الشريف حسن بن أبي نمي مُحَمَّد بن بَرَكَات بن مُحَمَّد وَتقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة ابْنه الشريف أبي طَالب ذكره الشهَاب فِي كِتَابيه وَأطَال الثَّنَاء فِي تَرْجَمته وَذكره الشلي فِي تَارِيخه وَقَالَ ولد لسبع فِي شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَأمه فَاطِمَة بنت سباط بن عنقًا بن وثير بن مُحَمَّد بن عاطف بن أبي نمي بن أبي سعيد ابْن عَليّ بن قَتَادَة حملت بِهِ سنة وَفَاة جده بَرَكَات وَنَشَأ فِي كَفَالَة وَالِده سعيًا رَئِيسا حميدا وَلبس الخلعة الثَّانِيَة بعد وَفَاة أَخِيه أَحْمد وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ فوّض إِلَيْهِ وَالِده الْأَمر فَلبس الخلعة الْكُبْرَى الَّتِي لصَاحب مَكَّة وَلبس أَخُوهُ ثقبة الخلعة الثَّانِيَة وَاسْتمرّ مشاركًا لوالده فِي الإمرة إِلَى أَن انْتقل وَالِده يَوْم تاسوعاء سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فاستقل بسلطنة الْحجاز وَقَامَ بهَا أحسن قيام وَضبط الْأُمُور وَالْأَحْكَام على أحسن نظام وَأمنت الْبِلَاد واطمأنت الْعباد وَقطع دابر أهل الْفساد فَكَانَت القوافل والأحمال تسير بِكَثْرَة الْأَمْوَال مَعَ آحَاد
[ ٢ / ٢ ]
الرِّجَال ولوفي المخاوف والمهالك وخافه كل مِقْدَام فاتك وَكَانَ عَظِيم الْقدر مفرط السخاء بَصيرًا بفصل الْأُمُور شجاعا مقداما حاذقا صَاحب فراسة عَجِيبَة حكى أَنه سرقت الفرضة السُّلْطَانِيَّة بجدة وَضاع مِنْهَا قماش لَهُ صُورَة وأموال كَثِيرَة وَلم يكسر بَابهَا وَلَا نقب جدارها وَلَا أثر يُحَال عَلَيْهِ معرفَة الْمَطْلُوب والطالب بل حَبل مسدول من بعض الجوانب فَلَمَّا عرض عَلَيْهِ طلب الْحَبل ثمَّ شمه ثمَّ قَالَ هَذَا حَبل عطار ثمَّ دَفعه إِلَى ثِقَة من خُدَّامه وَأمره أَن يَدُور على العطارين فَعرفهُ بَعضهم وَقَالَ هَذَا حَبل كَانَ عِنْدِي اشْتَرَاهُ مني فلَان ثمَّ نقل من رجل إِلَى رجل إِلَى أَن وصل لشخص من جمَاعَة أَمِير جدة ثمَّ وجدت السّرقَة بِعَينهَا فِي الْمحل الَّذِي ظَنّهَا فِيهِ وَمَعَ مَا كَانَ فِيهِ من هَذِه الصِّفَات كَانَ كل صَاحب فضل باهر وأدب غض ومحاضرة فائقة واستحضار غَرِيب حكى البديعي فِي كِتَابه الَّذِي أَلفه فِي حيثية المتنبي وَسَماهُ الصُّبْح المنبي عَن حيثية المتنبي عَن بعض عُلَمَاء الْقَاهِرَة وَأَظنهُ احْمَد الفيومي قَالَ كنت فِي حرم الْبَيْت المنيف فدعاني إِلَى بعض الْأَمَاكِن الشَّرِيفَة حسن الشريف وَسمع بِتِلْكَ الدعْوَة أحد بني عَمه الْكِرَام فسارع إِلَيْنَا مسارعة الْقطر من الْغَمَام وَاتفقَ أَن سقط من يَده الْكَرِيمَة خَاتم بِهِ حجر ثمين الْقيمَة فَقَالَ لَهُ لم لَا تقف على طلب ذَلِك الْخَاتم الثمين فَقَالَ لَهُ أَلَسْت من أَبنَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ فلمح الشريف إِلَى قَول أبي الطّيب شعر
(بليت بلَى الأطلال أَن لم أَقف بهَا وقُوف شحيح ضَاعَ فِي الترب خَاتمه)
ولمح ابْن عَمه إِلَى قَول المتنبي أَيْضا
(كَذَا الفاطميون الندى فِي أكفهم أعز انمحاء من خطوط الرواجب)
وَالْبَيْت الأول من قصيد للمتنبي كَثِيرَة الْعُيُوب وَذكر البديعي الْمَذْكُور عِنْد الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت نُكْتَة أَو ردهَا وَلم يتَنَبَّه لمحذورها وَهِي سَأَلَ بَعضهم كم قدر مَا يقف الشحيح على طلب الْخَاتم فَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ قيل لَهُ وَمن أَيْن علمت ذَلِك قَالَ من سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ فَإِنَّهُ وقف على طلب الْخَاتم أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقيل لَهُ وَمن أَيْن علمت أَنه بخيل قَالَ من قَوْله تَعَالَى هَب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَن يهب الله لِعِبَادِهِ أَضْعَاف ملكه انْتهى وَهَذَا كَلَام كَمَا ترَاهُ صادر عَن قلَّة التدبر فَإِن الْأَنْبِيَاء ﵈ ينزه مقامهم عَن الْبُخْل المخل بنبوتهم وَمَا يتَوَهَّم فِيهِ من إِسْنَاد الْبُخْل إِلَى سُلَيْمَان قد دَفعه أَئِمَّة التَّفْسِير بأجوبة كَثِيرَة مِنْهَا أَن المُرَاد
[ ٢ / ٣ ]
بقوله لَا يَنْبَغِي لأحد أَي أَن يسلبه مني فِي حَياتِي كَمَا فعل الشَّيْطَان الَّذِي لبس خَاتمه وَجلسَ على كرسيه وَمِنْهَا أَن الله تَعَالَى علم أَنه لَا يقوم غَيره من عباده بمصالح ذَلِك الْملك واقتضت حكمته تَخْصِيصه بِهِ فألهمه طلب تَخْصِيصه بِهِ وَمِنْهَا أَنه أَرَادَ بذلك ملكا عَظِيما فَعبر عَنهُ بِتِلْكَ الْعبارَة وَلم يقْصد بذلك الْأَعْظَم الْملك وسعته كَمَا تَقول لفُلَان مَا لَيْسَ لأحد من الْفضل أَو من المَال وتريد بذلك عظم فَضله أَو مَاله وَإِن كَانَ فِي النَّاس أَمْثَاله وَهَذَا كَلَام وَقع فِي الْبَين وقصدت إِيرَاده تطرية للسامع فَإِن الإنتقال من أسلوب إِلَى أسلوب آخر يحسن عِنْد ذَوي الآراء السليمة عودا إِلَى تَتِمَّة خبر الشريف حسن وَحكى بعض أهل الْأَدَب فِي مَجْمُوع ذكر فِيهِ بعض محاضرات أدبية أَن بعض بني عَم الشريف حسن ورد نَادِيه وَهُوَ يجر ذيلي التيه وَالْحمية الهاشمية فتصدر عَلَيْهِ بعض من حضر ذَلِك الْمجْلس فتجعدت أساريره وَظَهَرت حِدة طبعه فَلَمَّا فطن الشريف حسن لذَلِك قَالَ إِنَّه ليقودني للعجب ويهزمن عطف أريحيتي ساعد الطَّرب قصيدة أبي الطّيب الَّتِي أَولهَا شعر
(فُؤَاده مَا يسليه المدام وَعمر مثل مَا يهب اللئام)
فتسلى بذلك وَتَبَسم وَجهه بعد القطوب لِأَنَّهُ علم تلميحه إِلَى قَوْله فِيهَا شعر
(وَلَو أَن الْمقَام لَهُ علو تَعَالَى الْجَيْش وانحط القتام)
وَفِي سنة ثَمَان بعد الْألف أَمر أُمَرَاء الْحجَّاج أَن يلبسوا الخلعة الْكُبْرَى وَلَده أَبَا طَالب وَهُوَ يَوْمئِذٍ أكبر أَوْلَاده وَولي عَهده فِي بِلَاده والخلعة الثَّانِيَة لوَلَده عبد الْمطلب فلبسها أَيَّامًا ثمَّ جهز تَابعه بهْرَام بهدية سنية إِلَى السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد وَالْتمس مِنْهُ تقريرًا لوَلَده أبي طَالب فَرجع بهْرَام بِجَمِيعِ مَا التمسه الشريف وَلم يزل ينفذ الْأَحْكَام إِلَى أَن رمي بِسَهْم الْحمام شعر
(وَمَا هُوَ شخص قضى نحبه وَلكنه أمة قد خلت)
على أَنه لم يمت من بقيت مآثره ونشرت من بعد طوى مفاخره فَكيف بِمن خلف ذكرا حسنا من أَوْلَاد كرام وذرية فحام فأولاده الذُّكُور حُسَيْن وَأَبُو طَالب وباز وَسَالم وَأَبُو الْقَاسِم ومسعود وَعبد الْمطلب وَعبد الْكَرِيم وَإِدْرِيس وَعقيل وَعبد الله وَعبد المحسن وَعبد الْمُنعم وعدنان وفهيد وشبير والمرتضى وهزاع وَعبد الْعَزِيز وجود الله وَعبيد الله وبركات وَمُحَمّد الْحَارِث وقايتباي وآدَم وَالْبَنَات سَبْعَة عشر وَقد أفرد ذكره بِبَاب مُسْتَقل السَّيِّد الإِمَام الْعَلامَة عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ
[ ٢ / ٤ ]
من أرجوزته الْمُسَمَّاة بِحسن السِّيرَة وَشَرحهَا الْمُسَمّى بِحسن السريرة فَقَالَ
(الْحسن الْملك الشريف بن أبي نمي بن بَرَكَات من حبي)
(بنسبه إِلَى النَّبِي الْعَرَبِيّ وَالشَّرْح يعطيك تَمام النّسَب)
وسرد نسبه فِي الشَّرْح على طبق مَا قدمْنَاهُ فِي تَرْجَمَة أبي طَالب شعر
(هُوَ الشريف من كلا جديه من صفوة الْملك انْتَهَت إِلَيْهِ)
(وَأمه بنت سباط فَاطِمَة أدنى الْإِلَه نَحْوهَا مراحمه)
(وَكَانَ عَام حمله فِي ظلا على حِسَاب أبجد قد حلا)
(أظهره الرَّحْمَن فِي ربيع يظل سوح الْحرم المنيع)
أَشَارَ إِلَى أَنه شرِيف من أمه أَيْضا كَمَا قدمْنَاهُ وَأَنَّهَا حملت بِهِ فِي عَام إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَهُوَ حِسَاب ظلا الَّذِي ذكره شعر
(فَلم يزل يصعد فِي الْمَعَالِي ويرتقي بصعدة العوالي)
(حَتَّى أَتَتْهُ صفوة الْخلَافَة منقادة طَوْعًا بِلَا خِلَافه)
(فِي عَام إِحْدَى بعد سِتِّينَ مَضَت من قبلهَا تسع مئين حفظت)
(فشارك الْوَالِد فِي الْملك إِلَى أَن أم بَدْء عَام حتف نزلا)
أَشَارَ بقوله إِلَى أَن أم إِلَى انْتِقَال وَالِده عَام اثْنَيْنِ وَتِسْعين كَمَا تقدم واستقلاله بعده بِجَمِيعِ الْأُمُور
(وذب عَن بَيت الْإِلَه بالاسل منزها عَن التواني والكسل)
(وأمّن السبل جَمِيعًا وَحمى كل المخاليف فأضحت حرما)
(فطالما قد شدّت الرّحال موقرة من فَوْقهَا الْأَمْوَال)
(من مَكَّة لبصرة وَنَحْوهَا قَاطِعَة لقفرها وبدوها)
(وَلم يكن مَعهَا سوى حاديها من حاضري الْبَلدة أَو باديها)
(فتصل الْمَقْصد وَهِي سَالِمَة ثمَّ تعود مثل ذَاك غانمة)
( وشاع هَذَا الْأَمر مِنْهُ واشتهر) معطرًا بَاقِي الممالك الْأُخَر
(فَكل من حج إِلَى الْبَيْت الْحَرَام وَشَاهد الْأَمْن استخار فِي الْمقَام)
أَشَارَ بذلك إِلَى أَنه لم يزل حاميًا حوزة الْبَيْت الْمُعظم وذابا عَن سوحة المطهر المفخم حَتَّى أَنه من مزِيد أَمنه اخْتَلَط فِيهِ الْعَرَب والعجم ورعى الذِّئْب مَعَ الْغنم وَأمن السبل الحجازية ومهد الطّرق الحرمية فَكَانَت تشد الرّحال فِي سَائِر جهاته
[ ٢ / ٥ ]
وَلَيْسَ مَعهَا خفير سوى الْأَجِير لَا يفقد مِنْهَا صواع وَلَا يختلس مِنْهَا وَلَا قدر صَاع وَرُبمَا ترك الْمَتَاع أَو الْمُنْقَطع فِي القفر السَّبَب ليؤتى لَهُ بِمَا يحمل عَلَيْهِ أَو يركب فيوجد سالما من الْآفَات وَلَو طَالَتْ الْأَوْقَات مَعَ كَثْرَة الطارقين لتِلْك الْمعَاهد والسالكين لهَذِهِ المواطن والمقاصد وَلم يعْهَد هَذَا إِلَّا فِي زمن هَذَا الْملك الْعَادِل وَلم ينْقل مثله عَن مثله من الْمُلُوك الْأَوَائِل فَلَقَد كَانَت هَذِه الطّرق فِي مبدأ ولَايَته مخوفه والمخاليف كلهَا غير مألوفة حَتَّى من أَرَادَ أَن يعزم من مَكَّة إِلَى التَّنْعِيم للاعتمار لَا بُد لَهُ أَن يَأْخُذ خفيرا من أَرْبَاب الدول الْكِبَار وَأَن لم يفعل ذَلِك يعطب فِي نَفسه وَمَاله وَلَا يرثي فِي أَخذ الثأر لحاله ولطالما نهبت الْأَمْوَال مَا بَين مَكَّة وعرفة لَيْلَة الصعُود إِلَيْهَا وسفكت الدِّمَاء فِي تِلْكَ المشاعر وجدلت الأجساد لَدَيْهَا وَإِذا سرق مَتَاع قل أَن يظفر بِهِ وَرُبمَا قتل صَاحبه عِنْد طلبه بسبسه وكل ذَلِك من الْعَرَب المحيطين بأطراف الْبِلَاد الساعين فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ فنبسط الله بِسَاط الْأمان بولايته ألزمهم بحراسة هَذِه المواطن وَغرم مَا يذهب للنَّاس فِي هَذِه الْأَمَاكِن وعاملهم بصنوف الْعقَاب وأنواع الْعَذَاب من الصلب وَقطع الْأَيْدِي وتكليف أحدهم بِالْقَتْلِ أَن لم يَدي إِلَى غير ذَلِك من أَصْنَاف الاجتهادات السياسية والآراء السُّلْطَانِيَّة المرضية حَتَّى صلح حَال الْعَالم غَايَة الْإِصْلَاح ونادى مُنَادِي الْأَمْن بالبشر والفلاح فاطمأنت النُّفُوس بِإِقَامَة هَذَا الناموس واعتدلت أَحْوَال الرعايا واتصل ذَلِك إِلَى علم الْمُلُوك البقايا فَشكر كل سَعْيه فِي هَذِه المآثر الحميدة وَحمد الله تَعَالَى فِي هَذِه المعدلة الظَّاهِرَة المجيدة وَكثر حجاج بَيت الله الْعَتِيق وضربوا إِلَيْهِ آباط الْإِبِل من كل فج عميق فيرون مَا كَانُوا يسمعُونَ بِهِ عيَانًا فيستخيرون الله فِي أَن تكون بَلَده لَهُم مسكنا وَأَهْلهَا إخْوَانًا شعر
(فَمن هُنَا مَكَّة صَارَت مصرا محشودة بالعالمين طرا)
(وَقبل هَذَا الْعَهْد لم يقم بهَا إِلَّا أنَاس شغفوا بحبها)
(نَحْو ذَوي الْبيُوت مِمَّن قطنوا دهرًا بهَا واستوطنوا وَسَكنُوا)
(لذا انْتَهَت إِلَيْهِم الرياسة بطيبهم مناصب النفاسة)
(والغير يَدْعُو بمنادى الْملك يامن قصى حرَامه من نسك)
(ارجل إِلَى بلادك الْأَصْلِيَّة من يمن أوجهة شامية)
(فان هَذَا الْبَلَد الحراما وادبلا زرع يرى ولاما)
[ ٢ / ٦ ]
(فيرحلون مَا عدا من ذكرا من أَهلهَا خلص من قد أمرا)
(فَإِنَّهُم شوكته القوية وخادمو حَضرته الْعلية)
(فَلم يزَالُوا هَكَذَا أَبَا بأب مقترين من أعالي ذَا النّسَب)
أَشَارَ إِلَى الْقَوَاعِد الْقَدِيمَة لولاة مَكَّة الْكَرِيمَة أَن يُنَادى بعد لتَمام الْحَج يَا أهل الشَّام شامكم وَيَا أهل الْيمن يمنكم فيرحل كل إِلَى بَلَده وَلَا يُقيم بِمَكَّة الأخواص أَهلهَا من ذَوي الْبيُوت الْقَدِيمَة فَلَمَّا تولى مَكَّة وشاع ذكره رغب كل أحد فِي الْمُجَاورَة بهَا وَصَارَت مصر من الْأَمْصَار
(فَعِنْدَ مَا قد أفضت الْخلَافَة لحسن وجاورت خلَافَة)
(ومهد المسالك المخو فَهُوَ وشيد الْمعَاهد المألوفة)
(وَكَثُرت بعدله الأرزاق وعمرت بأمنه الْأَسْوَاق)
(وفجر الله عُيُون الأَرْض بصيته الْبَاقِي ليَوْم الْعرض)
(أَقَامَ كل بفنا الْبَيْت الْعَتِيق وأملوه من ورا الْفَج العميق)
(ونال كل مِنْهُ مَا قد أمله لما أناه قَاصِدا وَأم لَهُ)
(وَالنَّاس فِي عَيْش بعدله خصيب وَقد حوى بفضله كل نصيب)
(أما أولو الْعلم ففازوا بِالنعَم ونشروا على رُؤْسهمْ علم)
(وتوجوا لَدَيْهِ بالوقار فَمَا رَآهُمْ قطّ باحتقار)
(لَا سِيمَا من مِنْهُم ينتسب إِلَيْهِ بالإخلاص وَهُوَ السَّبَب)
(ويخدم الخزانة المعمورة بِكُل آيَة لَهُ مسطورة)
(من كل تأليف عَظِيم المنقبة بِهِ اسْتحق نيل تِلْكَ الْمرتبَة)
(وهم لعمري فرقة كَبِيرَة وَمِنْهُم نالهم هذي السِّيرَة)
(فَإِنَّهُ فِي كل عَام شمسى يبدع تأليفا بديع الْأنس)
(الأصداف أسسها فِي ذرْوَة الْأَوْصَاف)
(كذاعبون لمسائل حوى من الْعُلُوم أَرْبَعِينَ بالسوا)
(وَشَرحه القصيدة الْمَقْصُورَة لِابْنِ دُرَيْد نِسْبَة شهيرة)
(وَشَرحه أَيْضا لحسن السِّيرَة بِمَالِه من حسن السريره)
(وغيرذا من غرر القصائد وكل نثرزينة الفرائد)
أَشَارَ إِلَى احتفاله بِالْعلمِ وَأَهله حَتَّى ألفوا لَهُ التصانيف اللطيفة
[ ٢ / ٧ ]
(وَكم بِشعر فائق النّظم امتدح من كل قطر أمّ قصدا وامتنح)
(وكل هَذَا خدمَة للسَّيِّد الْحسن الشريف عالى المحتد)
(فَهُوَ الْحقيق دَائِما أَن يخدما وَأَن يكون مَالِكًا للعلما)
(لبرّه اليهم وَعطفه عَلَيْهِم ببشره ولطفه)
(يُجِيز بِالْألف على التَّأْلِيف وينصف الشَّخْص على التصنيف)
(ثمَّ إِذا قدّم تأليف لَهُ طالعه غالبه أَو كُله)
(وَأظْهر الرَّغْبَة فِيهِ جدّا وبالدعا لرَبه أمدا)
(وَزَاد فِي رفعته وَقدره ليعلم الْعَالم شَأْن فخره)
(قصد التَّرْغِيب الورى فِي الْعلم مشحذًا لفكرهم والفهم)
(وكل ذَا ابْتِغَاء وَجه الله من غير مَا شكّ وَلَا اشْتِبَاه)
(فَمن هُنَا تبادر النَّاس إِلَى درس الْعُلُوم بعد درس وبلى)
(فأنتجت مَكَّة بعد العقم أفاضلًا شَتَّى كأبنا أمّ)
(ملتحمين فِي الْعُلُوم وَالْأَدب كلحمة فِي سَبَب أَو فِي نسب)
(نالوا علو مَا جمة مرتبه علوا بهَا على الشُّيُوخ مرتبه)
(مَا ذَاك إِلَّا حَيْثُ كَانَ السَّيِّد ملتفتًا لما بنوا وشيدوا)
(وَلم يضع صنيعهم لَهُ سدى لَا زَالَ متصفًا بِحَق أيدا)
أَشَارَ إِلَى أَن الأفاضل كَانَت تتقرب إِلَى خدمته وَمِنْهُم الْعَلامَة خضر بن عَطاء الله الْموصِلِي ألف لَهُ الْإِسْعَاف فِي شرح شَوَاهِد القَاضِي والكشاف وَمِنْهُم النَّاظِم خدمَة بكتب مِنْهَا شرح القصيدة الدريدية وَأَجَازَهُ عَلَيْهَا بِأَلف دِينَار وَاتفقَ أَنه حكم تَارِيخه قَوْله
(أرخني مُؤَلَّفِي بِبَيْت شعر مَا ذهب)
(أَحْمد جود ماجد أجازني ألف ذهب)
فَلَمَّا قَرَأَ الْبَيْتَيْنِ قَالَ لَهُ وَالله إِن هَذَا لنزر جدا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا التَّأْلِيف وَلَكِن حَيْثُ وَقع الِاقْتِصَار عيله فعلى الرَّأْس وَالْعين وَأَعْطَاهُ ذَلِك
(وَمَا أرى ذَا الْأَمر إِلَّا أثرا لطالع السَّيِّد حَيْثُ أثرا)
(فِي أهل عصره السعيد الأبدي فَإِنَّهُ آلَة فعل الْأَحَد)
(وَلَيْسَ بدعا فَلهَذَا السَّيِّد طالع سعد فالق للجلمد)
(فَمَا رَأَيْنَاهُ أناب أحدا إِلَّا وَكَانَ كَامِلا مسدّدا)
[ ٢ / ٨ ]
(يَنْمُو كَمَا تنمو الثِّمَار بالعلل وَلم يزل دهرًا مُجَانب الْعِلَل)
(ويرزق الْقبُول والمحبة فَكل من خالطه أحبه)
(وَلم يكن يبغض شخصا إِلَّا كَانَ لَدَى الْأَنَام رذلًا نذلا)
(يذبل دهرًا ثمَّ يضمحل وَعِنْدنَا لكل قسم مثل)
(وَحِكْمَة التَّأْثِير عِنْد الْعَالم إِن المليك مثل قلب الْعَالم)
(فَلم يزل مؤثرًا للبسط وَالْقَبْض شبه آلَة للرّبط)
يَنْبَغِي أَن يعلم أَن مَا تقدم من صَلَاح الزَّمَان وَأَهله فَهُوَ طالعه قَالَ الأبوصيري رَحمَه الله تَعَالَى
(وَإِذا سخر الْإِلَه أُنَاسًا لسَعِيد فَإِنَّهُم سعداء)
والمثل مَشْهُور فلأجل عين ألف عين تكرم وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى خطابا للنَّبِي
﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم﴾ وَقد اتّفق الْعُقَلَاء من أهل التنجيم أَن للطالع تَأْثِيرا وكل ذَلِك بِمَنْزِلَة الشَّرْط والآلة وَإِلَّا فالتصرف للْفَاعِل الْمُخْتَار لَا لَهُ وَقد منحه الله بِأَنَّهُ مَا توجه لأحد بِالرِّضَا إِلَّا ونما فَمن ذَلِك الْمولى خضر بن عَطاء الله الْمَذْكُور فَإِنَّهُ ورد إِلَى الديار المكية بِحَالَة من الْفقر لَا تذكر فَحل عَلَيْهِ نظره فتقلب فِي النعم إِلَى أَن جنت يَده عَلَيْهِ ورمت بسهام الْغدر إِلَيْهِ وَورد من الْبَصْرَة رجل من أهل الْعلم يُسمى نجم الدّين حصلت لَهُ عِنْده حظوة فنال مِنْهُ خيرا عَظِيما حَتَّى وَقعت مِنْهُ زلَّة قدم ردته إِلَى الحضيض وَكَذَلِكَ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن ظهيرة فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَايَة من الإجلال وَنِهَايَة من الرِّعَايَة حَتَّى تجرأ بِسوء أدبه فعامله بمتعلقات السحر فِي نَفسه الجليلة وَأثر ذَلِك عِنْده مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى أطلعه الله ببركة طالعه على هَذَا الْعَمَل فتفحص عَنهُ وَسَأَلَ فَوقف على أَنه الصَّانِع لذَلِك فأدبه بِالضَّرْبِ ثمَّ تَركه وحاله ونبذه ظهريا إِذْ كَانَ بعواقب الْأُمُور غبيا وَبِهَذَا الْقدر يَكْتَفِي اللبيب الْعَاقِل وَلَا بدع فِيمَا ذكر فالملك ظلّ الله على عباده وَقد حكى أَن بعض الْمُلُوك توجه بِجمع قَلِيل على بعض الْبُغَاة وهم طَائِفَة كَبِيرَة فذرأوه وَأَسْلمُوا لَهُ الْبَلَد وَلم يقاتله مِنْهُم أحد فَقيل لَهُم فِي ذَلِك فَقَالُوا رَأينَا بَين يَدَيْهِ شَخْصَيْنِ امتلأنا مِنْهُمَا رعْبًا فَسئلَ بعض الْأَوْلِيَاء عَن ذَلِك فَقَالَ هَذَانِ الْخضر والقطب مَا زَالا يؤيدان كل ملك يقيمه الله ويختاره على عباده وناهيك أَن قلب الْملك بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن يقلبه كَيفَ يَشَاء وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْقلب للْعَالم فبسطه يسري إِلَيْهِم وَقَبضه ينشر عَلَيْهِم
(هَذَا وَمَا عَادَاهُ قطّ أحد إِلَّا وخاب خيبة لَا تجحد)
[ ٢ / ٩ ]
(فكم نوى جَانِبه بالأسوا جمَاعَة فامتحنوا بالبلوى)
(وهلكوا فِي مُدَّة يسيرَة فليعتبر ذَا من لَهُ بَصِيرَة)
(وَعنهُ كَانَ كل من وَالَاهُ وكف عَنهُ كل من عَادَاهُ)
(فقد جرى لجدّه النبيّ هَذَا الولا وأبه عليّ)
وَمن كَمَال سعده أَنه مَا عَاده أحد إِلَّا وَعَاد بالخيبة وقبح الأوبة وَلَا نَوَاه أحد بِسوء إِلَّا ودارت عَلَيْهِ دائرته فَمن ذَلِك أَن الْوَزير الْأَعْظَم مصطفى باشا قَصده بالأذى وجهز العساكر الرومية إِلَى مَكَّة وصمم على إِيذَاء هَذِه الذُّرِّيَّة فَمَا زَالَ كل من فِي قلبه ذرة إِسْلَام يثبطه عَن هَذَا الْعَزْم فَلم يجد فِيهِ نفعا فَاجْتمع جمَاعَة من أهل الْخَيْر وقرؤوا الْفَاتِحَة وَقَالُوا إِن هَؤُلَاءِ أَوْلَاد النَّبِي
فنسأل الله بِحرْمَة جدهم وحرمتهم أَن يرينا فِي الْوَزير مَا يكون بِهِ عِبْرَة لمن اعْتبر فَمَا فارقوا مجلسهم إِلَّا وجاءهم خبر أَنه أُصِيب بالقولنج وَمَات لوقته فأوصلوا الْخَبَر للسُّلْطَان وقصوا عَلَيْهِ الْقِصَّة فَرجع عَن ذَلِك واستغفر الله وَمن ذَلِك أَن الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن المرشدي قصد السّفر إِلَى الْيمن فاستأذنه فَلم يَأْذَن لَهُ فَكَانَ مَنعه لَهُ عَن السّفر عين الْمصلحَة والنجاح فَإِن الْأَمر بعد ذَلِك أَسْفر عَن تغير قطر الْيمن وَانْقِطَاع سبله وَكَثْرَة الْخَوْف فِي طرقه بِمُوجب بعض الْفِتَن فَإِنَّهُ قَامَ ثمَّة قَائِم من أهل الْبَيْت يُسمى بالقاسم وَادّعى الْإِمَامَة وَظهر شَأْنه وقويت فِي الْجبَال دون تهَامَة شوكته وَالنَّاس إِذْ ذَاك فِي أَمر مريج وَقد عزم جمَاعَة إِلَى تِلْكَ الديار فعادوا مبادرين للفرار وَأَرَادَ الله للمذكور الرَّاحَة حَيْثُ اسْتَقر بِمَكَّة
(من أَنه ابْن مستجاب الدعْوَة وَمَا لَهُ فِي عمره من صبوة)
(وَكَيف لَا وَقد حمى الْبَيْت الْحَرَام بِنَفسِهِ خمْسا وَأَرْبَعين عَام)
(مؤيدا شرائع الْإِسْلَام مشيدًا شَعَائِر الْإِحْرَام)
(مَعَ أَنه فِي زمن أيّ زمن مَظَنَّة لكل قَول وَفتن)
(وَقد حكى بعض الورى عَن السّلف وَذَاكَ مَحْفُوظ لَهُم عَن الْخلف)
(إنّ ولي مَكَّة يصير فِي مرتبَة القطب يَقِينا فاعرفِ)
(فأظهر الصّلاح فِي الرعايا وَفِي مُلُوك الدول البقايا)
قد اشْتهر عَنهُ أَنه مجاب الدعْوَة مِنْهَا أَنه كَانَ فِي عَام أَربع بعد الْألف فِي مَحل يُقَال لَهُ غَدِير وشحا فَأصَاب النَّاس غَايَة التَّعَب من الظما فورد إِلَيْهِ رعاء إبِله وتفاوضوا
[ ٢ / ١٠ ]
مَعَه فِي وُرُودهَا وَمن أَي مَحل ترد فعددت أَمَاكِن بعيدَة عَن منزلهم هَذَا فَمَا ارتضى ذَلِك وَتوجه إِلَى الله تَعَالَى قَائِلا اللَّهُمَّ اسقها فَمَا كَانَ بَينه وَبَين السقيا إِلَّا ليلتهم تِلْكَ فانهلت عَلَيْهِم السَّمَاء كأفواه الْقرب ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى إِن الْإِبِل صدرت منتهلة من مباركها واستمروا مُدَّة لَا يردون إِلَّا من مآثر دَعوته الْمُبَارَكَة وَمِنْهَا أَن النَّاس أرجفوا فِي سنة ثَلَاث وَألف بوصول عَزِيز أَحْمد باشا إِلَى مَكَّة فِي عدَّة من العساكر وَكَذَلِكَ وَزِير الْيمن حسن باشا فانزعجت لذَلِك الرّعية إِذْ صَحَّ عزمها لجِهَة مَكَّة فَتوجه بخاطره إِلَى الله تَعَالَى فصرف أُولَئِكَ عَن الْعَزْم وأشغلهم بِمَوْت السُّلْطَان مُرَاد بن سليم رَحمَه الله تَعَالَى
(وَقد حبى بِصَالح الذُّرِّيَّة ممتعًا بعيشة مرضية)
(أما البنون فهم عشرُون مَعَ أَرْبَعَة فخذهم مِمَّن جمع)
(لَاقَى الْإِلَه مِنْهُم ثَمَانِيَة إِذْ علمُوا الدُّنْيَا يَقِينا فانيه)
(من بعد أَن قد كملوا وسادوا وللمعالي أسسوا وشادوا)
(ثمَّ الْبَنَات وَبَنُو الْأَوْلَاد كثرتهم تنمو على التعداد)
(كَذَا الْأَقَارِب الَّذين وصلوا إِلَيْهِ أدلاهم جدود أول)
تقدم ذكر أَوْلَاده وَقد مَاتَ قبله مِنْهُم ثَمَانِيَة أَبُو الْقَاسِم وَالْحُسَيْن ومسعود وباز وَعقيل وهزاع وَعبد الْعَزِيز وَأَبُو طَالب
(إِن ركبُوا فِي موكب فَإِنَّهُم كواكب الجوزاء وَهُوَ بدرهم)
(لَا سِيمَا إِذْ يلبس التشريفا ثوبا سينيًا فاخرًا شريفا)
(يَأْتِيهِ من سلطنة الرّوم الْعِظَام فِي غَايَة من الْبَهَاء والنظام)
(مَا نَالَ من أسلافه مَا ناله من التشاريف ذَوي الْجَلالَة)
(فَإِنَّهُ قَارن فِي ذِي المدّة من الْمُلُوك الأكرمين عدّه)
(مِنْهُم سُلَيْمَان مليك الرّوم ثمَّ سليم صَاحب التكريم)
(ثمَّ مُرَاد ثمَّ ملك الْعَصْر مُحَمَّد لَا زَالَ رب النَّصْر)
(وَهُوَ لعمري قمن جدير بِكُل مَا قد صرح المنشور)
(فَمَا سمعناه مثل نشره الْأمان قاطبة وَلَا فِي سَابق الزَّمَان)
(وَمن رأى تَارِيخ مَكَّة أقرّ بِذَاكَ فَهِيَ الْآن أولى مستقرّ)
(يعين من يُقيم بِالْإِحْسَانِ فضلا بِلَا منّ وَلَا تواني)
(مَا أحد من الْمُلُوك صنعا صَنِيعه فَإِنَّهُ تبرّعا)
[ ٢ / ١١ ]
(بِمَال بَيت المَال تقريرًا لمن يحْتَاج طبق مَا مضى من الزَّمن)
(ومنذ دهر لم يقم ذَا الْوَاجِب وَلم يكن لبيت مَال راتب)
(حَتَّى أَتَى الله بمولانا الامام غيث بنى الآمال بل غوث الْأَنَام)
(فرتب المَال لذِي الْحَاجَات والعلما وخالصي النيات)
(منزهًا لنَفسِهِ عَن مَالهم وموصلًا لَهُم إِلَى آمالهم)
(أكْرم بهَا منقبة عظيمه ورتبة فاخرة فخيمه)
(مَا أحد يقْصد فِي أَرض الْحجاز حَقِيقَة سواهُ من غير مجَاز)
(لَهُ الكرامات الَّتِي لَا تحصر وَالْكَرم الَّذِي دهورًا يذكر)
(وَمَا غزا الأوفاز بالظفر وافتتح الْبلدَانِ فتحا اسْتمرّ)
(لَهُ مغاز فِي الْأَنَام عده حكى بهَا فِيهَا أبه وجده)
(أما سراياه فزادت كثره وَكلهَا مقرونة بالنصره)
(وَلم يكن مؤمرًا فِيهَا سوى أَوْلَاده الْكِرَام أَرْبَاب اللوى)
(وَقل مَا أَمر غَيرهم على بعوثه وَالْكل مِنْهُم ذُو علا)
(وَحَاصِل الْأَمر بِأَن النصرا خادمه دهرًا طَويلا عمرا)
(لم يتَّفق وربنا المشكور لَهُ إنكسار بل هُوَ الْمَنْصُور)
(كَأَنَّمَا ملائك الرَّحْمَن جُنُوده فِي سَائِر الْأَزْمَان)
(وَلَيْسَ بدعافهم فِي بدر كَانُوا جنود جده الْأَغَر)
سراياه كَثِيرَة شهيرة لم يُؤمر فِيهَا إِلَّا أَوْلَاده النجباء وَمِمَّنْ بَعثه مِنْهُم وَلَده الْحُسَيْن وَمِنْهُم أَبُو طَالب فقد أرْسلهُ غَيره مرّة وَمِنْهُم مَسْعُود عقيل وَمِنْهُم عقيل وَمِنْهُم عبد الْمطلب وَمِنْهُم عبد الله فَكَانَ بعزمه إصْلَاح جِهَات الْيمن
