وإذا ما استعرضنا خلفاء الحقبة الأخيرة من هذا العصر والتي شهدها السيوطي فإن أولهم هو المستكفي بالله أبو الربيع سليمان بن المتوكل المتوفي سنة ٨٥٥ هـ على ما يذكر ابن اياس في الثاني من المحرم «٢»، أو في أواخر عام ٨٥٤ هـ على ما يذكر السيوطي «٣»، ولعل السيوطي قد أدرك هذا الخليفة في طفولته حيث كان أبوه مقربا منه، وهو الذي كتب له نسخة عهد الخلافة الذي عهد له به أخوه داود «٤»، وقد ذكر السيوطي عنه أنه كان من صلحاء الخلفاء، كما أشار إلى العلاقة التي كانت بين أبيه كمال الدين وبين هذا الخليفة حيث كان «إماما له وكان عنده بمكان رفيع خصيصا به محترما عنده جدا، وأما نحن فلم ننشأ إلا في بيته وفضله، وآله خير آل دينا وعبادة وخيرا ولم يعش والدي بعده إلا أربعين يوما ومشى السلطان في جنازته إلى تربته وحمل نعشه بنفسه» «٥»،
_________________
(١) د. سعيد عاشور: العصر المماليكي ص ١٧٨ - ١٨٨.
(٢) ابن إياس: بدائع الزهور ج ٢ ص ٣٣.
(٣) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٣٤١.
(٤) المصدر السابق ص ٣٤٠، ٣٤١.
(٥) نفس المصدر ص ٣٤١، انظر حسن المحاضرة ج ٢ ص ٨٤، ٨٥.
[ ٢٨ ]
وبايع السلطان بالخلافة بعده أخاه أبا البقاء حمزة ولقب بالقائم بأمر الله، وحدثت جفوة بينه وبين السلطان انتهت بخلعه وتولية أخيه مكانه، وقد حكم بخلعه قاضي القضاة علم الدين البلقيني وذلك في سنة ٨٥٩ هـ «١». وبايع السلطان بعده أخاه يوسف ولقب بالمستنجد بالله وساعده في الوصول إلى منصب الخلافة القاضي البلقيني لكونه زوج ابنته «٢»، وقد ظل في الخلافة إلى أن توفي في عام ٨٨٤ هـ وقد بلغ التسعين أو جاوزها «٣»، وقد قلد خمسة من السلاطين آخرهم قايتباي «٤»، وقد عهد الخليفة السابق لابن أخيه عبد العزيز الذي تلقب بالمتوكل على الله وقد طالت أيامه في الخلافة وكان كفؤا لذلك «٥»، وقد كان هذا الخليفة صديقا للسيوطي وهو آخر من
ترجم لهم السيوطي في تاريخ الخلفاء وقد أشاد بذكره فذكر أنه «نشأ معظما مشارا إليه محبوبا للخاصة والعامة بخصاله الجميلة ومناقبه الحميدة، وتواضعه وحسن سمته وبشاشته لكل أحد وكثرة أدبه، وله اشتغال بالعلم، قرأ على والدي وغيره» «٦». وكانت وفاة المتوكل في المحرم سنة ٩٠٣ هـ، وقد أشاد بذكره ابن اياس وذكر عنه أنه كان من خيار بني العباس وكانت خلافته تسع عشرة سنة وأياما «٧»، وقد عهد المتوكل لابنه يعقوب بالخلافة، وقد تولى بعد وفاة أبيه ولقب بالمستمسك بالله ويقال إن الذي كناه ولقبه هو الجلال السيوطي «٨»، وقد ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء غير أنه لم يترجم له إذ إن السيوطي قد توفي في حياة هذا الخليفة «٩»، وقد شهد الخليفة الأخير مبايعة عدد من السلاطين وامتدت به الحياة إلى أن رأى احتلال العثمانيين للبلاد، وكان ابنه هو آخر الخلفاء العباسيين بمصر.
_________________
(١) تاريخ الخلفاء ص ٣٤١، حسن المحاضرة ج ٢ ص ٨٥، ابن إياس ج ٢ ص ٥٢.
(٢) حسن المحاضرة ج ٢ ص ٨٥، ابن إياس ج ٢ ص ٥٢.
(٣) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٣٤٢.
(٤) ابن إياس: بدائع الزهور ج ٢ ص ١٨٥، ١٨٦.
(٥) المصدر السابق ج ٢ ص ١٨٦.
(٦) تاريخ الخلفاء ص ٣٤١.
(٧) ابن إياس: بدائع الزهور ج ٢ ص ٣٣٣.
(٨) المصدر السابق ج ٢ ص ٣٣٣، ٣٣٤.
(٩) تاريخ الخلفاء ص ٣٤٤.
[ ٢٩ ]
والملاحظ أنه لم يكن للخليفة سلطة تذكر بجانب السلطان، وقد كان في مقدور السلطان أن يخلع الخليفة وأن يولي غيره، وكانت مبايعة الخليفة للسلطان تقليدا شكليا واعترافا من قبل الخليفة بالأمر الواقع الذي لم يكن له فيه خيرة، وبالرغم من ذلك فقد كان منصب الخلافة من المناصب الجليلة بالدولة، كما أن السلاطين راعوا حرمة الخليفة وتوقيره في كثير من الأحيان.
وإكمالا للحديث عن الحياة السياسية لا نرى بأسا من أن نشير إلى نظم الحكم والقضاء بالدولة لارتباط هذه الأمور بالنواحي السياسية: