جدير بنا في ختام الحديث عن عقله ومنهجه في التفكير أن نتناول لغته في التعبير، ويقتضي ذلك منا أن ننظر في إنتاجه الأدبي، إذ تعيننا كتاباته جميعها على
[ ١٥٨ ]
الحكم على طريقة التعبير عنده، كما ينبغي ألا نغفل تعبيره الشعري، فله من الإنتاج الشعري ما يجدر أن نقف عنده بعض الوقت.
ومن العجيب أنه قد جعل الترسل والانشاء في أواخر قائمة الفنون التي أجادها «١»، ولكن هذا في الحقيقة يعني أن إجادته لهما دون إجادته وعنايته بغيرهما، وإن كان ذلك لا يعني أنه لم يدل في هذين الفنين بدلوه.
وقد عني بالإنشاء والترسل الكتابة الأدبية لا العلمية أو كتابة الدواوين ورسائلها، وهو أقل إنتاجا فيها، بيد أن له عددا كبيرا من المقامات والرسائل الأدبية والافتتاحات الأدبية الجميلة التي تعطينا صورة عن حياته الأدبية وأسلوبه لا سيما أنه قد عاش غضوبا سيال القلم تكلفه الغضبة رسالة يكتبها انتصارا لنفسه ومن هذه الرسائل نستطيع التعرف عليه أديبا معبرا عن نفسه مصورا مشاعره.
وقد كانت الكتابة الأدبية في عصره- كما سبق أن بينا- يطغى عليها البديع، وأصبح ذلك التسابق في استخدام المحسنات اللفظية على اختلاف ضروبها شغل الكتاب الشاغل، وهو ما دعا السيوطي إلى الاعتراف بأنه لم ينبغ النبوغ الكافي في الانشاء والترسل، فهو حقا لم يبلغ ما بلغه كبار كتاب العصر السابقين له الذين برزوا في مدرسة البديع، وطول الاشتغال بالعلم وممارسة التأليف لا تترك لصاحبها فرصة لاتباع البديع والتزام المحسنات. على أن السيوطي قد جرى على نفس المنهج وسابق رجاله، فصدرت عنه رسائل ومقامات وكتب كثيرا من مقدمات كتبه ملتزما الأسلوب البديعي، ولكنه له بعض الرسائل التي تحرر فيها من بعض قيود اللفظ إلى حد ما، ولم تأسره الصناعة اللفظية.
وقد كان أسلوبه في هذه وتلك تبدو فيه السهولة والوضوح والتجافي عن الغموض والتعقيد وهو متصل بما قدمنا من مميزات شخصيته التي تأثرت بالبيئة المصرية التي تميل إلى الاستقامة والسهولة والوضوح.
وقد كتب السيوطي مقامات متنوعة اتبع في بعضها نهج الحريري وبديع
_________________
(١) حسن المحاضرة ج ١ ص ١٩٠.
[ ١٥٩ ]
الزّمان في ابتداع شخصية طريفة تدور حولها القصة، وتحرر في أكثرها من هذا المنهج فضمن بعض مقاماته موازنات ومنافرات وضروبا من الجوار التمثيلي كما في مقامته المسكية في أنواع الطيب، ومقامته الوردية في أنواع الرياحين، والتفاحية في أنواع الفواكه، والفستقية في أنواع النقول وغيرها، وبعض مقاماته يعتبر مقالات أو رسائل تعرض لموضوع معين ونتناوله بالمعالجة وذلك كمقامته اللازوردية في التعزية عن فقد الأولاد، ومقامته في وصف الروضة والمقامة الطاعونية وغير ذلك.
فالمقامة المسكية يفترض فيها المؤلف اجتماع أمراء الطيب ومنافرتها وقيام أحد الحكام بإعطاء كل منهم أوصافه وحقوقه، وقد حكم بين المسك والعنبر والزعفران فقدم المسك وجعل العنبر ثانيا والزعفران في المرتبة الثالثة، وصرح لكل بفضله «١»، وقد التزم السيوطي المحسنات اللفظية في سائر المقامة، وفي المقامة الوردية «٢»، افترض أن الأزهار قد اجتمعت عساكرها واتفقت على عقد مجلس لاختيار من هو أحق بالملك فصعد كل منها المنبر ليبدي فضيلته وحجته، وهو يلتزم فيها أيضا الأسلوب البديعي فيقول فيها: « واتفقت على عقد مجلس حافل، لاختيار من هو بالملك أحق وكافل، وها أكابر الأزاهر، قد صعدت المنابر، ليبدي كل حجته للناظر، ويناظر بين أهل المناظر، في أنه أحق أن يلحظ بالنواظر، من بين سائر الرياحين النواضر، وأولى بأن يتأمر على البوادي منها والحواضر الخ» «٢».