(فاق الْمُلُوك بالنهى والحدس كَمَا بِهِ يشْهد عدل الْحس)
(وَكم لَهُ قَضِيَّة شهيرة بَين الورى كَالشَّمْسِ فِي الظهيرة)
قد فاق الْمُلُوك بمزيد الفطنة وَله فِي ذَلِك قضايا مَشْهُورَة مِنْهَا أَنه اخْتصم عِنْده رجلَانِ مصري ويماني فِي جَارِيَة فَادّعى كل مِنْهُمَا أَنَّهَا لَهُ وَأقَام بذلك بَيته فأجال فكرته الوقادة وَطلب قَلِيلا من الْحبّ وَقَالَ لَهَا مَا اسْم هَذَا فِي بِلَاد كم فَقَالَت بر فَحكم بهَا لليمني فَظهر بعد ذَلِك أَنَّهَا ملكه وَمن ذَلِك أَنه اخْتصم لَدَيْهِ رجلَانِ شَامي ومصري فِي جمل وَادّعى كل مِنْهُمَا أَنه لَهُ وَأقَام بذلك حجَّة ثمَّ قَالَ لَهما أَنِّي سأحكم بِحكم فَإِن
[ ٢ / ١٢ ]
ظهر لي أَن الْحق بيد أحد كَمَا غرمت الآخر ثمن الْجمل فَأمر بِذبح الْجمل فذبح وَأمر باستخراج مخه فاستخرج فَتَأَمّله وَقضى بالجمل للشامي وَأمر الْمصْرِيّ بِتَسْلِيم الْقيمَة فَقيل لَهُ فِي ذَلِك رَأَيْت مخه منعقدا فاستدليت بذلك فَإِن أهل الشَّام يعلفون دوابهم الكرسنة وَهِي تعقد المخ وَأهل مصر يعلفون الفول وَهُوَ يعْقد الشَّحْم دون المخ فَظهر بعد ذَلِك أَن الْحق كَمَا قَالَ وَمن ذَلِك أَن شخصا دفن مَالا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانَ شخص يرقبه فَلَمَّا قصد لنفر مِنْهَا إِلَى منى وجد المَال قد حفر عَنهُ وَأخذ وَلم يظفر بأثر من آثَار الْغَرِيم إِلَّا بعصا ملقاة فَأَخذهَا وَرفع شكواه إِلَيْهِ وَذكر لَهُ الْقِصَّة فَسَأَلَهُ هَل وجد من أثر فَقَالَ نعم وجدت عَصا ملقاة فطلبها مِنْهُ فأحضرها ثمَّ تأملها فَأمر بإحضار جمَاعَة مخصوصين من الْعَرَب فَحَضَرُوا فأشرفهم على الْعَصَا وسألهم هَل يعْرفُونَ صَاحبهَا فَقَالُوا نعم هِيَ عَصا فلَان فَأحْضرهُ وَسَأَلَهُ فَأنْكر فَشدد عَلَيْهِ فَأقر بِالْمَالِ وَمن ذَلِك أَن شخصا من سَادَات الْيمن وصل إِلَى مَكَّة بِجَارِيَة حسنا مِنْهَا نَحْو الْعشْر سنوات فتعصب عَلَيْهِ طَائِفَة نم الجبرت وَادّعى بَعضهم أَنَّهَا حرَّة الأَصْل وَأَنَّهَا بنت فلَان وَشهد مِنْهُم شاهدات من طلبة الْعلم بذلك واستخلصوها من يَد ذَلِك السَّيِّد قهرا فَرفع الْقَضِيَّة لَهُ فَطلب الشَّاهِدين وَأخذ يستدرجهما بمدحهما وأنهما من مشاهير من جاور بِمَكَّة من مُدَّة طَوِيلَة وَأَن شَهَادَتهمَا مَقْبُولَة ثمَّ سَأَلَهُمَا عَن الشَّهَادَة فأدياها كَمَا سبق وَأَنَّهَا بنت فلَان الجبرتي ولدت بِبَلَدِهِ وَنحن بهَا قبل وصولنا إِلَى مَكَّة فَقبل شَهَادَتهمَا ثمَّ سَأَلَهُمَا عَن مُدَّة أقامتهما بِمَكَّة وَهل خرجا بعد دخولهما فَذكر أَن الْمدَّة تنوف على ثَلَاثِينَ سنة وأنهما مَا خرجا مِنْهَا إِلَى بلدهما بعد أَن دخلا فشاغلهما بالْكلَام سَاعَة ثمَّ سَأَلَهُمَا عَن سنّ الْجَارِيَة فَقَالَا لَهُ نَحْو عشر سِنِين فَأخذ يسبهما وَيتَكَلَّم عَلَيْهِمَا حَيْثُ شهد بولادتها وهما ببلدها وَقصد اتلافهما وَأعَاد الْجَارِيَة إِلَى سَيِّدهَا وَكَانَت هَذِه الْحُكُومَة مِنْهُ حِكْمَة بَالِغَة فَإِنَّهُ قَصم بهَا طَائِفَة الجبرت عَن مثل ذَلِك فَإِنَّهُم سلكوا هَذَا المسلك مُدَّة واستخلصوا بِهِ أرقاء النَّاس من أَيْديهم
(هَذَا ومولانا رفيع الْعلم مِمَّن حظى بِسَيْفِهِ والقلم)
(فَإِنَّهُ إِن بالمداد رقا فَكل مَا أبداه كَانَ حكما)
(لَهُ الْكَلَام الْجَامِع الْمُهَذّب فِي فهمه لكل شخص مَذْهَب)
(وَكم لَهُ من حسن المحاضرة مَا فَاتَ الْعَرَب بِهِ والحاضرة)
[ ٢ / ١٣ ]
(قد ذقت من حَدِيثه حُلْو السمر كم لَيْلَة لذبها طول السهر)
(فلفظه الدَّار إِذا مَا نثرا على بِسَاط السّمع من غير مرا)
(كَأَنَّهُ من نفس النُّبُوَّة أجل لما فِيهِ من النُّبُوَّة)
(فطالما أوقرت مِنْهُ سمعا قد جمع الْحِكْمَة فِيهِ جمعا)
(وكل مَا فِيهِ أَنا من نعم فَأَنَّهُ آثَار تِلْكَ الحكم)
(فَالله يبقيها وَيبقى مددى مِنْهَا ويغنيني بهذ السيدا)
(دهرا طَويلا سالما من الْغَيْر وَلنْ يشوب صَفوه شوب الكدر)
(ممتعاله خُصُوصا بِالْقَوِيّ وناشرا لنصره ذَاك اللوا)
(وكافينه كل مَا أهمه من عين كل حَاسِد ملمه)
(يبيد بِالْقُدْرَةِ من عَادَاهُ بطالع السعد الَّذِي حواه)
(وَمن تولى نَصره الله فَمن يَخْذُلهُ وَذَاكَ مَوْلَانَا الْحسن)
(وَإِلَى عَلَيْهِ رَبنَا مكارمه مَوْصُولَة مِنْهُ بِحسن الخاتمة)
وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس لثلاث خلت من جُمَادَى الْآخِرَة سنة عشرَة بعد الْألف فِي مَكَان يُقَال لَهُ الرفاعية بعد أَن توعك نَحْو يَوْمَيْنِ وَحمل إِلَى مَكَّة على محفة البغال وجهز فِي ليلته وَصلى عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فِي محفل جمع من الْعلمَاء والأشراف والعامة وَدفن بالمعلاة وَبني عَلَيْهِ قبَّة عَظِيمَة وَله من الْعُمر نَحْو تسع وَسبعين سنة واستقل بعده ابْنه الشريف أَبُو طَالب كَمَا ذكرتا فِي تَرْجَمته سَابِقًا وَأول من ولي مَكَّة من أجداده الشريف قَتَادَة بن الشريف إِدْرِيس أَخذهَا من مُلُوكهَا الهواشم فِي سنة سبع أَو ثَمَان أَو تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَاسْتمرّ ملكهم إِلَى هَذَا الْحِين أدامه الله تَعَالَى وَقد جمع الإِمَام مُحَمَّد الشلي بأعلوي الْحُسَيْنِي رِسَالَة فِيمَن ملك مِنْهُم من قَتَادَة إِلَى ملك زَمَانه وَالله تَعَالَى أعلم
الشَّيْخ حسن بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم أَبَا شُعَيْب الْحَضْرَمِيّ الوَاسِطِيّ الشَّافِعِي الإِمَام الْمُؤلف الزَّاهِد العابد أَخذ عَن الشَّيْخ أبي بكر بن سَالم وَتخرج بِهِ وَصَحب جمَاعَة من أكَابِر العارفين واشتغل بالعلوم الشَّرْعِيَّة حَتَّى حصل مِنْهَا طرفا صَالحا وَحج وَأخذ بالحرمين عَن غير وَاحِد مِنْهُم الشَّيْخ أَبُو بكر الشبامي أَخذ عَنهُ الْفِقْه وَغَيره وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْعُلُوم والمعارف فِي بَلَده الْوَاسِطَة من أَعمال حضر موت وَكَانَ قدوة فِي القَوْل وَالْعَمَل وَأخذ عَنهُ جمع كثير مِنْهُم الشَّيْخ زين العابدين العيدروس
[ ٢ / ١٤ ]
وَأَخُوهُ شيخ وَابْن أَخِيه سقاف وسيدي مُحَمَّد بن علوي وَأَبُو بكر الشلي والدا الْجمال المؤرخ وَعبد الرَّحْمَن الْمعلم وصنف كتبا كَثِيرَة مفيدة مِنْهَا كتاب سرُور السرائر وفسحة الْأَرْوَاح وراحة الْقُلُوب وَهُوَ كتاب مُفِيد جدا وَكتاب حَقِيقَة زبدة لبن الشَّرِيعَة بحركة مخض سلوك الطَّرِيقَة وَكتاب عَافِيَة الْبَاطِن وسلامة الدّين والصدق الصَّحِيح بِنَفْي كل مين ورين وَهُوَ شرح لأبياته وأوله الْحَمد لله الَّذِي كَون الْكَوْن وقط لَا يُشبههُ كَون وقصيدة السودي الَّتِي أَولهَا
(أغريب قد مطرَت بلادك )
وقصيدته الَّتِي أَولهَا
(شَاهد جمال محيا غَايَة الطّلب )
وَكَانَ حُلْو الْعبارَة لطيف الْإِشَارَة توفّي سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بقريته الْوَاسِطَة وقبره بهَا مَعْرُوف يزار رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حسن بن أَحْمد الدِّمَشْقِي المعروق بِابْن الحجار السَّيِّد الْأَجَل من أهل الْعلم والورع وأسلافه كلهم تجار وَكَانَ هُوَ فِي مبدأ أمره يعاني التِّجَارَة وَعدل عَنْهَا إِلَى طلب الْعلم فتفقه بالشمس مُحَمَّد الميداني وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة على المنلا حسن الْكرْدِي وتصدر للتدريس بِجَامِع بني أُميَّة ثمَّ بعد مُدَّة مَال إِلَى الظُّهُور فَتوجه إِلَى آمد لعرض أَحْوَال أهل دمشق وَمَا هم عَلَيْهِ من الحيف وَالظُّلم إِلَى الْوَزير الْأَعْظَم قره مصطفى باشا لما عَاد من بَغْدَاد وَكَانَ مَعَه الشَّيْخ الْعَلامَة رَمَضَان بن عبد الْحق العكاري خطيب جَامع السنانية بِدِمَشْق وَحصل لَهُ من الْوَزير الْمَذْكُور إقبال تَامّ وَأخذ الْمدرسَة الشامية الجوانية عَن الشَّمْس مُحَمَّد بن عَليّ بن عمر الْقَارئ الْآتِي ذكره وَادّعى أَنَّهَا مَشْرُوطَة لأعْلم عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة وَأَن ابْن الْقَارئ صَار حنفيا فوجهت إِلَيْهِ وَتصرف بهَا مُدَّة ثمَّ قررت على ابْن الْقَارئ وَتوجه السَّيِّد حسن إِلَى الرّوم لأجل عرض مَادَّة الْعَوَارِض السُّلْطَانِيَّة بِدِمَشْق فَلَمَّا عرض ذَلِك على الْوَزير الْمَذْكُور آنِفا كَانَ ثَمَرَة ذَلِك أَنه عين مِنْهَا فِي كل سنة خمْسا وَعشْرين ألفا إِلَى خزينة السُّلْطَان وَلم يكن سبق ذَلِك وَأخذ مدرسة دَار الحَدِيث الأحمدية الكائنة بالمشهد الشَّرْقِي بِجَامِع بني أُميَّة عَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن تَاج الدّين الْمُقدم ذكره وَبعد مُدَّة قررت عَليّ ابْن تَاج الدّين وَبَقِي السَّيِّد حسن بِلَا مدرسة إِلَّا أَن توفّي فِي حادي عشر الْمحرم سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف وَدفن بِالْمَدْرَسَةِ الخالدية قبالة ضريح سَيِّدي الشَّيْخ أرسلان قدس الله سره وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة هَكَذَا رَأَيْته فِي بعض التَّعَالِيق فأدرجته كَمَا رَأَيْته وَالله تَعَالَى أعلم
[ ٢ / ١٥ ]
الْأَمِير حسن باشا بن أَحْمد بن رضوَان بن مصطفى وَتقدم ذكر أَبِيه الْغَزِّي المولد الْأَمِير الْكَبِير حَاكم غَزَّة وَكَانَ حسن السِّيرَة جواد ممدحا عَظِيم الْقدر وَكَانَ مغرما بِالنسَاء وَله فِي النِّكَاح حَظّ وافر وَجمع من الْخَطَايَا عددا كثيرا ورزق مِنْهُنَّ أَبنَاء كَثِيرَة نَحْو الْخَمْسَة وَثَمَانِينَ ولدا وينقل عَنهُ انه كَانَ إِذا حضر أحدهم لَدَيْهِ يسْأَله عَن اسْمه وَاتفقَ أَنه مَاتَ أحدهم فَلم يعرفهُ حَتَّى عرفوه لَهُ بوالدته وَقَالُوا لَهُ هَذَا ابْن فُلَانَة وَكَانَ عطاردى الطَّبْع يحسن غَالب الصَّنَائِع وجبب إِلَيْهِ الإنعزال عَن النَّاس فَكَانَ ينْفق أوقاته فِي أرغد عَيْش وأهناه وركبتة دُيُون كَثِيرَة لتبذير كَانَ فِيهِ وَعمر مَكَانا بغزة وتأنق فِيهِ جدا حَتَّى صيره أحسن منتزه فِي تِلْكَ الدائرة وَمَات وَلم يكمله وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ ممتعا فِي دُنْيَاهُ وَتُوفِّي سنة أَربع وَخمسين وَألف
حسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الأسطواني الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ رَئِيس الْكتاب بمحكمة الْبَاب وَتقدم أَبوهُ أَحْمد فِي حرف الْهمزَة وَكَانَ حسن هَذَا فَقِيها كَامِلا حسن الْحَظ وَفِيه مُرُوءَة وسخاء نَشأ وَحصل ثمَّ صَار كَاتبا بمحكمة الْبَاب ثمَّ بعد مُدَّة ولى رياستها وعلت همته ونفذت كَلمته وَكَانَ قُضَاة الْقُضَاة يعتمدون عَلَيْهِ ويفوضون إِلَيْهِ أُمُورهم وَمَا زَالَ يزْدَاد فِي الترقي حَتَّى ولي نِيَابَة الحكم بِدِمَشْق مرَّتَيْنِ وحظي من دنياة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُون الغائلة وَفِيه لطف طبع وَحسن سلوك وَاتفقَ أَنه زوج أبنا لَهُ وختن آخر فَبَالغ فِي الكلفة بِحَيْثُ اتّفق أهل دمشق على انه لم يتَّفق مَا فعله من التبسط وَالْمُبَالغَة فِي الضيافات لَا حد قبله وَمَات بعد ذَلِك بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَذَلِكَ اتّفق لوالده أَنه مَاتَ بعد ضِيَافَة عرس ابْنه حسن الْمَذْكُور بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَهَذَا من الإتفاق العجيب وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْخَمِيس ثَالِث عشرى جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحْمَة الله تَعَالَى
الْحسن بن أَحْمد اليمني الْمَعْرُوف بالحيمي تَرْجَمَة الْأَخ الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله فِي مَجْمُوع لَهُ فَقَالَ فِي حَقه فائق أقرانه وسابق ميدانه وَأحد الْأَعْيَان الأفاضل الَّذين بداسنا الأقبال فِي سِيمَاهُمْ وأعرب مُبْتَدأ عمرهم عَن منتهاهم وَمِمَّنْ غَدا نجم سعادته سَابِقًا لائحا وَرَاح مسك شذاه عابقا فائحا كَانَ كَمَا أحبر بِهِ تِلْمِيذه الْعَلامَة صَالح بن الْمُهْتَدي المقيلي أما مَا فِي الْفِقْه مشاركًا فِيهِ مُشَاركَة تَامَّة وَكَانَ كَذَلِك فِي غَيره من الْعُلُوم صَاحب تَدْبِير ورياسة وَمَعْرِفَة فِي الْأُمُور المهمة مُعظما عِنْد
[ ٢ / ١٦ ]
الدولة مشارا إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ أرْسلهُ الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم رَسُولا إِلَى الْحَبَشَة فِي أغراض مهمة قضيت بنظرة على أحسن حَال وَألف رِسَالَة فِي الْحَبَشَة لَطِيفَة وَهُوَ وَالِد القَاضِي مُحَمَّد وَيحيى الآتى ذكرهمَا وَله شعر حسن مِنْهُ قَوْله
(فؤاد على هجر الْأَحِبَّة لَا يقوى وَكَيف وَربع العامرية قد أقوى)
(وصبروا وَلَكِن غاله الهجر والنوى فَلَا نفع للمهجور وَفِيه وَلَا جدوى)
(ولكنني قد ذبت فِي الْوَصْل بالرجا وَكم ذِي لبانات تمتّع بالرجوى )
(فيايها الْخلّ الَّذِي أَنا صبه عَلَيْك بآداب الحَدِيث الَّذِي يرْوى)
(ومنّ علينا بالترسل أنني رَأَيْت حَدِيث المنّ أحلى من السلوى)
وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حسن بن أَحْمد الْجلَال اليمني الإِمَام الْعَلامَة الَّذِي بهر بتحقيقه واعترف الْفُضَلَاء بتدقيقه لَهُ المؤلفات الشهيرة والمحاسن السائرة المنيرة وَمن مصنفاته تَكْمِلَة الْكَشْف على الْكَشَّاف وَشرح على التَّهْذِيب والشمسية فِي الْمنطق وَشرح على الْفُصُول فِي الْأُصُول للسَّيِّد إِبْرَاهِيم بن الْوَزير وَشرح على الكافية فِي النَّحْو وَشرح على مُنْتَهى الشؤل لِابْنِ الْحَاجِب وَله مُخْتَصر فِي علم الْأُصُول شَرحه شرحا يدل على فَضله وَاخْتَارَ إختيارات مُخَالفَة لعلماء الْأُصُول وَله بديعية وَشَرحهَا شرحًا لطيفًا وَله شعر طيب النَّفس فِي فنون كَثِيرَة وَمن شعره قصيدته البائية وَله عَلَيْهَا شرح مُبين لمقاصدها وأولها
(الْعلم علم مُحَمَّد وصحابه يَا هائمًا بقياسه وَكتابه)
(ولآله مِنْهُ الْخُلَاصَة كلهَا إِرْثا تنوسخ عَن هدى أصلابه)
(علمُوا بمحكم كل آي كِتَابهمْ فجنوا بِهِ الْإِيمَان بالمتشابه)
(مَا ضرّهم وَالْعلم كل فنونه لله غنيتهم بآمنا بِهِ)
(بلغ الْوُقُوف على طَرِيقَته بهم عين الْيَقِين فأسكروا بشرابه)
(وَرَأَوا حَقِيقَة أَمر آمُرهُم بِهِ فتجاهلوا ذلًا لعز جنابه)
(وتجنبوا فِي الدّين دَاء جدالهم حذرا لما علموه من أوصابه)
(وتبادر والأعمال حِين تيقنوا أَن النفيس أهم مَا يعْنى بِهِ)
(إِن أبهم الْقُرْآن حكما أبهموا حذر ابتداعٍ خوّفوا بعقابه)
(وبقوا على حكم الْأُصُول لفقده وكذاك مَا يجْرِي على آدابه)
[ ٢ / ١٧ ]
(قد كَانَ لَا أَدْرِي لَهُم فِي علمهمْ ثُلثَيْهِ أَو كَانَت عَمُود نصابه)
(بل آثروا حب الْكتاب لَهُم على ترك السُّؤَال تخوّفًا مِمَّا بِهِ)
(فالمرء يلْزم غير حكم نَفسه فَيكون حكما لاصقًا بثيابه)
(قد أبدع الرهبان رَهْبَانِيَّة باؤوا بشؤم بديعها ومصابه)
(وَأَبُو حنيفَة إِذْ رأى الْإِيجَاب فِي نفل فباشر من هُنَا أفتى بِهِ)
(تالله مَا عجزوا وَلَا من دونهم أَن يكتبوا إِلَّا لكتب خطابه)
(أَو يدعوا نقض النُّصُوص ليحبطوا فِي كل وسواس أَتَى بعجابه)
(فيفرّقوا دينا لأمة أحمدٍ كمذاهبٍ أشفت على إذهابه)
وَمِنْهَا
(وَعَن الحَدِيث نهى الْعَتِيق وَحمله كتبا محرّمها حذار كذابه)
(وَعَن ابْن مسعودٍ مقَالَة مقسط وَيطول بسط القَوْل فِي أطنابه)
(بِالِاجْتِهَادِ قضوا وَلَكِن رخصَة لمكلف يدريه عَن أَسبَابه)
وَهِي طَوِيلَة يَقُول فِيهَا
(يَا رَاكِبًا يهوى لقبر محمدٍ عرّج بِهِ متمسكًا بترابه)
(واقرَ السلامَ عَلَيْهِ من صبٍّ بِهِ يبلغ إِلَيْهِ الْقُدس فِي محرابه)
(وَقل ابْنك الْحسن الْجلَال مجانبًا من قد غلا فِي الدّين من تلعابه)
(لَا عَاجِزا عَن مثل أَقْوَال الورى أَو خَائفًا فِي علمهمْ لصعابه)
(فالمشكلات شَوَاهِد لي أنني أشرقت كل مدقق بلعابه)
(لَوْلَا محبَّة قدوتي بِمُحَمد زاحمت رسطاليس فِي أبوابه)
(يَا سيد الرُّسُل الْكِرَام دُعَاء من أودى بِهِ الهجران من أحبابه)
(وَلَك الشَّفَاعَة والكرامة عِنْده فاشفع بجاهك مَا لَهُ منجا بِهِ)
(سل لي وراثة كنز علمك فالفتى يَبْغِي نَفِيس الْكَنْز فِي أعقابه)
(وَقد انْفَرَدت عَن الرِّجَال ومؤنسي قرب إِلَيْك أَعُود حلْس جنابه)
وَله غير ذَلِك من الْآثَار المرغوبة فِي بِلَادهمْ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أَفْرَاد الْيمن وفور فضل وأدب وَكَثْرَة تأليف وتصنيف وَكَانَت وَفَاته فِي منزله بالخراف من أَعمال صنعاء سنة تسع وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حسن بن أَحْمد الرُّومِي الْمَشْهُور بأمي سِنَان زَاده القسطنطيني الخلوتي الشَّيْخ الْبركَة المعتقد كَانَ فَرد وقته فِي المعارف الإلهية وَلأَهل الرّوم فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم
[ ٢ / ١٨ ]
وَهُوَ مَحَله أَخْبرنِي بعض مر يَدَيْهِ أَنه ولد بقسطنطينية وَنَشَأ لَا يَأْكُل إِلَّا من كسب يَمِينه وَكَانَ يصنع الصابون المطيب ويبيعه ويتقوت بِثمنِهِ وَلم يتَّفق لَهُ أَنه تغوط خَارج دَاره وَلم ينم مُدَّة عمره إِلَّا هنيئة بَين صَلَاتي الْإِشْرَاق والضخى ويحكى أَن والدته كَانَت تَقول لم أرضعه إِلَّا على طَهَارَة كَامِلَة وَظَهَرت لَهُ خوارق ومكاشفات مِنْهَا أَن شخصا يعرف بشيخ زَاده وَكَانَ حسن الصَّوْت جدا عَارِفًا بالموسيقى والأغاني والضروب وَالنَّاس يتهافتون على سَماع صَوته وأغانيه فَأَرَادَ أَخذ الطَّرِيق عَن الشَّيْخ صَاحب التَّرْجَمَة فَشرط عَلَيْهِ أَن يَدْعُو الله بِأَن ينْزع مِنْهُ حسن الصَّوْت حَتَّى لَا يسْتَعْمل الْغناء فاستمر خمس عشرَة سنة بعد ذَلِك الدُّعَاء لَا يخرج لَهُ صَوت ثمَّ بعد أَن بلغ رشده دَعَا الله لَهُ فَانْطَلق صَوته وَحكى لَهُ مريده الْمَذْكُور وَلَا أَشك فِي صدقه أَنه فِي ابْتِدَاء تلمذته لَهُ كَانَ تولع بِغُلَام وَأَرَادَ أَن يعْمل بِهِ الْفَاحِشَة فَلَمَّا أَرَادَ الْمُبَاشرَة رَأْي الشَّيْخ وَاقِفًا أَمَامه وَهُوَ يوبخه ويلومه فأقلع وَلم يعد بعْدهَا إِلَى شَيْء من ذَلِك وَكَانَ لَهُ حَلقَة ذكر بتكيته بمحلة كور كجي باشي بِالْقربِ من طوب قبوسي وَكَانَ قَلِيل الِاخْتِلَاط بِالنَّاسِ وَلما توفّي الشَّيْخ مَحْمُود الْمَعْرُوف بغفوري خَليفَة الشَّيْخ مَحْمُود الأسكدراي وَكَانَ واعظا بِجَامِع السُّلْطَان مُحَمَّد فَوجه إِلَيْهِ الْوَعْظ مَكَانَهُ واشتهر أمره بعد ذَلِك وانكبت عَلَيْهِ النَّاس ثمَّ استدعاه السُّلْطَان مُحَمَّد سُلْطَان زَمَاننَا إِلَى أدرنة ليجتمع بِهِ فَتوجه إِلَيْهِ فَلَمَّا وَقع بَصَره عَلَيْهِ طلب السُّلْطَان الرُّجُوع إِلَى قسطنطينية وَكَانَ النَّاس قد أيسوا من ذكره إِيَّاهَا فضلا عَن التَّوَجُّه إِلَيْهَا فعدد ذَلِك من كرامات الشَّيْخ صَاحب التَّرْجَمَة وشاع أَنه لما خرج من قسطنطينية تفوه بِأَنَّهُ يجلب السُّلْطَان إِلَيْهَا وَأَخْبرنِي بعض الإخوان أَنه لما توجه السُّلْطَان إِلَى أدرنة فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف كَانَ ذَلِك بوفق صدر من رجل يُقَال لَهُ صاجلوشج مُحَمَّد وَأَن أهل أدرنة كَانُوا شكوا إِلَيْهِ حَالهم وَمَا هم فِيهِ من ضنك الْمَعيشَة وصنع لَهُم وفقا لمجيء السُّلْطَان ثمَّ قَالَ حكم هَذَا الوفق يَمْتَد إِلَى ثَمَان عشرَة سنة ثمَّ يَأْتِي رجل اسْمه حسن فَيكون سَببا لأبطاله وَأقَام بأدرنة ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ اسْتَأْذن فِي الرُّجُوع وَخرج وَلما دَخَلتهَا فِي ذَلِك الْأَثْنَاء رَأَيْته وَهُوَ يعظ النَّاس فِي جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد وَكَانَ حُلْو الْعبارَة متواضعا جدا أشاخص الْبَصَر إِلَى فَوق حَتَّى لَا يرى أحدا وَكَانَ هَذَا دأبه بِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ بَقِيَّة السّلف وَكَانَت وَفَاته فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف عَن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع السُّلْطَان مُحَمَّد وَكَانَت جنَازَته حافلة جدا قل أَن يَقع مثلهَا
[ ٢ / ١٩ ]
وَدفن بتكمينة ونسبته لامي سِنَان من جِهَة والدته وأظن أَنه قيل لي أَنه جدها لأَبِيهَا وَكَانَ أمى سِنَان الْمَذْكُور من صُدُور ومشايخ دولة السُّلْطَان سُلَيْمَان وَقد ذكره ابْن نوعى فِي ذيل الشقائق وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَذكر أَن لَهُ من الرسائل رِسَالَة فِي ذكر سلسلة مَشَايِخ السَّادة الخلوتية ورسالة فِي الدوران وَالسَّمَاع ذكر فِي تِلْكَ الرسَالَة أَن وَالِده حكى عَن أَبِيه الشَّيْخ الْأَجَل يَعْقُوب أَن الشيح الْأَجَل سنبل سِنَان كَانَ من أهل السماع وَكَانَ إِذا دخل إِلَى السماع فِي الْجَامِع ترْتَفع قبَّة الْجَامِع إِلَى الْهَوَاء حَتَّى يرى دوران الْمَلَائِكَة وَكَانَ فِي زَمَنه الْمولى عرب وَهُوَ من كبار عُلَمَاء الظَّاهِر فَأطَال لِسَانه فِي حَقه وَأكْثر الوقيعة بِهِ فافترق الْعلمَاء أذذاك فرْقَتَيْن لَكِن الْفرْقَة الْكَثِيرَة كَانَت فِي طرف الشَّيْخ سنبل سِنَان فَاجْتمعُوا يَوْمًا فِي جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد ودعوا الشَّيْخ إِلَيْهِم فَحَضَرَ هُوَ واتباعه وَتقدم حَتَّى جلس فِي الْمِحْرَاب وَنظر عَن جانبيه ثمَّ قَالَ مَا أحسن جمعتكم مَا كَانَ الذاعي إِلَيْهَا فَأَجَابَهُ الْمولى صارى كرز وَكَانَ قَاضِي قسطنطينية أذذاك وَفِيه غلاظة أَن أتباعك يذكرُونَ الله بالدوران وَالسَّمَاع فَمَا دَلِيل جَوَاز ذَلِك يبنوه لنا وَإِلَّا فامتنعوا من ذَلِك فَقَالَ الشَّيْخ إِذا لم يكن الْمَرْء صَاحب اخْتِيَار مَاذَا يحكم عَلَيْهِ شرعا فَقَالَ القَاضِي أتزعم أَن هَؤُلَاءِ يسلبون الأختيار إِذا ذكرُوا فَقَالَ فيهم من هُوَ كَذَلِك فَقَالَ القَاضِي إِذا فرضناهم كَذَلِك فَمن سلب إختياره أتراه يسلب عقله أَو يجذب فَقَط فَقَالَ الشَّيْخ هَؤُلَاءِ عقلهم كَامِل فَقَالَ القَاضِي يَا الله الْعجب يسلب إختيارهم وتبعتى عُقُولهمْ هَذَا الْكَلَام من أَي مقولة هُوَ وفقال الشَّيْخ هلا أخذتك الْحمى قَالَ بلَى فَقَالَ لأي شَيْء كنت ترتعد أَتَرَى عقلك لم يكن فِي رَأسك فسلب الِاخْتِيَار لَا يُوجب زَوَال الْعقل فتفطن إِن كنت عَاقِلا فأفحم القَاضِي ثمَّ الْتفت إِلَى الْجَمَاعَة وخاطب كلًاّ بِمَا أبهته فَلم يَجدوا بعْدهَا جَوَابا وَختم الْمجْلس بقوله هَذِه أغراض نفسانية لَا مُحَصل لَهَا ثمَّ صعد الْمِنْبَر وَأبْدى فِي الْحَقَائِق أَشْيَاء تحير الأذهان وَوَقع اعْتِقَاده فِي صُدُور غَالب الْقَوْم وَأخذُوا عَنهُ الطَّرِيق فِي ذَلِك الْوَقْت وأذعنوا لَهُ وَمِمَّا يرْوى من مناقبه أَنه كَانَ وَقع بَينه وَبَين الْمولى أبي السُّعُود الْعِمَادِيّ صَاحب التَّفْسِير فِي مسئلة فحنق عَلَيْهِ الْمولى أَبُو السُّعُود وَحلف أَنه إِن مَاتَ الشَّيْخ سِنَان قبله لَا يحضر للصَّلَاة عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ خفض عَلَيْك لَا يُصَلِّي عليّ إِمَامًا إِلَّا أَنْت وَلَيْسَ لَك محيد عَن ذَلِك فاتفق أَنه يَوْم موت الشَّيْخ سِنَان توفيت ابْنة السُّلْطَان سُلَيْمَان وأحضرت الْجِنَازَة فِي الْجَامِع ودعي أَبُو السُّعُود
[ ٢ / ٢٠ ]
للصَّلَاة عَلَيْهِمَا وَكَانَ لم يبلغهُ وَفَاة الشَّيْخ فَقدم للصَّلَاة على الجنازتين وَلما أتم الصَّلَاة سَأَلَ فَقيل لَهُ هَذَا الشَّيْخ سنبل سِنَان فَكفر عَن يَمِينه وَكَانَ بعد ذَلِك إِذا طَرَأَ ذكره يعظمه وَيذكر أَحْوَاله والنما ذكرته وَلَيْسَ على شَرط كتابي ليعلم نِسْبَة الشَّيْخ صَاحب التَّرْجَمَة وَلما فِي ذكر هَؤُلَاءِ السَّادة من الْفَائِدَة التَّامَّة رَحِمهم الله تَعَالَى
الشَّيْخ حسن بن زَاهِر الْمَقْدِسِي العاروري الْأنْصَارِيّ الشَّيْخ الصَّالح الْجواد المربي كَانَ من خِيَار النَّاس وَله صَلَاح وانعكاف على الْعِبَادَة وَلأَهل دائرته فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من عباد الله الصَّالِحين وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْخَمِيس بعد الظّهْر سادس عشر صفر سنة تسع وَسبعين وَألف وَصلى عَلَيْهِ فِي الْيَوْم الْمَذْكُور بعد الْعَصْر وَدفن بمدفنه الَّذِي عمره دَاخل جَامعه الَّذِي بناه بقرية السيلة من أَعمال اللجون وَحضر جنَازَته غَالب أهالي الْقرى الَّتِي حولهَا وَجَمَاعَة من أهل جينين والعاروري نِسْبَة إِلَى عارورا بَلْدَة بضواحي بَيت الْمُقَدّس وَسِيلَة بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة قَرْيَة من عمل اللجون وَفِي نَاحيَة نابلس سيلة أُخْرَى غير هَذِه وَالله أعلم
