على أن القاهرة وأسواقها لم تبق على حال ثابتة من الهدوء والسكينة في ذلك العصر، بل كثيرا ما تأثرت المدينة وأسواقها بعوامل سياسية أو اقتصادية أو اعتبارات أمن أدت إلى اضطراب الأحوال فيها، فقد أدت كثرة المنازعات والفتن بين أمراء المماليك وأحزابهم كما أدت ثوراتهم المستمرة في وجه السلطان إلى اضطراب الأمن في كثير من الأحيان، وتعرضت الأسواق لهجماتهم التي تقصد إلى السلب والنهب، وتكاد تكون جميع حوادث الفتن السياسية مصحوبة بمهاجمة الأسواق ونهب ما فيها الأمر الذي كان يترتب عليه أن تغلق المتاجر وتتوقف الحياة داخل الأسواق لعدة أيام حتى يعود الهدوء، وكان يكفي أن
_________________
(١) ابن إياس: بدائع الزهور ج ٢ ص ١٧٢، ١٧٣.
(٢) المصدر السابق ج ٢ ص ١٧٧.
(٣) نفس المصدر ج ٢ ص ٢٠٧.
(٤) نفس المصدر ج ٢ ص ٢٤٥ وانظر ج ٢ ص ٢٠٨، ص ١٨٧، ص ٣٦٤.
[ ٤٥ ]
يرجف بموت سلطان أو بهزيمة جنوده حتى يحل الفزع والاضطراب في جميع أرجاء المدينة.
وبالاضافة إلى عامل الفوضى الناتج عن الفتن السياسية نجد ثمة عاملا آخر هو اختلال الأمن نتيجة لهجوم العصابات المسلحة الكبيرة على المدينة بين حين وآخر، وبالرغم من الاحتياطات والتدابير التي كان يقوم بها المسئولون بالمدينة فإن أخبار هذه الحوادث وكثرتها يعطي صورة للقلق وعدم الاستقرار وعدم التمكن من السيطرة على المفسدين حتى عدّ القبض على بعضهم «من النوادر» «١». وقد كان لذلك أثره في إشاعة القلق والاضطراب.
وفضلا عن ذلك فهناك العوامل الاقتصادية المتصلة حينا بانخفاض النيل وما يترتب عليه من نقص الأقوات «٢»، وحينا آخر بتلاعب السلاطين بالعملة، والتلاعب بالعملة مشهور في ذلك العصر، فكان السلطان يعمد إلى ضرب نقود جديدة ويجعل قيمتها أكبر مما في أيدي الناس فيخسرون بذلك أموالا طائلة ويكون هو المستفيد بفروق
القيمة «٣»، ويحدث الاضطراب والقلق بين التجار وفي الأسواق.
وحوادث تغيير العملة وإبطالها والتلاعب بها كثيرة في ذلك العهد «٤»، وقد تناول السيوطي ذلك في مبحث فقهي رائع عن أحكام الدّين بعد تغيير العملة وهل يطالب من عليه الدين بقيمته يوم اللزوم أو يوم المطالبة؟ وهل يأخذ الدائن من الفلوس الجدد المتعامل بها عددا بالوزن أو بالعدد؟ وقد تقصى بذلك إجابة على ما ورد عليه من الأسئلة في ذلك الحين. «٥»
_________________
(١) ابن إياس: بدائع الزهور ج ٤ ص ٣٩، ٤٠، وهناك عدد من الأمثلة التي أوردها لهجوم العصابات على أسواق المدينة وأحيائها ج ٢ ص ٢٢٩، ص ٢٩٤.
(٢) المصدر السابق ج ٢ ص ٢٢٦، ٢٤٠، ٢٤١، ٢٤٢، ٣٣٦.
(٣) نفس المصدر ج ٢ ص ١٥٧ ذو الحجة سنة ٨٧٩ هـ.
(٤) نفس المصدر ج ٢ ص ١٩٦، ص ٣١٠.
(٥) رسالة للجلال السيوطي بعنوان «قطع المجادلة عند تغيير المعاملة» وهي مطبوعة بكتاب الحاوي ج ١ ص ١٤٩.
[ ٤٦ ]