وإكمالا لحديثنا عن الجانب الاجتماعي فإنه يحسن أن نشير إلى نظام الحياة في المدن المصرية لا سيما القاهرة في ذلك الوقت. وقد اتصفت المدن في ذلك العصر بتلاصق منازلها وضيق دروبها واكتظاظ طرقاتها بالمارة والدواب، وقد أشاد الرحالة الأجانب الذين زاروا مصر بعظمة المدن المصرية إذا ما قورنت بمثيلاتها من دول أوروبا آنذاك «٣»، وقد فاقت القاهرة في ذلك العصر جميع مدن العالم تقريبا من حيث السعة والنشاط الحيوي وكثرة السكان، وقد أشاد ابن بطوطة الذي زار مصر في القرن الثامن الهجري بعظمة القاهرة «٤».
وبالرغم من ضيق طرقات المدينة فقد زخرت بألوان النشاط الانساني، يضاف إلى ذلك كثرة الدواب، فالخيول المطهمة يركبها المماليك ويركضون بها وسط الدروب والأسواق وهم يضربون الناس يمنة ويسرة دون اكتراث بهم، وليس مباحا لغيرهم من الفئات أن يمتطي الخيل إلا إذا كان من كبار أرباب
_________________
(١) المصدر السابق ص ٥٦.
(٢) ابن إياس: بدائع الزهور ج ٢ ص ٢٤٦ حوادث ذي القعدة سنة ٨٩٢ هـ، المجتمع المصري ص ٥٦.
(٣) د. سعيد عاشور: المجتمع المصري ص ٨٢.
(٤) رحلة ابن بطوطة ج ١ ص ١٩.
[ ٤٣ ]
الوظائف بالدولة، والجمال العديدة تحمل القرب ويطوف بها السقاءون على المنازل، وقد قدر عدد جمال القاهرة في القرن الثامن الهجري بمائتي ألف جمل أما الحمير فبلغت عددا كبيرا، وكان جانب كبير منها يستأجر لقضاء الحاجات، وقد قدر ابن بطوطة عدد المكاريين في القاهرة بثلاثين ألف مكاري. «١»
وكان على المحتسب أن يتولى تنظيم الطرقات وأن يضمن سلامة السير فيها، وكانت هذه الطرقات تضاء في الليل بالمصابيح، وقد ذكر بعض الرحالة الأجانب الذين زاروا مصر في هذه الفترة أن بالقاهرة أربعة آلاف شارع ودرب كل منها له بابان وحارسان، وفي بعض هذه الشوارع ما يقرب من خمسة عشر ألف مسكن، ولكل منها سوق كبير. «٢»
وكانت الحراسة تشدد ليلا على هذه الشوارع، ومن سار في الليل لغير سبب معقول قبض عليه.
وقد لقيت المدينة حظا لا بأس به من العناية بنظافة دروبها وطرقاتها كما زخرت بالأسواق العديدة التي حوت مختلف أصناف البضائع، وكان كل سوق ينفرد بنوع معين من البضائع فسوق للشماعين وآخر للدجّاجين وهكذا «٣»، أما الأسواق الخاصة بالمآكل والمشارب فقد كانت عديدة، وقد قدر عدد المطاعم والمطابخ في القاهرة بما يزيد على اثني عشر ألف مطعم عدا الباعة الجائلين الذين يقدمون بعض أنواع الطعام، وقد وضع هؤلاء تحت رقابة المحتسب حرصا على صحة الناس. «٤»
وقد اشتهرت الحياة في المدن في ذلك العصر بالحفلات الصاخبة منها ما هو خاص كحفلات الزواج والختان والولادة، ومنها ما هو عام شعبي كالاحتفال بالمولد النبوي أو بموالد بعض كبار الأولياء أو غير ذلك من المناسبات الدينية والدنيوية، وقد بالغ السلطان والأمراء في إحياء هذه الاحتفالات على اختلافها
_________________
(١) المصدر السابق ج ١ ص ١٩.
(٢) د. سعيد عاشور: المجتمع المصري ص ٨٤.
(٣) المصدر السابق ص ٨٦.
(٤) نفس المصدر ص ٨٧.
[ ٤٤ ]
عامة كانت أو خاصة، وفي بعض الأحيان كان السلطان يحضر الاحتفال بالمولد بالقاهرة ثم يسافر لحضور الاحتفال بالاسكندرية «١».
وحين قدوم السلطان من أسفاره كان يقابل بكثير من مظاهر الحفاوة ووجوه الاصلاح والزينة في الطرقات فضلا عن المواكب الكبيرة. «٢»
وقد عرفت هذه الفترة عديدا من أنواع الاحتفالات التي كانت لا تفتأ تقام بالمدينة بين حين وآخر كما عرفت صنوفا من المواكب التي كانت تشق القاهرة آنا بعد آن احتفالا بمناسبة دينية أو وطنية أو استقبالا للسلطان أو أحد الأمراء أو استقبالا لزائر أجنبي «٣»، أو في حالات الزواج والختان والولادة أو لولاية ولاها السلطان أحدا من الناس.
وكانت هناك مبالغات كبيرة في إعداد هذه الحفلات التي كانت تكلف الدولة أو تكلف أصحابها نفقات باهظة، وكانت حفلات الزواج تلقى عناية خاصة ويكلفها أصحابها أموالا طائلة «٤».