ولكنه بعد هذه المحنة اتجه إلى الاعتكاف واعتزال الناس، ونحن نقرر أن اعتزاله واعتكافه الذي ذكره المترجمون له إنما كان بعد هذه المحنة في عام ٩٠٦ هـ، ويصف المترجمون ذلك بأنه «لمّا بلغ أربعين سنة أخذ في التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاشتغال به صرفا، والاعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته وترك الافتاء واعتذر عن ذلك في مؤلف سماه بالتنفيس، وأقام في روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات» «٢».
فصاحب هذا النص وغيره من المترجمين «٣»، يوقتون انقطاع السيوطي واعتكافه وميله للعزلة ومقامه بالروضة ببلوغه الأربعين، وقد سبق أن رأينا أن ذلك يتنافى مع ما قدمنا من ترجمة حياته بعد الأربعين وتوليه مشيخة البيبرسية وقيامه بالقاء الدروس بالجامع الطولوني وغير ذلك من أنواع الأنشطة، وأظهر من ذلك سعيه لتولي منصب رئاسة القضاء.
والحق أن ما يذكره أصحاب هذه التراجم من أمر هذا الاعتكاف إنما كان بعد المحنة الأخيرة التي واجهها السيوطي عام ٩٠٦ هـ وهو في السابعة والخمسين من عمره، ومنذ ذلك الحين اتجه إلى الاعتكاف تماما وابتعد عن المشاركة في الحياة العامّة، وانقطع للعبادة والتأليف بمنزله بالروضة حتى وافته المنية.
_________________
(١) أحكام قراقوش، رسالة مخطوطة ضمن مجموعة رسائل برقم ٢٥ مجاميع قوله، وفي مقدمتها ما يدل على أنه كان إلى عام ٨٩٩ يختلف إلى المسجد الطولوني ورقة رقم ١٦٧.
(٢) شذرات الذهب ج ٨ ص ٥٣.
(٣) ذيل الطبقات الكبرى ورقة ١٧، ١٨، ص ٣٤، ٣٥.
[ ١١٦ ]
وقد زهد السيوطي في الحياة ورغب عن المناصب التي كان يشغلها من قبل أو التي حدثته نفسه بالطموح إليها في وقت من الأوقات، وصمم هذه المرة وقد بلغ السابعة والخمسين من عمره على أن يعتكف في بيته وأن يبتعد عن الحياة بما فيها من زينة بدت زائفة أمام عينيه، وما بها من مظاهر أصبحت نفسه لا تطيقها، لا سيما أنه رجل صوفي درس التصوف وانطبعت به نفسه فأحب أن يطبق الجانب العملي منه بعد أن أحاط بالجانب النظري، فالتصوف كما يعرفه أهله علم وعمل، ولا يجوز للمتصوف الحقيقي أن يسلك أحدهما دون الآخر وإلا كان عمله مبتورا.
ونحن نقرر هنا أن الرجل الذي دافع عن التصوف طيلة حياته، وألف فيه عديدا من الكتب والرسائل وولى مشيخته في بعض الخوانق قد أراد أن يسلك طريق الصوفية عملا بالتجرد والزهد والاعتكاف، والانقطاع إلى الله والعبادة.
ولم يكن هذا الاتجاه- في حقيقة الأمر- شاغلا للسيوطي عن العلم والمشاركة فيه بل إنه ألف في هذه الفترة من حياته كثيرا من المؤلفات، وقد أتاح له الاعتكاف والاعتزال والابتعاد عن الحياة بمشاغلها الفرصة للعلم والتأليف.
وكان السيوطي يقيم في منزل يطل على النيل بجزيرة الروضة بجنوب القاهرة، وكانت جزيرة الروضة من الأماكن المفضلة في السكنى آنذاك، وقد أشاد السيوطي بالروضة وجمالها وفضلها في السكنى على غيرها من الأحياء الأخرى «١»، بيد أنه بعد اعتكافه الأخير وانقطاعه كلية في منزله بها لم يكن يفتح طاقات بيته المطلة على النيل «٢».
وتجلت صور العزوف عن الدنيا وأهلها وزينتها وسلطانها في سلوك السيوطي في عزلته الأخيرة حين كان يأتي الأمراء والأغنياء ويعرضون عليه الأموال فيردها، وحين أرسل إليه الغوري خصيا وألف دينار فأخذ الخصي وأعتقه وجعله خادما في الحجرة النبوية، وردّ الألف دينار وقال لقاصد السلطان: لا تعد تأتينا قط
_________________
(١) مقامة الروضة: روضة مصر، مقامات السيوطي ص ٦٣ - ٦٨.