حسن بن زين الدّين الشَّهِيد العاملي الشهير بالشامي نزيل مصر من حَسَنَات الزَّمَان وأفراده ذكره الخفاجي فِي ريحانته وَقَالَ فِي وَصفه مَا جد صِيغ من مَعْدن السماح وابتسمت فِي جَبينه غرَّة الصَّباح إِلَى آخر مَا قَالَه وَذكر من شعر قَوْله
(مصر تفوق على الْبِلَاد بحسنها وبنيلها الزاهي ورقة ناسها)
(من كَانَ يُنكر فالتحكم بَيْننَا فِي رَوْضَة وَالْجمع فِي مقياسها)
وَهُوَ يقرب من قَول الْقَائِل
(أَن مصرا لَا طيب الأَرْض عِنْدِي لَيْسَ فِي حسنها البديع قِيَاس)
(فأذاقتها بِأَرْض سوااها كَانَ بيني وَبَيْنك المقياس)
وَذكره ابْن مَعْصُوم فِي السلافة فَقَالَ فِي وَصفه شيخ الْمَشَايِخ الجلة وَرَئِيس الْمَذْهَب وَالْملَّة الْوَاضِح الطَّرِيق وَالسّنَن الموضح الْفُرُوض وَالسّنَن يم الْعلم الَّذِي يُفِيد وَيفِيض وخضم الْفضل الَّذِي لَا ينضب وَلَا يغيض الْمُحَقق الَّذِي لَا يراع لَهُ يراع والمدقق الَّذِي راق فَضله وراع المتفنن فِي جَمِيع الْفُنُون والمفتخر بِهِ الْآبَاء والبنون قَامَ مقَام وَالِده فِي تمهيد قَوَاعِد الشَّرَائِع وَشرح الصُّدُور بتصنيفه الرَّائِق وتأليفه الرائع فنشر للفضائل حلا مطرزة الأكمام واماط عَن مباسم أزهار الْعُلُوم لثام
[ ٢ / ٢١ ]
الأكمام وشنف الإسماع بفرائد الْفَوَائِد وَعَاد على الطلاب بالصلات والعوائد وَأما الْأَدَب فَهُوَ روضه الأريض وَمَالك زِمَام السجع مِنْهُ والقريض والناظم لقلائده وعقوده والمميز عروضه من نقوده وسأثبت مِنْهُ مَا يزدهيك احسانه وتصيبك خرائده وحسانه وَمن مصنفاته كتاب منتقى الجمان فِي الْأَحَادِيث الصِّحَاح والحسان وَكتاب المعالم والأثني عشرِيَّة ومنسك الْحَج وَغير ذَلِك وَمن شعره قَوْله
(طول اغترابي بفرط الشوق وأضناني والبين فِي غَمَرَات الوجد ألقاني)
(يَا بارقا من نواحي الْحَيّ عارضني إِلَيْك عني فقد هيجت أشجاني)
(فَمَا رَأَيْتُك فِي الْآفَاق مُعْتَرضًا أَلا وذكرتني أَهلِي وأوطاني)
(وَلَا سَمِعت شجا الورقاء نائحة فِي الأيك أَلا وشبت مِنْهُ نيراني)
(كم لَيْلَة من ليَالِي الْبَين بت بهَا أرعى النُّجُوم بطرفي وَهِي ترعاني)
(كَانَ أَيدي خطوب الدَّهْر مُنْذُ نأوا عَن ناظري كحلت بالسهد أجفاني)
(وَيَا نسيما سرى من حيهم سحرًا فِي طيه نشر ذَاك الرند والبان)
(أَحييت مَيتا بِأَرْض الشَّام مهجته وَفِي الْعرَاق لَهُ تخييل جثمان)
(وَكم حييت وَكم قدمت من شجن مَا ذَاك أول إحْيَاء وَلَا الثَّانِي)
(شابت نواصي من وجدي فوا أسفي على الشَّبَاب فشيبي قبل أباني)
(يالائمى كم بِهَذَا اللوم تزعجني ) دَعْنِي فلومك قد وَالله أغراني
(لَا يسكن الوجد مَا دَامَ الشَّبَاب وَلَا تصفو المشارب لي إِلَّا بلبنان)
(فِي ربع أنسى الَّذِي حل الشَّبَاب بِهِ تما ئمى وَبِه صحبي وخلاني)
(كم قد عهِدت بهاتيك الْمعَاهد من أَخَوان صدق لعمري أَي إخْوَان)
(وَكم تقضت لنا بالحي آونة على المسرة فِي كرم وبستان)
(لم أدر حَال النَّوَى حَتَّى علقت بِهِ فغمرتني من وقوعي قبل عرفاني)
(حتام دهري على ذَا الْهون تمسكني هلا جنحت لتسريح بِإِحْسَان)
(أَقْسَمت لَوْلَا رَجَاء الْقرب يسعفني فَكلما مت بالأشواق أحياني)
(لكدت أَقْْضِي بهَا نحبي وَلَا عجب كم اهلك الوجد من شيب وشبان)
(يَا جيرة الْحَيّ قلبِي بعد بعد كم فِي حيرة بَين أوصاب وأحزان)
(يمْضِي الزَّمَان عَلَيْهِ وَهُوَ مُلْتَزم بحبكم لم يدنسه بسلوان)
(بَاقٍ على الْعَهْد رَاع للذمام فَمَا يشوب عهدكم يَوْمًا بنيسان)
[ ٢ / ٢٢ ]
(فَإِن براني سقامي أَو نأى رشدي فلاعج الشوق أوهاني وألهاني)
(وَإِن بَكت مقلتي بعد الْفِرَاق دَمًا فَمن تذكركم يَا خير جيران)
وَقَوله وَهِي من محَاسِن شعره
(فُؤَادِي ذِي ظاعن أثر النياق وجسمي قاطن أَرض الْعرَاق)
(وَمن عجب الزَّمَان حَيَاة شخص ترحل بعضه وَالْبَعْض بَاقِي)
(وَحل السقم فِي بدني وَأمسى لَهُ ليل النَّوَى ليل المحاق)
(وصبري راحل عَمَّا قَلِيل لشدَّة لوعتي ولظى اشتياقي)
(وفرط الشوق أصبح بِي خليعا وَلما يتوفى فِي الدُّنْيَا فراقي)
(وتعبث ناره فِي الرّوح حينا فيوشك أَن تبلغها التراقي)
(وأظماني النَّوَى وأراق دمعي فَلَا أروى وَلَا دمعي براقي)
(وقيدني على حَال شَدِيد فَمَا حرز الرقي مِنْهُ براقي )
(أَبى الله الْمُهَيْمِن أَن تراني عُيُون الْخلق محلول الوثاق)
(أَبيت مدى الزَّمَان بِنَار وجدي على جمر يزِيد بِهِ احتراقي)
(وَمَا عَيْش امْرِئ فِي بَحر غم يضاهي كربه كرب السِّيَاق)
(يود من الزَّمَان صفاء يَوْم يلوذ بظله مِمَّا يلاقي)
(سقتني نائبات الدَّهْر كأسا مريرا من أَبَارِيق الْفِرَاق )
(وَلم يخْطر ببالي قبل هَذَا لفرط الْجَهْل إِن الدَّهْر ساقي )
(وفاض الكأس بعد الْبَين حَتَّى لعمري قد جرت مِنْهُ سواقي)
(فَلَيْسَ لداء مَا ألْقى دَوَاء يؤمل نَفعه إِلَّا التلاقي)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة أَربع وَخمسين وَتِسْعمِائَة تَقْرِيبًا فَإِنِّي رَأَيْت فِي تَارِيخ الشلي إِن وَالِده مَاتَ فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَكَانَ عمره إِذْ ذَاك اثْنَتَيْ عشرَة سنة فَيكون مولده على هَذَا فِي سنة أَربع وَخمسين كَمَا ذكرته وَتُوفِّي فِي سنة إِحْدَى عشرَة بعد الْألف وَالله تَعَالَى أعلم
السَّيِّد حسن بن شدقم الْمدنِي الْحُسَيْنِي الْفَاضِل الأديب الْكَامِل ذكره ابْن مَعْصُوم فِي السلافة فَقَالَ فِي حَقه وَاحِد السَّادة وأوحد الساسة وَثَانِي الوسادة فِي دست الرياسة الْقدر عَليّ والحسيني والخلق كالأسم حسن وَالنّسب حسيني جمع إِلَى شرف الْعلم وَعز الجاه ونال من خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مرتجاه
[ ٢ / ٢٣ ]
وَكَانَ قد دخل الديار الْهِنْدِيَّة فِي عنفوان شبابه فصدره الشّرف فِي مجْلِس أَهله وأربابه وَمَا زَالَ يورق فِي رياض الإقبال عوده حَتَّى أسفرت فِي سَمَاء الأسعاد سعوده فأملكه أحد ملوكه ابْنَته وَرفع فِي مَرَاتِب العلياء مرتبته فاجتلى عرائس آماله فِي منصات تيلها واستطلع أقمار سعده فِي نواشي لَيْلهَا واقتعد الرُّتْبَة القعا وَأصْبح وَهُوَ رَئِيس الرؤسا وَكَانَ من أحسن مَا قدر من عزمه وَدبره وحرره فِي صفحات غرسه وحبره إرْسَاله فِي كل عَام إِلَى بَلْدَة جملَة وافرة من طريف مَاله وتلده فاصفيت لَهُ بِهِ الحدائق الزاهية وشيدت لَهُ الْقُصُور الْعَالِيَة وَلما هلك الْملك أَبُو زوجه وَهوى قرحياته من أوجه انْقَلب بأَهْله إِلَى وَطنه مَسْرُورا وتقلت فِي تِلْكَ الحدائق والقصور بهجة وسرورا أَلا أَن الرياسة الَّتِي انتشى فِي تِلْكَ الرياض بكؤسها والمكانة الَّتِي تميز بعلوها بَين رئيسها ومرؤسها لم يجد عَنْهُمَا فِي وَطنه خلفا وَلم ترض أنفته أَن يرى فِي وَجه جلالته كلفا فأنثنى عاطفا عنانه وثانيه وَدخل الديار الْهِنْدِيَّة مرّة ثَانِيَة فَعَاد إِلَى أبهة عَظمته الفاخرة وَبهَا انْتقل من دَار الدُّنْيَا إِلَى دَار الْآخِرَة وَله شعر بديع فائق كَأَنَّمَا اقتطفه من أزهار تِلْكَ الحدائق فَمِنْهُ قَوْله حِين أنف من مقَامه فِي وَطنه بَين أَهله وأقوامه بِعَدَد عوده من الديار الْهِنْدِيَّة والإنتقال من ظلال عزه الندية
(وَلَيْسَ غَرِيبا من نأى عَن دياره إِذا كَانَ ذَا مَال وينسب للفضل)
د
(وَأَنِّي غَرِيب بَين سكان طيبَة وَإِن كنت ذَا مَال وَعلم وَفِي أَهلِي)
وَهُوَ من قَول البستي ﵀
(وَإِنِّي غَرِيب بَين بست وَأَهْلهَا وَإِن كَانَ فِيهَا جيرتي وَبهَا أَهلِي)
(وَلَيْسَ ذهَاب الرّوح يَوْمًا منية وَلَكِن ذهَاب الرّوح فِي عدم الشكل)
(وَمَا غربَة الْإِنْسَان فِي شقة النَّوَى وَلكنهَا وَالله فِي عدم الشكل)
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
(لَا بدّ للْإنْسَان من صَاحب يُبْدِي لَهُ الْمكنون من سربّه)
(فاصحب كريم الأَصْل ذاعفة تأمن وَإِن عاداك من شرّه)
وَله غَيْرك ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي شَوَّال سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَألف رَحْمَة الله تَعَالَى
حسن باشا بن عبد الله الْأمين الْكَبِير الْمَعْرُوف بشورة حسن أحد صُدُور دمشق وأعيانها الَّذِي كَانَ يرجع إِلَيْهِم فِي الْمُهِمَّات ويعول عَلَيْهِم فِي الْأُمُور وَكَانَ
[ ٢ / ٢٤ ]
كَامِل الْعقل حسن التَّدْبِير صافي المزاح وَكَانَ يعْتَمد الْعلمَاء والصلحاء ويتردد إِلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم فيكرمهم ويعظمهم وتقلبت بهَا الدُّنْيَا بَين نعيم وبؤس حَتَّى اسْتَقر فِي مركزه وَبلغ من الْعِزّ والجاه مبلغا لَيْسَ وَرَاءه غَايَة واحتوى على أَمْلَاك وعقارات كَثِيرَة وَعمر الخان الْمَعْرُوف بسوق جقمق وَوَقفه مَعَ جملَة من عقاراته على ذُريَّته وَكَانَ فِي مبدأ أمره من آحَاد جند الشَّام ثمَّ ترقى حَتَّى صَار كتخد أهم وَضرب وَاحِدًا مِنْهُم حَتَّى هلك فَقَامُوا عَلَيْهِ وَأَجْمعُوا على قَتله فخلص مِنْهُم وصولحوا بعزله فَاخْتَارَ فريقة التيمار حَتَّى صَار جاويش السُّلْطَان وسافر إِلَى قسطنطينية مرَارًا وَكَانَ إِذا سَافر إِلَيْهَا استنهضه النَّاس فِي قَضَاء مهامهم فيقضيها على أحسن وَجه ويسامح غالبهم بِمَا يذهب عَلَيْهَا من الخرج وَيَأْتِي كل نوبَة بحسنة إِلَى بعض الْمُسْتَحقّين من الْعلمَاء والصلحاء إِمَّا وَظِيفَة وَإِمَّا صَدَقَة وَكَانَ يحنو على الْأَيْتَام وحضن كثيرا مِنْهُم مِمَّن لَا ولي لَهُ ونمى أَمْوَالهم وَكَانَ منتميا إِلَى الْوَزير الْأَعْظَم سياغوش باشا فَدفع إِلَيْهِ مَالا وَأمره أَن يَبْنِي لَهُ مَسْجِدا بِدِمَشْق ويرتب فِيهِ من يقوم بشعائره فَبنى الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بالسياغوشية بِالْقربِ من دَاره بحارة القصاعين دَاخل بَاب الْجَابِيَة وَأحسن بناءها وَكَذَلِكَ فعل مَعَه الْوَزير الْأَعْظَم مُرَاد باشا فعمر لَهُ سوق المرادية بِبَاب الْبَرِيد والخان وسوق الذِّرَاع وَجعله وَقفا على الْحَرَمَيْنِ وَولى وقف البيمارستان النوري فَأَقَامَ شعائره بعد أَن كَانَت اضمحلت وَعمر أوقافه وأتى فِيهِ من حسن التنمية بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ فاستدعاه الْمولى مصطفى الْمَعْرُوف بكوجك قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق لولاية البيمارستان القيمرى فَأبى حَتَّى أبرم عَلَيْهِ هُوَ وَرَئِيس الْأَطِبَّاء بِدِمَشْق الشَّيْخ شرف الدّين لاضمحلال حَاله ثمَّ قبله على شريطة أَن لَا يتَنَاوَل فِيهِ رَئِيس الْأَطِبَّاء بعض أَشْيَاء عينهَا وَلَا يخالطه من أُمُوره بسوي قبض الْقدر الْفُلَانِيّ من علوفته فَأَنَّهُ بِسَبَب تجاوزه وَتجَاوز أَمْثَاله خرب الْوَقْف فَقبل القَاضِي والرئيس شَرطه وعمره ونمى وَقفه وَولى تَوْلِيَة الْجَامِع الْأمَوِي بعد أَن كَانَ وَقفه يذهب فبذل جهده فِي ضَبطه وتنميته وَقد تقدم طرف من خبر تَوليته فِي تَرْجَمَة إِسْمَاعِيل بن عبد الْوَهَّاب العجمي فَارْجِع إِلَيْهِ هُنَاكَ وَعمر حمام البزورية وقف دَار الحَدِيث النورية بِأَمْر الْوَزير أَحْمد باشا الْحَافِظ وَصرف من مَاله مبلغا واستوفاه من أجوره ثمَّ سلمه لمتوليه بعد الِاسْتِيفَاء وترقى فِي المناصب بعد ذَلِك حَتَّى تقاعد عَن حُكُومَة قرمان وَكَانَ أَكثر قُضَاة الشَّام إِذا ولوا دمشق فَوضُوا إِلَيْهِ أُمُورهم حَتَّى يحضروا وَولي
[ ٢ / ٢٥ ]
مُحَافظَة الشَّام فَقتل طَائِفَة من المناحيس وَلم تطل مُدَّة محافظته وَصَارَ مُسْتَوفى دمشق فاجتهد فِي تَحْصِيل الْأَمْوَال السُّلْطَانِيَّة وشدد على كتاب الخزينة والأمناء فاضمر بعض الْكتاب لَهُ السوء فَلَمَّا عزل أخرجُوا عَلَيْهِ أَشْيَاء انتقدوها عَلَيْهِ ووشوا بِهِ إِلَى الْوَزير الْحَافِظ الْمَذْكُور فكلفه مَا خرج عَلَيْهِ من المَال فَقبض مِنْهُ الْبَعْض وَسكت عَن الْبَعْض لما رأى من انقياده إِلَيْهِ وَلما قدم مُحَمَّد باشا السلحدار حَاكما بِالشَّام انتقد عَلَيْهِ مَا سكت عَنهُ الْحَافِظ وَعرض فِيهِ إِلَى بَاب السلطنة فَجَاءَت فِيهِ مناشير سلطانية وحوالة وَأخذ مِنْهُ مَا بَقِي عَلَيْهِ وَكَانَت دخلت عَلَيْهِ أَوْهَام من الْوَزير الْأَعْظَم نصوح باشا وَغَيره فلحقته الْأَمْرَاض والأسقام وَآل أمره إِلَى أَن يدافيه الفالح فأسرع فِي بعض أَعْضَائِهِ ثمَّ لما قدم مُحَمَّد باشا جوقدار السُّلْطَان أَحْمد قدم إِلَيْهِ سرادقًا عَظِيما وخدمة بِخِدْمَة عَظِيمَة فَالْتَفت إِلَيْهِ وقربه من مَجْلِسه وَلم تطل مدَّته بعد ذَلِك حَتَّى مَاتَ فِي زَمَنه وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من صُدُور أَعْيَان عصره وَكَانَ لَهُ محَاسِن ومساوئ إِلَّا أَن محاسنه كَانَت أَكثر وتراكمت عَلَيْهِ المحن فِي آخر أمره إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة السبت ثامن عشر ربيع الثَّانِي سنة سبع وَعشْرين وَألف وَقَالَ النَّجْم الْغَزِّي يرثيه وَذكرهَا فِي ذيله
(عجبت والدهر أعيتني أعاجيبه من عجمة لم تبن عَنْهَا تعاريبه)
(أما رَأَيْت رحاه وَهِي دَائِرَة فِي النَّاس قد لعبت فيهم دواليبه)
(وَالْمَوْت مَا زَالَ أخاذ الَّذِي نفس لَكِن قد اخْتلفت فيهم أساليبه)
(مَا خَاصم الْخصم إِلَّا وَهُوَ خاصمه غلب الرِّجَال وَإِن جلت مغاليبه)
(أما نظرت إِلَى شوربزهم حسن وَكَانَ كالسبع أدهتهم أراعيبه)
(لَهُ محَاسِن لَا تحصى لكثرتها فطالما هطلت خيرا شآبيبه)
(يحب تعمير أوقاف الْمَسَاجِد لَا يألو وَقد حسنت فِيهَا تراتيبه)
(وَكَانَ يحسن للأيتام يحضنهم تجْرِي على مستوى فيهم أنابيبه)
(لكنه كَانَ ذَا جاه وَذَا جرد وجرأة عظمت مِنْهَا تراهيبه)
(عنت دمشق وَمن فِيهَا لَهُ وَغدا تجرهم غير آبَاء مجاذبية)
(وَرُبمَا مس مِنْهُ الظُّلم بَعضهم وعاث فِي النَّاس تؤذيهم يعاسيبه)
(يُبَادر النَّاس بالترهاب يوهمهم مِمَّا يبلغهُ عَنْهُم دياديبه)
(أخلت منيته مِنْهُ الديار فقد أمست خلاء وتبكيه شناحيبه)
[ ٢ / ٢٦ ]
(من بعد مَا أفلجت مِنْهُ مفاصله وَمَا نفت عَنهُ أسقا مَا تقاربيه)
(كَانَت تسوّم فِي عرض مراكبه فَصَارَ للْأَرْض وانفكت تراكيبه)
(فليعتبر كل جَبَّار بميتته مَا خيله خلدت كلا وَلَا نيبه)
(يَا طالما أبْصر الْآيَات ظَاهِرَة وَالْقلب مَا فعلت فِيهِ تقاليبه )
(وَمَا اعْتبرنَا بِمَا التاطت وَمَا نشبت فِي ذَا الزَّمَان باهليه مخاليبه)
(نجرّب الدَّهْر تارات فتعرف مَا يجر بِهِ لم تلونا عَنهُ تجاريبه)
(طُوبَى لمن لم يكن بالدهر مخدعًا وَلم تمله عَن التَّقْوَى محاببه )
(بِالْخَيرِ يذكر أَو بالشرّ كل فَتى قضى فَلَا ليثه يخْشَى وَلَا ذيبه)
حسن بن عُثْمَان الرُّومِي الْحَنَفِيّ نزيل دمشق الْمَعْرُوف باوزون حسن أَي الطَّوِيل قدم فِي شيبته إِلَى قسطنطينية وخدم شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا بن بيرام مفتي التخت العثماني ولازم مِنْهُ ثمَّ لما توفّي الْمُفْتِي الْمَذْكُور بَقِي هُوَ فِي خدمَة ابْن استاذه شيخ الْإِسْلَام يحيى وَورد بخدمته إِلَى حلب ودمشق والقاهرة لما ولي قضاءها وَلما عزل عَن مصر وَدخل دمشق رَاجعا مِنْهَا كَانَ مَعَه أَيْضا فاستقر بِدِمَشْق وَتزَوج واقتنى دَار تجاه دَار الحَدِيث الأشرفية بِالْقربِ من بَاب القلعة قلت وَهُوَ الْآن بيد بني الْأَصْفَر ودرس بِالْمَدْرَسَةِ القصاعية الْحَنَفِيَّة والدرويشية وَولى تَوْلِيَة الْجَامِع الْأمَوِي ونظارته وتولية الدرويشية وَكَانَ الموَالِي قُضَاة الشَّام يرسلون يستنبيونه فِي قَضَائهَا مُدَّة إِلَى حِين وصولهم وَكَذَلِكَ قُضَاة العاكر يفوضون إِلَيْهِ الْقِسْمَة العسكرية وَصَارَ أحد كبراء دمشق وانعقدت عَلَيْهِ صدارتها وَكَانَ مهابا موقرا مُعظما سالكا مَسْلَك السّلف مُخْتَصرا فِي أُمُوره وَله عفة ونزاهة ومدحه الأديب ابراهيم الأكرمي الصَّالِحِي الْمُقدم ذكره بقصيده مطْلعهَا
(مَا راقه بعد رامة وَطن وَكَيف وَهِي الغرام والشجن)
وَهِي مَذْكُورَة فِي ديوَان الأكرمي فَلَا نطيل بذكرها وَكَانَت وَفَاته سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس
الْمولى حسن بن عَليّ بن أَمر الله وَقيل اسرافيل القسطنطيني المولد الْمَعْرُوف بِابْن الحنائي صَاحب التَّذْكِرَة الَّتِي ألفها فِي شعراء الرّوم وَهِي لَهُم كدمية الْقصر للباخرزي تحتوي على لطائف المنثور ومنتخبات الْأَشْعَار وَذكر فِيهَا مُعظم شعرائهم من ابْتِدَاء الدولة العثمانية سلاطين زَمَاننَا إِلَى زَمَانه وَألف حَاشِيَة على
[ ٢ / ٢٧ ]
الدُّرَر وَالْغرر مَقْبُولَة وَله غَيرهَا من التصانيف المقبولة بِلِسَان التركي وترسلات شائعة متداولة وَكَانَ جيد الْعبارَة لطيف الطَّبْع صَاحب نَوَادِر وتحف وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أحد أَفْرَاد الدَّهْر ومحاسن الْعَصْر ولد سنة ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ وَالِده إِذْ ذَاك ببروسة مدرس مدرسة حَمْزَة بيك وَأخذ عَن نَاظر زَاده مدرس عَليّ باشا الْجَدِيد وقاضي زَاده الْمَعْزُول عَن قَضَاء حلب ثمَّ وصل إِلَى مقَام شيخ الْإِسْلَام أبي السُّعُود الْعِمَادِيّ وَصَارَ من طلبته المختصين بِهِ وَحصل ودأب ولازم من الْمولى الْمَذْكُور ثمَّ درس إِلَى أَن وصل إِلَى الْمدرسَة السليمانية وَولى مِنْهَا قَضَاء حلب فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة ثمَّ ولى قَضَاء الْقَاهِرَة فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَألف ثمَّ ولى قَضَاء أدرنة فِي ذِي الْحجَّة سنة أَربع بعد الْألف ثمَّ ولى مصر ثَانِيًا فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَألف ثمَّ قَضَاء بروسة فِي شَوَّال سنة سبع وَألف ثمَّ عزل وَعين لَهُ قَضَاء أيدنجك على وَجه التقاعد ثمَّ أعْطى قَضَاء كليبولي وَنقل مِنْهَا إِلَى قَضَاء أَيُّوب وَفِي صفر سنة إِحْدَى عشرَة وَألف أعْطى قَضَاء اسكى زغرة على طَرِيق التَّأْبِيد فاستولت عَلَيْهِ بهَا أمراض بلغمية منعته من الْحَرَكَة الأنادرا فَطلب قَضَاء رشيد من نواحي مصر فأعطيها بِقَيْد الْحَيَاة وَتوجه إِلَيْهَا وَتُوفِّي بهَا هَكَذَا ذكر ابْن نوعى فِي تَرْجَمته وَرَأَيْت فِي بعض أوراق بِخَط إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف برامي الدِّمَشْقِي أَنه بعد عَزله من أدرنة أَدْرَكته حِرْفَة الْأَدَب وولعت بِهِ فحطه الدَّهْر من علياء قدره بعد الرّفْعَة الْعَظِيمَة وتفرق شَمل حَاله من فقد رياشه وضيق معاشه وَوجدت فِي بعض المجاميع لبَعض فضلاء الرّوم أَنه كَانَ عِنْدَمَا ولع الزَّمَان بِهِ قد أغرى بإنشاد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لَا يجِف لِسَانه من ترديدهما فِي أَكثر أوقاته وأحواله وَلست أَدْرِي انهما لَهُ أَو لغيره وهما قَوْله
(من كَانَ يَرْجُو أَن يعِيش فإنني أَصبَحت أَرْجُو أَن أَمُوت فأعتقا)
(فِي الْمَوْت ألف فَضِيلَة لَو أَنَّهَا عرفت لَكَانَ سَبيله أَن يعشقا)
ثمَّ رَأَيْت الْبَيْتَيْنِ منسوبين لِأَحْمَد بن أبي بكر الْكَاتِب وَقد اقْتدى فيهمَا بِابْن الرُّومِي فِي قَوْله
(قد قلت مذ مدحوا الْحَيَاة وأسرفوا فِي الْمَوْت ألف فَضِيلَة لَا تعرف)
(مِنْهَا أَمَان لِقَائِه بلقائه وفراق كل معاند لَا ينصف)
وَهُوَ أول من فتح هَذَا الْبَاب انْتهى قَالَ رامي وَلم يزل صَاحب التَّرْجَمَة يعاني الحرمان كَمَا ذكر حَتَّى ولى قَضَاء رشيد فَتوفي بهَا فِي شَوَّال سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف
[ ٢ / ٢٨ ]
الإِمَام حسن بن عَليّ بن دَاوُد بن الْحسن بن عَليّ بن الْمُؤَيد المؤيدي قَامَ بِالْيمن فِي نصف شهر رَمَضَان سنة خمس وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقَامَ مَعَه الشِّيعَة فِي صعدة فَخرج مِنْهَا إِلَى جبل الأهنوم فاشتعلت الأَرْض نَارا وَفتح جملَة قرى وَأرْسل رسله بالرسائل وَكتب إِلَى لطف الله بن المطهر فَلم يجبهُ واضطربت عَلَيْهِ الْبِلَاد وَكتب إِلَى مُحَمَّد بن شمس الدّين بِمثل ذَلِك فَلم يجبهُ أَيْضا وَكتب إِلَى يحيى بن المطهر فكاد أَنه يُجيب وغره أحد إخْوَان الإِمَام فَأجَاب وَسلم إِلَيْهِ بعض الْحُصُون فَوجه لطف الله عبد الله بن أَحْمد بن شمس الدّين والنقيب مرجان فَخَرجُوا إِلَى الْخشب وفتحوا مَا قد خَالف ثمَّ خرج الْأَمِير سِنَان أعانة لَهُم من قبل مُرَاد باشا فهزموا أَصْحَاب الإِمَام وسكنت بِلَاد زمرمر وَعَاد سِنَان إِلَى صنعا ثمَّ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة توجه سِنَان الْمَذْكُور لِحَرْب الإِمَام الْحسن إِلَى الأهنوم وَاسْتولى سِنَان على أَكثر بِلَاد الإِمَام وضايقه فِي شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فتح سِنَان جَمِيع بِلَاد الأهنوم وانحصر الإِمَام الْحسن فِي مَحل يُقَال لَهُ الصاب فنجح إِلَى السّلم وَخرج إِلَى يَد الْأَمِير سِنَان فِي سادس عشر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَمن عَجِيب الِاتِّفَاق أَنه دعى بِالْإِمَامَةِ فِي النّصْف من شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأسر فِي النّصْف مِنْهُ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَوصل الإِمَام الْحسن صُحْبَة الْأَمِير سِنَان إِلَى الْوَزير آخر يَوْم من شهر رَمَضَان فأودعه الْحِفْظ وَفِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ خَامِس عشر شَوَّال مِنْهَا وَجه الْوَزير الْأَمِير سِنَان بِالْإِمَامِ الْحسن وبأولاد المطهر لطف الله وَعلي وَيحيى وَحفظ الله وَإِبْرَاهِيم وَعبد الله وَجَمَاعَة آخَرين إِلَى الرّوم فَسَار بهم إِلَى المخا وأركبهم السَّفِينَة وَعَاد فَمَاتَ أَوْلَاد المطهر بالروم وَاحِدًا بعد وَاحِد وَتُوفِّي الإِمَام الْحسن بالروم أَيْضا فِي رَجَب سنة أَربع وَعشْرين وَألف ﵀
حسن بن عَليّ بن حسن بن أَحْمد بن مَحْمُود العاملي الكونيني الشهير بالحانيني من أهل الْفضل وَالْأَدب جم الْفَائِدَة كَانَ شَاعِرًا مطبوعا كثير النّظم لَهُ فِيهِ الباع الطَّوِيل وَكَانَ مُقيما بِبَلَدِهِ بَيت حانيني من ضواحي صفد وَأفْتى مرّة فِي حَيَاة الشهَاب أَحْمد الخالدي الْمُقدم ذكره وَقد وقفت لَهُ على أشعار كَثِيرَة فِي مَجْمُوع جمع صَاحبه فِيهِ المدائح الَّتِي مدح بهَا الْأَمِير فَخر الدّين بن معن فانتقيت بَعْضًا مِنْهَا من ذَلِك قَوْله من قصيدة مدح بهَا الْأَمِير الْمَذْكُور ومطلعها
(لنا فِي هوى ذَات الوشاح مَقَاصِد وَفِي خالها للعاشقين مراصد)
[ ٢ / ٢٩ ]
(على حبها نحيا ونحشر فِي الْهوى وَنحن على ميثاقها نتعاهد)
(يقد قُلُوب الْأسد مائس قدها وللصيد مِنْهَا فِي الجفون مصايد)
(أعارت شريد الريم حسن تلفت كَمَا قد أعارتها الْعُيُون إِلَّا وأبد)
(موردة الْخَدين دعجاء طفلة برهرهة خمصانة الْبَطن ناهد)
(غريرة حسن هام عِنْد جمَالهَا وَطيب شذاها مُسْتَقِيم وفاسد)
(تعلمت الْبيض البواتر فتكها وَمن لينها سمر الرماج موايد)
(أسَال دم العشاق سيف لحاظها على وجنتيها والغرام مساعد)
(أذاب على الْخَدين ورد شقائق بأكنافه ذوب الشبيبة جامد)
(مهاة مَتى أَلْقَت عقارب صدغها تشكل مِنْهَا فِي الْقُلُوب أساود)
(فتاة كَانَ الصُّبْح فَوق جبينها وَبدر الدجى من جيبها متصاعد)
(كَانَ هلالي الصَّوْم وَاضح طوقها وَمن خَلفه نظم النُّجُوم قلائد)
(كَانَ خفوق الْبَرْق قلب عشيقها إِذا لامه بَين المحافل زاهد)
(كَانَ سنا أوصافها مدح كَامِل وَبسط ثناه والأنام شَوَاهِد)
وَهِي طَوِيلَة جدا فلنكتف مِنْهَا بِهَذَا الْمِقْدَار وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف
الْحسن بن عَليّ بن جَابر الهبل اليمني ذكره ابْن أبي الرِّجَال فَقَالَ فِي وَصفه بديع الزَّمَان وقريع الأوان من لَا عيب فِيهِ سوى بعد بِلَاده وَقرب ميلاده فالمندل الرطب فِي أوطانه خشب أما صغر الميلاد فَللَّه در أَبى الطّيب حَيْثُ يَقُول
(لَيْسَ الحداثة من حلم بمانعة قد يُوجد فِي الشبَّان والشيب)
وَأما بعد الْبِلَاد فَأمر لَا يعتبره الحذاق وَإِن قَالُوا الْقرب المفرط مَانع لَا دراك الأحداق وَقَالَ بعض النَّاس
(عذيري من عصبَة بالعراق قُلُوبهم بالجفا قلب)
(يرَوْنَ العجيب كَلَام الْغَرِيب وَأما الْقَرِيب فَلَا يطرب)
(وَعذرهمْ عِنْد توبيخهم مغنية الْحَيّ لَا تطرب)
لَكِن الْعَاقِل الْفَاضِل لَا ينجح إِلَى التَّقْلِيد حَتَّى فِي تَفْضِيل الْحَصْبَاء على لآلئ الْجيد وَأَن الْإِنْصَاف من أجمل الْأَوْصَاف ولد بصنعا وَبهَا نَشأ على الْعِبَادَة والزهادة ومودة لعترة الطّيبَة السَّادة واشتغل بالعلوم والآداب حَتَّى برع على الشُّيُوخ
[ ٢ / ٣٠ ]
فضلا عَن الأتراب وَله ديوَان شعر فائق وسحر حَلَال رائق فِي كل معنى مليح نهيج مناهج الأدباء وجاراهم فِي رقيقهم وجزلهم وجدهم وهزلهم وَهُوَ مَعَ ذَلِك السَّابِق المجلي وَلَقَد رَأَيْت لَهُ مقاطيع باهرة وقصائد فاخرة وَنَفسه أشبه بِشعر الْحُسَيْن ابْن حجاج غيرانه مصون عَن الإقذاع وَأَنَّهَا هُوَ فِي الفصاحة والنصاعة وجودة السبك والصناعة وَقد كَانَ يُقَال أَن ابْن حجاج نَفسه يشبه نفس امْرِئ الْقَيْس ابْن حجر وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة قَوْله فِي الوعظيات
