة من الرواية [عنه] (١).
وأصحاب الصِّحاح أدخلوا حديثه -إذا روى عنه ثقة- في صحاحهم، وهو أشهرُ من أن أحتاجَ إلى [أن] (٢) أُخرج شيئًا من حديثه، وهو لا بأس به (٣).
١٥ - وقال أبو عبد الله محمَّد بن إسحاق بن منده الأصبهاني: وأما حال عكرمة مولى ابن عباس - ﵀ - في نَفْسِهِ، فَقَدْ عَدَّلَهُ أئمةٌ من نُبلاء التابعين ومَنْ بَعْدَهم، وحَدَّثوا عنه، واحتجّوا بمفاريده في الصفات والسنن والأحكام.
روى عنه زُهاء ستمائة رجل من أئمة البلدان فيهم زيادة على سبعين رجلًا من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلةٌ لا تكاد توجد (٤) لكبير أحد من التابعين إلاَّ لعكرمة مولى ابن عباس رحمة الله عليه.
على أَنَّ من جَرَحَهُ من الأئمة لم يمسكوا (٥) عن الرواية عنه ولم يستغنوا عن حديثه. مثل: يحيى بن سعيد الأنصاريُّ، ومالك بن أنس وأمثالهما ﵏.
وكُلٌّ يتلقَّى حديثه بالقَبول ويحتج به، قرنًا بعد قرن، وإمامًا بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة الذين أخرجوا الصحيح وميَّزوا ثابت الحديث من
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في "الكامل".
(٢) زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في "الكامل".
(٣) "الكامل" لابن عدي، ٥/ ١٩١٠، ط. دار الفكر.
(٤) الأصل: تجد، وما أثبته موافق لما في "مقدمة الفتح"، (١٩٦).
(٥) الأصل: يمكسوا!
[ ٢٠ ]
سقيمه، وخَطَئِهِ من صوابه، وخَرَّجوا رواتَهُ: أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، وأبو الحسين مسلم بن الحجَّاج النيسابوري، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عبد الرحمن بن شعيب النسائي، رحمة الله عليهم أجمعين؛ فأجمعوا على إخراج حديثه واحتجوا به. على أن مسلم بن الحجَّاج كان أسْوَأَهم رأْيًا فيه؛ فَأَخرَج عنه ما يقرنه في كتابه الصحيح وعَدَّله بعد ما جَرَحَهُ (١).
١٦ - وقال رجل لِأَيُّوبَ: أكان عكرمةُ يُتَّهمُ؟ فسكت هُنَيْهَةً فقال: أَمَّا أنا فلا أَتَّهِمُهُ. وقال أحمد بن عبد الله بن صالح: عكرمة مولى ابن عباس ثقة.
وقال أبو عبد الله محمَّد بن نصر المروزيُّ: قد أَجْمَعَ عامَّةُ أهل العلم على الاحتجاج بحديث عكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا، منهم: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، ويحيى بن معين؛ ولقد سألتُ إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج بحديثه؟ فقال لي: عكرمةُ عندنا إمام الدنيا، وتَعَجَّبَ من سؤالي إيَّاه.
قال: وحدَّثنا غير واحد: أنهم شهدوا يحيى بن معين -وسأَلهُ بعض التابعين (٢) عن الاحتجاج بحديث عكرمة- فَأَظْهَرَ التعجب (٣)!