(٢) الشعراني: ذيل الطبقات الكبرى ورقة ١٨ ص ٣٥.
[ ١١٧ ]
بهدية فإن الله أغناني عن مثل ذلك «١»، وقد كان السيوطي يرى منذ وقت مبكر في حياته وبعد اصطدامه بالسلطان قايتباي أن عدم التردد إلى السلاطين والأمراء أسلم للمسلم وكذلك رد أموالهم عليهم.
وفي هذه الفترة الأخيرة من حياة السيوطي عرض عليه الغوري أن يلي مشيخة مدرسته التي ابتناها بالقبة الزرقاء فلم يقبل، ويبدو أن السلطان قد ألح عليه، ولكن الرجل قد ثبت على رأيه وآثر البقاء في عزلته «٢».
ولقد كان السيوطي يحاول أن يعتزل منذ وقت مبكر، وكان ينفث في كتاباته ما يدل على ميله إلى الزهد وإحساسه بدنو الأجل، فهو حين يترجم لنفسه وقد كتب هذه الترجمة وهو في الحلقة الخامسة من عمره يقول بعد أن يعدد العلوم التي حصلها وأنه اكتملت لديه آلات الاجتهاد: «أقول ذلك تحدثا بنعمة الله تعالى لا فخرا، وأي شيء في
الدنيا حتى يطلب تحصيلها في الفخر، وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب وذهب أطيب العمر» «٣».
وظل السيوطي في عزلته وانقطاعه إلى العبادة والتأليف، وابتعاده عن الحياة العامة بالرغم من ميل السلطان الغوري إلى إشراكه في الحياة العامة وتوليته بعض المناصب لما كان يكنه له من إكبار في نفسه، حتى إذا ما انقضت سنوات ثلاث على هذه العزلة وتوفي الشيخ يس البلبيسي شيخ البيبرسية (ذو الحجة عام ٩٠٩ هـ) «٤»، عرض على السيوطي أن يعود مرة ثانية إلى وظيفته السابقة ولكنه رفض «٥».
وقد كان السيوطي في هذه المرحلة الأخيرة من حياته يسلك المسلك العملي للصوفية وقد أعرض عن الدنيا وأهلها وامتنع عن الذهاب إلى الأمراء والسلاطين، وقد روي أنه سئل أن يقضي حاجة لإنسان عند الغوري، وكان
_________________
(١) المصدر السابق ورقة ١٨ ص ٣٦، شذرات الذهب ج ٨ ص ٥٣.
(٢) ذيل الطبقات الكبرى ورقة ٢١ ص ٤١.
(٣) حسن المحاضرة ج ١ ص ١٩٠.
(٤) ابن العماد: شذرات الذهب ج ٨ ص ٤٣ ترجمة البلبيسي. TheEncy clopaediaofIslam» AlSuyuti «. (٥)
[ ١١٨ ]
الغوري يقدره ويعرف مكانته، ولكنه اعتذر عن ذلك بأنه يرى النبي ﷺ يقظة، ويخشى على نفسه أن يجتمع بالغوري فيحتجب النبي ﷺ عنه «١»، ونحن لا نستبعد صدور مثل هذا القول عن السيوطي، فليست القصة من قبيل المنقبيات التي رواها له الشعراني، فقد ألف السيوطي رسالة في «إمكان رؤية النبي والملك» سماها بتنوير الحلك «٢»، وقد حشد فيها كثيرا من الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين والأولياء التي يستدل بها على إمكان ذلك، كما أورد أسماء كثيرين ممن وقعت لهم هذه المكاشفات، وبالرغم من أنه لم يصرح في رسالته بحدوث الرؤية له، فإن ما ذكره ودافع عنه يشهد لصحة ما نذهب إليه من صدق نقل الرواية السابقة عنه.
ولست هنا بصدد مناقشة صحة الموضوع فذلك لا يفيدنا في شيء، وإنما يهمنا ما يوحي به من دلالات وما يفسره لنا من الاتجاه الذي سار فيه الرجل في المرحلة الأخيرة من حياته وهو اتجاه التصوف العملي.