(أَيْن اسْتَقر السّفر الأول عَمَّا قريب بهم ننزل)
(مروا سرَاعًا نَحْو دَار البقا وَنحن فِي آثَارهم نرحل)
(مَا هَذِه الدُّنْيَا لنا منزلا وَإِنَّمَا الْآخِرَة الْمنزل)
(قد حذرتنا من تصاريفها لَو أننا نسْمع أَو نعقل)
(يُطِيل فِيهَا الْمَرْء آماله وَالْمَوْت من دون الَّذِي يأمل)
(بحلوله مَا مر من عيشها ودونه لَو عقل الحنظل)
(ألهته عَن طَاعَة خلاقه وَالله لَا يلهو وَلَا يغْفل)
(يَا صَاح مَا لَذَّة عَيْش بهَا وَالْمَوْت مَا تَدْرِي مَتى ينزل)
(يَدْعُو لي الأحباب من بَيْننَا يجِيبه الأول فَالْأول)
(يَا جَاهِلا بِجهْد فِي كسبها أغرك المشرب والمأكل)
(وَيَا أَخا الْحِرْص على جمعهَا مهلا فعنها فِي قد تسئل)
(لَا تتعبن فِيهَا وَلَا تأسفن لما مضى فَالْأَمْر مُسْتَقْبل)
(مَا قَوْلنَا بَين يَدي حَاكم يعدل فِي الحكم وَلَا يعْزل)
(مَا قَوْلنَا لله فِي موقف يخرس فِيهِ المصقع الْمَقُول)
(وَإِن سئلنا فِيهِ عَن كل مَا نقُول فِي الدُّنْيَا وَمَا نَفْعل)
(مَا الْفَوْز للْعَالم فِي علمه وَإِنَّمَا الْفَوْز لمن يعْمل)
وَقَوله
(لَا تعْتَبر ضعف حَالي وَاعْتبر أدبي وغض عَن رث أطماري وأسمالي)
(فَمَا طلابي للدنيا بممتنع لَكِن رَأَيْت طلاب الْمجد أسمى لي)
وَقَوله فِي العفاف
(مَا زلت من درن الدنا يَا صائنا عرضا غَدا كالجوهر الشفاف)
(وَإِذا جرى مرجا بميدان الصِّبَا مهر الْهوى ألحمته بعفاف)
[ ٢ / ٣١ ]
(وأذاهم وصفوا محَاسِن شادن مُسْتَكْمل لمحاسن الاوصاف)
(أبديت فِيهِ من النسيب غرائبا ووصفت فِيهِ مَا عدا الأرداف)
وَقَوله قَرِيبا من هَذَا الْمَعْنى
(تغزلت حَتَّى قيل أَنِّي أَخُو الْهوى وشببت حَتَّى قيل فَاقِد الأوطان)
(وَمَا بِي من عشق وشوق وَإِنَّمَا أتيت من الشّعْر البديع بإفنان)
وَقَوله من قصيدة
(حتام عَن جهل تلوم مهلا فَإِن اللوم لوم)
(طرفِي الَّذِي يشكو السها دو قلبِي المضنى الكليم)
(إِن الشقا فِي الْحبّ عِنْد العاشقين هُوَ النَّعيم)
(مَا الْحبّ إِلَّا مقلة عبراء أَو جسم سقيم)
(يَا من أكتم حبه وَالله بِي وَبِه عليم)
(وبلابل بَين الجوانح لَا تنام وَلَا تنيم)
(مَالِي وَمَا للوائمى أعليك ذُو عقل يلوم)
(يَا هَل ترَاهُ يعود لي بك ذَلِك الزَّمن الْقَدِيم)
(وهنى عَيْش باللوى لَو أَن عَيْش هُنَا يَدُوم)
(وبرامة إِذْ نلْت من وصل الْأَحِبَّة مَا أروم)
(يَا حبذا تِلْكَ الربوع وحبذا تِلْكَ الرسوم)
(يَا تاركين بمهجتي شررا يذوب بهَا الْجَحِيم)
(طَال المطال وَلم تهب لصدق وَعدكُم نسيم)
(مطل الْغَرِيم غَرِيمه حاشا كم خلق ذميم)
وَقَوله أَيْضا
(ملكتم فاعدلوا فِي الصب أَو جوروا ذَنْب الْأَحِبَّة فِي العشاق مغْفُور)
(وَقد تقرر فِي قلبِي مقركم دون الورى فأقيموا فِيهِ أَو سِيرُوا)
(يَا مخربي ربع صبري بالجفا عَبَثا الْحَمد لله ربع الود معمور)
(وَيَا مطول هجراني بِلَا سَبَب أما بدالك فِي الهجران تَقْصِير)
(ومنكرا مَا أُلَاقِي من محبته حبي كطرفك بَين النَّاس مَشْهُور)
(أَنا الكئيب الْمَعْنى فِي هَوَاك وَإِن اظهرت أَنِّي بِمَا أَلْقَاهُ مسرور)
[ ٢ / ٣٢ ]
(الْإِخْلَاص لقلبي من صبابته فَإِنَّهُ فِي تعَاطِي الْحبّ مغرور)
(كم ذَا أكابد ملوم أيسره بالطوردك لَهُ من ثقله الطّور )
(وَكم أرى طاويا كشحى على شجن ونار قلبِي لَهَا فِي الْقلب تسعير)
(وَكم أراقب سارى الطّرف يطرقني وَإِنَّمَا الطيف تخييل وتزوير)
(يَا للحمى كم على واديه طل دمى وكمم فؤاد محب ثمَّ مأسور)
(وَفِي مليك جمال سيف مقلته مظفر بقلوب النَّاس مَنْصُور)
(تبى حبي حسن لَهُ من روض وجنته جنَّات عدن وَمن ألحاظه حور)
وَقَوله وَفِيه إبداع
(يَا من أَطَالَ التجني مِنْك الصدود ومني)
(مولَايَ إِن طَال هَذَا عَليّ فَاعْلَم بِأَنِّي)
(أفديك قل لي مَاذَا الَّذِي يدالك مني)
(تَرَكتنِي متهاما حيران أَقرع سني)
(أَشْكُو إِلَيْك الَّذِي بِي وَأَنت تعرض عني)
(وَلم ترق لحالي وَلَا رثيت لحزني)
(أصخ لشكيتي وارفق بجسم فِيك قد نحلا)
(وَقل لي من أحل دمي وَمن ذَا حرم القبلا)
(وَإِن تنكر ضني جَسَدِي وَلم تعطف عَليّ وَلَا)
(فَكف النبل من عَيْنَيْك يَكْفِي بعض مَا فعلا)
(وَلَا تطلع لنا خداك وردر ياضها الحضلا )
وَقَوله وَفِيه الجناس الْكَامِل
(رويدك من كسب الذُّنُوب فَأَنت لَا تطِيق على نَار الْجَحِيم وَلَا تقوى)
(أترضى بِأَن تلقى الْمُهَيْمِن فِي غَد وَأَنت بِلَا علم لديك وَلَا تقوى)
وَقَوله
(أفزع إِلَى الْبَارِي وَكن مِمَّا جنيت على وَجل)
(وأرج الْإِلَه فَلم يخب راجي الْإِلَه علا وَجل)
قد سبق إِلَى هَذَا فِي قَول الْقَائِل
(كن من مدبرك الْحَكِيم علا وَجل على وَجل)
وَقَوله فِي الثِّقَة بِاللَّه وَفِيه الجناس الْكَامِل
(ثق بِالَّذِي خلق الورى ودع الْبَريَّة عَن كمل)
[ ٢ / ٣٣ ]
(إنّ الصّديق إِذا اكْتفى وَرَأى غناء عَنْك مل)
وَقَالَ وَقدر أَي شَعْرَة بَيْضَاء فِي رَأسه وَفِيهِمَا التورية والاكتفاء
(شباب غير مَذْمُوم تولى وشيب قد أَتَى أَهلا وسهلا)
(مضى عمري الطَّوِيل وَمر عيشي كَأَنِّي لم أعش فِي الدَّهْر إِلَّا)
وَقَوله
(أذن الندى عَن نِدَاء الشّعْر صماء فَلَيْسَ يجديك إنشاد وإنشاء)
(يَا قالة الشّعْر مهلا لَا أبالكم رويدكم مَا لهَذَا الْقدح إيراء)
(أَنا لفي زمن ود الفصيح بِهِ لَو أَنه ألكن فِي القَوْل فأفاء)
(كم تمدحون وَلَا تعطون جَائِزَة كَأَنَّمَا مدحكم بِالْمَنْعِ إغراء)
(قل للْمَسَاكِين أهل الشّعْر يَا تَعب الأفكار إِن لم يصيبهم مِنْهُ إثراء)
(هذي الْمُلُوك مُلُوك الأَرْض هَل أحد مِنْهُم على سنَن المعروق مشاء)
(كم قد مَدْحنَا فَمَا أَجدت مدائحنا لأَنهم إِنَّمَا يُعْطون من شاؤا)
(مَا للقوافي إِذا أقوت معاهدها أَفِي زَمَانك يوهي الشّعْر إقواء)
(من ذَا الَّذِي من مقَام الَّذِي ينهضها إِن نالها بنعال الذل إيطاء)
(أُفٍّ لَهَا خطة يشقى ملابسها ضَاقَتْ بصاحبها للْأَرْض أرزاء)
(وحرفة أزجيت فِينَا بضاعتها فربح صَاحبهَا فقروا كداء)
(أَيهَا أغث مستغيثا أَنْت قطّ لَهُ المرجوان مَسّه بَأْس وضراء)
وَله غير ذَلِك مِمَّا أوردت مِنْهُ كثيرا فِي كتابي النفحة وَكَانَت وَفَاته بصنعا فِي صفر سنة تسع وَسبعين وَألف وَدفن غربي الْقصر السعيد
السَّيِّد حسن بن عَليّ بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن مُحَمَّد بن عِيسَى النعمي الحسني من فضلاء الزَّمن وأدبائه وعلمائه وشعرائه ولد بصنعا وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ الْقُرْآن وَأخذ عَن وَالِده علو مَا جمة وقويت فِي طلب الْعُلُوم همته وَله نظم فاخر مِنْهُ مَا كتبه إِلَى القَاضِي النَّاصِر بن عبد الخفيظ المهلا نَائِيا عَن السَّيِّد جمال الْإِسْلَام مُحَمَّد بن صَلَاح يتشوق إِلَيْهِ بقوله
(أَلا بِاللَّه يَا نفس الخيال اعدلي ذكر سالفة اللَّيَالِي)
(وأتحفني بِذكر أهيل نجد وَمَا قد مر فِي تِلْكَ الْخلال)
(فَأَنِّي إِن ذكرت زمَان وَصلى وَمَا قد مر من حسن اتصالي)
(بِمن أهواه فِي عَيْش خصيب وَأَيَّام حلالها قد حلالي)
[ ٢ / ٣٤ ]
(أكاد أذوب من ولهي عَلَيْهِ وأضرب بِالْيَمِينِ على الشمَال)
(واصبو للربوع وساكنيها وَأبقى فِي افتكار واشتغال)
(وَأَرْجُو الله يجمعنا قَرِيبا بِذَات النَّفس لَا طيف الخيال)
(ونقضي للصبابة والتصابي لبانات التواصل والوصال)
(وَبعد فَحَث يَا حادي المطايا قلوصك باهتمام واحتفال)
(وسر عجلا هديت وَلَا تأني وجوزها الحضيض مَعَ الرمال)
(وأطلعها إِلَى الْجَبَل امتثالا وَحط الرحل فِي بلد بهالي)
(أخلاء وأحباب وَأهل وَأَصْحَاب علوا رتب الْكَمَال)
(وَفِيهِمْ نَاصِر الدّين المرجى لحل المشكلات من السُّؤَال)
(ترَاهُ مذ نسا كلفا بِجمع لآثار النَّبِي وَخير آل)
(وَإِن أمْلى تدفق مثل بَحر تدفق بالجواهر واللآلئ)
(فَفِي الْمَعْنى وَفِي المغنى عَظِيم جليل فِي الْمقَال وَفِي الفعال)
(حباه الله مِنْهُ بِكُل خير وفضله على كل الرِّجَال)
(وَأَرْجُو الله يجبوني قَرِيبا بِأَن أضحى وعزمته قبالي)
وَمن شعره أَيْضا قَوْله يُخَاطب السَّيِّد مساعد الْحسنى وَقد قدم من مَكَّة واليا على عتود وبيش وأعمالها بِأَمْر الشريف زيد بن محسن
(شمس المحاسن قد لاحت من الْحجب فأشرق الْكَوْن نورا غير محتجب)
(وَقد بِسمن ثغور الشّعب من عجب وماست القضب فَوق الكثب من طرب)
(وغنت الْوَرق فِي أفنانها طَربا والزهر يفتر عَن طلع وَعَن حبب)
(نسل الَّذين سما فِي الْمجد مفخرهم حَتَّى علا فَوق هام السَّبْعَة الشهب)
(مساعد الِاسْم مَيْمُون الصِّفَات وَمن بسقن أعراقه من مغرس الْأَدَب)
(صافي النضار وَمَيْمُون الفخار وعلوي النجار وسامي النَّفس والرتب)
(لم يعرف الْمجد إِلَّا من أبوته مورثا مَا حواه عَن أَب فأب)
(أَهلا وسهلا أقرّ الْعين مقدمكم ومرحبا يَا سليل السَّادة النجب)
(تعطرت أَرْضنَا واخضر يابسها وافتر مبسمها عَن لُؤْلُؤ شنب)
(وماس مخلافنا فِي روضه وزها تيها عَن الغوطة الغراء مَعَ حلب)
(وفاح مِنْهُ شميم الْورْد وابتهجت مِنْهُ النُّفُوس لمرأى الْبَدْر فِي الكثب)
[ ٢ / ٣٥ ]
(وافيت للعدل فِيمَا قد ندبت لَهُ لله منتدبا من خير منتدب )
(مَا كَانَ ذَا الْملك الْمَنْصُور منتضيا من غمد دولته إِلَّا لذى شطب)
(لَا يبرح الْيمن والتوفيق خادمه وَلَا بَرحت لجمع الشمل وَالنّسب)
(وفقت فِي كل مَا قد رمت مرتفيا مَرَاتِب الْعِزّ والعلياء والحسب)
(واسلم وَدم فِي نعيم لَا يكدره صرف الزَّمَان بِمَا يُبْدِي من النوب)
وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة فِي مستهل الْمحرم سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بالشبيكة بِالْقربِ من تربة السَّيِّد العيدروس والنعمي نِسْبَة إِلَى جدلهم اسْمه نعْمَة وَهَؤُلَاء سادة أَشْرَاف بَيت علم وَفضل وأدب وهم من ذُرِّيَّة الْحسن الْمثنى ومقامهم بِجِهَة صَبيا وَالْمَشْهُور مِنْهُم الْآن آل مُحَمَّد بن عِيسَى وَآل اخيه أَحْمد بن عِيسَى وَصَاحب التَّرْجَمَة من ذُرِّيَّة مُحَمَّد بن عِيسَى وَأما هَذَا الَّذِي يجي بعده وَأَخُوهُ مُحَمَّد فهما من ذُرِّيَّة أَحْمد بن عِيسَى وَالله تَعَالَى أعلم
السَّيِّد حسن بن عَليّ بن حفظ الله بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن عَليّ بن أَحْمد بن عِيسَى النعمي الحسني السَّيِّد الْعَلامَة ابْن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن سَالم بن يحيى ابْن مهنا بن سرُور بن نعْمَة بن فلتية بن حُسَيْن بن يُوسُف بن نعْمَة بن عَليّ بن دَاوُد بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن مُوسَى الجون بن عبد الله الْمَحْض ابْن الْحسن الْمثنى بِابْن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه والمحامد السامية والمكارم الْعَالِيَة بدر المحاسن الصاعدة الْعلية ومصباح العترة النَّبَوِيَّة وَحجَّة الأسرة من الْعِصَابَة الفاطمية من انحطت لمعاليه المشيدة طوالع الشهب وَقصرت على أياديه المديدة هوامع السحب ونطقت بمفاخرة العديدة الْآثَار والكتب وَاحِد الكملاء الْفُضَلَاء الَّذين تبوؤا من الطَّاعَات دَارا وَاتَّخذُوا رَوْضَة الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات سكنا وقرارا وَجعلُوا أردية الْفضل وأبنية الْكَرم والبذل شعارا ودثارا ولد سنة تسع وَعشْرين وَألف بالدهنا من أَعمال صَبيا وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن السَّيِّد الْعَلامَة عَليّ بن الْحسن النعمي وغيرة وبرع فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والمحاضرات الأدبية وَله أشعار رائقة بديعة مِنْهَا مَا كتبه لعَلي بن الْهَادِي المنسكي معتذرا إِلَيْهِ فِي إبطاء كتبه عَنهُ وَهُوَ قَوْله من كتاب
(مَا بعد كتبي عَن الأحباب نِسْيَان وَقطع وَصلى لَهُم وَالله سلوان)
(أَو سلوة بسواهم لَا وحقهم إِنِّي على عَهدهم بَاقٍ وَأَن بانوا)
(وَكَيف أسلو وَفِي الأحشاء منزلهم وَالْقلب ربع لَهُم والجسم أوطان)
[ ٢ / ٣٦ ]
(وَمن إِذا شمت برقا نَحْو ربعهم بلت من الدمع أجفان وأردان)
(وَمن إِذا الطيف مِنْهُم زارني عجلا يشب فِي مهجتي جمر ونيران)
وَكتب إِلَيْهِ من فصل وَقد جَاءَ تلقائه الْكتاب الْكَرِيم الشافي وَوصل من نَحوه الْمِثَال الفخيم الوافي جلت طوالعه المهنئة حنادس الهموم وحلت نوارعه فوارس البالاغة فِي يَوْم مشهود لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مَعْلُوم فَمَا تنزل بِهِ روح لمعانيه من بَيَان سَمَاء البلاغه إِلَّا لشفاء أوامي وَلَا تدلى أَمِين يراعته على بَيَان بلاغته إِلَّا لبرئ أسقامي فَمَا أحلى مَا شربت من زلاله الْمعِين شافيا وَمَا أَلد مَا ارتويت من برد غَيره المغيث صافيا وَمَا أنور مَا تَبَسم بِهِ ثغره عَن لُؤْلُؤ عتاب كريم وَمَا أعطر مَا تنسم بِهِ فجره عَن غفران من الْمولى وَسَلام قولا من رب رَحِيم وَكتب إِلَى القَاضِي الْفَاضِل الْحُسَيْن ابْن النَّاصِر المهلى الشرفي فِي قَوْله متشوقا إِلَيْهِ
(لانت لمدلهم الْأَمر بدر يضيء وشمس معرفَة وبحر)
(وطود مَكَارِم وسبيل حق لِليْل دجى من الشُّبُهَات فجر )
(وَنور هدى لمن يعروه جهل ويم ندى لمن وافاه فقر)
(وفضلك شاع فِي الْعلمَاء حَتَّى تداول ذكره شام ومصر)
(بيُوت علاك شامخة طوال ووروض هَوَاك ناضره يسر)
(وفضلك جَاءَنِي فاهتز عطف لَهُ منى وطاب بِذَاكَ صدر)
(علومك أَصبَحت عسلا مصفى وَفِي أَنهَار هالين وخمر)
(وخور حسانها متبخترات تَدور بشأنها ولهنّ نشر)
(واشبه بالنسيم الرطب شَيْئا عتاب فِيهِ للمعتوب عذر)
(لتأخير الرسائل مِنْك عني وَذَلِكَ بَين أهل الودّ فَخر)
(وَأَنت حميت نور سَواد عَيْني ورق ولاي تَحت ولاك حجر)
(فَإِن لكم لَدَى بني المهلى وداد أَلا يحول وَلَا يُفَسر)
(فجدلى يَا حُسَيْن بِحسن صفج فَمن يعْفُو لَهُ فضل وَأجر )
(عَلَيْك تَحِيَّة وَسَلام رب رَحِيم مَا أنار وضاء بدر)
وَمِمَّا كتب إِلَيْهِ أَيْضا يتشوق بمروره بمحله
(منتظر الْقلب مَتى وصلكم فحالنا شقّ بِهِ الأنتظار)
(والشوق منا لم يزل صالبا جوانح الْقلب يجمر ونار)
[ ٢ / ٣٧ ]
(وربعنا تهتز أكنافه شوقا إِلَيْكُم يَا خِيَار الخبار)
(لَا زلتم للحق قَوَّامَة وَفِي الْمَعَالِي قادة والفخار)
(وَقد جعلت النَّاصِر المرتضى أَبَاك اذذاك الصفى النضار)
(معتصما من هجركم سَابِقًا وملجأ من مثله مستجار)
فَرَاجعه القَاضِي بقوله
(يَا بدر أفق فِي اللَّيَالِي أنار وَمن لَا فلاك الْمَعَالِي أدَار)
(يَا رَافعا دَار العلافي المَال فداره أضحى رفيع الْمنَار)
(وساكنا أَرضًا فأضحت بِهِ غراء بَيْضَاء كشمس النَّهَار)
(ومنبع السودد وَالْمجد فِي دَار لَهُ صارية خير دَار)
(وافى إِلَيْنَا النّظم كَاللُّؤْلُؤِ المنظوم فِي حور فِيهَا يحار)
(فَهُوَ لقلبي وفؤادي شفا وليميني ويساري يسَار)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي رَجَب سنة تسع وَسبعين وَألف
الشَّيْخ حسن بن عمار بن عَليّ أَبُو الْإِخْلَاص الْمصْرِيّ الشَّرّ نبلالي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الوفائي كَانَ من أَعْيَان الْفُقَهَاء وفضلاء عصره من سَار ذكره فانتشر أمره وَهُوَ أحسن الْمُتَأَخِّرين ملكة فِي الْفِقْه وأعرفهم كبصوصة وقواعده وأنداهم قَلما فِي التَّحْرِير والتصنيف وَكَانَ الْمعول عَلَيْهِ فِي الفتاوي فِي عصره قَرَأَ فِي صباه على الشَّيْخ مُحَمَّد الْحَمَوِيّ وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المسيري وتفقه على الإِمَام عبد الله التحريري والعلامة مُحَمَّد المحيي وَسَنَده فِي الْفِقْه عَن هذَيْن الْإِمَامَيْنِ وَعَن الشَّيْخ الإِمَام عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي مَشْهُور مستفيض ودرس بِجَامِع الْأَزْهَر وَتعين بِالْقَاهِرَةِ وَتقدم عِنْد أَرْبَاب الدولة واشتغل عَلَيْهِ خلق كثير وانتفعوا بِهِ مِنْهُم الْعَلامَة أَحْمد العجمي وَالسَّيِّد السَّنَد أَحْمد الحموى وَالشَّيْخ شاهين الأرمناوي وَغَيرهم من المصريين والعلامة اسماعيل النابلسي من الشاميين وَاجْتمعَ بِهِ وَالِدي المرحوم فِي متصرفه إِلَى مصر وَذكره فِي رحلته فَقَالَ فِي حَقه وَالشَّيْخ الْعُمْدَة الْحسن الشُّرُنْبُلَالِيّ مِصْبَاح الْأَزْهَر وكوكبه الْمُنِير المتلالي لورآه صَاحب السراج الْوَهَّاج لاقتبس من نوره أَو صَاحب الظهيرة لاختفى عِنْد ظُهُوره أَو ابْن الْحسن لأحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ أَو أَبُو يُوسُف لأَجله وَلم يأسف على غَيره وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ عُمْدَة أَرْبَاب الْخلاف وعدة أَصْحَاب الإختلاف صَاحب التحريرات والرسائل الَّتِي فاقت أَنْفَع الْوَسَائِل مبدى
[ ٢ / ٣٨ ]
الْفَضَائِل بإيضاح تَقْرِيره ومحيي ذَوي الإفهام بدر رغرر تحريره نقال الْمسَائِل الدِّينِيَّة وموضح المعضلات اليقينية صَاحب خلق حسن وفصاحة ولسن وَكَانَ أحسن فُقَهَاء زَمَانه وصنف كتبا كَثِيرَة فِي الْمَذْهَب وأجلها حَاشِيَته على كتاب الدُّرَر وَالْغرر لمنلا خسروا واشتهرت فِي حَيَاته وانتفع النَّاس بهَا وَهِي أكبر دَلِيل على ملكته الراسخة وتجره وَشرح منظومة ابْن وهبان فِي مجلدين وَله متن فِي الْفِقْه ورسائل وتحريرات وافرة متداولة وَكَانَ لَهُ فِي علم الْقَوْم بَاعَ طَوِيل وَكَانَ مُعْتَقدًا للصالحين والمجاذيب وَله مَعَهم إشارات ووقائع أَحْوَال مِنْهَا أَن بَعضهم قَالَ لَهُ يَا حسن من هَذَا الْيَوْم لَا تشتر لَك وَلَا لأهْلك وأولادك كسْوَة فَكَانَت تَأتيه الْكسْوَة الفاخرة وَلم يشتر بعْدهَا شَيْئا من ذَلِك وَقدم الْمَسْجِد الْأَقْصَى فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف صَحبه الْأُسْتَاذ أبي الإسعاد يُوسُف بن وفا وَكَانَ خصيصا بِهِ فِي حَيَاته وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة بعد صَلَاة الْعَصْر حادي عشرى شهر رَمَضَان سنة تِسْعَة وَسِتِّينَ وَألف عَن نَحْو خمس وَسبعين سنة وَدفن بتربة المجاورين والشرنبلالي بِضَم الشين الْمُثَلَّثَة مَعَ الرَّاء وَسُكُون النُّون وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ لَام ألف وَبعدهَا لَام نِسْبَة لشبرا بلولة وَهَذِه النِّسْبَة على غير قِيَاس وَالْأَصْل شبْرًا بلولى نِسْبَة كبلده تجاه منوف الْعليا بإقليم المنوفية بسواد مصر جَاءَ بِهِ وَالِده مِنْهَا إِلَى مصر وسنه يقرب من سِتَّة سِنِين فحفظ الْقُرْآن وَأخذ فِيهِ الإشتغال رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حسن بن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ من مُلُوك الْيمن الَّذين تسنموا من الْفَخر عالى الذرى ووسع جودهم عَامَّة الورى أما الْعلم فَهُوَ من أفاضل جيله وَأما الْحلم فَهُوَ الناهج لسبيله وَأما الحماسة فَمَا إشتقاق الحمس إِلَّا من حماسته وَلَا السماحة الأ من فائض سماحته وَهُوَ الَّذِي فتح الْيمن وَأَخذه لأخويه مُحَمَّد وَإِسْمَاعِيل من الأتراك وأخرجهم مِنْهُ وَكَانَ مَعَ شجاعته ذَا سياسة وتدبير عَظِيم ومرجع الدولة فِي عصره إِلَيْهِ وَالْكل من بنى الْقَاسِم لَا يصدرون إِلَّا عَن رَأْيه ويعولون فِي جَمِيع الْأُمُور عَلَيْهِ وَكَانَ مَعَ إشتغاله بالحروب وقيامه بِأَمْر الْملك على ضروب يَهْتَز الشّعْر هز النشوان وَلَا يشْغلهُ شاغل عَن المذاكرة فِي كل أَوَان فَلَو رَآهُ ابْن الرُّومِي لما قَالَ شعر
(ذهب الَّذين تهزهم مداحهم هز الكماة عوالي المرّان)
وَكَانَ يبين بجودة دهنه الْوَقَّاد الْجواد والمقصر فِي ميدان الأنشاد وَكَانَ عَظِيم الْعَطاء
[ ٢ / ٣٩ ]
كثير الْمَعْرُوف محبا لفعل الْخَيْر وَكَانَ يجل أَوْلَاد الْأَوْلِيَاء وَالْعُلَمَاء يعرف لَهُم حَقهم وَلذَلِك تمّ لَهُ الدست وَكَانَ سعيدا فِي حروبه وَمَا اتّفق أَنه ركب فِي جَيش الأوعاد منصورًا وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ حَسَنَة فِي بني الْقَاسِم على وَجه الزَّمَان وَلَا يدانيه فِي شجاعته مِنْهُم مدان وَأما مَا قيل فِيهِ من المدائح فَيطول ذكره وَهُوَ الَّذِي اختط الْجَبَل الْمُسَمّى بضوران بضاد مُعْجمَة مَضْمُومَة فَبنى بِهِ حصنًا مشيدًا واختط بِهِ مَدِينَة عَظِيمَة وَأَحْيَا بِهِ أَرضًا دَائِرَة وغرس بهَا فواكه فَصَارَت مَدِينَة عَظِيمَة بأسواقها وحماماتها ومساجدها وَأمر كل أَمِير من أمرائه أَن يَبْنِي بهَا بَيْتا فاتبعوا أمره وَعمر مَا حول الْمَدِينَة من الْقرى وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت ثَانِي شَوَّال سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف بِمَرَض ذَات الْجنب وَحصل بِمَوْتِهِ التَّعَب الشَّديد لعُمُوم نَفعه ورياسته وشجاعته وَحسن أخلاقه حَتَّى أَنه لما انتصر على الأروام فِي زبيد كَانَ يغريه المجالسون بالايقاع بهم لما صدر مِنْهُم من حربه فَلم يُؤثر فِيهِ العذل بل عَفا عَنْهُم وكساهم وَأحسن إِلَيْهِم وَكَانَت مُدَّة إمارته بعد خُرُوجه من صنعاء نَحْو خَمْسَة عشر عَاما وَدفن بضوران وَبنى عَلَيْهِ قبَّة عَظِيمَة إِلَى جَانب مَسْجده الَّذِي أسسه وتممه وَلَده مُحَمَّد وأجرى الْمِيَاه هُنَالك إِلَيْهِ وَجَاء تَارِيخ وَفَاته حسن المخلد فِي الْجنان رَحمَه الله تَعَالَى
حسن باشا ابْن مُحَمَّد باشا الْوَزير نَائِب الشَّام قد تقدم طرف من خَبره فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان أَحْمد وعلينا أَن نفصل أمره هُنَا فَنَقُول ولى فِي مبدا أمره كَفَالَة حلب ودخلها وَلم يلتح أَو لم تكمل لحيته ثمَّ ولى بعْدهَا كَفَالَة الشَّام فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وعزل عَنْهَا وَولي ولَايَة أَنا طولي ثمَّ ولَايَة أرزن الرّوم وَكَانَ الْوَزير الْأَعْظَم فرهاد باشا سر دَار أَعلَى العساكر العثمانية لغزاة ولَايَة الْعَجم فَاجْتمع بِهِ فِي ولَايَته الْمَذْكُورَة وَوَقع بَينهمَا أُمُور طَوِيلَة بِسَبَب أَن فرهاد باشا كَانَ بني بعض القلاع فِي ديار الشرق وَرفع حِسَاب كلفته عَلَيْهَا فِي دفتر وَطلب من بَقِيَّة الْأُمَرَاء إِمْضَاء ذَلِك الدفتر فَمنهمْ من أَمْضَاهُ وَمِنْهُم من رده وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة مِمَّن رده وَعرض إِلَى السُّلْطَان أَنا الْمبلغ الَّذِي رفع حسابه فرهاد باشا لَيْسَ كَمَا ذكر بل زَاد على جناب السلطنة شَيْئا كثيرا فنما إِلَيْهِ الْخَبَر وَكَانَ مُقيما بأرزن الرّوم حِينَئِذٍ فَأرْسل إِلَيْهِ وعاتبه على مَا بلغه عَنهُ فدار بَينهمَا كَلَام فِي أثْنَاء المعاتبة أدّى إِلَى نكايات وصمم كل مِنْهُمَا على قتل الآخر بالمواجهة فَدخل من كَانَ فِي الْمجْلس بَينهمَا بَادر صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى الرحيل فَرَحل من حِينه إِلَى طرف دَار السلطنة وَكَانَ
[ ٢ / ٤٠ ]
يُقَال أَنه اشْترى تفتيش السردار الْمَذْكُور بأحمال من الذَّهَب فوصل الْخَبَر إِلَى السردار فَقبل ذَلِك خوفًا من التفتيش وَحدث بعض الثِّقَات أَنه قبله وُصُوله إِلَى قسطنطينية رأى رجل من قواد السلطنة وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة الْوَزير مُحَمَّد باشا فِي النّوم فَقَالَ لَهُ الْوَزير اذْهَبْ إِلَى جَمِيع أَرْكَان الدولة وأوصهم بِحسن وَلَدي وَقل لَهُم أَنِّي أوصيهم بِهِ فَقَامَ ذَلِك الْقَائِد مُتَعَجِّبا وَدَار على أَرْبَاب الدولة وَذكر لَهُم الْوَاقِعَة فتعجبوا وَلم يعلمُوا السَّبَب فِي الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَة لأَنهم لَا علم لَهُم بِمَا صدر بَين حسن باشا وفرهاد ونما خبر الرُّؤْيَا حَتَّى وصل إِلَى السُّلْطَان مُرَاد بن سليم وَلما وصل حسن باشا ماجب لقدومه الدولة واضطر بت وَعلم النَّاس أَن وَالِده كَانَ من أَصْحَاب الْأَحْوَال وَأَقْبل السُّلْطَان عَلَيْهِ وولاه نِيَابَة الشَّام ثَانِيًا وَكَانَ ذَلِك فِي حُدُود سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَاسْتمرّ بهَا حَاكما مُدَّة تزيد على سنتَيْن وَسَار بهَا سيرة حَسَنَة وَوَقع فِي زَمَنه فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين ثلوج عَظِيمَة بِدِمَشْق ودامت نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَسقط مِنْهَا بيُوت كَثِيرَة على أَقوام هَلَكُوا تَحت الرَّدْم فَأمر أَن لَا يكْشف على أحد مِنْهُم ونادى أَن كل من مَاتَ عِنْده أحد تَحت الْهدم يدفنه وَلَا يشاور عَلَيْهِ ثمَّ عزل وأعيد ثَالِثا وَلم يسْبق لأحد غَيره من أُمَرَاء آل عُثْمَان أَن يتَوَلَّى الشَّام ثَلَاث مَرَّات وَمن عَجِيب مَا وَقع فِي أَيَّامه حَادِثَة مَحْمُود لابواب الْمَعْرُوف بتكرى بلمزاي الَّذِي لَا يعرف الرب وَهَذَا الْحَادِثَة شهيرة وَلم يبْق أحد من المؤرخين وَأَصْحَاب المجاميع إِلَّا سَاقهَا وفيهَا طول وملخصها أَن شخصا يُقَال لَهُ مَحْمُود بن يُونُس بن شاهين الْأَعْوَر كَانَ قد هلك فِي ذِي الْقعدَة لسنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بِدِمَشْق وَاتفقَ أَن شخصا يُقَال لَهُ يُوسُف السقا من الأجناد الدمشقيين تزوج بِزَوْجَة الْأَعْوَر وَذهب إِلَى الديار الرومية وأنهى عَن الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد بن خطاب وَولده القَاضِي كَمَال الدّين الْمَالِكِي خَليفَة الحكم بِدِمَشْق وَالْقَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد الرجيحي الْحَنْبَلِيّ وعلاء الدّين ابْن الخشاب الترجمان أَنهم أخذُوا جَمِيع مَال مَحْمُود الْأَعْوَر وَجُمْلَة مَا خَلفه بعد مَوته ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف دِينَار ذَهَبا واقتسموه وَقد كَانَ حق بَيت المَال لمَوْته عَن غير وَارِث وَقرر أَنهم أثبتوا لَهُ ولدا صليًا لَا أصل لَهُ فعين بِمُجَرَّد انهائه مَحْمُود البواب الْمَذْكُور وَجَاء وصحبته يُوسُف السقا الْمَذْكُور وَقبض على الْقُضَاة الْمَذْكُورين بعد أَن هرب شمس الدّين الْخطابِيّ إِلَى طرابلس الشَّام وَأقَام فِي بَيت رجل من أَصْحَابه فَسَار البواب وَقبض عَلَيْهِ وأتى بِهِ إِلَى دمشق وعَلى رَأسه قلنسوة
