٣١ - وقال وهيب -وهو ابن خالد-: شهدت يحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب، فذكرا عكرمة؛ فقال يحيى بن سعيد: كان كذابًا، وقال أيوب: لم يكن بكذاب!
٣٢ - وقال عبد الله بن الحارث: دخلتُ [على] (١) علي [بن] (٢) عبد الله بن عباس؛ فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش؛ فَقُلْتُ له: ألا تتقي الله! فقال: إن هذا الخبيث يكذب على أبي.
وروي هذا أيضًا عن يزيد بن أبي زياد.
وقال عثمان -أبو مرة- قلتُ للقاسم وهو ابن محمَّد بن أبي بكر الصدِّيق: إن عكرمة مولى ابن عباس حدَّثنا وذكر حديثا؛ قال: يا ابن أخي! إن عكرمة كذابٌ يحدث غدوة حديثا يخالفه عشية!!
٣٣ - وقال إسحاق بن عيسى: سألتُ مالك بن أنس، قلتُ: أَبلَغَكَ أن ابنَ عمر قال لنافعٍ: لا تكذب عليَّ كما كَذَب عكرمة على ابن عباس؟ قال: لا! ولكن بلغني أن سعيد بن المسيب قال ذلك لِبُرْدٍ
مولاه (٣)!
_________________
(١) سقطت من الأصل.
(٢) سقطت من الأصل.
(٣) "تهذيب الكمال" ٢٠/ ٢٨٠؛ و"مقدمة الفتح" (١٩٢).
[ ٢٦ ]
٣٤ - وقال إبراهيم بن سعد عن أبيه: كان سعيد بن المسيِّب يقول لبُرْد مولاه: يا بُرد! لا تكذب عليَّ كما كَذَبَ عكرمةُ على ابن عباس (١).
٣٥ - وقال فطر بن خليفة: قلت لعطاء: إن عكرمة يقول: قال ابن عباس: سَبَقَ الكتاب الخُفَّيْن. فقال: كذب عكرمةُ! سمعتُ ابنَ عباس يقول: لا بأس بمسح الخُفين وإن دَخَلْتَ الغائط.
٣٦ - وقال معن، ومطرف، ومحمد بن الضحَّاك: كان مالك لا يرى عكرمة ثقةً، ويأمران لا يُؤْخَذَ عنه.
٣٧ - وقال الربيعُ: قال الشافعي: وهو -يعني: مالكَ بن أنس- سيِّئُ الرأي في عكرمة؛ قال: لا أرى لأحدٍ أن يقبل حديثه (٢). وقال الشافعي في بعض كتبه: نحن نتقي حديث عكرمة. وقال ابن أبي ذئب: أدركتُ عكرمة وكان غير ثقةٍ.
٣٨ - وقال إبراهيم بن المنذر: قال لي عبد الله بن عُبيد الله بن عباس: كان ابنُ عباس لا يستحل أن يُعتق عكرمة، وإنما أعتقه علي بن عبد الله بن عباس.
٣٩ - وقال ابن علية: ذكر أيوب عكرمة فقال: كان قليل العقل! أتيناه يومًا فقال: واللَّهِ لا أُحَدِّثُكم! فمكثنا ساعةً، فجعل يحدِّثنا؛ ثم قال: أيُحسن حَسَنُكم مثل هذا؟! قال: وبينا أنا يومًا عنده وهو يحدِّثنا، إذ رأى أعرابيًا فقال: هاه! ألم أَرَكَ بأرضِ الجزيرة أو غيرها؟ فأقبل عليه وتَرَكَنا!
_________________
(١) "تهذيب الكمال" ٢٠/ ٢٨٠، و"مقدمة الفتح" (١٩٢).
(٢) "تهذيب الكمال" ٢٠/ ٢٨٣.
[ ٢٧ ]
٤٠ - وقال أيوب: كُنا نأتي عكرمة فيحلف بالله لا يحدِّثنا، فما نكون قطُّ بأطمع منه في الحديث عند ذلك. قال له رجل: ألم تحلف بالله؟ قال: ما يدريكم؟ كفارة يميني أن أُحَدِّثَكُم!
٤١ - وقال يزيد بن هارون: قدم عكرمة البصرة؛ فأتاه أيوب وسليمان التيمي ويونس بن عُبيد؛ فبينما هو يحدِّثهم إذ سمعوا صَوْتَ غناء؛ فقال عكرمة: اسكتوا! فَتَسمَّعَ ثُمَّ قال: قاتَلَهُ الله لقد أجاد! أو قال: ما أجودَ ما غنَّى! قال: فأمَّا سليمان ويونس فلم يعودا إليه، وعاد إليه أيوب. قال يزيد: وقد أَحْسَنَ أَيُّوبُ!
