وأول هؤلاء الأساتذة ابن حجر العسقلاني، وبالرغم من أن السيوطي- على وجه التحقيق- لا يعد من تلاميذه إذ إنه لم يحضر مجلسه إلا في طفولته صحبة والده «١»، فإنه تأثر به تأثرا كبيرا، وقد كان أمله في يوم من الأيام أن يصل إلى مرتبته في الحديث «٢»، وقد كان السيوطي بعد نفسه من تلامذة ابن حجر العسقلاني ويتحدث عنه أحيانا بعبارة «شيخنا» وقد روى عنه متعمدا على الاجازة العامة، وقد قال عن نفسه: «ولي منه إجازة عامة، ولا أستبعد أن يكون لي منه إجازة خاصة، فإن والدي كان يتردد إليه وينوب في الحكم عنه، وإن يكن فاتني حضور مجالسه والفوز بسماع كلامه، والأخذ عنه فقد انتفعت في الفن بتصانيفه، واستفدت منها الكثير، وقد غلق وختم به هذا الشأن» «٣».
وقد ترجم السيوطي لابن حجر في كتابه نظم العقيان فذكر أنه «فريد زمانه وحامل لواء السنة في أوانه إمام لهذا الفن للمتقدمين، ومقدم عساكر المحدثين، وعمدة الوجود في التوهية والتصحيح، وأعظم الشهود والحكام في بابي التعديل والتجريح» «٤».
كان ابن حجر أولا وقبل كل شيء إماما في الحديث وحسبه شرح البخاري الذي نبه ابن خلدون من قبل على أنه دين على هذه الأمة، وله إلى جانب جهوده في علوم الحديث مشاركة في كثير من العلوم والفنون، وهو شاعر مجيد وأحد السبعة الشهب الذين سبقت الاشارة إليهم، وقد ولى في حياته وظائف
_________________
(١) ابن العماد: شذرات الذهب ج ٨ ص ٥٢، العيدروسي: تاريخ النور السافر ص ٥٤.
(٢) حسن المحاضرة ج ١ ص ١٩٠.
(٣) السيوطي: ذيل طبقات الحفاظ للذهبي ص ٣٨١، ٣٨٢.
(٤) نظم العقيان في أعيان الأعيان ص ٤٦.
[ ٩٨ ]
سنية منها «تدريس الحديث بالشيخونية وبجامع القلعة وبالجمالية، وبالبيبرسية، وتدريس الفقه بالمؤيدية وبالشيخونية وولى مشيخة الشيوخ بالبيبرسية، ومشيخة الصلاحية بجوار مشهد الامام الشافعي رحمه الله تعالى، وولى قضاء القضاة بالديار المصرية» «١»، وله عدد كبير من المصنفات.