[ ٢ / ٤١ ]
نَصْرَانِيّ وَفِي رجلَيْهِ الْقُيُود وَفِي عُنُقه الغل وَدخل بِهِ على هَذِه الْهَيْئَة وَالنَّاس ترمقه وَأما القَاضِي الرجيحي فَإِنَّهُ هرب إِلَى مصر وَأقَام بهَا مستخفيًا وَوضع الَّذين قبض عَلَيْهِم من هَؤُلَاءِ فِي الزناجير والقيود وَأَخذهم مكبلين بالحديد إِلَى ديار الرّوم غير أَنه لم يدْخل بهم دَار السلطنة خشيَة من مفتيها لِئَلَّا يسْعَى فِي خلاصهم ثمَّ قفل بهم جَمِيعًا إِلَى دمشق والزناجير فِي رقابهم على مَلأ الأشهاد وَشرع يَأْخُذ جَمِيع مَا يملكونه من الأقمشة وَالْأَمْوَال وَالْعَقار والغلمان حَتَّى سلبهم الْجَمِيع وعاقبهم معاقبة بَالِغَة وَقبض فِي أثْنَاء مَا فعل على غَالب أَعْيَان دمشق وشيوخها مِنْهُم شيخ الْإِسْلَام إِسْمَاعِيل النابلسي وَالشَّيْخ مُحَمَّد الْحِجَازِي وَمن رُؤَسَاء الصُّوفِيَّة الشَّيْخ أَبُو الوفا العقيبي الْعمريّ واغتصب من تجارها الْمَشَاهِير وَبَعض أَهلهَا الضُّعَفَاء مَالا جزيلًا أناف على مِائَتي ألف دِينَار وَمن التحف والأقمشة مَا لَا يُحْصى ثمَّ قبض على نائبي الحكم الْعَزِيز بالمحكمة الْكُبْرَى القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن جَانِبك الشَّافِعِي وَالْقَاضِي عبد الله ابْن الرَّمْلِيّ الْمَالِكِي وَضم مَعَهُمَا القَاضِي نجم الدّين بن أبي الْفضل الشَّافِعِي وَابْن عُمَيْر الصَّالِحِي وأصر على التَّعَدِّي وأضرار النَّاس مُدَّة تِسْعَة أشهر وطفق يتعاطى الْمُنْكَرَات وتوارى مِنْهُ عُلَمَاء دمشق وأعيانها خيفة مِنْهُ فَكتب جدي القَاضِي محب الدّين رسالتين وقصيدتين وَأرْسل كلا مِنْهُمَا وَاحِدَة إِلَى الْمُفْتى الْأَعْظَم الْمولى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الياس بن جوى وَالْأُخْرَى إِلَى الْمولى سعد الدّين معلم السُّلْطَان مُرَاد بِمَا فعل البواب مفصلا فعرضت الرسالتان على السُّلْطَان مُرَاد بِوَاسِطَة الْوَزير الْأَعْظَم سياغوش باشا فَخرج الحكم بقتْله بعد الاثبات عَلَيْهِ وَورد الحكم إِلَى دمشق ونائبها صَاحب التَّرْجَمَة وقاضي الْقُضَاة بهَا الْمولى على بن الْمولى سِنَان فَجمع الْوَزير أَعْيَان الشَّام بأسرهم وَكَانَ قَاضِي الْقُضَاة بِالْمَجْلِسِ وأخرجوا من كَانَ فِي حبس البواب على صورتهم بالقيود والأغلال فِي أَعْنَاقهم وَلما أحضر البواب إِلَى الدِّيوَان الْمَزْبُور أَمر الْوَزير بِنَزْع كسْوَة السُّلْطَان عَنهُ وألبس قلنسوة نَصْرَانِيّ وأوقف فِي حَاشِيَة الدِّيوَان وَادّعى عَلَيْهِ بعض المحبوسين من الْقُضَاة وأرباب المناصب وَقَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة بتحقير الْعلمَاء وازدرائهم فَحكم عَلَيْهِ القَاضِي بِالْقَتْلِ لثُبُوت الرِّدَّة عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك فِي بعض أَيَّام التَّشْرِيق والأرجوحة مركبة على بَاب دَار الْإِمَارَة على قَاعِدَة الأروام فِي تركيبها أَيَّام الْعِيد فأنزلوه فَلَمَّا تحقق أَنه مقتول لَا محَالة طلب المهلة إِلَى أَن يغْتَسل كَأَنَّهُ كَانَ جنبا فأمهلوه حَتَّى اغْتسل فِي مَسْجِد
[ ٢ / ٤٢ ]
عِيسَى باشا الَّذِي على بَاب دَار الْإِمَارَة وَصلى رَكْعَتَيْنِ وصلبوه فِي خشب الأرجوحة وَكثر سرُور النَّاس بقتْله ولشعراء ذَلِك الْعَصْر فِي هَذِه الْحَادِثَة قصائد وتواريخ لَو ذكرتها مستوفاة لبلغت إِلَى مجلدة وَلما عزل صَاحب التَّرْجَمَة عَن الشَّام فِي هَذِه الْمرة سَافر إِلَى دَار السلطنة وتقلبت بِهِ الْأَحْوَال إِلَى أَن صَار حَاكما فِي بِلَاد الرّوم وَاسْتمرّ هُنَاكَ ونسبوا إِلَيْهِ فِي حكومته أمورا لَا أصل لَهَا فورد حكم سلطاني بقتْله فَلم يُسلمهُ الْعَسْكَر للْقَتْل ثمَّ حضر بعد ذَلِك إِلَى طرف السلطنة وَبحث عَن أصل الحكم الَّذِي ورد بقتْله فَلم يجد لَهُ أصلا وَإِنَّمَا هُوَ مَنْسُوب إِلَى صنع بعض النِّسَاء وَلم يزل يطْلب التفلت من قسطنطينية حَتَّى أعطي ولَايَة بَغْدَاد وَمَا يَليهَا من بِلَاد عراق الْعَرَب فَذهب إِلَيْهَا بعسكر جرار ودخلها بعنوان عَجِيب وأطهر فِيهَا من الْحجاب مَالا يعْهَد لمثله وَلم يزل بهَا حَاكما حَتَّى حدثته نَفسه بِحَفر نهر أَخذه من دجلة فأجراه يسْقِي أَمَاكِن كَثِيرَة قيل أَن محصولها يزِيد فِي السّنة على عشْرين ألف دِينَار ذَهَبا وَحدث بَينه وَبَين الْعَسْكَر الْعِرَاقِيّ أُمُور أدَّت إِلَى أَن عرضهمْ على الحضرة السُّلْطَانِيَّة فأمروه بِالْخرُوجِ من بَغْدَاد فَخرج مِنْهُ خَائفًا من شقّ الْعَصَا وَأقَام بالموصل أَيَّامًا ثمَّ نازلهم منازلة الْمُحَارب إِلَى أَن جَاءَهُ الْأَمر بالانفصال بعد أَن نهبت جماعته فَتوجه إِلَى ديار بكر فَبَيْنَمَا هُوَ فِيهَا وَإِذا بِالْأَمر السلطاني جَاءَهُ أَن يصير أصفهلارا على العساكر وَيذْهب لقِتَال عبد الْحَلِيم اليازجي الْبَاغِي الناجم فِي نواحي سيواس هُوَ والطائفة السكيانية فتوقف فِي نواحي ديار بكر إِلَى أَن اجْتمع عَلَيْهِ العساكر من كل نَاحيَة وَلما تحقق قدومهم إِلَى نواحي الْفُرَات تقدم هُوَ أَيْضا وَاجْتمعَ بهم فِي مَدِينَة عينتاب وَهُنَاكَ عرض العساكر كلهَا واستدعى الشاميين وَكَانَ أَمِيرهمْ إِذْ ذَاك السَّيِّد مُحَمَّد الْأَصْفَهَانِي ورجفوا إِلَى جَانب الْخَارِجِي فورد الْخَبَر بِأَن حاجي إِبْرَاهِيم باشا ورد بالعساكر الرومية وَأَنه بَادر بهم إِلَى لِقَاء عبد الْحَلِيم وكسره عبد الْحَلِيم كسرة شنيعة وغنمه جَمِيعه فاستقبح النَّاس مبادرته إِلَى ذَلِك قبل استكمال العساكر وطمع الْعَدو وَكَانَ عبد الْحَلِيم يَقُول بَقِي علينا لِقَاء هَذِه الْقَافِلَة يُشِير إِلَى حسن باشا وعساكره وَلم يزل الْعَسْكَر السلطاني يتَقرَّب قَلِيلا قَلِيلا واليازجي يقابلهم إِلَى أَن التقى الجيشان فِي مَكَان من نواحي سيواس يُقَال لَهُ الْبُسْتَان فاستند اليازجي إِلَى ذيل جبل وَوضع المدافع الْكَبِيرَة الَّتِي كَانَ أَخذهَا من عَسْكَر إِبْرَاهِيم باشا حِين كَسره وصف رِجَاله وَضرب المدافع فِي وَجه الْعَسْكَر
[ ٢ / ٤٣ ]
فَلم تصب أحدا وصدم عَسْكَر الأكراد وعسكرا رزن الرّوم وَأَن إِلَى أَن أرجعهم إِلَى مواقفهم وَحسن باشا وَاقِف والألوية تخفق فَوق رَأسه وَكَانَ الْأَمر قد سبق لعسكر الشَّام بِأَن يتواقفوا فِي لِقَاء الْخَارِجِي ويكونوا كمينا فَلَمَّا تراجعت العساكر السُّلْطَانِيَّة بَادر الشاميون بِالتَّكْبِيرِ ودهموا عَسْكَر اليازجي فردوهم على أَعْقَابهم وَوَضَعُوا فيهم السَّيْف فَمَا مَضَت لَحْظَة من النَّهَار إِلَّا وَقد انْكَسَرَ عَسْكَر الْعَدو وولوا وَلم يزل عبد الْحَلِيم هَارِبا إِلَى أَن اسْتَقر بجبال جَانِبك واقصر العساكر عَن طلبه واجتمعوا على السردار فِي نواحي قونية وَلما تحققوا مَكَان عبد الْحَلِيم عطفوا السّير نَحوه وسارت وَرَاءه العساكر كلهَا الأشرذمة من عَسْكَر الشَّام وَلما قرب السردار من مقرّ عبد الْحَلِيم أرسل إِلَيْهِ عسكرا كثيفا فلحقوه فِي بعض الْجبَال فواقعهم وَكَانَ السردار عَلَيْهِم حِينَئِذٍ عُثْمَان باشا ابْن بَاقِي بيك التبريزي الأَصْل وَهُوَ من أقَارِب شيخ الْإِسْلَام الْمولى سعد الدّين معلم السُّلْطَان فَتقدم إِلَى أَن توَسط هاتيك الْجبَال فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْد الصَّباح وَإِذا بِقوم قد وَقع بَينهم وَمَا عرفهم فتحقق الْحَال فَإِذا هم جمَاعَة عبد الْحَلِيم فقبضوا عَلَيْهِ وأخذوه أَسِير إِلَى عبد الْحَلِيم فَأكْرمه وجلا مَا كَانَ فِيهِ من الْوَهم وَاسْتمرّ عِنْده مِقْدَار أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُقيما حَتَّى شيعه إِلَى جَانب السردار وَلما قدم وَاجْتمعَ بِهِ أظهر لَهُ الْعَدَاوَة وآلمه بالْكلَام ظنا مِنْهُ أَن ذَهَابه إِلَى عبد الْحَلِيم كَانَ بصنعه وصعب ذَلِك على عُثْمَان باشا فَخرج فِي لَيْلَة مستخفيا من الْعَسْكَر إِلَى طرف السلطنة يسير اللَّيْل وَالنَّهَار وَحَتَّى وصل إِلَى بَاب الدولة واختفى عِنْد قدومه حَتَّى طلبه السُّلْطَان وَسَأَلَهُ عَن اليازجي فَقَالَ يَا مَوْلَانَا السُّلْطَان أما اليازجي فَإِنَّهُ أقسم عَليّ بأنني إِذا وَقعت فِي أعتابكم أَقُول لكم يطْلب أَن يعْطى منصبا فِي ولَايَة الرّوم ويتكفل بجهاد الْكَافرين وَيُعْطى أَخُوهُ حسن صنجق جروم فِي بِلَاد سيواس وَأما أَنا فَالَّذِي أعلمهُ من حَاله أَنه خائن لَا يثبت على قَول وَأَنه يقْصد بِمَا ذكره من الطّلب أَن يرفع عَنهُ السردار وَيعود إِلَى الْعِصْيَان فَعِنْدَ ذَلِك صدق السُّلْطَان كَلَامه وَأرْسل إِلَى السردار رجلا من خواصه المقربين يُقَال لَهُ قيطاس كتخذا وَأرْسل مَعَه من جَانب السُّلْطَان تجملات ورسالة بِخَط يَد السُّلْطَان فِي بَقَائِهِ على السردارية وَفِي أثْنَاء ذَلِك مَاتَ عبد الْحَلِيم فِي قَصَبَة ساميسون وَاجْتمعَ الْبُغَاة بعده على أَخِيه حسن وَجَاء إِلَى محاربة الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة على حِين غَفلَة لَيْلَة عيد الْأَضْحَى إِلَى توقات بعد أَن كَانَ نهب أَسبَابه وتجملاته القادمة عَلَيْهِ
[ ٢ / ٤٤ ]
من آمد وَكَانَ أرسل خَمْسمِائَة رجل من جماعته ليأتوا إِلَيْهِ بهَا فَخرج عَلَيْهِم حسن ونهبهم وَقتل الْجَمَاعَة المعينين وَكَانَ مَعَهم حظاياه وجواريه فَلم يتَعَرَّض لَهُنَّ بل جهزهن إِلَيْهِ بالأمانة والصيانة وَطَلَبه للمقابلة فَخرج إِلَيْهِ حسن باشا وَمن مَعَه من العساكر فَمَا ثبتوا أَقْدَام الْبُغَاة لَحْظَة حَتَّى كسروا وهرب حسن باشا إِلَى قلعة توقات ورفعوه إِلَيْهِ بالحبال وهجم الْعَدو وَجُنُوده يحفها وَمَا زَالَ على منازلتها حَتَّى قتل حسن باشا دَاخل القلعة على غير يَده فَسَار حسن إِلَى قره حِصَار وَتَمام قصَّته وَمَوته ذكرته فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان أَحْمد فَارْجِع إِلَيْهِ هُنَاكَ وَكَانَ سَبَب قتل حسن باشا صَبيا من جماعته يُقَال لَهُ درى كَانَ قد نَالَ مِنْهُ مقَاما فَضرب صبيان من صبيان خزينة حسن باشا فَنزل الصَّبِي الْمَضْرُوب إِلَى الْمَدِينَة وخالط الْبُغَاة إِلَى أَن امتزج بهم وَحكى لَهُم مَا صدر من درى فِي ضربه لَهُ وَأَنه جَاءَ مصادقا لَهُم فَقَالُوا لَهُ إِن كنت صَادِقا فِي مقالك فَأَيْنَ يجلس الْوَزير من القلعة فَقَالَ لَهُم إِنَّه يجلس دَائِما فِي هاتيك الغرفة وَرَاء ذَلِك الدفوف فجَاء رجل من الْبُغَاة وَجلسَ تَحت تِلْكَ الغرفة الَّتِي عينهَا لَهُ الصَّبِي وَفِي يَده بندقية فِيهَا رصاصتان فَضرب بهَا فَجَاءَت للْقَضَاء الْمُقدر تَحت إبط حسن باشا فَمَاتَ لساعته وَاسْتمرّ مُسْتَندا إِلَى الْجِدَار لَا يعلم أحد حَاله من الصَّباح إِلَى الظّهْر وَالنَّاس يظنون أَنه حَيّ سَاكِت فَبعد ذَلِك أشرفوا عَلَيْهِ فوجدوه قد مَاتَ وَهُوَ يَابِس جَالس فغسلوه ودفنوه وَكَانَ ذَلِك فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
الْأَمِير حسن بن مُحَمَّد الْأَمِير الْجَلِيل أَبُو الفوارس الْمَعْرُوف بِابْن الأعوج أَمِير حماة أوحد أُمَرَاء الدَّهْر وَعين باصرة الْأَدَب وشمس فلك الْمجد قد جمع الله لَهُ بَين أدوات المحاسن ورقاه إِلَى أَعلَى ذرْوَة والمفاخر مَعَ أدب بارع وَحسب تارع وَطيب أرومة وزكاء جرثومة وَكَانَ فِي الْكَرم غَايَة لَا تدْرك وَمِمَّا قَالَ فِيهِ بعض الشُّعَرَاء
(حوى قصبات السَّبق فِي حومة الْعلَا نعم هُوَ للسباق مَا زَالَ يسْبق)
(مَتى تبرز الْأَيَّام مثل وجوده جوادا بِمَا فِي كَفه يتَصَدَّق)
(لقد زين الدُّنْيَا جمالا كَمَاله فَمِنْهُ على وَجه البسيطة ونق)
ولد بحماة وَنَشَأ بهَا وَهُوَ من بَيت أصيل الرياسة عريق النّسَب من الْجِهَتَيْنِ أما من جِهَة أَبِيه فَهُوَ أَمِير ابْن أَمِير ورث السِّيَادَة كَابِرًا عَن كَابر وَأما من جِهَة والدته فَهِيَ ابْنة شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد بن سُلْطَان العارفين الشَّيْخ علوان الْحَمَوِيّ صَاحب الْكَشْف
[ ٢ / ٤٥ ]
والكرامات وَنَشَأ هُوَ فِي صدر الْعِزّ بنعم جزيلة فَمَال طبعه نَحْو الْكَمَال فَقَرَأَ على عُلَمَاء بَلَده عُلُوم الْعَرَبيَّة والفنون الأدبية وعاشر الأدباء وجالس الشُّعَرَاء وَلما شاع خَبره شدّ الرّحال إِلَيْهِ الأدباء من الأقطار وَاجْتمعَ عِنْده مِنْهُم مَا لم يجْتَمع عِنْد أحد من أُمَرَاء عصره وسافر إِلَى الرّوم فِي أَيَّام السُّلْطَان مُرَاد بن سليم شاه وَاجْتمعَ بمعلمه الْمولى سعد الدّين بن حسن جَان ومدحه بعدة قصائد فَأكْرمه ومدحه للسُّلْطَان وَجمعه بِهِ فولاه ولَايَة حماة وَرجع إِلَيْهَا فَأقبل عَلَيْهِ الشُّعَرَاء من كل مَكَان وَأقَام حَاكما بهَا ثَلَاث سِنِين ثمَّ عزل وَأقَام بمنزله ثمَّ بعد مُدَّة ولى إِمَارَة معرة النُّعْمَان وَتوجه إِلَيْهَا بعشائره وتكرر لَهُ الْعَزْل عَنْهَا وَعَن حماة وَالتَّوْلِيَة لَهما وعانده الدَّهْر فِي بعض الأحيان وَكَانَ صبورا على نوائبه وَكَانَ فِي جَمِيع حالاته مشتغلا بالأدب وَكَانَ ينظم الشّعْر فَيَأْتِي فِيهِ بِكُل معنى رائق وَلَفظ شائق مِمَّا يَلِيق أَن يعلق تَمِيمَة فِي جيد الزَّمَان وينظم فريدة فِي عقد الْحسن وَالْإِحْسَان فَمن ذَلِك قَوْله فِي الْعَزْل
(آه من لي بظبية فتانة وَهِي تلهو ومهجتي ولهانه)
(ذَات ثغر كَأَنَّهُ اللُّؤْلُؤ الرطب حكى كفها وحاكت بنانه)
(هِيَ فِي الْقد غُصْن بَان وَلَكِن من رأى الْقد قَالَ ذِي رمانه)
(يَا عجيبا مِنْهَا تظن سلوا من فُؤَادِي وتشتكى سلوانه)
(يَا عجيبا إِنِّي أُرِيد رِضَاهَا وَهِي فِي حَالَة الرضى غضبانه)
(لست أخْشَى فِي حبها من عذول فَدَعوهُ فِينَا يُطِيل لِسَانه)
(حَاصِل الْأَمر أَن يُقَال فلَان طَار صيتًا بحبه لفلانه)
(أناصب بحبها مستهام ملك الْحبّ سره وعيانه)
(لست أنسى لما مضى ورقيبي عينه من يَد الْكرَى ملآنه)
(وقضينا الْوِصَال رشفا وضما بقلوب هيمانة حيرانه)
(وَأَرَادَ الجموح طرف التصابي فلوينا عَمَّا أَرَادَ عنانه)
(وملكنا نفوسنا بِرِضَاهَا وزجرنا بعفة شَيْطَانه)
(فدع العاذلين ينقلن عني آه من لي بظبية فتانه)
وَمن شعره قَوْله من جملَة قصيدة يتشكى فِيهَا من الزَّمَان وَمَا لَاقَى من الْأَلَم فِي وَطنه
(حادي العيس سر بِغَيْر ارتياب ففؤادي قد حن للاغتراب)
(لَا أُرِيد الأوطان والذل فِيهَا وَاضع طوقه بِأَعْلَى الرّقاب)
[ ٢ / ٤٦ ]
(وَلَو أَنِّي قضيت فِيهَا سُرُورًا فِي شَبَابِي لم اكتئب لمصابي)
(بل تولت نضارة الْعِزّ مني بَين عَيْش ضنك وفرط اكتئاب)
(فالفرار الْفِرَار من دَار هون تَرَكتنِي أَشْكُو زمَان الشَّبَاب)
(وَإِذا الضيم مَا أَقَامَ فأحبب بجياد تمرمر السَّحَاب)
(لَو يكن فِي مقَام ذِي اللب فضل قطع السَّيْف وَهُوَ ضمن القراب)
(أدْرك الْمسك بالتنقل شانا وَهُوَ فِي أرضه دوين التُّرَاب)
(فالفتى الشهم من إِذا شام ضيما لَا يُبَالِي بفرقة الأحباب)
(كَيفَ مكثى مَا بَين أظهر قوم عَهدهم فِي ثباته كسراب)
(جارهم إِن غَدا عَزِيز عَلَيْهِم كَانَ كالشاة فِي مقيل الذئاب)
(هم إِذا صادروا أسود شِرَاء وَإِذا حَاربُوا فدون الْكلاب)
(كم إناس من دَارهم أخرجوهم ليسومونهم بِسوء الْعَذَاب)
(إِن فِرْعَوْن ثمَّ نمْرُود كَانَا دونهم فِي اختراع شُؤْم الْعقَاب)
(ومساويهم الَّتِي مثل هَذَا عدد الرمل والحصى وَالتُّرَاب)
(رب يامن أباد عَاد وأودي بثمود ذَوي النُّفُوس الصعاب)
(لَا تذر مِنْهُم على الأَرْض شخصا أَنهم جاحدون نَص الْكتاب)
(وانتقم مسرعا وَعجل عَلَيْهِم لَيْسَ فِينَا صَبر ليَوْم الْحساب)
وَرَأَيْت بِخَط الأديب إِبْرَاهِيم رامي كثيرا من أشعار صَاحب التَّرْجَمَة وَذكر فِي بعض أوراقه وَمن محَاسِن مَا اتّفق لَهُ فِي الشّعْر وَذَلِكَ أَن الْأَمِير مُوسَى بن الحرفوش أَمِير بعلبك عزم على الْحَرْب مَعَ الْأَمِير عَليّ بن سَيْفا فِي نَاحيَة غرير وَقتل ابْن سَيْفا جمَاعَة الْأَمِير مُوسَى فَكتب للأمير مُوسَى فِي ابْتِدَاء الْقِتَال هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مَعَ كتاب أرْسلهُ أليه يستحثه على الْقِتَال فَقَالَ
(غرير طور ونار الْحَرْب موقدة وَأَنت مُوسَى وَهَذَا الْيَوْم مِيقَات)
(ألق الْعَصَا تتلقف كل مَا صَنَعُوا وَلَا تخف مَا حبال الْقَوْم حيات)
قلت وَقد رَأَيْت الْبَيْتَيْنِ فِي تَارِيخ الصّلاح الصَّفَدِي فِي تَرْجَمَة الْأَشْرَف منسوبين للكمال ابْن النبيه ونظمهما عِنْد مَا نَازل مُوسَى الْأَشْرَف دمياط وصدرهما هَكَذَا دمياط طور إِلَى آخر الْبَيْتَيْنِ وللأمير حسن وَكتب بِهَذِهِ الأبيات إِلَى جدي القَاضِي محب الدّين فِي صدر كتاب وَكَانَ سمع بوفاة الْمولى سعد الدّين بن حسن جَان
[ ٢ / ٤٧ ]
الْمَذْكُور آنِفا
(فَجئْت بنعي لَو أبثك بعضه لأيقنت أَن الدَّهْر قد عدم الرشدا)
(وَلَيْسَ يقر الْمَرْء عِنْد سَمَاعه وَلَو كَانَ قلب السَّامع الْحجر الصلدا)
(وَلَو أَنه قد مر يَوْمًا بيذبل ورضوى لهَذَا الرزءد كهماهدا)
(أَظُنك ذقت الْحزن مِمَّا سمعته فَإِنِّي لم آلوك فِي كشفه جهدا)
(على أنني أَرْجُو بَقَاء مُحَمَّد وأسعد إِن غال الزَّمَان لنا سَعْدا)
وَقَوله فِي حلاق سيء الْخلقَة
(الأرب حلاق بليت بشره فأثر فِي رَأْسِي الْجراحَة والبؤسا)
(أنامله كالطور من فَوق جبهتي ورأسي كليم كلما حرك الموسا)
وَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ بعض ندمائه الأدباء بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
(على الْبَاب الْمُعظم عبد رق بأنواع اللقا مِنْكُم يفوز)
(يجوز الْبَاب عَن إِذن كريم وَإِلَّا فَهُوَ شَيْء لَا يجوز)
فأنفذ إِلَيْهِ الْجَواب بهدية سنية
(نحيط بعلمكم أَنا نشاوى وَقد جليت لنا بكر عَجُوز)
(فَإِن جوزتم مَا نَحن فِيهِ وَإِلَّا فَهُوَ شَيْء لَا يجوز)
وَمن غَرِيب مَا اتّفق لَهُ أَنه كَانَ من أقربائه شَاب يُسمى الْأَمِير يحيى وَكَانَ بارع الْجمال بعيد المنال وَكَانَ الْأَمِير حسن يُحِبهُ محبَّة شَدِيدَة بِمَنْزِلَة وَلَده وَكَانَ من المنسوبين إِلَيْهِ رجل من طلبة الْعلم كردِي الأَصْل يُسمى يحيى أَيْضا وَكَانَ عينه معلما للأمير يحيى الْمَذْكُور يقرئه الْعلم ويعلمه الْأَدَب فواظب على إقرائه دهرا طَويلا وَكَانَ الْأَمِير يحيى سَاكِنا فِي دَار مُسْتَقْبلَة قبالة دَار الْأَمِير حسن وَكَانَ يَتِيما فاتفق أَن الْأَمِير حسن بنى دَارا عَظِيمَة وَصرف عَلَيْهَا مَالا جزيلا وَلما تمت عمارتها وفرش مساكنها صنع وَلِيمَة عَظِيمَة ودعا أَعْيَان بلدته وَكَانَت الْوَلِيمَة لَيْلَة الْجُمُعَة فَاجْتمع أكَابِر الْبَلدة وَكَانَ الْأَمِير يحيى من جملَة الْقَوْم فسهروا قَرِيبا من ثلث اللَّيْل الْأَخير وباركوا للأمير بِالدَّار وَتَفَرَّقُوا فَتوجه الْأَمِير يحيى إِلَى منزله ونام واستغرق من تَعب السهر فَلَمَّا أصبح الصَّباح جَاءَ الشَّيْخ يحيى الْكرْدِي ودق الْبَاب عَلَيْهِ فَخرجت الْجَارِيَة فَقَالَ لَهَا نَادِي لي الْأَمِير لاقرئه الدَّرْس لِأَن لي حَاجَة مهمة أُرِيد الْمسير إِلَيْهَا فتعجبت الْجَارِيَة من مَجِيئه فِي ذَلِك الْوَقْت وَقَالَت لَهُ أَن الْأَمِير أَطَالَ السهر فِي هَذِه اللَّيْلَة وَهُوَ
[ ٢ / ٤٨ ]
نَائِم وَأَن الْيَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَمن عادتكم ترك الْقِرَاءَة فِي الْجمع فَقَالَ لَهَا لي حَاجَة مهمة أَخَاف من التعويق بِسَبَبِهَا عَن درس غَد فَرَجَعت الْجَارِيَة إِلَى الدَّار ونبهت الْأَمِير يحيى فَخرج مسرعا إِلَى الشَّيْخ وتلقاه وَسلم عَلَيْهِ وَتوجه هُوَ إِلَى قَضَاء الْحَاجة فَلَمَّا دخل بَيت الرَّاحَة تبعه الشَّيْخ وَأشهر سكينا ومسكه بعنف وَطَرحه على الأَرْض وذبحه وَخرج من الدَّار هَارِبا يُرِيد الْخَلَاص وَلم يكن فِي الدَّار إِلَّا الْجَارِيَة ففطنت للأمير وَخرجت خَلفه إِلَى الطَّرِيق وَنَادَتْ بِأَعْلَى صَوتهَا يَا قوم الشَّيْخ ذبح الْأَمِير يحيى فأدركوه من جَمِيع الْجِهَات وَأَحَاطُوا بِهِ فقاتل مَعَ النَّاس قتالا شَدِيدا وَقتل ثَلَاثَة رجال ثمَّ ضربه رجل من الْعَوام بِحجر كَبِير على ظَهره فَسقط مغشيا عَلَيْهِ فمسكوه ثمَّ أحضروه بَين يَدي الْأَمِير حسن فَسَأَلَهُ عَن سَبَب ذَلِك فَلم ينْطق بِحرف فَأمر بإحراقه فَجمعُوا حطبا وأوقدوه ثمَّ ألقوه فِي النَّار فَاحْتَرَقَ وَعجل بِرُوحِهِ إِلَى النَّار وَالَّذِي يظْهر أَن قَتله لَهُ إِنَّمَا كَانَ عَن ولوع وهيام وَرَأى أَنه إِذا قَتله يقتل بِهِ فيخلص مِمَّا كَانَ فِيهِ من الْمَشَقَّة والألم ونظم الْأَمِير حسن هَذِه الْوَاقِعَة فِي قصيدة يرثي بهَا الْأَمِير يحيى وأثبتها برمتها لغرابتها فِي بَابهَا وتضمنها مثل هَذِه الْوَاقِعَة العجيبة وَهِي قَوْله
(عجبت لمن أَمْسَى يؤهل أَن يحيى بصفو وَربع الْأنس قد هده يحيى)
(هِلَال قبيل التم وافى محاقه وَسَار إِلَى الْأُخْرَى فأظلمت الدُّنْيَا)
(وغصن ذَوي من قبل أَن يُثمر المنى كَأَن الْأَمَانِي قاطعات على المنيا)
(وَأصْبح روض الْعَيْش أغبر يَابسا وَعوض قبر بعد دوحته الْعليا)
(أَتَاهُ الردى مِمَّن تربى بفضله فقد لح فِي كفران نعْمَته بغيا)
(أقيم عَلَيْهِ حارسا رَاعيا لَهُ وَقَالُوا لَهُ رعيا فَقَالَ لَهُم نعيا)
(وَمن وضع الْإِحْسَان فِي غير أَهله فَمن كَفه فِي عُنُقه وضع المديا)
(وَمن يَجْعَل السرحان للظبي رَاعيا فَلَا يلم السرحان أَن قتل الظبيا)
(وَمَا هَذِه الْأَمْثَال إِلَّا وَسِيلَة أسلى بهَا قلبا سلاه الجوى سليا)
(وَإِلَّا الْقَضَاء الحتم إِن حل بالورى فأبصرهم أعمى وأحذقهم أعيا)
(وَمَا لم يكن من جَانب الله حَافظ فَلَا ترج بالأشياء أَن تحفظ الأشيا)
(فقد يشرق الرِّيق الْفَتى وَهُوَ عونه ويبري الحسام العضب صَاحبه بريا)
(وَقد يفجأ الْمَوْت الْفَتى وَهُوَ آمن أينجو ونار الْحَرْب قد صليت صليا)
(وَيدْرك عِنْد الْيَأْس مَا العَبْد طَالب وَيحرم عِنْد الرشد مِمَّا لَهُ غيا)
[ ٢ / ٤٩ ]
(ألم تَرَ من سموهُ يحيى تفاؤلا سَيبقى غَدا فِي الْحَال رهن أبي يجيى)
(فويل امهِ الثكلى لَو أنّ مصابها برضوى دحاء الْخطب فِي أرضه دحيا)
(تصوّره حَيا لفرط ذهولها وتسأل مِنْهُ أَن يرّد لَهُ هَديا)
(تعانقه والعنق يجْرِي لَهَا دَمًا أظننت خلوقا حَيْثُ لم تملك الوعيا)
(بَكَى لبكاها الجوّ وانهل دمعه بتموز شاهدنا يذرى الحياذر يَا)
(وضج جَمِيع النَّاس ضجة وَاحِد لَهُ وَاحِد من فقد واظب النعيا)
(فَلَو أَنه يفْدي فدته نفوسنا وسبقت لَهُ الْأَرْوَاح فِي حبه هَديا)
(ولكنما الأقدار إخفاء سرّها لقد أذهل الأفكار وَالْعقل والرأيا)
(فَإِن نَاب خطب سلم الْأَمر للَّذي بِحِكْمَتِهِ قد أحكم الْأَمر والنهيا)
(وصبرا فَمَا الدُّنْيَا بدار إِقَامَة كَأَنَّك بالأحياء قد فاقوا الأحيا)
(ألم يَك فِي قتل الْحُسَيْن مواعظ لمن رام انصافا من الدَّهْر أَو بقيا)
(فَلَو تمّ شَيْء كَانَ آل نَبينَا أَحَق بِهِ من سَائِر النَّاس فِي الدُّنْيَا)
(وَلكنهَا دَار الإهانة والعنا فتعسا لأَهْلهَا وخزيا لَهُم خزيا)
(تبدّدهم فتكا وَلَا يتركونها وتسقيمهمو سما يَظُنُّونَهُ ريا)
(تسرهم كَيْمَا تعنّ بِفِعْلِهَا وتلهيهمو نزرا وتفريهمو فريا)