٤٢ - وقال ابن عون: ما تركوا أيوب حتى استخرجوا منه ما لم يكن يريد -يعني الحديث عن عكرمة-.
٤٣ - وقيل لداود بن أبي هند: تروي عن عكرمة؟ [قال: لو] (١) اتقى الله وكفَّ من حديثه لَشُدَّتْ إليه المطايا! وقال أيضًا: المسكين لو اقتصر على ما سمع! كان قد سمِعَ علمَا.
وقال سعيد بن جبير: لو كف عنهم عكرمة من حديثه لشُدَّتْ إليه المطايا.
٤٤ - وسُئل محمَّد بن سيرين عن عكرمة فقال: ما يسوؤني أن يكون من أهل الجنة، ولكنه كذاب.
وقال خالد الحذاء: كل ما قال محمَّد بن سيرين: نبِّئْتُ عن ابن عباسٍ، فإنما رواهُ عن عكرمة. قلت: لم يكن يسمِّي عكرمة؟ قال: لا!
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٢٨ ]
محمَّد ومالك لا يسمُّونه في الحديث؛ إلاَّ أنَّ مالكًا قد سمَّاه في حديث واحد. قلت: ما كان شأنه؟ قال: كان من أعلم الناس، ولكنه كان يرى رأي الخوارج -رأي الصُّفْريَّة- ولم يدع موضعًا إلاَّ خرج إليه: خراسان، والشام، واليمن، ومصر، وإفريقية. ويُقال: إنما أَخَذَ أهل إفريقية رأي الصفرية من عكرمة لمَّا قدم عليهم، وكان يأتي الأمراء يطلب جوائزهم (١).
٤٥ - وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: رأيتُ عكرمة بنيسابور؛ فقلتُ له: تركت الحرمين وجئت (٢) إلى خراسان؟ فقال: جئتُ أسعى على عيالي.
٤٦ - وقال عليُّ بن المديني، عن يحيى بن سعيد: حدَّثوني -واللهِ- عن أيوب؛ فذُكِر له عكرمةُ وأنه لا يُحسن الصلاة!؛ فقال أيوب: وكان يُصلي؟!
٤٧ - وقال أحمد بن حنبل: ميمون بن مهران أوثقُ من عكرمة، ميمون ثقةٌ، وذكَرَه بخير. وقال أيضًا: عكرمة مضطرب الحديث مُخْتَلَفٌ فيه، وما أدري؟
٤٨ - وقال إبراهيم بن يعقوب: قلتُ لأحمدَ بن حنبل: أكان عكرمةُ أتى البربر؟ قال: نعم! وأتى خُراسان. كان يطوفُ على الأُمراءِ يأخذُ منهم. مات هو وكُثَيِّرُ عَزَّة في يوم واحد ولم يشهد جنازةَ عكرمةَ كثيرُ أحدٍ!
٤٩ - وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس في "تاريخ
_________________
(١) "تهذيب الكمال" ٢٠/ ٢٨٨.
(٢) الأصل: وحيث. تحريف.
[ ٢٩ ]
الغُرباء": وبالمغرب إلى وقتنا هذا قوم على مذهب الِإباضية يُعرَفون بالصُّفْريَّة يزعمون أنهم أخذوا مذهبهم عن عكرمة مولى ابن عباس (١).
٥٠ - وقال أبو نُعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان": عكرمة مولى عبد الله بن عباس، كان كثير الجوَلان والتطواف في البلدان، قدم على الوالي بأصبهان فأجازه بثلاثة آلاف درهم.
وذكر عن يزيد النحوي أنه قال: خرجت حاجًّا فلقيتُ عكرمة في مفازة يزْد، فدنوتُ منه فَسَلَّمْتُ عليه، ثم قُلْتُ: كيف أنت يا [أبا] (٢) عبد الله؟ فقال: بخير ما لم أَرَكَ وأصحابكَ! فَقُمْتُ عنه.
وذكر الحافظ أبو عبد الله النيسابوري في "تاريخ نيسابور" عن يزيد النحوي قال: كُنتُ قاعدًا عند عكرمة بمروة فأقبل مقاتل وأخوه -ابنا حيَّان- فوقفا عليه؛ فقال مقاتل: يا أبا عبد الله! ما تقول في نبيذ الجرِّ؟ فقال عكرمةُ: هو حرامٌ؛ مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. قال: فما تقول فيمن يشربه؟ قال: أقول أن كل شربة منه كفرة! قال يزيد: فقلتُ: واللهِ لا أدعُ شُرْبَ نبيذِ الجرِّ أبدًا حتى ألقى اللهَ
﷿! فوثَبَ عكرمة وقام مغضبًا منتفخًا، وقال لي: أبعدك الله! قال يزيد: فانطلقتُ حاجًّا، فلقيته في مفازة يَزْد؛ فدنوت منه فَسَلَّمْتُ ثُمّ قُلْتُ له: كيف أنت يا أبا عبد الله؟ قال: بخير ما لم أَرَكَ وأصحابَكَ! فَقُمْتُ عنه.
