ولا يسعنا- في الحقيقة- إلا أن نتحدث عن هذه الطائفة من طوائف المجتمع لما كان لها من أثر كبير في أحوال البلاد الداخلية.
وقد شهدت الفترة التي ندرسها عديدا من القبائل التي انتشرت في أرجاء البلاد لا سيما في الشرقية والبحيرة والمنوفية والصعيد.
_________________
(١) ابن خلدون: المقدمة ص ٣٩٤.
(٢) د. سعيد عاشور: المجتمع المصري ص ٤٩.
(٣) ابن إياس: بدائع الزهور ج ٢ ص ٣٠٢.
[ ٤٠ ]
وقد أحصى القلقشندي والمقريزي قبائلهم بمصر وأماكن كل منها مما يتضح منه أنهم بلغوا عددا عظيما في ذلك العصر «١».
وقد حاول الأعراب في أول عصر المماليك أن يقيموا حاكما من بينهم وأن يتخلصوا من سيطرة المماليك ولكن هذه المحاولة قد باءت بالفشل أمام جيوش المماليك المدربة، ولكن ذلك لم يمنع حدوث الصدام بين المماليك والأعراب على شكل أحداث متفرقة طوال العصر.
وقد ظل العربان عنوانا للاخلال بالأمن والاضرار بالنظام والاعتداء على أهل البلاد الآمنين في المدن والقرى، ولم يسلم طريق الحاج من اعتداءاتهم المتكررة.
والمتتبع لحوادث هذه الفترة تأخذه الدهشة من كثرة حوادث الأعراب وشغبهم وهو ما تسميه المراجع المعاصرة لهم بفساد العربان، فبينما يثور الأعراب بالشرقية ويفسدون في عام ٨٧٥ هـ وترسل الدولة بحملة إليهم «٢»، لا يكاد يمضي وقت حتى يعاودوا الفساد وفي هذه المرة يهاجمون القاهرة نفسها ويعملون بها النهب والسلب وينشرون الذعر «٣»، ثم يتجدد فسادهم في عام ٨٧٩ هـ ويهاجم بعضهم الجيزة في نفس العام وينهبون خيول المماليك ولا يستطيع السلطان الظفر بهم «٤»، وبينما يحدث اضطراب الأعراب حول القاهرة تأتي الأخبار باضطرابات عنيفة يقوم بها الأعراب في الصعيد حيث ينزلون الهزيمة بكاشف الوجه القبلي «٥»، وتحاول الدولة في كل ثورة أن ترسل إحدى الحملات لتأديب الأعراب وقد كان إعداد الحملات يكلف الدولة كثيرا من الأموال «٦»، وربما تقاعس السلطان عن إرسال هذه الحملات مكتفيا بانصراف الأعراب
_________________
(١) القلقشندي: صبح الأعشى ج ١ ص ٣١٥ وما بعدها، ج ٤ ص ٦٧، ج ٧ ص ١٦٠، انظر المقريزي: البيان والاعراب عما بأرض مصر من الأعراب.
(٢) ابن إياس: بدائع الزهور ج ٢ ص ١٢٧.
(٣) المصدر السابق ج ٢ ص ١٣٤، ١٣٥.
(٤) نفس المصدر ج ٢ ص ١٥٦.
(٥) نفس المصدر ج ٢ ص ١٨٠ حوادث ذي القعدة ٨٨٢ هـ.
(٦) المصدر السابق ج ٢ ص ١٦٥، ص ٢٣٣.
[ ٤١ ]
وعودة الأمور إلى مجراها الطبيعي كراهة النفقات الباهظة التي تتكلفها الدولة في إعداد هذه الحملات.
وفي بعض الأحيان كانت تمنى حملات السلطان بالهزيمة أمام قوة الأعراب «١»، ولذلك فإن المماليك كانوا ينتقمون من الأعراب انتقاما شديدا بعد هزيمتهم، وكانوا يكثرون فيهم القتل والنهب والسلب كما كان سلاطينهم يبالغون في التمثيل بمن يؤتى به منهم أسيرا «٢» وكثيرا ما اضطربت أحوال البلاد بسبب الأراجيف التي تنتشر بنية الأعراب محاولة الهجوم على القاهرة لا سيما في أيام الأزمات أو وجود الجند خارج البلاد في إحدى الحملات «٣».
وكثر قطع طريق الحجاج والاغارة عليهم وانتهابهم وتعويق بعضهم في الطريق «٤»، وهناك أمثلة أخرى كثيرة أشار إليها مؤرخو هذه الفترة تدل دلالة واضحة على الاضطراب والفساد الذي كانت تحدثه تحركات الأعراب ومهاجمتهم للمدن والقرى، وتدل على مبلغ قوتهم في هذه الآونة «٥»، فضلا عن اشتراكهم في بعض الأحيان في الفتن السياسية، وصراع قبائلهم فيما بينهم. وهكذا ظل الأعراب طوال هذه الفترة مصدرا هاما من مصادر القلق والفساد وعدم الاستقرار بالبلاد.