وَقد أطلنا الْكَلَام وَلَوْلَا خوف السَّآمَة لذكرت من محَاسِن هَذَا الْأَمِير ونوادره وأشعاره شَيْئا كثيرا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ زِينَة أُمَرَاء عصره وَمَعَ شهرته التَّامَّة وأدبه الغض لم يذكرهُ أحد من المؤرخين وَلم أظفر بِشَيْء من خَبره إِلَّا فِي وريقات بِخَط إِبْرَاهِيم رامى وَهَذَا من أعجب الْعجب وَقد ذكر إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور أَن وَفَاته لَيْلَة النّصْف من شعْبَان سنة تسع عشرَة وَألف وَدفن أَمَام دَاره بِجَامِع المرابد عِنْد وَالِده وأجداده قَالَ إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور واخبرني بعض أفاضل حماة مِمَّن كَانَ ينخرط فِي سلك ندماء الْأَمِير حسن بن الأعوج قَالَ دخلت عَلَيْهِ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَعِنْدَ دخولي أقبل بريد من الْبَاب العالي وبشره بإمارة حماة وَكَانَ لَهُ مُدَّة لم يتولها وناوله من يَده منشور الْحُكُومَة فَالْتَفت إِلَى الْبَرِيد وَقد أغر ورقت عينه بالدموع وتنفس الصعداء وَقَالَ بِصَوْت ضَعِيف قضى الْأَمر الَّذِي فِيهِ تستفتيان قَالَ فدعوت لَهُ بطول الْعُمر وسليته عَمَّا كَانَ فِيهِ من الأضطراب والألم فتلهف وتفجع وَبكى بكاء شَدِيدا ثمَّ مسك يَدي وَقَالَ أرى الْأَمر قد آن وَقرب الإرتحال وَلَا أرى لي مخلصا بعد مَا أناقيه من شدَّة
[ ٢ / ٥٠ ]
الْمَرَض ثمَّ أنْشد بديها لنَفسِهِ
(لَا يحْسب الْإِنْسَان بعد ذَهَابه مكث الأسى فِي عشرَة وقرين)
(فِي الْحَال يعتاضون عَنهُ بِغَيْرِهِ وَيعود رب الْحزن غير حَزِين )
(العندليب الْورْد كَانَ أَمَامه لما قضي غَنِي على النسرين)
ثمَّ فارقته فَفِي تِلْكَ اللَّيْلَة قضى نحبه وَلَقي لرَبه رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حسن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حسن بن عمر بن عبد الرَّحْمَن الصفوري الأَصْل الدِّمَشْقِي الملقب بدر الدّين البوريني الشَّافِعِي ذكره كثير من المؤرخين وأرباب الْآدَاب وأثنوا عَلَيْهِ وَكَانَ فَرد وقته فِي الْفُنُون كلهَا وَكَانَ يحفظ من الشّعْر والْآثَار وَالْأَخْبَار وَالْأَحَادِيث المسنده والأنساب مَا لم يرقط من يحفظ مثله ويحفظ دون ذَلِك من عُلُوم أخر مِنْهَا اللُّغَة والنحو وَالسير والمغازي وَمن آلَة المنادمة شَيْئا كثيرا وَألف التآليف البديعة مِنْهَا تحريراته على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وحاشية على المطول وَشرح ديوَان ابْن الفارض وَهُوَ أشهر تآليفه والتاريخ الَّذِي هُوَ أحد مآخذ تاريخي هَذَا وَقد سبق ذكر ذَلِك فِي الديباجة وَله رحْلَة حلبية وَأُخْرَى طرابلسية وَسبع مجاميع بِخَطِّهِ وسمهم بالسبع السيارة وَله رسائل كَثِيرَة ومنشآت عديدة وَجمع ديوانا من شعره وَهُوَ سَائِر متداول فِي أَيدي النَّاس وَكَانَ عَالما محققا ذكي الطَّبْع فصيح الْعبارَة طليق اللِّسَان متين الْحِفْظ حسن الْفَهم عذب المفاكهة وَكَانَ أَبوهُ فِي مبدأ أَمر منجدا ثمَّ صَار عطارا ثمَّ انْقَطع عَن الحرفة وَلزِمَ وَلَده وَكَانَت أمه من صفورية وَأَبوهُ من بورين وَولد هُوَ ببورين ثمَّ هَاجر بِهِ أَبوهُ فِي سنة ثَلَاث أَو أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ عمره أحدى أَو اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَنزل بصالحية دمشق بِالْقربِ من الْمدرسَة العمرية وأخذله حجرَة بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَة وَشرع فِي الإشتغال فَقَرَأَ النَّحْو والفرائض والحساب على الْبُرْهَان إِبْرَاهِيم بن الأحدب الْمُقدم ذكره وعَلى الشَّيْخ أبي بكر الذباح وَالشَّيْخ غَانِم الْمَقْدِسِي الضَّرِير نزيل دمشق وَلَا زَالَ فِي الإشتغال إِلَى سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة فَحصل بِدِمَشْق قحط فارتحل مَعَ وَالِده إِلَى بَيت الْمُقَدّس فاشتغل بهَا على شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد بن أبي اللطف إِلَى حُدُود سنة تسع وَسبعين ثمَّ عَاد إِلَى دمشق وَنزل مَعَ أَبِيه وَأمه بميدان الْحَصَى ودأب فِي التَّحْصِيل وَأخذ عَن الجلة من الْعلمَاء مِنْهُم الشهَاب الطَّيِّبِيّ الْكَبِير وَولده الشهَاب الطَّيِّبِيّ الْأَوْسَط وَعَن الشَّيْخ الْإِسْلَام الْبَدْر الغزى وَولده الشهَاب أَحْمد
[ ٢ / ٥١ ]
وَقَرَأَ المعقولات على جدى الْعَلامَة أبي الفدا إِسْمَاعِيل النابلسي والعماد الْحَنَفِيّ وَالشَّمْس مُحَمَّد بن المنقار والنجم مُحَمَّد بن البهنسي خطيب دمشق وَأخذ الحَدِيث عَن الشَّمْس مُحَمَّد الدَّاودِيّ والشهاب أَحْمد العيثاوي وساد على أهل عصره وتصدر للتدريس وأملى على التَّفْسِير للبيضاوي والكشاف وَالْمولى أبي السُّعُود وَحج قَاضِيا بالركب الشَّامي سنة عشْرين وَألف ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الناصرية الجوانية والشامية البرانية والعادلية الصُّغْرَى والفارسية والمدرسة الكلاسة وَكَانَ لَهُ بقْعَة تدريس بالجامع الْأمَوِي وَوعظ بِجَامِع السُّلْطَان سُلَيْمَان بِدِمَشْق واشتهر فَضله وشاع ذكره وَلما ورد دمشق الْحَافِظ الْحُسَيْن التبريزي الْمَعْرُوف بِابْن الكربلالي فِي حُدُود سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة صَحبه وَتعلم مِنْهُ اللُّغَة الفارسية حَتَّى صَار يتَكَلَّم بهَا كَأَنَّهُ أعجمي وَفِي ذَلِك يَقُول
(تعلمت لفظ الأعجمي وإنني من الْعَرَب العرباء لَا أتكتم)
(وَمَا كَانَ قصدي غير صون حديثكم إِذا صرت من شوقي بِهِ أترنم)
(وَإِن كنت بَين المعجمين فمعرب وَإِن كنت بَين المعربين فعجم)
(فأغدوا بأشواقي إِلَيْكُم مترجما وسركم فِي خاطري لَيْسَ يعلم)
ثمَّ تعلم فِي آخر حَالَة التركية وَكَانَ فِي الفارسية أبرع ونظم ونثر وَكَانَ من عَادَته الأطراء فِي مديحه فَإِذا كتب على شَيْء أَطَالَ جدا وَذكر النَّجْم الْغَزِّي قَالَ كنت مرّة عِنْد شَيخنَا القَاضِي محب الدّين يَعْنِي جدي فَدخل عَلَيْهِ سَالم العواد وَمَعَهُ محضربخط العناياتي وَقد قرظ عَلَيْهِ البوريني فَأطَال وأوسع فَلَمَّا تَأمله شَيخنَا قَالَ سُبْحَانَ الله مَا ترك البوريني فِي البراني شرابًا ولمح لما اشْتهر عَنهُ من نسبته إِلَى شرب الراح وَلم يكْتب عَلَيْهِ شَيخنَا وَوَقع لقَاضِي الْقُضَاة بِمصْر الْمولى يحيى بن زَكَرِيَّا أَن البوريني لما عمل مجْلِس الحَدِيث بعد صَلَاة الْمغرب بالجامع الْأمَوِي وَكَانَ يتَكَلَّم على الشفا وَيُوضَع لَهُ الفانوس تقليدًا للبكريين بِمصْر وَطلب البوريني من الْمولى يحيى حُضُور مَجْلِسه فحضره مرّة فَلَمَّا دَار الْكَلَام عِنْد الْمولى يحيى فِي تدريس البوريني قَالَ هُوَ بكري دمشق موريا فِي لفظ بكري فَإِنَّهُ فِي اللُّغَة التركية مدمن الشَّرَاب وَإِنَّمَا أشاع النَّاس ذَلِك عَنهُ لِأَنَّهُ كَانَ يعاشر الدولة كثيرا ويبيت عِنْدهم فَرُبمَا ذكر عَنهُ جَمَاعَتهمْ مثل ذَلِك وَذكره البديعي فِي ذكرَاهُ وَقَالَ فِي وَصفه حَسَنَة ازدان بهَا الدَّهْر ازديان الوجنات بالحبات وتاهت بِهِ الْأَيَّام إِذْ كَانَ لَهَا من الْحَسَنَات ومذ رأى
[ ٢ / ٥٢ ]
الشَّبَاب يتأهب والشيب يتلهب شنف الأسماع بجواهر وعظه فليّن الْقُلُوب القاسية وأبرز خرائد حفظه فَذكر النُّفُوس الناسية بَعْدَمَا كَانَ يخرج فِي الْعشْرَة عَن القشرة فِي أَيَّامه الْمَاضِيَة وَمِمَّا وقفت عَلَيْهِ من آثاره هَذِه الرسَالَة جَوَابا عَن رِسَالَة أرسلها إِلَيْهِ بعض أحبابه موشحة بعتابه يذكرهُ تراضع الكاس فِي أَيَّام الإيناس فَأَجَابَهُ بقوله
(مَضَت الشبيبة والحبيبة فانبرى دمعان فِي الأجفان يزدحمان)
(مَا أنصفتني الحادثات رمينني بمودّعين وَلَيْسَ لي قلبان)
وَردت رِسَالَتك الآمرة بالطيش المحسنة للانطلاق إِلَى نهب طيب الْعَيْش
(فَقلت لَهَا أَهلا وسهلا ومرحبا بلطف حبيب زار عَن غير موعد)
على أَنَّهَا وَردت رامزة إِلَى الْغَفْلَة عَن الإخوان مشيرة إِلَى نِسْيَان الْأَحِبَّة والخلان فكلا ثمَّ كلا وَالله مَا تبِعت فِي نِسْيَان الْأَحِبَّة الْهوى وَبِاللَّهِ إِنِّي صَاحبكُم وَمَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى
(تجنوني ذنوبًا مَا جنتها يداي وَلَا أمرت وَلَا نهيت)
وَمَعَ ذَلِك
(فَلَو كَانَ هَذَا مَوضِع العتب لاشتفى فُؤَادِي وَلَكِن للعتاب مَوَاضِع)
وَلَئِن حصل فِي مُدَّة الْأَجَل انفساح لنعملنّ بقول الصّلاح
(لَزِمت بَيْتِي كلزوم الْبَنَّا للْفِعْل والحرف على الأَصْل)
(وَاسْتَوْحَشْت نَفسِي حَتَّى لقد تنفر لَو أمكن من ظِلِّي)
وَهَذَا مُجمل يعسر تَفْصِيله وَحكم يصعب تَعْلِيله وَأما مَا أشرتم إِلَيْهِ بِمَا قَالَ أَبُو نواس وَالْعَمَل بقوله من ارتضاع الكأس فقبول لَو كَانَت منَازِل الشَّبَاب آهلة وأوقات الْهوى لصفاء الْعَيْش قَابِلَة وَلَكِن بعد نزُول الشيب والإنذار من عَالم الْغَيْب لَا مجَال لمصافحة بنت الدنان وَلَو أَنَّهَا بمشافهة الصفاح والسنان
(صَحا الْقلب عَن سلمى وأقصر باطله وعرّى أَفْرَاس الصِّبَا ورواحله)
نعم قد جلت فِي أَيَّام الشَّبَاب بميدان الصِّبَا فَمَا عثر طرفِي فِي قَضَاء وطر وَلَا كبا
(وَلَقَد نهزت مَعَ الغواة بدلوهم وأسمت سرح الطّرق حَيْثُ أساموا)
(وَبَلغت مَا بلغ امْرُؤ بشبابه فَإِذا عصارة كل ذَاك أثام)
وَأما الْآن فَإِنِّي أَقُول
[ ٢ / ٥٣ ]
(فَمَا شاقتني ذكرى حبيب ومنزل وَلَا راقني للساجعات ترنم)
(وَلَا أطرب الْحَادِي بترجيع لحنه وَلَا فاح من نشر الرياض مشمم)
وَلَا يختاج ببالك أَن كلامنا هَذَا بِاللِّسَانِ من غير مُطَابقَة الْجنان فَإِنِّي أقسم بالوفا وَالْكَرم وَالْبَيْت وَالْحرم أَن ظَاهر هَذَا الْأَمر وباطنه سيان وَلَو أطلعت على الضَّمِير لَا زددت علما على مَا نطق بِهِ اللِّسَان وَلَو كنت مائلا إِلَى مَا أَشرت إِلَيْهِ وعولت فِي عبارتك عَلَيْهِ مَا كَانَت أجد مثلك من نديم كَفه كريم وخاطره سليم يفهم الْكَلَام بِالْإِشَارَةِ ويستغني عَن مَفْهُوم الْعبارَة
(إِن كَانَ لَا بدّ من عَيْش وَمن سمر فَحَيْثُ آمن من خلى ويأمتني)
نعم إِن مَالَتْ نَفسك إِلَى مجاذبة أَطْرَاف الْآدَاب والمحادثة عَمَّا مضى من وقائع الأحباب فَإنَّك وَالله أعز الإخوان وإنسان عين الخلان مَا رَأينَا مِنْك سوى مَا يسر الْقُلُوب وَيكون عين الْمَقْصُود وَالْمَطْلُوب فَأَنت الْمَقْصُود بقول الشَّاعِر
(بروحي من نادمته فَوَجَدته أرق من الشكوى وأصفى من الدمع)
(يوافقني فِي الجدّ والهزل دَائِما فَينْظر من عَيْني وَيسمع من سَمْعِي)
هَذَا هُوَ الْجَواب مَعَ الإختصار وَعند مثلكُمْ يقبل الإعتذار انْتهى وَمن غَرِيب مَا اتّفق لَهُ إِنَّه كَانَ فِي مبدأ أمره وَلَا يتكيف وَلَا يَأْكُل من المكيفات شَيْئا حَتَّى قَالَ الشَّاعِر لما رأى إنكباب النَّاس على البرش وَهُوَ قَوْله
(عمّ البلا يَأْكُل البرش فانتفعت مخايل النَّاس فِي خلق وأخلاق)
(وَلَو تصوّر هَذَا الدَّهْر فِي رجل لأبصرته الورى فِي زِيّ درياق)
ثمَّ ابتلى بِأَكْلِهِ حَتَّى ظهر فِي فعله وهيئته وحركته إِلَّا أَنه لم يُغير ذكاءه ونوادره ولطائفه كَثِيرَة فَمن ذَلِك مَا رَأَيْته بِخَطِّهِ أَنه سُئِلَ عَن الْحبّ هَل هُوَ بِالْكَسْرِ أَو بِالضَّمِّ فَقَالَ هُوَ بِالْكَسْرِ ويستحسن فِيهِ الضَّم وَعَن الجفن أهوَ بِالْكَسْرِ أَو بِالْفَتْح فَقَالَ هُوَ بِالْفَتْح ويستحسن فِيهِ الْكسر وَهَذَانِ الجوابان شبيهان بِجَوَاب الزَّمَخْشَرِيّ وَقد سُئِلَ عَن العثير أهوَ بِالْفَتْح أَو بِالْكَسْرِ فَقَالَ بِالْكَسْرِ وَلَا تفتح فِيهِ الْعين وَسُئِلَ الْمولى أَبُو السُّعُود الْمُفَسّر عَن الخزانة والقصعة فَقَالَ لَا تفتح الخزانة وتكسر الْقَصعَة وَمِمَّا يستظرف من مناسباته أَنه كَانَ يمِيل إِلَى غُلَام يتَخَلَّص برامى فجفاه مرّة ثمَّ جَاءَهُ معتذرا بِإِشَارَة خُفْيَة من جفنيه فأنشده بديهة قَول ابْن القارض
(رمى فَأثْبت سَهْما من لواحظه فِي وسط قلبِي فوا شوقي إِلَى الرَّامِي)
[ ٢ / ٥٤ ]
وَكَانَ بَينه وَبَين أَحْمد بن شاهين مَوَدَّة أكيدة ومشيخة وتلمذة لِأَن الشاهيني تلميذ البوريني فَوَقع بَينه وَبَينه بِسَبَب أَن الشاهيني كَانَ نظم قصيدة مدح بهَا صنع الله المفعي لما ورد الشَّام مطْلعهَا
(حَيّ الْمنَازل بالنقا فزرود فالرقمتين فعهدنا الْمَعْهُود)
فنسبه البويني فِيهَا إِلَى الإنتحال وَجرى بذلك بَينهمَا شَحْنَاء وتقاطع وخاطبه الشاهيني بقصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا
(قف بِي فلى أثر الحدوج حنين وَمن الصبابة طَاهِر وكمين)
وأعقبها برسالة من انشائه المعجب ذكرهمَا البوريني فِي تَرْجَمته واجتمعا يَوْمًا فِي مجْلِس فَقَالَ لَهُ الشاهيني القصيدة المنحولة صدرت عَن طبع نَشأ فِي الرياض بَين لَا كمام لَا عَن طبع نَشأ فِي الْقرى بَين الآكام واجتمعا مرّة أُخْرَى فَنَاوَلَهُ الشاهيني لغزا صنعه فِي سكين فَلَمَّا فطن لَهُ قَالَ قد صَعب عَليّ استخراجه وَمن مقولاتهم الْمَعْنى فِي بطن الشَّاعِر وَكَانَ غَالب أَعْيَان الشَّام من الْعلمَاء يَغُضُّونَ من البوريني الإنطلاق لِسَانه ورربما أوقعوه فِي مكروهات من القَوْل وَالْفِعْل وازدروا بِهِ وَسعوا فِي توهِينه وَكَانَ كثير التيقظ لمكايدهم حكى أَن بعض وزراء الشَّام أقبل عَلَيْهِ واتخذه نديم مَجْلِسه وَكَانَ يُبَالغ فِي توقيره وتعظيمه فقصدوا توهِينه عِنْده فَاجْتمعُوا يَوْمًا فِي دَار الْحُكُومَة البوريني مَعَهم فأرسلوا إِلَى وَالِده يتطلبوه إِلَى الْوَزير بِنَاء على أَن الْوَزير استدعاء وَكَانَ رث الْهَيْئَة فِي زِيّ عوام السوقة كَمَا سلف فَلم يشْعر البوريني إِلَّا وَأَبوهُ مقبل فَنَهَضَ من مَقْعَده مسرعا واستقبله وَقبل يَده ثمَّ جَاءَ إِلَى الْوَزير وَقَالَ لَهُ حلت عَلَيْكُم الْبركَة بقدوم وَالِدي فَإِنَّهُ بركَة هَذَا الْوَقْت الصوام القوام الكذا والكذا فَنَهَضَ الْوَزير وَقبل يَده وَأَجْلسهُ وَبَالغ فِي تَعْظِيمه فَانْقَلَبَ أَعْيَان أُولَئِكَ وَلم يعودوا إِلَى مثلهَا وَهَكَذَا كَانَ البوريني صَاحب بذرقة فِي تعبيراته وأشعاره كَثِيرَة أخرجت مِنْهَا محاسنها وأثبتها هُنَا وَمَا محَاسِن شَيْء كُله حسن فَمن ذَلِك قَوْله وَقد تبع فِيهِ الشُّعَرَاء الأقدمين
(وَكُنَّا كغصني بانة قد تألفا على دوحة حَتَّى استطالا وأينعا)
(يغنيهما صدح الْحمام مرجعا ويسقيهما كأس السحائب مترعا)
(سليمين من خطب الزَّمَان إِذا سَطَا خليين من قَول الحسود إِذا سعى)
(ففارقني من غير ذَنْب جئيته وَأبقى بقلبي حرقة وتوجعا)
[ ٢ / ٥٥ ]
(عَفا الله عَنهُ ماجناه فانني حفظت لَهُ الْعَهْد الْقَدِيم وضيعا)
(وَلَكِن سيدري ود من كَانَ مخلصا صَدُوقًا يدْرِي من يكون مصنعا)
وَالْأَصْل فِي هَذَا مَا فِي أمالي القالي عَن أبي الْفضل الربعِي عَن أبي السمراء قَالَ دخلت منزل نخاس فِي شِرَاء جَارِيَة فَسمِعت صَوت جَارِيَة تَقول
(وَكُنَّا كَزَوج من قطافي مفازة لَدَى خفض عَيْش معجب مونق رغد)
(أصابهما ريب الزَّمَان فافردا وَلم نر شَيْئا قطّ أوحش من فَرد)
قَالَ فَقلت للنخاس أعرض على هَذِه المنشدة فَقَالَ إِنَّهَا شعثة حزينة فَقلت وَلم ذَلِك قَالَ اشْتَرَيْتهَا من مِيرَاث وَهِي باكية على مَوْلَاهَا وَتقول
(وَكُنَّا كغصنى بانة وسط رَوْضَة نَشُمُّ جنى الروضات فِي عيشة رغد)
(فأفرد ذَاك الْغُصْن من ذَاك قَاطع فيا فردة باتت تحن إِلَى فَرد)
قَالَ أَبُو السمراء فَكتبت إِلَى عبد الله بن طَاهِر أخبرهُ بخبرها فَكتب إِلَى أَن ألق هَذَا الْبَيْت عَلَيْهَا فَإِن أجازته فاشترها وَلَو بخراج خُرَاسَان وَالْبَيْت هُوَ هَذَا
(بعيد وصل قريب جهد جعلته مِنْهُ لي ملاذا)
فألقيته غليها فَقَالَت بِسُرْعَة
(فعاتبوه فذاب شوقًا وَمَات عشقًا فَكَانَ مَاذَا)
قَالَ أَبُو السمراء فاشتريتها بِأَلف دِينَار وحملتها إِلَيْهِ فَمَاتَتْ فِي الطَّرِيق فَكَانَت إِحْدَى الحسرات انْتهى وَفِي الحماسة الطائية لصفية الباهلية
(كُنَّا كغصنين فِي جرثومة سميا حينا بِأَحْسَن مَا تسمو بِهِ الشّجر)
(حَتَّى إِذا قيل قد طَالَتْ فروعهما وطاب فيؤهما واستنضر الثَّمر)
(أخنى على وَاحِد ريب الزَّمَان وَمَا يبْقى الزَّمَان على شَيْء وَلَا يذر)
(كُنَّا كأنجم ليل بَيْننَا قمر يجلو الدجى فهوى من بَيْننَا الْقَمَر)
وللبوريني وَهُوَ من مستجاداته
(يَقُولُونَ فِي الصُّبْح الدُّعَاء مُؤثر فَقلت نعم لَو كَانَ ليلِي لَهُ صبح)
وَقد ترْجم هَذَا الْمَعْنى من الفارسية وَأَصله لشاعر الْعَجم وحشى سبكه فِي قالب حسن وَمثله قَول البها زُهَيْر
(جعل الرقاد لكَي يواصل موعدا من أَيْن لي فِي حبه أَن أرقدا)
وَقَول الباخرزي
[ ٢ / ٥٦ ]
(قَالَت وَقد فتشت عَنْهَا كل من لاقيته من حَاضر أَو بَادِي)
(أَنا فِي فُؤَادك فارم طرفك نَحوه ترنى فَقلت لَهَا وَأَيْنَ فُؤَادِي)
والأدباء يستحسنونه وَلم يعرفوا أَنه من قَول عبد الله بن شبيب
(هوى صَاحِبي ريح الشمَال إِذا جرت وأهوى لنَفْسي أَن تهب جنوب)
(يَقُولُونَ لَو عذبت قَلْبك لارعوى فَقلت وَهل للعاشقين قُلُوب)
وَتَابعه عُرْوَة بن أذينة
(قَالَت وأودعتها سري فبحت بِهِ قد كنت عِنْدِي تحب السّتْر فاستتر)
(أَلَسْت تبصر من حَولي فَقلت لَهَا غطى هَوَاك وَمَا ألْقى على بَصرِي)
وذيل البوريني بَيته الْمُفْرد بِأَبْيَات وَهِي
(فيا عجبا مني أر يَد لقاءه وَفِي جفْنه سيف وَفِي قدره رمح)
(وإنسان عَيْني كَيفَ ينجو وَقد غَدا يطول لَهُ فِي لج مدمعه سبح)
(وَإِن كَانَ يَوْم الْبَين يسود فحمه فَمن مهجتي نَار وَمن نَفسِي قدح)
(وَلَيْسَ عجيبا أَن دمعي أَحْمَر وَفِي مهجتي جرح وَفِي مقلتي قرح)
وَلَو تَركه مُفردا لَكَانَ أصوب وَمن شعره
(أَحول وَجْهي حِين يقبل عَامِدًا مَخَافَة واش بَيْننَا ورقيب)
(وَفِي باطني وَالله يعلم أعين تلاحظه من أضلع وَقُلُوب)
وَالْمعْنَى حسن وَأحسن مِنْهُ قَول الخفاجي
(تنَازع فِيهِ الشوق قلبِي وناظري فأثر فِيهِ الطّرف وَالْقلب نَائِب)
(وتنظره من قلبِي الصب أعين عَلَيْهَا المحنى الضلوع حواجب)
لَكِن أَخذه الشهَاب وَنَقله عَن مَعْنَاهُ المُرَاد من قَول الْقَائِل
(خلقنَا بأطراف القنا فِي ظُهُورهمْ عيُونا لَهَا وَقع السيوف حواجب)
قَالَ الحريري من سرق ورق فقد اسْتحق وَله فِي تَرْجَمَة من الفارسية
(ورق الغصون إِذا نظرت دفاتر مشحونة بأدلة التَّوْحِيد)
وَمثله لِلشِّهَابِ من ذَوَات أَمْثَاله
(باح بنشر الرَّوْض خفاق الصِّبَا وأسكر الْغَيْث النَّبَات فِي الرِّبَا)
(أما ترى فِي روضه إِلَّا وراقا رطب لِسَان يشْكر الخلاقا)
(وَتلك للتوحيد كالدفاتر تقرؤها الطُّيُور فِي المنابر)
[ ٢ / ٥٧ ]
وللبوريني
(أيا قمرا قد بت فِي ليل هِجْرَة أراقب سيار الْكَوَاكِب حيرانا)
(خبأتك فِي عَيْني لتخفى عَن الورى وَمَا كنت أَدْرِي أَن فِي الْعين إنْسَانا)
وللخفاجي
(خبأتك فِي الْعين خوف الوشاة وَكم شرف الدَّار سكانها)
(وَمن غيرَة خفت أَن يفطنوا إِذا قيل فِي الْعين إلنسانها)
وللبوريني
(تعشقت مِنْهُ حَالَة لست قَادِرًا على وصفهَا إِن لم يذقها سوى قلبِي)
وَله
(أَتَرَى علمت بحالتي يَا من تغافل عَن شؤوني)
(هلا رحمت مدامعا سَالَتْ عيُونا من عيوني)
وَله من قصيدة يصف فِيهَا الغدير
(يُجَاوب أسيحاع الْحمام خريره فتصغى لَهُ الورقاء من فَوق أيكة)
وَتبع فِي ذَلِك أَبَا الحكم فِي قَوْله
(وتحدث المَاء الزلَال مَعَ الصَّفَا فَجرى النسيم عَلَيْهِ يسمع مَا جرى)
وللبوريني
(أتنكر مني رفع صوتي بالبكا لبسين حبيب عز مِنْهُ معاد)
(أَلَسْت ترى الثَّوْب الْجَدِيد وَقد غَدا يَصِيح لَدَى التَّفْرِيق وَهُوَ جماد)
وَقَرِيب مِنْهُ قَول الْقَائِل
(لَا غر وَمن جزعي لبينهم يَوْم النَّوَى وَأَنا أخوالهم)
(فالقوس من خشب يَئِن إِذا مَا كلفوه فرقة السهْم)
وَله
(عمامتي لعبت أَيدي الزَّمَان بهَا كَأَنَّهَا نسجت من عهد حَوَّاء)
(أُرِيد أغسلها وَالْخَوْف يَمْنعنِي من أَن ترى نزلت يَوْمًا مَعَ المَاء)
وَهُوَ من قَول الْقَائِل
(ولي ثِيَاب رقاق لست أغسلها أَخَاف أعصرها تجْرِي مَعَ المَاء)
وَمن مَشْهُور شعره قَوْله فِي نصيحة
(أوصيك أوصيك فاسمع مَا أقرره فقد نَصَحْتُك خلي نصح مُعْتَبر)
(لأتركن إِلَى من لَيْسَ تعرفه وَمن عرفت فَكُن مِنْهُ على حذر)
أَخذ من قَول ابْن فَارس
(اسْمَع مقَالَة نَاصح جمع النَّصِيحَة والمقه)
(إياك وَاحْذَرْ أَن تكون من الثِّقَات على ثِقَة)
وَله
(يَا ساكنين الْجزع لي بعدكم طرف مدى الْأَيَّام لَيْسَ بناظر)
[ ٢ / ٥٨ ]
(مَا زار إنساني سواكم بعدكم إِلَّا وَألقى سترد مَعَ سَاتِر)
مَأْخُوذ من قَول الأرجاني
(لي بعد آلا فِي الَّذين رحلوا وخلفوا صبري كَلْبِي منتهب)
(إِنْسَان عين لم يزره غَيرهم إِلَّا وَألقى سترد مَعَ فاحتجب)
وَله يعْتَذر عَن أَمر نقل عَنهُ
(الله يعلم أَن ساحة خاطري مِمَّا رقمت صحيفَة بَيْضَاء)
(وسنلتقي يَوْم الْقيام بموقف فِي ضمنه تتبين الْأَشْيَاء)
وَاتفقَ لَهُ انه سَار إِلَى بعض غِيَاض دمشق وَأَرَادَ استدعاء بعض أحبابه فَلم يجد قَلما وَلَا دَوَاة وَكَانَ أَيَّام التوت الْأسود فَكتب بمائه بديها
(يَا طَائِر البان خُذ مني مُكَاتبَة ضعها لدي منزل الظبي الَّذِي سخا)
(هِيَ الشكاية من دَاء الْفِرَاق وَقد كتبتها بِدَم الْقلب الَّذِي جرحا)
وَله
(وتنفسي الصعداء لَيْسَ شكاية مني لهجرك يَا ضِيَاء النَّاظر)
(لَكِن بقلبي من جفاك تألم فَأرى بذلك رَاحَة للخاظر)
وَله
(قَالَ لي عاذلي تسل قَلِيلا بمسير عَن الْحمى والربوع)
(قلت يَا عاذلي تَأَخَّرت عني كَانَ هَذَا الْكَلَام قبل وقوعي)
وَله
(مرادي من الدُّنْيَا مُرَاد أريده من الْحبّ وَالْإِنْسَان قد يتَخَيَّر)
(سوى وَقْفَة فِيهَا أسائل مَا الَّذِي يقدم غَيْرِي أَو لماذا أؤخر)
وَله
(بِحَق الَّذِي أَعْطَاك حسنا ودولة ولطفا بِهِ للضد مَا زلت تقهر)
(لماذا رعاك الله غَيْرِي مقدم ومثلي على صدق الوداد مُؤخر)
وَله
(مَا رمت ترك الظُّلم مِنْهُ تبرما من حمل أثقال القطيعة والجفا)
(لَكِن خشيت عَلَيْهِ عُقبى فعله فِي يَوْم يلقى الْمَرْء مَا قد أسلفا)
وَله
(وَكم قَائِل مَالِي أَرَاك مجانبا غرام مليح كالغزال المشرد)
(فَقلت دعوا هَذَا الملام فائتني ختمت رسالات الْهوى بِمُحَمد)
وَله غير ذَلِك من عُيُون الْأَشْعَار وَالْأَخْبَار مالوا ستقصيته لجاء فِي كتاب مُسْتَقل وَكَانَت وِلَادَته فِي قَرْيَة صفورية نَهَار الْجُمُعَة منتصف شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي بعد الظّهْر نَهَار الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَصلى عَلَيْهِ بالجامع الْأمَوِي من الْيَوْم الثَّانِي وَدفن بمقبرة
[ ٢ / ٥٩ ]
الفراديس وَكَانَ قبل مَوته بلحظة أَمر بعض من حضر عِنْده بِقِرَاءَة سُورَة يس فقرؤها وَكَانَ هُوَ فِي حَالَة النزع يُحَرك شفته مَعَهم إِلَى أَن وصلوا إِلَى قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون فَمد السبابَة إِشَارَة إِلَى الشَّهَادَة وَخرجت روحه وَرَآهُ بعض الثِّقَات لَيْلَة مَوته وَجَمَاعَة ينشدون هَذِه الْمقَالة ويذكرون أَن البوريني نظمها وَأوصى أَن ينشدونها أَمَام جنَازَته وَهِي للقاء الله باسم الله وعَلى مِلَّة رَسُول الله كنت أمس بَين أحبابي وأصحابي وأترابي فدعاني نَحوه رَبِّي ألف أَهلا وَألف باسم الله وَرَآهُ بعض الْفُضَلَاء بعد مَوته فِي مَنَامه كَأَنَّهُ على كرْسِي عَظِيم فِي رَوْضَة غناء وَعَلِيهِ هَيْبَة وَإِلَى جَانِبه رجل وَهُوَ يعلم أَنه مَاتَ فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي كَيفَ حالك وَمَا فعل الله بك فَقَالَ إِنِّي جعلت بَيْتَيْنِ يعلم مِنْهُمَا مَا فعل الله بِي ثمَّ أنْشد قَوْله
(وَفِي لي من أَهْوى وآنس وحشتي وداوى فُؤَادِي بالتداني وبالقرب)
(فَظن بِهِ خيرا وَإِن كنت مذنبا فَمَا خَابَ عبد أحسن الظَّن بالرب)
ونظم هَذِه الرّبَاعِيّة قبل مَوته وَأوصى أَن تكْتب على قَبره وَهِي قَوْله
(يَا رب تبِعت سيد الْأَبْرَار واخترت سَبِيل صُحْبَة الأخيار)
(وَالْيَوْم فَلَيْسَ لي سوى لطفك بِي يَا رب فوقني عَذَاب النَّار)
ورثاه جمَاعَة من فضلاء زَمَانه مِنْهُم الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي وَكَانَ مِمَّن أَخذ عَنهُ وتلمذ لَهُ مُدَّة وقصيدته أحسن مَا قيل فِيهِ من المراثي وَهِي مَشْهُورَة متداولة مطْلعهَا قَوْله
(زلزل الْكَوْن والقتام علا وَهوى الْبَدْر بَعْدَمَا كلا)
ويعجبني مِنْهَا قَوْله
(كم لَهُ من فَوَائِد وفدت قد غَدا ركنهن مرتحلا)
(والبلاغات بعد مَا بلغت حَدهَا مِنْهُ دَانَتْ الأجلا)
(فِي اللسانين فَارس بَطل فاللسان بعده بطلا)
(راق روض النهى بِهِ زَمنا فِي دمشق وَبعده ذبلا )
(نَدم الدَّهْر حَيْثُ جادبه غلطة بعد طول مَا بخلا)
(عقد در فِي السلك قد عبثت مِنْهُ أَيدي الْمنون فانفصلا)
(كَانَ للدهر بهجة وسنا مِنْهُ أما إِذا غَابَ عَنهُ فَلَا)
(قل لمن شَاءَ أَن يؤرخه بدر علم فِي الشَّام قد أَفلا)
وَمن غَرِيب مَا وَقع بعد مَوته أَنه كَانَ فِي مَرضه تفرغ عَن الْمدرسَة الشامية البرانية لِلشِّهَابِ أَحْمد العيثاوي فَلم يقبل قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق الْمولى مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف
[ ٢ / ٦٠ ]