_________________
(١) "مقدمة فتح الباري" (١٩٣)، ط. إبراهيم عطوة عوض.
(٢) سقط من الأصل.
[ ٣٠ ]
٥١ - وقال محمد بن سعد: أخبرنا مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت الزبيري، قال: كان عكرمة يرى رأي الخوارج، وطَلَبَهُ بعضُ وُلاةِ المدينة فَتَغَيَّب عند داود بن الحصين حتى ماتَ عِنْدَهُ.
قالوا: وكان عكرمةُ كثير الحديث والعلم، بحرًا من البحور وليس يُحْتَجُّ بحديثه، ويتكلم الناس فيه. وفي رواية غير مصعبٍ قال: وادَّعى على ابن عبَّاسٍ أنه كان يرى (١) رأي الخوارج.
٥٢ - وقال الحافظ أبو أحمد ابن محمَّد النيسابوري (٢): أبو عبد الله عكرمة مولى عبد الله بن عباس القرشي الهاشمي، أصلُه بَرْبَرِيٌّ من أهل المغرب؛ ثم قال: احتج بحديثه عامَّةُ الأئمة القدماء، لكن بعض
المتأخرين أخرج حديثه من حيز الصِّحاح بما نذكره؛ وذلك قصة نافع مع ابن عمر.
وروى أيوب عن عكرمة قال: أرأيتَ هؤلاء الذين يُكَذِّبوني من خلفي، ألا يكذِّبوني في وجهي؟ فإذا كذبوني في وجهي فقد كذبوني.
قال سليمان بن حرب: وجه هذا: يقول: إذا قرَّروه بالكذب ولم يجدوا له حجة.
٥٣ - وقال ابن بُكير: قدم عكرمة مصرَ وهو [من] (٣) بربر
_________________
(١) الأصل: يراى. تحريف.
(٢) هو الِإمام الحافظ الحاكم الكبير، صاحب كتاب "الكنى".
(٣) زيادة يقتضيها السياق، والكلمة التي بعدها غير واضحة في الأصل، والله أعلم.
[ ٣١ ]
المغرب، ونزل هذه الدار، وأومأ إلى دارٍ إلى جانب دار ابن بكير، وخرج إلى المغرب؛ فالخوارج الذين هم بالمغرب، عنه أخذوا.
٥٤ - وقال علي بن المديني: كان عكرمة يرى رأي نجدة الحروري. وقال الدراوردي: توفي عكرمةُ وكُثَيِّر عَزَّة الشاعر بالمدينة في يوم واحد، فما حمل جنازتهم إلاَّ الزنج، وعجب (١)
-وفي رواية: وعجب الناس- لاجتماعهما في الموت واختلاف رأيهما: عكرمة يظنّ به أنه يرى رأي الخوارج يُكَفِّرُ بالنظرة! وكُثَيِّر شيعيُّ مؤمنٌ بالرجعة!
٥٥ - وقال يعقوبُ بن سفيان: ثنا ابن أبي أويس، عن مالك، عن أبيه، قال: أُتي بجنازة عكرمة مولى ابن عباس وكُثَيِّرُ عَزَّة بعد العصر؛ فما علمتُ أن أحدًا من أهل المسجد حَل حَبْوَتَهُ إليهما. وفي رواية: فما شهدها إلاَّ سودان المدينة؛ وفي رواية: شهد الناس جنازة كُثَيِّر وتركوا جنازة عكرمة!
٥٦ - وقال علي بن المديني: مات عكرمةُ بالمدينة سنة أربع ومائة. قال: فما حَمَلَهُ أحدٌ، اكتَروا [له] (٢) أربعة! وقال المفضل بن فضالة: مات عكرمة وكُثَيِّرُ عَزَّة في يوم واحد، فأخرجتْ جنازتهما، فما علمتُ تخلَّفَ رجل ولا امرأة بالمدينة عن جنازتهما. قال: وقيل: مات اليوم أعلمُ الناس وأَشْعَرُ الناس. قال:
_________________
(١) بعدها كلمة غير مقروءة، أكلها التجليد.
(٢) سقطت من الأصل، والتصحيح من "تهذيب الكمال". واكتروا: أي استأجروا.
[ ٣٢ ]
وغلب النساء على جنازة كُثَيِّر يبكينه ويذكرن عزَّة في ندبهن إيَّاه.