كانت الطبقة الحاكمة بالبلاد كما رأينا من الأتراك الذين ديفت بالعجمة ألسنتهم وبالرغم من تعلم كثيرين منهم العربية لكونها لغة الدين والعلوم فإنهم- في الغالب- افتقروا إلى الفصاحة فيها- وبذلك فقد تغير الحال في الخطابة عما كان عليه زمن الخلافة العربية في عهد الأمويين والعباسيين، يضاف إلى ذلك ما أصاب اللغة من دخول كثير من الألفاظ التركية بها وانحدار كثير من أساليب الكتاب نحو العامية.
وإذا كان العصر قد خلا من الخطب الرسمية التي كان يلقيها الحكام باستثناء بعض خطب خلفاء العباسيين في مصر فإنه لم يعدم وجود أنواع معينة من الخطب التي خلت في الغالب من أهم عناصر الخطبة وهو الارتجال، فكانت الخطب تعد إعدادا كالرسائل، وقل أن نجد الارتجال في غير المناظرات التي كانت تعقد بين العلماء حيث يضم جماعة منهم أحد المجالس.
لهذا نلحظ على الخطب سمات الرسائل «١» حيث سلك الخطباء مسلك الكتاب فاتبعوا الأسلوب البديعي المسجوع وأكثروا من الاقتباس من آيات القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول ﷺ ومن أقوال السلف الصالح.
وأهم الخطب التي نزعت هذا المنزع الخطب المنبرية التي كانت تعدّ من قبل
_________________
(١) عبد الوهاب حمود: صفحات من تاريخ مصر ص ١٠٥، ١٠٦.
[ ٨٧ ]
أصحابها قبل القائها أو من قبل غيرهم، ومن دواوين الخطب ديوان خطب الشيخ زكريا الأنصاري وهو معاصر للسيوطي، وقد امتد به العمر فتوفي عام ٩٢٦ هـ، واسم ديوانه «التحفة السنية» وهو مجموعة من الخطب المنبرية مرتبة حسب جمع الشهور العربية. «١»
وهناك خطب كانت تقال في المناسبات التقليدية كالأعياد وأوائل الشهور الهجرية، والكسوف والخسوف والحفلات الاجتماعية وغير ذلك من المناسبات، وقد طبعت الخطب بما طبعت به الآثار الأدبية جميعها من احتفال بالصنعة اللفظية وحرص من الخطباء على الجمل المسجوعة التي تشيع في الخطبة ويبدو التكلف في إيرادها واضحا، فضلا عما تتحمله الخطبة من حشو لمراعاة السجع والجناس وسائر ضروب الصنعة اللفظية.