بجوى زَاده ووجهها لعبد الْحَيّ بن يُوسُف وَعوض العيثاوي بالوعظ فِي السليمانية وَوجه الناصرية الجوانية لمنلا عبد الرَّحْمَن بن أويس الْكرْدِي والعادلية الصُّغْرَى للْقَاضِي عبد اللَّطِيف بن الجابي والبقعة بالكلاسة للشَّيْخ أَحْمد بن محب الدّين الْحَنَفِيّ والبقعة بالجامع الْأمَوِي لِأَخِيهِ إِبْرَاهِيم البوريني وَقِرَاءَة الحَدِيث بالجامع الْأمَوِي لعبد الرَّحِيم بن محَاسِن سبط البوريني فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت سادس عشر جُمَادَى الأولى اجْتمع جمَاعَة مِنْهُم أَحْمد بن شاهين وَأحمد بن زين الدّين المنطقي الْمُقدم ذكرهمَا وحسين بن عبد النَّبِي الشعال ورمضان بن عبد الْحق العكاري والكمال ابْن مرعي العيثاوي وَسليمَان الْحِمصِي وَشرف الدّين الدِّمَشْقِي وَمُحَمّد بن نعْمَان الأيجي وَإِبْرَاهِيم الْعِمَادِيّ الْوَاعِظ وَأحمد العرعاني وَكَانَ اجْتِمَاعهم بالجامع الْأمَوِي ثمَّ أحاطوا بالشمس الميداني ورأسوه عَلَيْهِم وَقَالُوا نَجْتَمِع وَنَذْهَب إِلَى القَاضِي والباشا ونطلب توزيع وظائف البوريني علينا ثمَّ ذهب مِنْهُم طَائِفَة إِلَى العيثاوي وسألوه أَن يذهبوا فِي خدمته إِلَى القَاضِي فَقَالَ لَهُم لَا تلِيق هَذِه الجمعية وَلَكِنِّي أذهب إِلَى القَاضِي وأنصحه فَذهب إِلَيْهِ وَتكلم مَعَه أَن يعْطى الحَدِيث لِابْنِ الأيجي وَتَكون الناصرية مُشْتَركَة بَين الملا عبد الرَّحْمَن الْكرْدِي وَآخر فَأَجَابَهُ القَاضِي إِلَى مَا قَالَ فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ انْدفع الْقَوْم وَمَعَهُمْ آخَرُونَ فَدَخَلُوا على القَاضِي وجلبوا عَلَيْهِ فبادر القَاضِي وَقَالَ لَهُم اجلسوا واقتسموا الْوَظَائِف فجلسوا خَارج الْمجْلس يقتسمون وَالْكَاتِب يكْتب مَا يتفقون عَلَيْهِ ثمَّ خَرجُوا من عِنْده بِنَاء على أَن تكْتب التقارير على مَا رتبوه فَلَمَّا كَانَ يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور جمع القَاضِي إِلَيْهِ العيثاوي ومنلا عبد الْحَيّ بن يُوسُف والخطيب يحيى بن مُحَمَّد البهنسي وَولده أَحْمد وَالْقَاضِي أَبُو الْبَقَاء الصَّالِحِي وَذهب بهم إِلَى نَائِب الشَّام إِذْ ذَاك مُحَمَّد باشا الجركسي وصور الدَّعْوَى عِنْد القَاضِي بن مغيزل قسام العسكري بِدِمَشْق وَكَانَ حَاضرا بالديوان بِإِذن الباشا على الْجَمَاعَة بالهجوم وَقلة الْأَدَب مَعَه وَأثبت ذَلِك عَلَيْهِم وَكتب بذلك صك فَتقدم مثلا زين الدّين وَالِد أَحْمد المنطقي وَتكلم مَعَ القَاضِي بِكَلِمَات فَاحِشَة وسجل عَلَيْهِم كل ذَلِك إِلَّا ابْن شاهين فَإِنَّهُ اسْتثْنى من الْكِتَابَة سرا لمكانة أَبِيه ثمَّ شفع العيثاوي وَمن مَعَه عِنْد القَاضِي فِي الْعَفو عَنْهُم من التعزيز بِالضَّرْبِ وانفصل الْمجْلس على ذَلِك ونظم النَّجْم الْغَزِّي هَذِه الْحَادِثَة فِي قصيدة طَوِيلَة ذكرهَا فِي ذيله ومطلعها قَوْله
[ ٢ / ٦١ ]
(رويدك أَن الْفضل للمرء نَافِع وَلَكِن على قدر الْعُقُول الْمَنَافِع)
(مَتى ضل عقل الْمَرْء ضل طَرِيقه وَلَيْسَ لَهُ عَن وهدة الْجَهْل مَانع)
(ألم تَرَ رهطا حاولوا رفع قدرهم بِأَنْفسِهِم وَالله مَا شَاءَ صانع)
(سعوا نَحْو قَاضِي الشَّام صين جنابه وَكَانَ امْرِئ غاد وللنفس بَائِع)
قضى الْحسن الْعَلامَة النّدب فاغتدوا وكل لَهُ بالاشتغال تنَازع)
(يَقُولُونَ وجهت الْجِهَات لغيرنا أَبى الله معط من يَشَاء ومانع)
(وَعَن أدب زاحوا فراحوا بنقمة وَقد ذل بَين النَّاس من هُوَ طامع)
(وَقد كَاد لَوْلَا عَفوه وسماحه تماسهم مِنْهُ الْعَصَا والمقارع)
(وَقد عزروا وافي مشْهد ثمَّ اسمعوا لما كَرهُوا وَالْقَوْل للمرء رادع)
(أيجمل مِنْهُم مَا أَتَوا وتهوروا هُنَالك أَن الْعقل للمرء وازع)
مِنْهَا
(إِذا قارع الضرغام جدي لجهله بصولته فالليث للجدي قارع)
(إِذا ركب الْإِنْسَان فِي غير سَرْجه أتيح لَهُ عَن ذَلِك السرج صارع)
(وَمن لم تؤدبه الْعُلُوم وخف فِي هَوَاهُ نَهَاهُ أدبته الوقائع)
(وَمن لم يكن فِي فورة الْأَمر نَاظرا عواقبه ينْدَم وللسن قارع)
(وَقد هد مِنْهُ عَرْشه وَهُوَ نَاظر وَقد قد مِنْهُ عرضه وَهُوَ سامع)
(تعجبت من تِلْكَ الْقَضِيَّة أَنَّهَا لعمري وعظ وَهِي للقلب صادع)
(جرت بعد ألف ثمَّ عشْرين حجَّة بذا الْعَام حَيْثُ الْعَام من بعد رَابِع)
(تَأمل رعاك الله أَفعَال رَبنَا فَلَيْسَ لما يَقْضِيه فِي الْكَوْن دَافع)
(وَلَا ترج إِلَّا الله فِي كل مقصد تبَارك أَن الْفضل مِنْهُ لواسع)
(وَبعد فَإِن الله ﷻ لكل الورى يَوْم الْقِيَامَة جَامع)
الشَّيْخ حسن بن مُحَمَّد بن أبي الْفضل ابْن بَرَكَات بن أبي الوفا الملقب بدر الدّين الدِّمَشْقِي الميداني الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بالموصلي الشَّيْبَانِيّ قَاضِي الشَّافِعِيَّة بِبَاب قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَاحِد أَعْيَان الْفُضَلَاء وَكَانَ عَالما فَقِيها نحويا بارعا وَفِيه أَنَاة وحلم وَمَكَارِم أَخْلَاق قَرَأَ بِدِمَشْق على جدي القَاضِي محب الدّين وجدي إِسْمَاعِيل النابلسي والعماد الْحَنَفِيّ والأسد بن معِين الدّين التبريزي وتفوق وَلزِمَ إِفَادَة الطّلبَة بالجامع الْأمَوِي مُدَّة وَلما انْحَلَّت إِمَامَة الشَّافِعِيَّة الأولى بالجامع عَن الشَّيْخ مُوسَى الجوسي فِي زمن قَاضِي دمشق الْمولى مصطفى الْمَعْرُوف بالكوجك اجْتمع عُلَمَاء الْبَلدة
[ ٢ / ٦٢ ]
وطلبوها للمذكور وَكَانَ القَاضِي وَجههَا لِابْنِ أبي البقا فعارضوه وَذكروا أحقية الْمَذْكُور فَقَالَ انْظُرُوا ثَالِثا مِمَّن يَسْتَحِقهَا فَقَامَ الشَّمْس مُحَمَّد الميداني الْآتِي ذكره فِي الْمجْلس وَقَالَ أَنا الثَّالِث وطلبها فوجهها القَاضِي إِلَيْهِ وَخرج الْجَمَاعَة من عِنْد القَاضِي حنقين عَلَيْهِ ثمَّ سعى بعض أكابرهم فِي اتيان بَرَاءَة للبدر الْمَذْكُور فَلَمَّا قدم الْمولى مصطفى بن حسن قَاضِيا بِدِمَشْق ترافعا إِلَيْهِ بِمحضر من الْعلمَاء وكل مِنْهُمَا قدم بَرَاءَته فَاقْتضى رَأْي القَاضِي وَالْجَمَاعَة أَن تشطر بَينهمَا وداما على ذَلِك وَولي الْبَدْر بعد ذَلِك قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِطَلَب عُلَمَاء دمشق وحمدت سيرته فِيهَا وَلم يزل قَاضِيا حَتَّى توفّي فِي سنة ثَلَاث أَو أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِقرب مَسْجِد النارنج رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حسن بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْكرْدِي الصهراني النورديني الشَّافِعِي الْمُحَقق الفهامة الْمُؤلف الْأُسْتَاذ كَانَ من أجلاء عُلَمَاء الأكراد وَله الباع الطَّوِيل فِي حل الغوامض والغوص على الْمعَانِي قدم إِلَى دمشق فِي حُدُود سنة خمس وَسبعين وَألف واختص أَولا بالملا أبي بكر ابْن منلا جامي الْمُقدم ذكره فاستنابه فِي تدريس الْمدرسَة السليمية لسوء مزاج كَانَ اعتراه وَعقد حَلقَة تدريس بالجامع الْأمَوِي عِنْد مقَام الْخضر وعاينته هُنَاكَ وَهُوَ يُقرر أَشْيَاء دقيقة المرمى تدل على نظر دَقِيق وَتَحْقِيق زَائِد وَأَخْبرنِي صاحبنا الملا مُحَمَّد بن رستم الصهراني وَهُوَ من أَقَاربه أَنه قَرَأَ بصهران على الْمولى رَسُول الصهراني وَأخذ بِبِلَاد ديار بكر عَن الْمولى قره قَاسم وَالْمولى عمر بن الْجَلِيّ صَاحب شرح البهائية فِي الْحساب والحاشية على ميزاب الْفَتْح فِي الْآدَاب وَحكى لي أَنه كَانَ يفضل الْجَلِيّ على جَمِيع من رَآهُ من أساتذته وَألف بِدِمَشْق شرحا على البهائية فِي غَايَة الدقة وَله رِسَالَة فِي سُورَة المطففين وَكَانَ شرع فِي تَحْرِير شرح على الْقطر لِابْنِ هِشَام على أسلوب عَجِيب من الدقة وَكتب مِنْهُ حِصَّة وافرة وَلم يكمله وَكَانَ فِي الزّهْد والورع غَايَة لَا تدْرك وَوَقع لَهُ أَحْوَال تدل على علو كَعبه فِي الْولَايَة حكى لي الملا مُحَمَّد الْمَذْكُور وَقَالَ أَخْبرنِي الملا حسن يَعْنِي صَاحب التَّرْجَمَة انه كَانَ فِي موطنه يكْتب مُصحفا فَجَلَسَ يَوْمًا للكتابة فَرَأى الدواة قد فاضت بالحبر حَتَّى امْتَلَأَ مَا حوله فَنَهَضَ مذعورا وركض مَسَافَة عشر خطوَات ثمَّ الْتفت فَرَأى خَلفه بحرا من حبر ثمَّ غاض فَرجع إِلَى مَكَانَهُ وَشرع يكْتب وحَدثني عَنهُ من هَذَا الأسلوب بأَشْيَاء كَثِيرَة وَلما مَاتَ الملا أَبُو بكر الْمَذْكُور فِي التَّارِيخ الَّذِي ذكرته فِي تَرْجَمته
[ ٢ / ٦٣ ]
سَافر إِلَى الرّوم فِي طلب جهاته فأدركه أَجله بعد مُدَّة من وُصُوله وَكَانَت وَفَاته بأدرنة سنة ثَمَان وَسبعين وَألف وَهُوَ فِي سنّ الْأَرْبَعين
السَّيِّد حسن بن مُحَمَّد بن عَليّ السَّيِّد الْأَجَل الحسنيني الْمَعْرُوف بالمنير الْحَمَوِيّ الأَصْل الدِّمَشْقِي الْفَقِيه الشَّافِعِي خُلَاصَة الخلاصات من السَّادة الكمل الأخيار كَانَ عَالما فَقِيها ورعا زاهدا تَارِكًا لَا يُغْنِيه لَا يصرف أوقاته فِي عَبث بل كل أوقاته معمورة بالفائدة من مذاكرة علم أَو قِرَاءَة قُرْآن أَو عمل خير وَكَانَ فِي هَذَا الْعَصْر الْأَخير من أَفْرَاده جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل وَكَانَ فِيهِ نفع عَظِيم للنَّاس لَا زَالَ يقرىء الدُّرُوس بِجَامِع الدرويشية والسيبائية وَتخرج عَلَيْهِ خلق كثير من طلبة الْعلم من الشَّافِعِيَّة وَبِه تفقهوا وانتفعوا وَكَانَ النَّاس يعظمونه ويهابون ساحته وَإِذا أقبل من بعيد فِي سوق أَو زقاق تبَادرُوا إِلَى تَقْبِيل يَده وَطلب دُعَائِهِ وَكَانَ مرشدًا متواضعًا سليم الصَّدْر بشوشًا إِلَى الْغَايَة لم نسْمع أَن أحد أتأذى مِنْهُ مده عمره فِي قَول أَو فعل ويحكى عَنهُ كرامات وأحوال هُوَ فِي أَعْلَاهَا ذرْوَة وأسماها منقبة وَبِالْجُمْلَةِ ففضائله مِمَّا لَا مُنَازع فِيهَا وَكَانَت وَفَاته عقيب الظّهْر بهنيئة من يَوْم الْأَحَد سادس عشرى شَوَّال سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من سَيِّدي نصر الْمَقْدِسِي وَسَيَأْتِي أَبوهُ مُحَمَّد فِي حرف الْمِيم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الشَّيْخ حسن بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن عطيف الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ كَانَ فَاضلا سَاكِنا لَهُ حسن مطارحة وانعطاف وَكَانَ لطيف الصَّوْت قَارِئًا مجودًا قَرَأَ الْعَرَبيَّة على مصطفى بن محب الدّين وَغَيره وتفقه على وَالِده وعَلى الإِمَام رَمَضَان بن عبد الْحق العكاري وبرع فِي الْفُنُون وَتَوَلَّى الخطابة بِجَامِع العداس خَارج دمشق بمحلة القنوات ولازم الِاشْتِغَال هُوَ وَشَيخنَا أَخُوهُ الْعَلامَة رَمَضَان الْآتِي ذكره مُدَّة حياتهما وَكَانَا لَا يملان المذاكرة وَحُضُور الدُّرُوس وَلَا يكَاد أَن يفترقان لَحْظَة وَاحِدَة وَعرض لحسن فِي آخر عمره وَمرض الفالج فَانْقَطع عَن النَّاس سبع سِنِين وَمَا كَانَ يفهم مِنْهُ إِلَّا لفظ الله الله وَاسْتمرّ مفلوجًا إِلَى أَن توفّي نَهَار الثَّلَاث ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير قرب مَسْجِد النارنج وَأَخْبرنِي أَخُوهُ شَيخنَا الْمَذْكُور أَن وِلَادَته فِي سنة عشْرين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ الْحسن بن النَّاصِر بن عبد الحفيظ المهلا الشرفي الْعَلامَة الَّذِي تفرد فِي وقته
[ ٢ / ٦٤ ]
الْفضل وَالْعلم والورع والزهد فِي الدُّنْيَا والإقبال على الْآخِرَة وَكَانَ كثير الصَّدَقَة على ذَوي الْفَاقَة حَرِيصًا على فعل الْخَيْر وَالْمَعْرُوف أَخذ عَن أَبِيه وجده وَسمع على أَخِيه الْحُسَيْن كثيرا من الْعُلُوم مَعَ كَونه أسن مِنْهُ بِنَحْوِ سبع سِنِين وَكَانَ لَهُ الْخط الْحسن الرَّائِق المضبوط وَالنّظم والنثر الفائقان ولقى جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء وَأخذ عَنْهُم كثيرا وحوى علما غزيرا وَله ارتحالات كَثِيرَة من جُمْلَتهَا ارتجاله مَعَ أَخَوَيْهِ إِلَى شهارة أَمَام دَعْوَة الْقَاسِم بن الإِمَام مُحَمَّد الْمُؤَيد وَأَقَامُوا بهَا ثَلَاثَة أشهر بداره الميمونة بالناصرة من شهارة فِي خلال الْإِقَامَة شَارك السَّيِّد أَحْمد بن الإِمَام المتَوَكل فِي قِرَاءَة التَّيْسِير للديبع وَغَيره من الْكتب الحديثية وَكَانَ فِي زمن حداثته مجدا فِي الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَطَلَبه على أَبِيه وجده مَعَ مُشَاركَة أَخِيه الْحُسَيْن وَكَانَ إِذا قَرَأَ شَيْئا فِي غيبَة أَخِيه الْحُسَيْن تتأثر نفس الْحُسَيْن فيعاتبه فِي ذَلِك فيعتذر صَاحب التَّرْجَمَة إِلَيْهِ وَيُعِيد مَا قَرَأَهُ عَلَيْهِمَا فَقَالَ فِي ذَلِك صنوه الْحُسَيْن أبياتا رائية معاتبا لَهُ وَجعل أول كل بَيت حرفا من حُرُوف الْعَجم وأولها قَوْله
(أذاب فُؤَادِي بارق الْغَوْر إِذْ سرى بنفحة مسك من حدائقها تترى)
(بحقك خبرني عَن الغورانة حَدِيث صَحِيح لَيْسَ فِي القَوْل مُنْكرا)
(تَأمل بِهِ تِلْكَ المغاني تلق لي لطائف فاقت فِي المحاسن مخبرا)
(ثملت وَقد دارت رحيقة وَصفَة فأنهلنا التسنيم من تِلْكَ مُسكرا)
(جرى ذكر أحبابي بروضة قدسها وَقد كُسِيت بردا من الوشي أخضرا)
(حووا من مليح الْوَصْف كل غَرِيبَة كزهر سَمَاء الأَرْض فِي حسنها ترى)
(خليلي مَا واف بعهدي أَنْتُمَا إِذا لم تقصا وصفهَا لي وتخبرا)
(دعوتكما كي تفهماني حَقِيقَة الْأَحِبَّة فِيمَا مفرقين وتحضرا)
(ذكرت لَهُم ذكر الصِّفَات فهاج بِي من الشوق مَا ألفيته متذكرا)
(رَأينَا بهَا مَا يمْلَأ الْعين قُرَّة فروحت الْأَرْوَاح من حسن مَا ترى)
(زيارتهم فِيهَا لقلبي مَسَرَّة غَدَتْ مورد للصالحات ومصدرا)
(سلى إِن أردْت الْيَوْم عني وعنهم ترى مَا يسر الْأَوْلِيَاء بِلَا مرا)
(شفتنا وأولتنا فَوَائِد عِنْدهَا تسهل للأحباب مَا قد تعسرا)
(صفت عندنَا تِلْكَ الصِّفَات الَّتِي علت وفاقت وراقت للقلوب بِلَا أمترا)
(طوينا لذى الأحباب كل مقلة وَقد كَانَ فِي نَفسِي مقَال تكثرا)
(ظفرنا بِمَا نرجو من الْحسن الَّذِي يفيدك أَن أقرا الْفَوَائِد أوقرا)
[ ٢ / ٦٥ ]
(عليم بأعقاب الْأُمُور كَأَنَّمَا لما فِي غَد من قبل يَأْتِيهِ أبصرا)
(غَدَوْت عَلَيْهِ عاتبا تباحين أهمل الْأُخوة لما ينتظرني ويدكرا)
(فواعجبا من فعله حِين غبت عَن محاملة هلا لحقي آثرا)
(قَرَأت حماك الله لم تنْتَظر لنا وعذرى أَن السحب بالغيث أمطرا)
(كفى حجَّة برهانها مشرق بِمَا فعلت على إهمال حقى بماهرا)
(لويت عنان الْوَعْد عَنى عَامِدًا وأنسيت حَقًا للإخاء مؤثرا)
(محلك فَوق الشَّمْس عِنْدِي وإنني لَا بنى لَهُ فَوق المجرة معمرا)
(نخوتكم لما تقشع سحبها وسرت إِلَى سوح الْمَعَالِي مبكرا)
(وَقد لَاحَ فِي الصُّبْح الثريا كَمَا ترى كعنقود ملاحية حِين نورا)
(هُوَ الصنع أَن تعدل فَخير وَإِن بَدَت بِعُذْر فكم ريت بِهِ عَاد أكبرا)
(لأعظ من أولى ووالى صَنِيعه وَحَازَ من الْخيرَات سَهْما موفرا)
(يَقُول لَك الْقلب الَّذِي ترك الْهدى إِذا أَنْت راعيت الإخاء المقررا)
(أَلَسْت من الْقَوْم الَّذين وليدهم يُرْجَى لإقراء الْعُلُوم وللقرى)
(بلغنَا السما مجدا وَعزا وسؤددا وَأَنا لنَرْجُو فَوق ذَلِك مظْهرا)
(تجرد لأخذ الْعلم عَنْهُم فَإِنَّهُم أئمته فارحل إِلَيْهِم مثمرا)
(ثباتهم فِيهِ عَظِيم رسوخه وذكراء قد يُولى الثَّنَاء مُعْتَبرا)
(جزى الله آبَائِي عَن الْكل خَيره وأبقاهم مَا قيل نظم وسيرا)
(حما بعواليهم حمى الدّين واستووا على فلك العلياء لما نتوّرا)
(عَلَيْك سَلام الله مَا انهلت السما بودق على روض أريض فأزهرا)
فَأَجَابَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بقوله
(أسرد إِذا خففت فِي الْقَوْم معشرا وتكثر أتراحي إِذا كَانَ أكثرا)
(بِنَاء على أَن أمرأ باد عموه إِذا كَانَ فِي غير الْعُلُوم مكثرا)
(تبينت أَن الْعِزّ فِي الْعلم والعلا وَأَن تجار الْعلم هم خيرة الورى)
(ثنائي عَلَيْهِم لأعلى كل مهمل بجانبهم مِمَّن عتا وتكبرا)
(جنوا ثمرا من كل روض فنونه وَأَعْطَاهُمْ الرَّحْمَن حظا موفرا)
(حريون بالتقديم أَقْدَامهم على الثريا وَأهل الْجَهْل فِي أَسْفَل الثرى)
(خلا من غَدا فِي دهره متعلما ومستمعا مَا فاق درا وجوهرا )
[ ٢ / ٦٦ ]
(دنا مِنْهُم فازداد مجدا وَرَفعه وعاش حميدا فِي الورى منتصرا)
(ذكرت خلالًا للحسين فسرني بِأَن أخي للْعلم أضحى مثمرا)
(رضيت لَهُ هَذَا طَرِيقا ومسلكا وَصَاحبه فَوق النُّجُوم كَمَا ترى)
(زِيَادَة مَا فَوق البسيطة لم تكن من الْعلم نُقْصَان وخسر بِلَا مرا)
(سما من لَهُ الْعلم الشريف وَسِيلَة وَمَا فَازَ ذُو جهل وخاب من افترى)
(شرى نَفسه يَبْغِي الرضى من الهه فيا فوزه بِالرِّبْحِ من خير مَا شرى)
(صبور على درس الدقاتر مقبل سرىّ سرى وَالصُّبْح قد يحمد السرى)
(طَوِيل عَلَيْهِ اللَّيْل أَن بَات مهملا قصير إِذا للدّرس بَات مؤثرا)
(ضجيج كتاب لَا يُفَارِقهُ وَلَا يُوَافق إِلَّا عَالما متجرا)
(ظَفرت بِمَا أمّلت فاشكر وَلَا تكن ملولا فَإِن الصَّيْد فِي بَاطِن اكفرا)
(على أَنه وافى نظامك عاتبا علينا ومنظوما نظاما محبرا)
(غَدَوْت بِهِ فِي نعْمَة لبلاغة حواها وألفاظ لَهَا قد تخيرا)
(فواعجبا من عَاتب كَانَ حَقه بِأَن يبتدي بالعتب فِيمَا تحرّرا)
(قوافيك والتنا محَاسِن عقدهَا تَقول وَقد خاطبت من كَانَ قصرا)
(كَأَنَّك لم تعلم بِمن سَار أشهرا ليحظى بِعلم ثمَّ عَاد مطهرا)
(لَهُ رحْلَة مَعْرُوفَة أَنْت أَهلهَا فواصل دروسا درسها لَك يسرا)
(مدى الدَّهْر لَا تَبْرَح على الدس عاكفًا فَمَا الْعلم فِي الْأَسْوَاق بِالْمَالِ يشرتي)
(نبيك لم يتْرك سوى الْعلم فاغتنم وراثته بالدرس عَن سيد الورى)
(وَأَنت بِحَمْد الله قد صرت عَالما وَلَكِن نظمنا مَا ترَاهُ مذكرا)
(هداك إِلَه الْخلق نهجا مبلغا إِلَى جنَّة الفردوس فضلا يسرا)
(يُرِيد أخي قلبِي العتاب فَقل لَهُ يحِق لمثلي أَن يغض ويصبرا)
(لَئِن كنت ترعى للحقوق فأنني لارعى لَهَا فاسأل بذلك من درى)
(إِذا أَنا لم أحمل على النَّفس ضيمها سددت طَرِيقا للثناء منورّا)
(بدالي عذر الصنو بعد حفائه وَذَلِكَ أنّ السحب دَامَ وأمطرا)
(توالت بذا الْأُسْبُوع فضلا ونعمة فرام لهَذَا أَن يُقَال ويعذرا)
(ثَلَاثًا هجرتم ثمَّ زدتم كمثلها لَك الله أَرْجُو أَن يقبل ويغفرا)
(جرى مَا جرى مِنْكُم من الهجر والقلى وَفَوق ثَلَاث حرم الطُّهْر مَا جرا)
[ ٢ / ٦٧ ]
(عَلَيْك سَلام الله مَا ذَر شارق وآثر ذُو عزم لعلم وَمَا سرى)
وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم التَّلْقِين والوظائف المروية عَن جَعْفَر الصَّادِق ﵁
(تتبع يَا فَتى طرق السَّعَادَة فَتلك إِذا وصلت هِيَ السِّيَادَة)
(وجنب نَفسك الشُّبُهَات وأصبر وَفِيمَا حل فالزمها الزهادة)
(وَحب الله آثره وَأحسن وَثمّ بالواجبات من الْعِبَادَة)
(تفكر فِي خلائقه وحاذر تصوّر ذَاته واعرف مُرَاده)
(وقم بحوائج الإخوان فِيهِ لتحرز فَضله وَارْحَمْ عباده)
(ولازم ذكره والجأ إِلَيْهِ تنَلْ مِنْهُ مَعَ الْحسنى زِيَادَة)
(وَعظم أمره تَعْظِيم عبد تَيَقّن رحْلَة فأعدّ زَاده)
(وَلَا تفرح بِمَا أُوتيت واندم على التَّفْرِيط عَن طلب السَّعَادَة)
(وأبق بشكره النعماء وَاجعَل تدبرها لنَفسك كالقلادة)
(تجنب مَا نهاك الله عَنهُ وَمَا يَعْنِيك لَا تهدم مشاده)
(تَأمل عَاجل الْأَحْوَال وَانْظُر عواقبها على حسب الْإِرَادَة)
(تصوّر بعد موتك مَا تلاقى فبدى الْأَمر تمكنه الْإِعَادَة )
(وجنب نَفسك الدُّنْيَا فَمن لم يحاذرها فقد ملكت قياده)
(وَمهما آذَنت بصلاح أَمر ترَاهُ صَالحا فاحذر فَسَاده)
(ورج الْخَيْر فِي الْأَحْوَال إِلَّا لذِي ذَنْب فخف واقدح زناده)
(وأخلص نِيَّة فِي كل فعل لعالم غيب أَمرك وَالشَّهَادَة)
(وحاذر عدّ نَفسك ذَات فضل وَأَنَّك بَالغ رتب السَّعَادَة)
(فَتتْرك مَا بِهِ كلفت إِذْ قد وصلت كزعم أَرْبَاب البلاده)
(أتأمن من لَهَا بالسوء أَمر بِهِ تعمي لذى لب فُؤَاده)
(حذار الْجَبْر والتشبيه وَاحْذَرْ من الألحاد يَا علم الإفادة)
(وحاذر من أُمُور زينوها بهَا حرمُوا ثَوَاب ذَوي الْعِبَادَة)
(فَمَا قَالُوهُ من هَذَا ضلال تنزه عَنهُ أَرْبَاب السِّيَادَة)
(وَمهما أمكنتك خِصَال خير فآثرها تفز وحز الإجادة)
وَكَانَت وَفَاته سَابِع عشر ربيع الأول سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف بِمَدِينَة صنعا
حسن باشا الْمَعْرُوف ببالجي المدفون بالجنينة الحمدانية تَحت قلعة دمشق على
[ ٢ / ٦٨ ]
حافة نهر بردى ويليها من جِهَة شرقها الْمدرسَة الأيدغمشية كَانَ حسن باشا أَمِير بِلَاد صفد سكن الشَّام مُدَّة ثمَّ ولى حُكُومَة طرابلس الشَّام ثمَّ القرص وَكَانَ من أنصف الْحُكَّام توفّي بالقرص سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف وَحمل مِنْهَا فِي صندوق فِي محفة إِلَى دمشق وَحضر للصَّلَاة عَلَيْهِ الْوَزير مُرَاد باشا نَائِب الشَّام والدفتري وَالسَّيِّد معرفَة الله مفتي الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق وَدفن فِي تربته الْمَذْكُورَة وَكَانَ أَنْشَأَهَا فِي حَيَاته قلت وَكَانَ يسكن فِي مُقَابلَة التربة الْمَذْكُورَة من جِهَة الْقبْلَة وَله ربعَة أَجزَاء فِي التربة تقْرَأ بعد الظّهْر والمتكلم على وقف هَذِه التربة الْآن أمْرَأَة من بَيت بَاقِي بيك وهم يدعونَ أَنه وقف أهلى وَالله أعلم والقرص بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَبعدهَا صَاد مُهْملَة بَلْدَة بِالْقربِ من أرزن الرّوم بيد مُلُوك آل عُثْمَان وَهِي الْحَد الْفَاصِل بَين مملكتهم ومملكة الْعَجم
حسن باشا الطواشي الْوَزير الْأَعْظَم أحد وزراء دولة السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد كَانَ فِي ابْتِدَاء أَمر خزينه دَار السُّلْطَان ثمَّ ولي مصر فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وعزل عَنْهَا وَلما وصل إِلَى قسطنطينية فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين حُوسِبَ فَخرج عَلَيْهِ مَال كثير وَوضع فِي حبس يَدي قلَّة ثمَّ أعْطى حُكُومَة شرْوَان ثمَّ صَار وزيرا رَابِعا فِي سفراكرى حَافظ الْبَلدة الْمَذْكُورَة فَأعْطى ختم الوزارة الْعُظْمَى وَكَانَ ظَالِما جبارا مرتشيا تَرْجمهُ منشى الرّوم عبد الْكَرِيم بن اسكندر القَاضِي فَقَالَ فِي حَقه تحلى بحلى الوزارة وتملى بعروسها وراج سَكرَان فِي مجْلِس الْمجد برشف كؤوسها حل الدَّهْر عقد طالعه وَعقد لِوَاء ولائه فَأصْبح العقد والحل مفوضا إِلَى آرائه وَصفا مورد عيشه حَتَّى غَار نهر المجرة من صِفَاته
(تمسى الْأَمَانِي صرعى دون مبلغه فَمَا يَقُول لشَيْء لَيْت ذَلِك لي)
أقبل عَلَيْهِ السعد بِرجلِهِ وخيله وَقطع بمرافقة السرُور مَسَافَة يَوْمه وليله وَهُوَ منتصب على ذَلِك الْحَال يجر ذيل الْعِزّ والسعد والإقبال فَلم يشْكر نعم الله عَلَيْهِ وَلم يتوسل ببدائع الْخَيْر إِلَيْهِ بل هم بتوسيع بَاب الأرتشا وَأخذ بِالْأَخْذِ من النَّاس كَيفَ يشا رمى غَرَض الرشا فَأصَاب وَدعَاهُ دَاعِي البغى فَأجَاب وَجمع من شتيت الطمع مَا جمع وَنسخ حَدِيث أشعب من كتاب الطمع يجول حول مائَة وَهُوَ بَين الْورْد والصدر وَلَا يُبَالِي أكاس النَّاس صفو أم فِيهَا كدر فأجل مناه أَخذ أَمْوَال النَّاس وَقَاعِدَة ارتشائه كتضمين الْعَرَب على غير قِيَاس مَعَ أَن الْغَنِيّ رُبمَا كَانَ
[ ٢ / ٦٩ ]
(سَببا للعنا يجني الْغنى للشام لَو عقلوا مَا لَيْسَ يجني عَلَيْهِم الْعَدَم)
مَا من منصب إِلَّا وَبَاعه لغير أَهله وَلم يجْتَهد فِي ايقاع تَقْلِيده فِي مَحَله إِلَّا مَا صَادف فِيهِ قسر الْإِيرَاد وَلَا يتصوّر فِيهِ راد فطاوعه مطاوعة السفن للتيار على رغم أَنفه وقاسي فِيهِ مقاساة تُرِيدُ على حتفه حَتَّى أَنه لما ذوت أَغْصَان رياض ابْن بُسْتَان وانتقل من هَذِه الديار إِلَى روضات الجنات هم بِصَرْف الْإِفْتَاء عَمَّن تحلت بِهِ الْمَرَاتِب وتوجت باسمه نواصي المناصب السَّيِّد السعد الَّذِي تمّ بِهِ الشّرف وَصَارَت تحف الْأَيَّام بمعاليه تحف وَسبب نزاعه لَهُ الْحَسَد الَّذِي امْتَلَأَ بِهِ إِنَاء الْجَسَد فَأَنْشد لِسَان الزَّمَان لمن عاداهم من السَّادة الْأَعْيَان
(اصبر على مضض الحسود فَإِن صبرك قَاتله )
(فَالنَّار تَأْكُل بَعْضهَا إِن لم تَجِد مَا تَأْكُله)
وَكَانَ ذَلِك سَببا لتأخيره وتدبير الدَّهْر فِي تدميره كَيفَ لَا وَهُوَ لَا يزَال فِي مجَالِس جود ومقام الْعِبَادَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود رَجَعَ إِلَى بعض أَوْصَافه من قلَّة مبالاته وَعدم انصافه فَلم يزل على هَذَا الأسلوب غافلا عَمَّا نَوَاه الدَّهْر من الخطوب يتَنَاوَل كؤوس الْفساد كالمغرم الهائم وَلَا يُبَالِي بعذل عاذل وَلَا لوم لائم لَا يُقَابل خَالص النصح بالإنتصاح وَقد غَدا فِي سَمعه أضيع من مِصْبَاح فِي الصَّباح
(يقْضِي على الْمَرْء فِي أَيَّام دولته حَتَّى يرى حسنا مَا لَيْسَ بالْحسنِ)