أما المقامتان التفاحية والفستقية فهما وصف لأنواع الفواكه والنقول وفوائدها المتنوعة، وما ورد فيها من الآثار مع العناية بالتزام الأسلوب البديعي الذي يتسم بالتكلف في غالب الأحيان. وتمتلئ مقامات السيوطي بالآيات والأحاديث التي يضمنها عباراته كما تشيع فيها الحكم والأمثال والأشعار الكثيرة، واختياره للأشعار يدل على ذوق أدبي جميل، وفي مقامته التي خصصها للتعزية عن فقد
_________________
(١) المقامة المسكية، مقامات السيوطي ص ١ - ١١.
(٢) المقامة الوردية، المقامات ص ١١ - ٢٤.
[ ١٦٠ ]
الأولاد «١»، بدأها بقوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ثم بين أن المصاب بفقد الأولاد من أعظم المصاب، وتحدث عن الصبر وما فيه من الأجر، وأورد الأحاديث التي تتحدث عن أجر الصبر على فقد الولد
وأخذ يسرد الآثار والأخبار بأسلوب مقنع واضح، وبين ما للأطفال عند ربهم، ثم ختمها بقوله: «فيا أيها الوالد الجريح، والواله القريح، ماذا البكاء والصريخ، بعد هذا الخبر الصريح، وماذا العويل والضجيج بعد ما ثبت في الحديث الصحيح، وماذا التلهف والتأسف بعد هذا القضاء المريح المريح».
فإن كنت تبكيه طلابا لنفعه فقد نال جنات النعيم مسارعا
وإن كنت تبكي أنه فات عوده عليك بنفع فهو قد صار شافعا
فطب نفسا بهذا الفضل العظيم، وقرّ عينا بنزول ولدك في جوار الرب البر الرحيم وأنشد عن نفسك قول شاعر حكيم:
جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري
وإن تلوت «يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم»، فاتل تلوها «إنما أموالكم وأولادكم فتنة، والله عنده أجر عظيم الخ» «٢».
على أنه قد تطرق في مقاماته إلى موضوعات فيها شيء من المجون والأدب المكشوف فمن مقاماته «رشف الزلال من السحر الحلال» «٣»، وتسمى مقامة النساء، وقد تحدث فيها بلسان عشرين عالما يصف كل منهم ما جرى بينه وبين عروسه ليلة دخوله بها موريا باصطلاحات علمه وفنه، وبالمقامة تعبير مكشوف وميل إلى المجون برغم أنه بدأها بمقدمة استحث فيها على الزواج والابتعاد عن المحرمات، وقد التزم فيها المحسنات اللفظية وأكثر من إيراد الأشعار، وإذا كان
_________________
(١) المقامات ص ٧٦، مخطوط بدار الكتب برقم ٢٢٧٢٩ ب.
(٢) مقامات السيوطي ص ٨٤.
(٣) رشف الزلال من السحر الحلال (طبعت بالقاهرة طبع حجر بدون تاريخ).
[ ١٦١ ]
قد انزلق إلى هذا الضرب من الأدب الماجن مع ما عرف عنه من زهد وتقوى وجد فلعل له عذره في ذلك، فهو أديب والأديب طروب، والنفس تمل من طول الجد وتميل إلى التروح، ولم يكن لدى الرجل من أسباب التروح غير ما يقرأه أو يكتبه. أما أسلوبه في مقدمات كتبه وفي رسائله الأدبية الأخرى فقد التزم فيه النهج البديعي واستعمل المحسنات اللفظية، أما في كتاباته العلمية فقد تحرر من البديع وأرسل قوله على عواهنه وتميز أسلوبه العلمي بالسهولة والوضوح والاستقامة وحسن العرض، ولولا تجنب الاطالة لمثلنا لجميع ذلك بأمثلة توضح ما نذهب إليه.