وهو مؤلف آخر للسيوطي في نفس الموضوع الذي كنا بصدده آنفا، بيد أن هذا المؤلف يتميز عن سابقه بعدة مميزات سنوضحها فيما يأتي، وقبل بيان مميزات هذا المؤلف نذكر أنه لم يطبع إلى الآن، وقد اعتمدت على نسختين مخطوطتين بدار الكتب المصرية بالخزانة التيمورية أولاهما برقم ٢٨٥ لغة، وهي في ١٥ ورقة أي أن صفحاتها ٢٩ صفحة، وصفحاتها من القطع الكبير وليس بهذه النسخة اسم كاتبها ولا تاريخ كتابتها، والنسخة الأخرى برقم ٢٨٦ لغة، وعدد أوراقها ١٨ ورقة أي أنها تقع في ٣٦ صفحة، وخطها أكثر وضوحا من الأولى، كتبها علي بن سالم ابن أحمد الشافعي في شوال سنة ١٢٩٩ هـ.
وقد أشار السيوطي إلى مؤلفه هذا في كتابه الاتقان بصدد الحديث عما وقع في القرآن بغير لغة العرب حيث قال: «قد أفردت في هذا النوع كتابا سميته المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب» «١»، وما ذكره بالاتقان في هذا الموضوع ليس غير تلخيص لما بالمهذب.
ويمتاز هذا المؤلف عن سابقه بالبسط والايضاح وكثرة النقول، وقد ذكر فيه ١١٧ لفظة نقل نسبتها إلى غير العربية من اللغات المختلفة فهو بذلك قد زاد على ما بالكتاب السابق نحو ثمانية عشر لفظا، كما أنه- في هذا الكتاب- قد بسط القول عما نقل عن نسبة كل لفظ، بينما أجمل القول واختصر في كتابه السابق.
ويختلف ترتيب ألفاظ «المهذب» عن ترتيب الكتاب السابق، فقد رتب هذه الألفاظ حسب الحروف الأبجدية فبدأ بكلمة «أباريق»، ثم «أبّ» ثم «ابلعي» ثم «أخلد» وهكذا حتى نهاية ما أورده من الألفاظ التي انتهت بلفظتي «اليم» ثم «اليهود».
_________________
(١) الاتقان ج ١ ص ١٣٦.
[ ٢٠٠ ]
وقد قدم لمؤلفه بمقدمة مستفيضة تحدث فيها بوضوح عن اختلاف العلماء حول وقوع المعرب في القرآن، وعرض هذه الآراء جميعها، وبيّن أن اختياره هو وقوع ألفاظ من جميع اللغات بالقرآن الكريم، وقد أورد عددا من النقول التي تؤيد رأيه وأكثر منها فروى عن إسحاق بن أبي ميسرة قوله: «في القرآن من كل لسان»، ونقل بإسناد عن الضحاك نفس القول، وعن غيره أنه قال: «ليس لغة في الدنيا إلا وهي في القرآن » إلى آخر ما أورده، وقد تحدث محاولا التعليل لاحتواء القرآن على ألفاظ من اللغات الأخرى ونقل عددا من وجهات النظر التي ترى أن ذلك إحدى مناقب القرآن وفضائله، وقد عرضنا لهذا الموضوع فلا حاجة بنا إلى إعادته.
وقد ختم السيوطي مؤلفه بقوله: «فهذا ما وقفت عليه من الألفاظ المعربة في القرآن بعد الفحص الشديد سنين، وسعة النظر والمطالعة، ولم تجتمع في كتاب قبل هذا، وقد نظم القاضي تاج الدين السبكي منها سبعة وعشرين لفظا في أبيات، وذيّل عليه الحافظ أبو الفضل بن حجر بأبيات فيها أربعة وعشرون، وعدة ما استدركته عليهما اثنان وسبعون لفظا، ستة كالمكررة فتمت بدونها مائة لفظ وسبع عشرة لفظة، وقد ذيلت عليهما بالست والستين» «١».
وهكذا يتضح مدى الجهد الذي بذله في الاحاطة بجوانب الموضوع، وقد غلبت عليه الطبيعة التي امتاز بها عصره وهي الجمع والترتيب والتنسيق- والمنهج النقلي الذي وضحنا خصائصه- في هذه المرحلة.
وقد ختم السيوطي مؤلفه بمنظومة للتاج السبكي يذكر فيها الألفاظ المعربة التي وقعت في القرآن والتي يقول فيها:
السلسبيل وطه كورت بيع روم وطوبى وسجيل وكافور
إلى آخر ما أورده، ثم أتبعها بما استدركه الحافظ ابن حجر الذي نظم فيه قوله:
وزدت حرّم ومهل والسجل كذا السّرى والأب ثم الجبت مذكور
_________________
(١) المهذب ورقة ١٧ ص ٣٤.
[ ٢٠١ ]
ثم أورد بعد ذلك نظما له في الألفاظ التي زادها في أحد عشر بيتا أولها:
وزدت يس والرحمن مع ملكو ت ثم سينين شطر البيت مشهور
والجدير بالذكر أن هذه المنظومات التي أوردها بآخر كتابه قد أوردها آخر النوع الذي تحدث فيه عما وقع في القرآن بغير لغة العرب في كتابه الاتقان «١».
وبالرغم من أن السيوطي قد اختار كما بينا مذهب القائلين بوقوع ألفاظ أعجمية في القرآن فإنه يعقد في كتابه المزهر مبحثا عن «توافق اللغات» «٢»، يذكر فيه أن الجمهور قد ذهبوا إلى أنه ليس في كتاب الله سبحانه شيء بغير لغة العرب، وينقل في ذلك أقوال أبي عبيدة وابن فارس والفخر الرازي التي تذهب إلى القول بالموافقة في الوضع اللغوي بين العربية وبين اللغات الأخرى، ثم ينقل بعض الأمثلة لألفاظ أخرى منها ما وقع في القرآن، ومنها ما لم يقع، ذهب اللغويون إلى القول بأنها مما وافقت فيه العربية غيرها من اللغات، ولم يعقب بشيء على هذه النقول التي تخالف وجهة نظره.