العالم الذي رقى معراج الفضائل، واستقى من بحر معارفه السادة الأفاضل، وجمع من الفنون ما تفرق عند غيره، وسار بسيرة ذوي السر المصون فلم يلحقه أحد من معاصريه في سيره، له اليد الطولى في المعقول والمنقول، والفكرة القادحة في معرفة الفروع والأصول، وليس من يجاريه في ميدان العلوم الرياضية، ولا من يباريه في الأبحاث الجدلية والعقلية، وله كتاب في المناظرة، قد فاق مزاولة أهل المحاضرة، شرح فيه نظم
[ ٤٢ ]
رسالة الولدية، وعند تمامه قد قرض له حضرة الجهبذ الذي هو بكل كمال حري، عبد الباقي أفندي العمري، فكتب عليه ما يشهد بفضل مؤلفه، وعلو فهم مصنفه، وقد أحببت أن أذكره بتمامه، وفاء بحق مقامه، وها هو ذا: لا نسلم لمن علمته نفسه غاية الكر ونهاية الإقدام، من أهل الخلاف بدار الخلافة مدينة السلام، ولو كان وهيهات أن يكون نفس عصام، معارضة ما برهن عليه هذا الغلام، الشارح لهذا النظم البديع الانتظام بالبرهان القاطع بالمدية الإسماعيلية، وشفرة الدلائل القطعية الخليلية، جادة الجدال ومادة الخصام، ومناقضة ما دون وبين فيه من آداب البحث في مناظرة أرباب النظراء الأعلام، بالتبيان الساطع بصحة نقله الاستقرائي المؤدي بعد الإلزام، للتضمن والالتزام، فيا له من شب شب من توقد نار قريحته الضرام، فأجج في كانون أفئدة ذوي المعارضة بالقلب فحمة الإفحام، وقدح زند فكرته بمرخ المشاخرة وعقار المكابرة، فأبرزت ناره ترمي بشرر كالقصر فقلنا يا نار كوني بردًا وسلام، هذا وقد أوتي الرسالة الولدية قبل أن يدرك الحلم، بل قبل أن يبلغ الفطام، فيا لله دره لقد كاد أن يكيد أساطين الحكماء، والفلاسفة القدماء، بقوة احتجاجه ومنعة سلوك منهاجه، وشدة إحكامه لهذه الأحكام، كما كاد حضرة سميه إبراهيم، عليه الصلاة والتسليم، وفاء بالإقسام؛ أولئك الأصنام؛ وقد غادرهم ابن الأصفياء أفلاذًا، كما جعلهم أبو الأنبياء جذاذًا، وقال " بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون " بكلام، فأبوا الفتح لأبواب آداب البحث لذوي الملكة من الطلاب، طاب ثراه لقد ملأ الوطاب، واستوفى المرام، وإبراهيم الذي وفى بل زاد وأحسن في الإتمام، حيث تمطى للمناضلة، وامتطى غارب المجادلة؛ واقتحم هذا الاقتحام؛ كيف لا
[ ٤٣ ]
وقد صح له وثبت لسلفه العظام؛ القبول التام، لدى الخاص والعام، واقتسام الأموال من وقت سام؛ واقتحام الأهوال من وقت حام، على أنه الشبل الذي قد ترعرع في بحبوحة الغابة الحيدرية، ونشأ في أحضان البرأة الصفوية، فربض ربضة الضرغام، وتشعشع كالبدر التمام، وكبت الخصم الألد؛ بما منع وردع ودفع ورد؛ ونقض وأبرم، وقوض وهد؛ وفتق ورتق وحل وشد؛ أحزم حزام، وكتب ما أثبت به حقية مدعاه ببطلان دليل الغاصب، من مخلفات آبائه ذوي الأبوة، وأولي الفتوة، أشرف المناصب، كأنه اتخذ من أظفاره التي لم تقلم لمحابره الأقلام، فملأ الأقاليم السبع بزئيره؛ والجهات الست بهمهمته في الآجام، وأملى فأبلى سرائر سر تثبت الأقانيم الثلاث، من غير لثاث، ذلك اليراع بصريفه وصريره فأسمعت كلمات باريه الصم الدعاء للاستسلام، وغسلت ذئاب المعارضين عن الإقعاء بفناء أجمة هذا الباسل المقدام، وراغت ثعالب المناقضين عن جلسة القرفصاء بباب غاب هذا الغشمشم القمقام، فمتى شاء قال للسعد أو أشار للفخر على ساق العبودية، وقدم الرقية، بساحة أعتابنا الصفوية، الفسيحة المساحة، وباحة أبوابنا الحيدرية الغير مباحة، قم قام، وقانا الله تعالى وإياه هول المطلع ورزقنا وإياه حسن الختام، وكان المترجم على حالة صالحة، وسيلة راجحة، إلى أن خطبته المنية لدار السلام، سنة ألف ومائتين و