والمجتمع في عصر المماليك مجتمع طبقي تتضح فيه الفروق بين الطبقات، وتتزيل كل طبقة عن الأخرى بمجموعة من الخصائص والمظاهر.
وأكثر فئات المجتمع تميزا عن غيرها هي فئة المماليك التي كانت تمثل طبقة عسكرية ممتازة تستأثر بالحكم وبشئون الحرب، ولهم من أصلهم ونشأتهم وأسلوبهم في الحياة وبعدهم عن أهل البلاد سياج يحيط بهم ويميزهم عن غيرهم.
ولم يكن هؤلاء من أصل واحد، بل كانوا مجتلبين من شتى البلاد، وقد بالغ كثير من السلاطين في شراء المماليك واعدادهم، واهتموا بتربيتهم اهتماما كبيرا ولم يضنوا عليهم بتوفير المعيشة الفاخرة، وعند ما يشب المملوك ويخرج من الطباق يقرر له راتب شهري «جامكية» ويتدرج في الترقي وربما أتيح له أن يصبح من أمراء المماليك وكبار رجال الدولة، وربما يستطيع بعد ذلك الوصول إلى السلطنة.
وقد تمتع المماليك بحظ كبير من الثراء عن طريق الأموال والاقطاعات الكبيرة التي تصلهم من الدولة «١»، وظلت القاعدة في الإقطاع أن يئول إلى السلطان
_________________
(١) د. سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ١٩.
[ ٣٤ ]
بانتهاء مدة الاقطاع أو بسبب وفاة المقطع أو عزله أو إخلاله ببعض الشروط، وقد كان لهذه الطائفة مكانة كبيرة في المجتمع، وتمتع أمراؤهم بنفوذ عظيم في البلاد، بل كثيرا ما كان بعضهم يطغى نفوذه على نفوذ السلطان وكثيرا ما نجد بعضهم يتصرفون في حكم البلاد وجباية الأموال لأنفسهم في حرية مطلقة كالسلطان سواء بسواء.
ولم يحاول المماليك الزواج من أهل البلاد والاختلاط بهم بل غالبا ما كانوا يختارون أزواجهم وجواريهم من بنات جنسهم اللائي جلبن معهم «١»، ولم يحدث الخروج على هذا العرف إلا في حالات قليلة.
على أن أسس تربية المماليك واعدادهم التي روعي فيها اختيار السبل التي تضمن طاعتهم وولاءهم وتخلقهم بالآداب الحسنة وتمسكهم بالدين لم تلبث أن تطرق إليها الخلل في جوانب عديدة كان لها أثرها في فقد المماليك روح النظام والطاعة، واتضح ذلك جليا في الفترة التي نهتم بها وهي آخر عصر المماليك، ففضلا عن الثورات والفتن السياسية وما فيها نجد لهم حركات افسادية تهدف إلى النهب والسلب أو الحصول على نفقة من الدولة أو تعجلا لنفقة متأخرة أو ما شابه ذلك، وهناك عديد من الأمثلة التي ذكرها ابن اياس المؤرخ المعاصر لهذه الفترة، فمن ذلك ثورة المماليك الجلبان في عام ٨٧٨ هـ حيث هاجموا بولاق ونهبوا ما فيها وقصدوا «شونة» الأمبريشبك الدوادار ونهبوها، وقد استمرت الفتنة أياما هرب خلالها بعض الأمراء خوفا على أنفسهم من النهب «٢»، وتكرر حادث مشابه في العام التالي «٣»، ثم نجد فتنة تثور بين بعضهم وبين بعض حتى يقع القتال في صفوفهم «٤»، واضطراب آخر يحاول فيه المماليك قتل مقدمهم «٥» «٦»،
_________________
(١) المصدر السابق ص ٢٣.
(٢) ابن إياس: بدائع الزهور ج ٢ ص ١٤٩.
(٣) المصدر السابق ج ٢ ص ١٥١.
(٤) المصدر السابق ج ٢ ص ١٨٣.
(٥) المصدر السابق ج ٢ ص ٣١٤.
(٦) نفس المصدر ج ٢ ص ٢١٥.
[ ٣٥ ]
وتتكرر هذه الاضطرابات التي يقصد بها المماليك النهب والسلب لا سيما طائفة المماليك الجلبان «١». والحقيقة أن كثرة هذه الاضطرابات تدل على فساد هذه المؤسسة العسكرية الحاكمة، وقد نشأ هذا الفساد لا سيما في طائفة الجلبان بسبب اجتلابهم كبارا في السنّ، وعدم أخذهم في التربية الإسلامية مأخذ الجد وقلة تعودهم على الانضباط والطاعة والخلق القويم، ولذلك كثر شغبهم وفسادهم، وكان ذلك مؤذنا أو مرهصا بنهاية دولة المماليك بأسرها.
وقد تعود المماليك الثورة بسبب طلب نفقة البيعة وهي تعني بيعتهم للسلطان الجديد، ويكاد الحديث عن هذه الثورة يكون أمرا معاد مألوفا عند بداية عهد كل سلطان، فضلا عن الثورة بسبب تعجل نفقة متأخرة أو نفقة بسبب الخروج إلى القتال أو العودة بعد الانتصار «٢».
ولقد كانت هذه النفقات تكلف الدولة كثيرا من الأموال فكان السلاطين يصادرون بسببها كثيرا من أموال الأغنياء والأمراء، وهكذا فلقد ظهرت هذه الطبقة في هذه الفترة- فضلا عما تمتعت به من حظ لم يتح لغيرها- بمظهر الفئة الباغية المفسدة في كثير من الأحيان.