رأينا من قبل في حديثنا عن التصوف والمجتمع كيف انتشر التصوف في البلاد المصرية، وقد استتبع ذلك وساعد عليه في نفس الوقت كثرة البيوت التي أنشئت للصوفية وعرف بعضها بالخوانق وبعضها الآخر بالربط كما عرف قسم ثالث بالزوايا.
وتكاد تنعدم التفرقة بين مسميات هذه الأسماء حتى وقع خلط فيها لدى المؤرخين فذكر ابن بطوطة أن الخانقاه هي الزاوية وأن المصريين يطلقون على زواياهم اسم خانقاوات أو خوانق «٥».
_________________
(١) ابن إياس: بدائع الزهور ج ٢ ص ١٥٨. الحديث عن الشيخ أمين الدين الأقصرائي.
(٢) حسن المحاضرة ج ٢ ص ١٨٤ - ١٩٤، محمود رزق سليم: عصر سلاطين المماليك، المجلد الثالث ص ٣٧ - ٥٧.
(٣) د. سعيد عاشور: العصر المماليكي ص ٣٣٣، عبد الوهاب حمودة: صفحات من تاريخ مصر ص ١٠٢، ١٠٣.
(٤) العصر المماليكي ص ٣٣٣.
(٥) رحلة ابن بطوطة ج ١ ص ٢٠.
[ ٦١ ]
والذي يهمنا الآن هو أن نذكر أن هذه المنشآت التي أنشئت لإقامة الصوفية لم تخل من الجوانب العلمية، بل إنها جعلت- على مر الأيام- تحل محل المدرسة تدريجيا، وسنرى الآن أن بعض هذه الخوانق فضلا عن قيامها بوظيفتها الأولى وهي إيواء الصوفية وإقامة شعائرهم قد أصبحت دورا للعلم تضارع أعظم المدارس في عصرها، ووجد بها تدريس كثير من المواد الدراسية المعروفة، ولعل هذا الاتجاه العلمي للخوانق هو الذي جعل بعض المؤرخين يطلق على بعضها اسم المدرسة مرادفا للخانقاه «١»، وهو كذلك ما حدا بالسيوطي إلى أن يذكر الخوانق المصرية أثناء حديثه عن المدارس في الفصل الذي عقده عن المدارس والخوانق حيث لم يفصل المدارس عن الخوانق «٢»، مما يدل على كونها من الناحية العلمية كالمدارس سواء بسواء، وسنشير هنا إلى بعض هذه الخوانق التي تولى السيوطي مشيخة اثنتين منها.