استقر العرف اللغوي على إطلاق «الجامع» على المسجد الذي تقام فيه الجمعة، و«الجامع» في الأصل وصف للمسجد كان يلفظ به مقترنا بموصوفه فيقال المسجد الجامع أو مسجد الجامع، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه أو حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فاستعملت الكلمة وحدها لكل مسجد تقام به الجمعة.
ولم يقتصر الغرض في إنشاء المساجد عند المسلمين منذ أوائل عهودهم على إقامة الصلوات فحسب وإنما امتد إلى الأغراض العلمية والسياسية.
وقد عرفت مصر في عصر المماليك عددا ضخما من المساجد قدّرت بالقاهرة على عهد المقريزي بمائة وثلاثين مسجدا تقام بها الجمعة «٣»، على حين قدرها غيره بأكثر من ألف مسجد «٤». وقد شهد كثير من هذه المساجد ألوانا متنوعة من النشاط العلمي، وقام بالتدريس فيها كبار علماء العصر، وكثيرا ما نرى في تراجمهم أسماء المساجد التي كانوا يترددون عليها. فالكمال السيوطي كان يدرس الفقه بالجامع الشيخوني المقابل للخانقاه، وابنه الجلال السيوطي قام بالتدريس في نفس المسجد مكان أبيه «٥»، كذلك تردد السيوطي على جامع ابن طولون يملي الحديث «٦».
وكان لكل مسجد أوقاف سخية تقوم بسداد احتياجات المسجد والإنفاق على مرافقه والعاملين به كما تكفل أموال القائمين بالتدريس فيه في بعض الأحيان.
_________________
(١) السيوطي: حسن المحاضرة ج ٢ ص ١٨٧.
(٢) المقريزي: الخطط ج ٤ ص ٢٨٤، بدائع الزهور ج ١ ص ١٦٣.
(٣) المقريزي: الخطط ج ٤ ص ٢.
(٤) خليل بن شاهين الظاهري: زبدة كشف الممالك ص ٣١.
(٥) السخاوي: الضوء اللامع ج ٤ ص ٦٦.
(٦) أحكام قراقوش ورقة رقم ١٦٧ وهي رسالة مخطوطة للسيوطي ضمن مجموعة رسائل.
[ ٦٦ ]
وقد أفرد السيوطي في كتابه «١»، فصلا للحديث عن جوامع مصر، فذكر أربعة منها هي جامع عمرو وجامع ابن طولون والجامع الأزهر وجامع الحاكم، وسنشير هنا إلى المساجد الثلاثة الأول باعتبارها دورا للعلم لم تكن تقل شأنا عن المدارس أو الخوانق، بل اننا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن بعضها قد بذّ جميع المدارس وتفوق عليها في ضروب نشاطه العلمي في بعض الأحيان.
ولم تكن الدراسة بهذه المساجد مقصورة على العلوم الدينية واللغوية فحسب، بل تعدتها إلى غيرها من العلوم كالطب والفلك والحساب وغيرها، وكانت مشيخة الجامع لا سيما إذا كان كبيرا من الوظائف الهامة بالدولة وكانت تسند إلى المبرزين في العلوم الدينية.