من أهل بيت قد عمر بالعلم ربوعه، وزين بالفضل أصوله وفروعه، ورفعت العبادة مقامه، ونشرت على هام السيادة أعلامه، ولقد زاد
[ ١٤٦ ]
هذا البيت كمالًا وقدرًا، وعلا منقبة وذكرًا، ولا ريب أن هذا المترجم كان على طريقة آبائه الكرام، وأصوله السادة العلماء الأعلام، ولد سنة الف ومايتين وست وثلاثين، وحضر دروس والده وغيره من العلماء الأفاضل، وقرأ على والدي الشيخ حسن البيطار مدة في الحديث وغيره من الوسائل، واستجازه به وببقية العلوم فأجازه إجازة عامة، وكان له من والدي المحبة والرعاية التامة، حيث أنه تلميذه وابن أستاذه، ونجل شيخه وعمدته وملاذه، وكان للمترجم عز وجاه، وصولة قد رفعت بين الناس رتبته وعلاه، إلى أن صار مقصودًا في الحوائج، معدودًا للمهمات من أعظم المناهج، قد أحبه الولاة والحكام، ورفعوا قدره على كاهل الاحترام، وأقبل الناس من كل جانب عليه، حتى كادوا لا يجنحون إلا إليه، ولذلك كان جاهه لعلمه ساترًا، ولتقدمه على أضداده ناصرًا، لأن دائرة اشتهاره كانت أوسع من دائرة علمه، ودائرة قاصديه وأنصاره قد زادت على دائرة فهمه، وبعد موت أخيه الشيخ عبد الله سنة خمس وستين ومائتين وألف جلس مكان أخيه تحت قبة النسر، لقراءة صحيح البخاري كل يوم بعد العصر، واستمرت فيه هذه العادة إلى الآن في شهر رجب وشعبان ورمضان. ذكر المحبي في خلال ترجمة الإمام المحاسني أحد مدرسي هذه البقعة أن هذا الدرس وظيفة حادثة بعد الخمسين وألف رتبها بهرام آغا كتخدا والدة السلطان إبراهيم؛ وبنى السوق الجديد والخان قرب باب الجابية لأجلها، وعين للمدرس ستين قرشًا وللمعيد ثلاثين، ولقارىء العشر عشرة قروش اه. اقول لعل هذا الخان هو الخان المسمى بالمرادانية، الذي خرقه الوزير مدحت باشا من جانبيه الشرقي
[ ١٤٧ ]
والغربي وخرق أيضًا بجانبه حمامًا يقال له حمام المرادنية، ووصلهما بالسوق الجديد الذي بناه إمام جامع السباهية، وأحكمه بأن يكون على خريطة متناسبة من باب الجابية إلى مأذنة الشحم، وهكذا إلى حارة النصارى، وذلك سنة سبع وتسعين ومائتين وألف. والآن تغيرت معالم الخان والحمام وانمحت آثارهما أصلًا لأنهما صارا دكاكين، ولم يبق من الخان إلا بابه، حتى إن الحادث الذي لا يعرفهما لا يظهر له إلا أنه سوق لا غير، والله أعلم.
ولا يتوهم أن ابتداء الدرس في هذا المحل من حين الوظيفة لأن الشمس الميداني الآتي ذكره درس قبل ترتيب الكنخدا بنيف وأربعين سنة كما سنذكره مفصلًا إن شاء الله تعالى. وقد اشتهر بين الخاص والعام أن وظيفة هذا الدرس مشروطة لأعلم علماء الشام.