وليس غريبا أن يكون الرجل شاعرا فقد رأيناه أديبا يجيد فن القول النثري كما عرفه عصره، وقد كان بالاضافة إلى ذلك شاعرا، وقد ذكر أن له ديوان شعر، وقد رأينا له بعض الأشعار الجيدة، أما منظوماته العلمية فهي من الكثرة بحيث يعسر إحصاؤها وله كثير من الأجوبة الفقهية التي أجاب بها نظما، وله عديد من المنظومات التي تعرض فيها لموضوعات علمية دقيقة.
وهكذا فإن الغالب على شعر الرجل الطابع العلمي حتى في أشعاره التي أنشأها في غير الأغراض العلمية، ولكن هناك أمرا يدل على ذوقه الشعري يتضح في اختياراته الشعرية التي أوردها في بعض كتبه ورسائله، وهي تدل على حسن تذوقه وفطرته السليمة.
وقد نظم في الأغراض الشعرية المختلفة فله في المدح والرثاء والمديح النبوي، والاخوانيات والأحداث العامة، غير أنه كما قلنا ذو باع طويل في نظم العلوم والفنون، وله في المنظومات العلمية إنتاج كبير نذكر منه ما يلي:
١ - التبري من معرة المعري، وهي أرجوزة في أسماء الكلب «١».
٢ - الخلاصة نظم كتاب الروضة في الفقه.
_________________
(١) طبعت مع كتاب تعريف القدماء بأبي العلاء.
[ ١٦٢ ]
٣ - الفريدة: ألفية في النحو والصرف والخط «١».
٤ - قطف الثمر في موافقات عمر «٢»، أرجوزة فيما وافق فيه سيدنا عمر التنزيل.
٥ - مختصر ملحة الاعراب للحريري في مائة وعشرين بيتا.
٦ - موشحة في النحو «٣»، أولها:
إلى إله الأنام من نحلا أفضاله كل آمل أملا أرغب
٧ - التثبيت عند التبييت «٤»، وهي أرجوزة في سؤال الميت في القبر نحو مائة وخمسين بيتا.
٨ - تحفة المجتهدين في أسماء المجددين «٥»، منظومة في الحديث عمن يبعثه الله على رأس كل مائة.
٩ - تعريف الفئة بأجوبة الأسئلة المائة «٦»، وهي إجابة على نحو مائة من الأسئلة والألغاز أجاب عنها نثرا، ثم نظم إجاباتها.
على أن له كثيرا من المنظومات غير ما قدمنا، وله مقطوعات نظمية كثيرة أجاب بها عن الأسئلة التي كانت ترد إليه نظما، وكتاب الحاوي ملىء بأمثال هذه الأسئلة
والفتاوى التي أفتى بها نظما، إلى جانب فتاواه النثرية في جميع فروع المعرفة التي أجادها.
ومن أمثلة شعره في الرثاء قوله في شيخه الشمنيّ المتوفي عام ٨٧٢ هـ «٧»:
رزء عظيم به تستنزل العبر وحادث جلّ فيه الخطب والخبر
رزء مصاب جميع المسلمين به وقلبهم منه مكلوم ومنكسر
_________________
(١) لها طبعة مستقلة.
(٢) طبعت ضمن كتاب الحاوي ج ٢ ص ٥.
(٣) مخطوط بدار الكتب برقم ١٩١ نحو تيمور.
(٤) طبعت بالقاهرة.
(٥) مخطوط بدار الكتب برقم ٨٢٦٠ ح.
(٦) الحاوي ج ٢ ص ٥٠٢ وما بعدها، والنظم ص ٥٤٧.
(٧) بغية الوعاة ص ١٦٥، حسن المحاضرة ج ١ ص ٢٧١.
[ ١٦٣ ]
ما فقد شيخ شيوخ المسلمين سوى انهدام ركن عظيم ليس ينعمر
رزيئة عظمت بالمسلمين وقد عمت وطمت فما للقلب مصطبر
تبكيه عين أولى الاسلام قاطبة ويضحك الفاجر المسرور والغمر
ومن أمثلة منظوماته قوله في موافقات عمر ﵁ «١».
الحمد لله وصلى الله على نبيه الذي اجتباه
يا سائلي والحادثات تكثر عن الذي وافق فيه عمر
وما يرى أنزل في الكتاب موافقا لرأيه الصواب
خذ ما سألت عنه في أبيات منظومة تأمن من شتات
ففي المقام وأسارى بدر وآيتي تظاهر وستر
وذكر جبريل لأهل القدر وآيتين أنزلا في الخمر
وآية الصيام في حل الرفث وقوله نساؤكم حرث يبث
وقوله لا يؤمنون حتى يحكموك إذ بقتل أفتى
إلى آخر المنظومة.
ومن الأسئلة التي وردت إليه نظما وأجاب عنها نظما، وهي كثيرة مبثوثة في كتابه ما سئل عنه في ضبط كلمة «يطلع» فسئل «٢»:
يا عالما فاق أهل العصر والأثر وزان أهل النهي في الخبر والخبر
هل لام يطلع مضموم ويضبطها بذاك ذاكرها في البدو والحضر
أو ينصبوها وضم اللام ذا خطأ كما تفوه شخص من أولي الفكر
فأجاب بقوله:
الحمد لله مزجي السحب بالمطر ثم الصلاة على المختار من مضر
بالضمّ يطلع منقول وشاهده تطلع على قوم المقروء في الزبر
والواقع أن المنظومات العلمية للسيوطي من الكثرة بحيث يدهش المرء من
_________________
(١) الحاوي ج ٢ ص ٥.
(٢) الحاوي للفتاوى ج ٢ ص ٤٦٩.
[ ١٦٤ ]
تنوعها وتناوله فيها مختلف المسائل من مختلف ألوان المعرفة. ولعلنا بذلك نكون قد مثلنا لما عنده من الشعر وأعطينا صورة واضحة له.
وإذ كنا قد بينا معالم ثقافته، وألقينا الضوء على عقله ومنهجه الفكري وحددنا أصول هذا المنهج واتجاهاته بما أثر فيها من مؤثرات علمية وبيئية، فليس أمامنا الآن سوى الحديث عن الآثار التي خلفها السيوطي والتي كانت تتناول جمع فروع المعرفة.
[ ١٦٥ ]