تناول السيوطي في كتابه الاتقان بعض المباحث اللغوية سنقتصر منها على الأبواب التي تناول فيها غريب القرآن وما وقع فيه بغير لغة الحجاز، وحديثه عن الخاص والعام والمطلق والمقيد.
وقد تناول غريب القرآن «٣» فبدأ ببيان ما صنف في الموضوع من قبل ونص على ضرورة معرفته بالنسبة للمفسر، وأن علم ذلك يحتاج إلى كتب اللغة ومعاجمها، ثم بين أن أولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه، ثم ساق بعد ذلك جميع ما ثبت عنده عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة لأنها من أصح الطرق عنه وهي التي اعتمد عليها
_________________
(١) الإتقان ج ١ ص ١٤١، ١٤٣.
(٢) المزهر ج ١ ص ٢٦٦.
(٣) الإتقان ج ١ ص ١١٥ - ١٣٤.
[ ٢٠٢ ]
البخاري، وبعد سرد جميع هذه الألفاظ التي ثبتت رواية تفسيرها عن ابن عباس تحدث السيوطي عن الاحتجاج لغريب القرآن بالشعر ونبه إلى أن ذلك كثير غير منكر، وأن ابن عباس قد أمر به، ثم نقل عن ابن عباس مسائل نافع بن الأزرق.
ويتمثل جهد السيوطي في جمع هذه المسائل من مختلف المظان وتمحيصها وإيرادها في كتابه بتمامها، وهذه المسائل تتناول أسئلة عن ألفاظ غريبة في القرآن وبيان تفسيرها والاستدلال عليها بما روى عن العرب من الشعر، وقد استغرقت صفحات طوالا، والحق أنها ذات قيمة جليلة في بيان كثير من ألفاظ القرآن الكريم.
ويتضح من عرض السيوطي لهذا الموضوع تأكيد ما قلناه عن منهجه النقلي في التأليف الذي يتمثل في الاشارة إلى المؤلفات السابقة وجمع الأقوال المتنوعة، واستقصاء الموضوع استقصاء تاما، ثم إن منهجه الحديثي النقلي يتضح في تمحيصه للروايات وايراده ما ثبت عن ابن عباس من تفسير هذه الألفاظ الغريبة، وتتضح لديه القدرة على الجمع والتنسيق.
وحين تناول ما وقع في القرآن بغير لغة الحجاز «١»، نقل كثيرا من الألفاظ التي وردت في القرآن ونسبت إلى لهجات القبائل المختلفة متبعا نفس منهجه النقلي، وقد أورد عددا كبيرا من هذه الكلمات، بيد أن هذا المنهج وإن ظهرت مزاياه في جمع أطراف الموضوع فإنه كان له بعض العيوب المتمثلة في قلة التمحيص أو قلة العناية بالمتون نفسها فقد نقل نسبة بعض الألفاظ إلى لهجات بعض قبائل العرب، وكان قد نقل من قبل نسبتها إلى لغات غير العربية، كالسريانية والعبرية وغيرها، وبرغم ذلك لم يبد أية ملاحظة، اكتفاء منه بأن يقف موقف الناقل الأمين دون أن يذكر شيئا وكأن مهمته تنحصر في النقل والاحاطة والجمع وحسب، فهو ينقل أن كلمة «ربيون» معناها رجال بلغة حضرموت «٢»، بينما ذكر
_________________
(١) الاتقان ج ١ ص ١٣٤ - ١٣٦.
(٢) المصدر السابق ج ١ ص ١٣٦.
[ ٢٠٣ ]
عند الحديث عن الألفاظ المعربة التي دخلت القرآن أنها سريانية «١»، و«منسأة» معناها «عصا» في لغة حضرموت «٢»، في حين ينقل أنها «العصا» بالزنجية أو بالحبشية في مكان آخر «٣»، وألفاظ أخرى من هذا القبيل لا نرى موجبا لسردها نقل نسبتها إلى بعض لهجات العرب بصدد حديثه عما وقع في القرآن بغير لغة الحجاز ثم لا يلبث أن ينقل نسبتها إلى بعض اللغات غير العربية حين يتحدث عما وقع في القرآن بغير لغة العرب.
وقد تناول «الخاص والعام» «٤»، في القرآن بالبحث فبدأ بذكر صيغ العموم، ثم ذكر أن أقسام العام ثلاثة: أولها الباقي على عمومه ونص على أن مثاله قليل، ولم يمثل له دارسو هذا المبحث من قبل بحكم من الأحكام الفرعية أي بنص من النصوص لم يدخله التخصيص بينما مثل له السيوطي بقوله تعالى:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ، والقسم الثاني: العام المراد به الخصوص والثالث العام المخصوص، وقد تناول الشافعي من قبل هذه المباحث في رسالته وبين أن من سنن العرب في كلامها أن تطلق العام وتريد به الخاص إلى آخر ما ذكره، وقد تناولها الأصوليون في مقدماتهم اللغوية، ومبحث السيوطي هنا من نوع مباحث الأصوليين وقد أفاد
منهم، فتعريفه للعام هو نفس التعريف الذي تواضعوا عليه «٥»، والجدير بالذكر أنه قد اختصر ما أطال فيه الأصوليون، كما أنه جمع وهذب أقوالهم بالاضافة إلى بعض الملاحظات والأمثلة التي ابتكرها، وسنرى بعد قليل أن بحث العام والخاص قد تعرض له في كتابه المزهر، بيد أنه هناك مختلف في بعض الوجوه عنه هنا وسنبين ذلك في موضعه.
وهناك أبحاث أخرى لغوية تناولها السيوطي في كتابه ترسّم فيها خطى الأصوليين من قبل كالبحث في المطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم والمجمل،
_________________
(١) المهذب ورقة ٨ ص ١٦.
(٢) الاتقان ج ١ ص ١٣٦.
(٣) المهذب ورقة ١٥ ص ٢٩.
(٤) الاتقان ج ٢ ص ١٦.
(٥) راجع: فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ج ١ ص ٢٥٥.
[ ٢٠٤ ]
ونظرا لأن هذه الموضوعات قد استفاضت دراستها عند الأصوليين فإننا لا نكاد نجزم بآراء مبتكرة فيها للسيوطي، بيد أن أبحاثه تتسم بما تميز به من السهولة والوضوح وعرض الموضوع عرضا يتناول جميع أطرافه مع استيعاب لأكثر الأقوال السابقة، وإعراض عن نواحي الاسهاب التي يمكن الاستغناء عنها.