إِلَى أَن أَرَادَت دوحة غُصْن السلطنة الْأَزْهَر ومعدن الْخلَافَة الَّذِي حلى جيد الزَّمَان بذلك الْجَوْهَر رَافِعَة أَعْلَام الْخيرَات والناصبة لَهَا على طرق المبرات لَا زَالَت من حوادث الدَّهْر خليه وَمن أكدار الزَّمن صَفيه وضع أساس جَامع وَهُوَ لكل شرف وَأجر جَامع المؤسس الْبُنيان على تقوى من الله ورضوان فَاجْتمع هَالك أَعْيَان الدولة وَكثير من النَّاس ليؤخذ برأيهم الْكَشَّاف للمشكل فِي الأساس فوصل المترجم إِلَى ذَلِك الْمجْلس وَهُوَ فِي فلك الْعِزّ قمر لَا يخْشَى السرَار ويأبى لنَفسِهِ غير الأبدار وَنزل عَن جَوَاده ودوران الْفلك على قدر مُرَاده فبادر عُظَمَاء الدولة إِلَى استقباله وأدوا فَرَائض توقيره وإجلاله فَسلم عَلَيْهِم يَمِينا وَشمَالًا وَاسْتقر فِي الصَّدْر وعزه يهزأ بالبدر كمالا وَهُوَ يترنح من نشوة قهوة الْمجد سكرا وَينظر إِلَى كبراء الدولة شزرا فشرع فِي قطع الْأُمُور وَوَصلهَا وَأخذ فِي عقدهَا وحلها وهم لأَمره سامعون وبلسان الْحَال قَائِلُونَ
[ ٢ / ٧٠ ]
(مرنا بِأَمْر فَإنَّا لَا نخالفه وحدّ حدّا فَإنَّا عِنْده نقف)
فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ أقبل بعض خدمَة السلطنة لأخذ ختم الوزارة مِنْهُ وحبسه وَجعله غَرضا لسهام الدَّهْر هُوَ الْجَانِي على نَفسه وَمَعَهُ كتاب سلطاني بمحو حُرُوف الْمَظَالِم وَنسخ وجود كل ظَالِم مَا زبر حرف ولمح طرف وَلما دنا من الْمجْلس الَّذِي هُوَ فِيهِ والنادي الَّذِي يحويه قبل الْكتاب وَبَالغ فِي إجلاله وناوله إِيَّاه وَقد أُوتِيَ كِتَابه بِشمَالِهِ فبادر إِلَى فض خَتمه بعد تقبيله ولثمه فَإِذا هُوَ سطر عنبري كَأَنَّهُ من رماح الْخط فَكَلمهُ روحه قبل جِسْمه وَأبْدى السخط
(جراحات السنان لَهَا التيام وَلَا يلتام مَا جرح اللِّسَان)
فأثر تَأْثِير الرماح فِي اتلاف الْأَرْوَاح فأجال فِيهِ النّظر فكاد وَجهه يسفر عَن دم ويصبغ أديمه بعض الْبيَاض بصبغ عندم فَنَهَضَ من مَجْلِسه دهشًا وَمَشى خطوَات مرتعشًا فالتف من الْخَوْف سَاقه بساقه وَكَيف وَيَد الحنف أخذت بأطواقه فَأخذ من ذَلِك الْمقَام وأودع فِي السجْن بعض أَيَّام والدهر يسدد إِلَيْهِ سِهَام الْحمام إِلَى أَن برز الْأَمر بسلب سلب حَيَاته والباس لِبَاس مماته فسارعوا إِلَى السجْن حسب وُرُود الْأَمر فِي أمره وهبوا إِلَيْهِ كَالرِّيحِ لاطفاء سراج عمره وَقد صادفوه فِي ليل نابغي بهيم ووجدوه فِي ليل السَّلِيم غير سليم وَهُوَ مُفْرد قد جمع من الهموم أَنْوَاعهَا وأجناسها وتوحش من الْوحدَة وَهُوَ يذكر من أَيَّام السعد إيناسها لَا يرى أحد على بَابه وَلَا يظْهر حَاجِب من حجابه قد خلا مقَامه عَن خربه وأقفر مَجْلِسه عَن صَحبه مُنْفَردا عَن خدمَة وقارعًا سنّ ندمه وخائفًا من زلَّة قدمه وموقنًا بإراقة دَمه وَهُوَ يتحزن فِي بَيت الوحشة وَحده ويتذكر فِي حمى الْإِنْسَان عَهده وَقَلبه من الْحَسْرَة على نيران الغضى ولسان حَاله ينشد متأسفًا على مَا مضى
(قل لجيران الغضى آها على طيب عَيْش بالغضى لَو كَانَ داما)
فأوتر لَهُ من الْحمام حنيه وَاتخذ غَرضا لسهام المنيه
(شهى إِلَى النَّاس النَّجَاء من الردى وَلَا جيد إِلَّا وَهُوَ فِي فتر خانق)
ومدت حبال الْمَوْت فالتوت على جيده التواء الأراقم وأحاطت بِهِ إحاطة السوار بالمعاصم فغربت شمس حَيَاته واستراح الْملك من كِتَابه سيئاته
(وَإِنَّمَا الْمَرْء حَدِيث بعده فَكُن حَدِيثا حسنا لمن وعى)
فَدفن فِي جَانب مدرسته المبنية فِي دَار السلطنة الْعلية وَسبب بنائِهِ لَهَا أَن لَهُ معلما
[ ٢ / ٧١ ]
أَرَادَ أَن يكون فِي سلك المدرسين منتظما لاندراجه فِي خدمته فَمَا تيَسّر لَهُ ذَلِك لعدم أَهْلِيَّته فَلَمَّا عجز عَن هَذِه الْقَضِيَّة أَخَذته الحمية الْجَاهِلِيَّة فَبنى لَهُ تِلْكَ الْمدرسَة ليَكُون مدرسا بهَا لدروس الدُّرُوس وإمضاء للغيرة المقررة فِي النُّفُوس وفيهَا سِقَايَة للسبيل يرْوى بِمَائِهَا الغليل انْتهى قلت وَكَانَ مَقْتَله فِي سنة سِتّ بعد الْألف
حسن باشا الشهير بميشجي هُوَ كَالَّذي قبله كَانَ أحد الوزراء فِي عهد السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد وَكَانَ فِي مبدئه من جمَاعَة السُّلْطَان فِي الدَّاخِل ثمَّ خرج ضابطا للجند الْجَدِيد وعزل ثمَّ أُعِيد ثمَّ أعْطى حُكُومَة شرْوَان ثمَّ عزل وَصَارَ وزيرا رَابِعا وَأعْطى التفتيش على السِّكَّة الجديدة وَالْأَمْوَال فِي شهر ربيع الأول سنة تسع بعد الْألف فَشَكَرت خدمته فَصَارَ قَائِم مقَام الْوَزير فِي شعْبَان من هَذِه السّنة ثمَّ أعْطى ختم الوزارة الْعُظْمَى فِي سادس عشرى محرم سنة عشرَة وَألف وَكَانَ جبارا خَبِيث الطَّبْع عنيدا وَقد تَرْجمهُ المنشي الْمَذْكُور آنِفا فأفرط فِي سبه حَيْثُ قَالَ فِي وَصفه قذاة عين الدّين وكمد قُلُوب الْمُوَحِّدين ضعف تركيب الْإِسْلَام وَقُوَّة عَبدة الْأَصْنَام من نبذ كتاب الله وَرَاء ظَهره وَلم يطع مَا أوجبه من نَهْيه وَأمره غَدا الفسادية مشدود الأزر ولعمري إِن وزارته مَأْخُوذَة من الْوزر كَانَ أسدا فِي السّلم وَفِي الْحَرْب نعاما وَلم يزل يتبع الْمعاصِي كالندامى لم يُمَيّز بَين الصُّوف والخز وَلم يفرق بَين العباءة والجز
(وَمَا انْتِفَاع أخي الدُّنْيَا بناظره إِذا اسْتَوَت عِنْده الْأَنْوَار وَالظُّلم)
إِلَيْهِ بِالْجَهْلِ يومي مثل حمَار الطَّبِيب توما لَكِن جَهله مركب لَو أنصفوه لَكَانَ مركب
(لَو كَانَ خفَّة عقله فِي رجله سبق الغزال بهَا وصاد الأرنبا)
غَدَتْ لَهُ عروس الوزارة الْعُظْمَى متدانيه وقطفت ثمار وَصلهَا يَده الجانية جازي من كَانَ السَّبَب فِي إفَاضَة تِلْكَ النِّعْمَة عَلَيْهِ بالكفران وَجعله غَرضا للنوائب وخانه فِي مُعَامَلَته وَالله لَا يحب كل خوان اسْتَعَانَ بنعمته على كفران نعْمَته وَجعل تِلْكَ السَّيئَة عنوان صحيفَة سيئته سل عَلَيْهِ سَيْفا يَده صقلته وَشرع عَلَيْهِ رمحا كَفه قومته عَامله بِمَا جبلت عَلَيْهِ سفالة سجيته وَلَا تَثْرِيب عَلَيْهِ إِذْ كل يعْمل على شاكلته لم يتَفَرَّع على مَا رتبه من مُقَدمَات الْغدر إِلَّا نتيجة قَتله كَيفَ لَا وَلَا يَحِيق الْمَكْر السَّيئ إِلَّا بأَهْله لم يؤد الْأَمَانَة إِلَى أَهلهَا وَلم يزف الْعَرُوس إِلَى بَعْلهَا وَلم يدْفع الصَّحِيفَة إِلَى
[ ٢ / ٧٢ ]
قاريها وَلم يُعْط الْقوس باريها
(وَوضع الندى فِي مَوضِع السَّيْف بالفتى مُضر كوضع السَّيْف فِي مَوضِع الندى)
فاستبد برياسة الأجناد فأحدقت بِهِ من سَائِر أطرافها الْآفَات والأنكاد اعتزلت عروس الْفَتْح فِي عَهده بِوَجْه عَابس وَلَا بدع فَإِنَّهُ كَانَ أشأم من طويس وداحس وَلم يطَأ جِسْرًا بشؤم أقدامه إِلَّا وَقد انْكَسَرَ كَمَا انْكَسَرَ ظهر الدّين فِي أَيَّامه قد استولى الْكفْر على بعض الْحُصُون الإسلامية من سخافة رَأْيه فاتخذت مساجدها كنائسا وأقيمت بهَا نواميس النواقيس فَأصْبح بِهَذَا السَّبَب ربع الْجِهَاد دارسا والعدا فِي أَيَّامه آمِنَة الثغور وباسمة الثغور وَلما عَاد غير مَحْمُود انْقَطع جلب الزَّاد واتصل الغلا وبعدت الرَّاحَة من الْعَسْكَر بِقرب الْأَعْدَاء والغزاة لم يستطيعوا مناما وَلم يَذُوقُوا طَعَاما وَكم واحدد من تِلْكَ الْجَمَاعَة قضى نحبه من المجاعة فَلَمَّا وصل إِلَى دَار السلطنة الْعلية رَاضِيا من الْغَنِيمَة بالأياب وَقد هلك من الْجند أَكثر من الْحَصَى وَالتُّرَاب فَعرف بزلة قدمه وأيقن بإراقة دَمه فَاسْتَجَارَ ببذل الْأَمْوَال من عصبَة بعصبة آملا مِنْهُم أَن يقيلوا عثاره وذنبه فتعصب لَهُ ذَلِك الحزب ليخلصه من شباك الْحِين فنكصوا على أَعْقَابهم وإنخذلت إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَظَهَرت الْعَدَاوَة والبغضاء وَلم يلتئم إِلَى الْآن شَمل الفئتين فاستقر فِي دست الوزارة وَأصْبح ساحبًا ذيل الصدارة فَأخذ فِي إبعاد من تقرب إِلَى حَضْرَة السلطنة من الوزراء والحواشي من كل من هُوَ الدخيل فِي ذَلِك الْفَنّ والناشي زعما من سخيف عقله على أَن يسْتَقلّ بالوزارة على حكم الإنحصار وَلم يعلم بِأَن الْأَيَّام قد نهضت على قَوَائِم الهمة لأخذ الثأر حَتَّى قد سَوَّلت لَهُ نَفسه التَّفْرِيق بَين غُصْن الدولة ودوحته وَأصْبح هَذَا الْأَمر فِي صَدره أحل أمْنِيته فَعلم مَا أَرَادَ وَمَا شرع فِيهِ من الْمَكْر وَالْفساد فبادره الْعَزْل فاستمر عدَّة أَيَّام خَارج السُّور كالمحبوس وَقد نفضت النَّاس بِهَذَا السَّبَب غُبَار النكد والبؤس إِلَى أَن برز الْأَمر فِيهِ بتطهير الْعَالم من ذَلِك الْخبث الَّذِي هُوَ لنقض وضوء الْإِسْلَام حدث فغدا جيده فِي فتر خانق فاستراح مِمَّا ألم بِهِ من الْقلب الخافق فاتفقت مواراة سوأته بِقرب من قبله حسن باشا باسكدار وَمَا أبْغض الْجَار إِلَى الْجَار انْتهى قلت وَكَانَ قَتله فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف وَالله أعلم
حسن باشا الْوَزير صَاحب الْيمن كَانَ من أَعْيَان الوزراء أرْسلهُ السُّلْطَان مُرَاد
[ ٢ / ٧٣ ]
ابْن سليم إِلَى الْيمن فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة فَدخل إِلَى صنعا عَاشر الْمحرم سنة تسع وَثَمَانِينَ وَكَانَ ذَلِك الْوَقْت جبال الْيمن وحصونها فِي أَيدي الْحُكَّام من الْأَشْرَاف الْآتِي ذكرهم كَانَ حصن ثلا وحصن مُدع وحصن نسور وبلادهم تَحت حكم السَّيِّد عَليّ بن يحيى بن المطهر ابْن الإِمَام شرف الدّين وَكَانَ حصن ذِي مرمر وبلاده وبلاد الشرق تَحت حكم السَّيِّد لطف الله بن المطهر وَكَانَ حصن غفار وبلاده فِي حكم السَّيِّد غوث الدّين بن المطهر وحصن مُبين وبلاد حجَّة فِي يَد السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن المطهر وحصن ظفار وبلاد الطَّاهِر فِي يَد السَّيِّد مُحَمَّد بن النَّاصِر الْجونِي وصعدة وبلادها فِي يَد الإِمَام الْحسن بن عَليّ المؤيدي الْقَائِم فِي زمن مُرَاد باشا وحصن كحلان وبلاده فِي يَد السَّيِّد حسن بن شرف الدّين وَكَانَ الْوَزير الْمَذْكُور كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(إِن المكارم وَالْمَعْرُوف أَوديَة أحله الله مِنْهَا حَيْثُ تَجْتَمِع)
وَكَانَ عادلا وقورا عَارِفًا خيرا راجحا مشكورا مها بايحت الْأَشْرَاف وينصفهم وَمن أعجب الْأُمُور أَنه كَانَ بعض أَعدَاء آل المطهر حسن لَهُ التقبيح إِلَيْهِم فَقَالَ لَا أغير شَيْئا لآل الرَّسُول وَلَا أرميهم بالنَّار رِعَايَة لجدهم
وَفِي دُخُوله إِلَى صنعا فكر ودبر فِي أَحْوَال الْيمن وشاور الْعُقَلَاء وجالس ذَوي الفطن ثمَّ نَهَضَ لِحَرْب مُلُوك الْيمن وَنحن نذْكر من فتوحاته نبذة على جِهَة الِاخْتِصَار فعين على العساكر كتخداه الْأَمِير سِنَان وَفتح حصن ظفار فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقبض على حاكمه السَّيِّد مُحَمَّد بن النَّاصِر الْجونِي وَفتح حصن عمرَان فِي سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وحصن مُدع فِي صفر وحصن ذِي مرمر فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَخرج إِلَى يَده حَاكم الْحصن السَّيِّد لطف الله بن المطهر وَفتح صعدة وبلادها فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَقتل حاكمها السَّيِّد أَحْمد بن الْحُسَيْن المؤيدي وَسلم الْفَقِيه عبد الله بن الْمعَافى حصن السودة طَاعَة للسُّلْطَان فكافئوه بالصنجق السلطاني وقررت بِلَاد السودة تَحت يَده وَهِي الْآن تَحت يَد أَوْلَاده فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَفتح حصن ثلا فِي جُمَادَى الْآخِرَة نة ثَلَاث وَتِسْعين وَخرج إِلَى يَده السَّيِّد عَليّ بن يحيى بن المطهر وَقبض على الإِمَام الْحسن بن عَليّ المؤيدي وَفتح بِلَاده فِي شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة من الصأب بجبل أهنوم من جبال الأهنوم وَفتح حصن غفار فِي شهر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة وَخرج إِلَى يَده حاكمه السَّيِّد غوث الدّين بن المطهر وَفتح بِلَاد الصاب فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَقبض الْوَزير
[ ٢ / ٧٤ ]
حسن على أَوْلَاد المطهر الْمَذْكُورين لأَنهم بعد طاعتهم لَهُ لم يسكتوا عَن إثارة الْفِتَن وَأرْسل لَهُم إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَتِسْعين وهم الإِمَام الْحسن بن عَليّ المؤيدي وَعلي يحيى ولطف الله وغوث الدّين وَحفظ الله وَمُحَمّد ابْن الْهَادِي الْجَمِيع آل المطهر وَعين الْوَزير حسن باشا لفتح بِلَاد يافع كتخداه الْأَمِير ستان سردارا على العساكر فَتقدم على بِلَاد يافع فِي الْعشْر الْأَوْسَط من ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فَلم يزل الْأَمِير سِنَان يغاديهم ويراوحهم بِالْحَرْبِ فَكَانَ بَينه وَبينهمْ ثَلَاثمِائَة وقْعَة سجالا تَارَة لَهُم وَتارَة عَلَيْهِم فَأعْطَاهُ الله النَّصْر عَلَيْهِم وَفتح بِلَاد يافع فِي سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَفتح أحور حصن الْغُرَاب وَرجع سالما غانمًا فِي شعْبَان سنة تسع ة تسعين وَقد فتح الْيمن بأسرها وَلما استولى حسن باشا عَلَيْهَا وسكنت عَنهُ الْفِتَن وساعدته الأقدار ودانت لَهُ الأقطار ونامت عَنهُ عُيُون الْحَوَادِث استكثر العساكر فشرع فِي تقليلهم فَظهر فِي بِلَاد الشرق الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ وَادّعى الْإِمَامَة فِي سَابِع عشرَة الْمحرم سنة سِتّ بعد الْألف فأطبق اكثر أهل جبال الْيمن على طَاعَته وسارعوا إِلَى إجَابَته وصاروا من جملَة جماعته فاشتعلت نَار الْفِتَن وَضَاقَتْ أَحْوَال الْوَزير من تردد أَصْحَاب الإِمَام إِلَى صنعا وَقَامَ عَلَيْهِ الْأَعْلَى والأدنى وحاربه من كَانَ لَدَيْهِ فِي الْمحل الْأَسْنَى وَلم يبْق مُسْتَقِيمًا على الطَّاعَة إِلَّا الْأَمِير شمس الدّين أَحْمد بيك ابْن مُحَمَّد بيك ابْن شمس الدّين بن الْأَمَام شرف الدّين الْحَاكِم بمحروسة كوكبان فَإِنَّهُ لزم مَا الْتَزمهُ وَالِده للأمير مُحَمَّد من الطَّاعَة للسلطنة حَسْبَمَا تقرر بَينه وَبَين الْوَزير الْأَعْظَم سِنَان باشا فبذل النَّفس والنفيس فِي إشادة نصرها حَتَّى نَالَ بذلك مَا نَالَ وفاز فوزا عَظِيما وَقَفاهُ على فعله ولداه الْأَمِير أَحْمد والأمير إِسْمَاعِيل وتلاهما الْأَمِير جمال الدّين عَليّ بن شمس الدّين وولداه الْأَمِير وجيه الدّين وَعبد الرب فشيدا من الخدم السُّلْطَانِيَّة مَا فاقا بِهِ غَيرهمَا فَنَهَضَ حسن باشا وَجمع أهل النجدة من الرِّجَال وبذل الْأَمْوَال وَعين كتخداه الامير سِنَان سردار على العساكر وأمده بِالرِّجَالِ وَالْأَمْوَال وَطلب حَاكم الْحَبَشَة عَليّ باشا الجزائري فوصل وَكَانَ لوصوله تَأْثِير فِي تسكين الْفِتَن من بِلَاد الْيمن الْأَسْفَل ثمَّ توجه إِلَى بِلَاد يُنَوّه فاستشهد بهَا فِي ثَلَاث سنة ثَمَان وَألف وانضافت خزائنه بالعساكر إِلَى جَانب الْوَزير حسن باشا وَتوجه السردار الْأَمِير سِنَان إِلَى جِهَة كوكبان فَاجْتمع هُوَ والأمير أَحْمد بن شمس الدّين بن شرف الدّين فافتتحا بِلَاد كوكبان
[ ٢ / ٧٥ ]
جَمِيعهَا بعد اسْتِيلَاء أَصْحَاب الإِمَام عَلَيْهَا ثمَّ توجه السردار على سَائِر الْبِلَاد فَفتح بِلَاد ثلا وحصنها وبلاد عمرَان وحصن مُدع وحصن غفار وحصن بِلَاد الطَّاهِر وبلاد حُضُور وبلاد الحمية وبلاد سحان وبلاد مغرب أنس وذمار وبلاد تريم وبلاد جبل اللوز وبلاد خولان ثمَّ عطف على بِلَاد الطَّاهِر فاستقر بِخَمْر والصرارة وهما بلدان يتوسطان بِلَاد الزيدية فوصل إِلَيْهِ الْأَمِير عبد الرَّحِيم بن عبد الرَّحْمَن ابْن المطهر وَكَانَ مواليا للسلطنة فحصره الإِمَام الْقَاسِم فِي حصن مُبين بِبِلَاد حجَّة فاستولى الإِمَام على بِلَاده فَخرج من حصن مُبين إِلَى عِنْد الإِمَام بالأمان فَأخذ عَلَيْهِ الْعَهْد مِنْهُ واليه وأرسله لِحَرْب السلطنة فَكَانَ طَرِيقه من عِنْد الإِمَام إِلَى عِنْد السردار فَاسْتَفْتَحَ بِلَاد حجَّة وألزمه السردار باستفتاح بِلَاد الشرق فاستفتحها فَلَمَّا شَاهد الْوَزير حسن باشا علو همته ومناصحته لجَانب السلطنة انْعمْ عَلَيْهِ بِبِلَاد الشرق وَقَررهُ على بِلَاد حجَّة وَكَانَت لَهُ إنعامات من السلطنة كَثِيرَة فَلم يرع حُقُوقهَا فِي آخر مدَّته بل طَغى وَسَنذكر مَا آل أمره إِلَيْهِ فِيمَا بعد وَاسْتولى الإِمَام على بِلَاد صعدة فَقَامَ على سَاق الْحَرْب الْأَمِير مصطفي وانتقل بالوفاة قُم قَامَ مقَامه الْأَمِير مُحَمَّد الْكرْدِي فاتفق الصُّلْح بَينه وَبَين الْأَمِير مُحَمَّد المؤيدي فَحصل الْفَتْح وأنعم عَلَيْهِم بالصنجق السلطاني ونال من السلطنة مَا رغم بِهِ أنف أعدائه وَكَانَ ذَلِك فِي صفر سنة سبع وَألف وضعفت شَوْكَة الْقَاسِم وَلم يبْق فِي يَده إِلَّا حصن شهارة فِي بِلَاد الأهنوم فتحصن بِهِ فعين الْأَمِير سِنَان عَلَيْهِ فأحدق بِهِ فَخرج وهرب من الْحصن متنكرا وَلم يشْعر بِهِ أحد وَبَقِي وَلَده السَّيِّد مُحَمَّد متحصنا مَكَانَهُ فَضَاقَ حَاله فَخرج بالأمان وَإِن يكون مقره عِنْد صَاحب كوكبان فَأعْطَاهُ الْأمان على ذَلِك وَكَانَ ذَلِك فِي سنة سِتّ عشرَة وَألف وَلما طَالَتْ مُدَّة صَاحب التَّرْجَمَة بِالْيمن عزل عَنهُ وَخرج على وَجه مستحسن فَتوجه إِلَى الرّوم فِي الْيَوْم الْحَادِي وَالْعِشْرين من صفر سنة ثَلَاث عشرَة وَألف وَولى بعده كتخداه سِنَان باشا ثمَّ توفّي صَاحب التَّرْجَمَة بقسطنطينية سادس عشر رَجَب سنة سِتّ عشرَة وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حسن المجذوب المعتقد الْمَعْرُوف بالغريق نزيل دمشق أَصله من قَرْيَة من ضواحي نابلس قيل أَن اسْمهَا زيتا قدم إِلَى دمشق وجاور بالجامع الْأمَوِي عِنْد رواق اليمانية وَكَانَ يكثر الْكَلَام فِي الْجَامِع بالصوت العالي ثمَّ خرج من الْجَامِع وَسكن فِي جَامع يلبغا وَاتفقَ أَن رجلا مُؤذنًا قتل هرة فِي الْجَامِع الْمَذْكُور ثمَّ نَام فَقَامَ
[ ٢ / ٧٦ ]
إِلَيْهِ السَّيِّد حسن وَألقى على رَأسه صَخْرَة عَظِيمَة فَقتله وَعرض على حسن باشا بن مُحَمَّد باشا الْمُقدم ذكره وَكَانَ نَائِب الشَّام حِينَئِذٍ فَسَأَلَهُ لم قتلت هَذَا فَقَالَ لِأَنَّهُ قتل قطى فَأَطْلقهُ لجذبه ثمَّ انْتقل بعد هَذِه الْحَادِثَة إِلَى بُسْتَان بِأَرْض أرزة من الْمزَارِع فقطن بِهِ نَحْو خمس سِنِين لَا يُفَارق الْبُسْتَان فِي الْفُصُول الْأَرْبَعَة وَكَانَ الثَّلج ينزل عَلَيْهِ يطمه وَهُوَ جَالس لَا يبرح وَقيل أَنه كَانَ لَا يُصِيبهُ الثَّلج إِذا وَقع وَلَا يُصِيب الْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ وَكَانَ لَا يتَضَرَّر من حر وَلَا برد صيفا وشتاء وَكَانَت النَّاس تقصده بالزيارة هُنَاكَ ويأتون إِلَيْهِ بِالطَّعَامِ وَالشرَاب وَرُبمَا يرَوْنَ مِنْهُ مكاشفات غَرِيبَة ثمَّ انْتقل إِلَى سفح قاسيون وَأقَام بمغارة الشياح بَين مغارة الدَّم وكهف جِبْرِيل وانضم إِلَيْهِ الشَّيْخ حُسَيْن الرُّومِي وَكَانَ يتعبد بذلك الْوَادي قبله بسنين فتجاورا وبالمغارة الْمَذْكُورَة وَتردد النَّاس إِلَيْهِمَا كثيرا وَكَانَ حسن مجذوبا كثير الْكَلَام عِنْد زِيَارَة الزائرين فَيَأْخُذ كل أحد من كَلَامه حِصَّة لنَفسِهِ تناسب مقْصده فاشتهر بالمكاشفة وَوَقع عَلَيْهِ أهل دمشق خُصُوصا النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ كن يترددن إِلَيْهِ كثيرا وَكَانَ يجْتَمع عِنْده مِنْهُنَّ فِي الْوَقْت الْوَاحِد مَا يزِيد عَن مائَة امْرَأَة وَكَانَ حُسَيْن عَليّ الرُّومِي عَاقِلا يعرف الْكَلَام وَكَانَ من الْعجب فِي كَونه قيد السَّيِّد حسن الْمَذْكُور فِي ذَلِك الْمَكَان وَكَانَ يطعمهُ ويسقيه ثمَّ إِن حُسَيْنًا تزوج بِامْرَأَة من نسَاء الصالحية وَنزلا من المغارة إِلَى بَيت الْمَرْأَة فِي الْجَبَل وَكَانَ النَّاس يقصدونه أَيْضا فِي بَيت الْمَرْأَة ويزورونه ويهدون إِلَيْهِ الْهَدَايَا الجليلة وَلم يزل هُوَ وحسين مقيمين على هَذَا الْحَال إِلَى أَن وَقع سيل عَظِيم فِي دمشق هلك فِيهِ أَكثر من مائَة نفس وَكَانَ مِنْهُم السَّيِّد حسن ورفيقه حُسَيْن وَكَانَ ذَلِك يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر صفر سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَكَانَ ثامن أيار فَجَاءَت قبيل الْعَصْر سَحَابَة فِيهَا ريَاح عواصف ورعود شَدِيدَة وبروق متواترة ثمَّ تراكم غمامها وَجَاء برد شَدِيد كَبِير بِقدر البندق فِي ثَلَاث نوب أَو أَربع وَوَقع غالبه على الصالحية والجبل ومعظمه كَانَ بالجانب الغربي مِنْهَا وَكثير مِنْهُ على مَدِينَة دمشق حَتَّى امْتَلَأت مِنْهُ الأقنية والطرقات ثمَّ سَالَتْ أَوديَة الصالحية خُصُوصا الْوَادي الَّذِي فِيهِ مغارة الشياح فَأخذ السَّيْل دورا وقبورا وَفتح فِي تِلْكَ الأَرْض مَعَ صلابتها خنادق عَظِيمَة عميقة وأطلع صخورا عَظِيمَة واستخرج السَّيِّد حسن صَبِيحَة يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع عشر صفر من هَذِه السّنة وَحضر جنَازَته الجم الْغَفِير من الرِّجَال وَالنِّسَاء ثمَّ فِي آخر ذَلِك الْيَوْم نبش الدرويش حُسَيْن وَأخرج وَدفن من الْغدر رحمهمَا الله تَعَالَى
[ ٢ / ٧٧ ]
الشَّيْخ حسن الدَّيْر عطاني من دير عَطِيَّة قَرْيَة من قرى دمشق تَابع نَاحيَة جُبَّة عَسَّال بِالْقربِ من النبك المجذوب ورد إِلَى دمشق وجاور بالجامع الْأمَوِي وَكَانَ لَا يخرج مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا وَكَانَ يُنكر على السوقة بيعهم المآكل الطّيبَة وَيَقُول أَنهم يكدرون على الْفُقَرَاء عيشهم ويؤذونهم وَكَانَ لَا يقتات إِلَّا بالْخبر الخشن ويتأدم بالخل وَالزَّيْتُون أَو نَحْوهمَا وَكَانَ لَا يقبل من أحد شَيْئا إِلَّا من بعض جمَاعَة مخصوصين وَيظْهر لامتناعه فِي الْغَالِب حِكْمَة من كَون مَا يدْفع إِلَيْهِ فِيهِ شُبْهَة أَو عدم إخلاص وَكَانَ لَهُ مكاشفات ظَاهِرَة وَلَيْسَ عَلَيْهِ سوى قَمِيص أَزْرَق يلْبسهُ صيفا وشتاء وينام فِي الْجَامِع وَهُوَ نظيف الثَّوْب وَالْبدن وَإِذا كَانَ رَمَضَان ذهب إِلَى أَهله فصَام هُنَاكَ وَترك الْجَامِع لِاجْتِمَاع النَّاس فِيهِ وَكَثْرَة لغطهم وَذكر عَنهُ الإِمَام الْحجَّة الشهَاب أَحْمد بن أبي الوفا المفلحي الْمُقدم ذكره أَنه سَمعه قبل حَادِثَة ابْن جانبولاذ وَهُوَ يَقُول أظلم ظلمُوا أظلم ظلمُوا قَالَ فَقلت لَهُ عَمَّن تَقول قَالَ عَن هَؤُلَاءِ الظلمَة يُشِير إِلَى جند الشَّام سَوف ترى كَيفَ يُسَلط عَلَيْهِم عَليّ بن جانبولاذ فَلَمَّا تلاقوا مَعَه لم يصبروا حَتَّى انكسروا وهربوا مِنْهُ وتشتتوا فِي الْبِلَاد وَله غير ذَلِك من الْأَحْوَال الباهرة وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْأَحَد تَاسِع شعْبَان سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف تشكي يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ من غير انْقِطَاع وَلَا اضطجاع وَلما كَانَ الْيَوْم الْمَذْكُور أَرَادَ الْخُرُوج من الْجَامِع وَقت الضُّحَى والواعظ يعظ فَسقط قبل أَن يصل إِلَى بَاب العنبرانيين مَيتا وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
الْعِمَادِيّ الشَّيْخ حسن الْكرْدِي الْعِمَادِيّ الشَّافِعِي نزيل دمشق أحد الْمُحَقِّقين فِي الْعلم الْمَشْهُود لَهُم بالتبحر فِي العقليات قدم دمشق فِي حُدُود سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَتزَوج بهَا وتملك دَارا بِالْقربِ من الْمدرسَة الظَّاهِرِيَّة ودرس بِدِمَشْق فَانْتَفع بِهِ غَالب طلبة عصره من أَبنَاء دمشق وَكَانَ سريع الْكِتَابَة صَحِيح الضَّبْط كتب بِخَطِّهِ الْكثير من الْكتب من جملَة ذَلِك حَاشِيَة شَيْخي زَاده وقف جَمِيع كتبه على طلبة الْعلم بِدِمَشْق قلت وَهَذِه الْكتب مَوْضُوعَة عِنْد بني السعسعاني هِيَ وَكتب الدفتري وَهِي محتوية على نفائس الْكتب وَأعْطى المنلا حسن آخرا تدريس دَار الحَدِيث الأحمدية فدرس بهَا مُدَّة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من أَفْرَاد وقته علما وكمالا وَكَانَت وَفَاته سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
الْخَارِجِي حسن باشا الناجم على الدولة فِي عهد السُّلْطَان مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم كَانَ فِي ابْتِدَاء
[ ٢ / ٧٨ ]
أمره حَاكم التركمان ثمَّ ولى كَفَالَة حلب وَخرج بهَا عَن الطَّاعَة وفتك فِي تِلْكَ النواحي وانضم إِلَيْهِ بعض أُمَرَاء ورعاع من طَائِفَة السبكان وقويت شوكته وَلما تعين نَائِب الشَّام أَحْمد باشا ابْن الطيار إِلَى سفر السُّلْطَان فِي أواسط شعْبَان سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف خرج من الشَّام وَمَعَهُ خَمْسمِائَة نفر من جندها فَلَقِيَهُمْ حسن باشا فِي أَطْرَاف أنطاكية وضمهم إِلَيْهِ وَأرْسل إِلَى جَانب السلطنة يَقُول إِنَّه لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِم أَلا أَن يقتلُوا الْوَزير الْأَعْظَم فَلم يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِك وَأَرْسلُوا إِلَيْهِ ليَأْتِي إِلَيْهِم فَلم يفعل وَمَا زَالَ ينهب ويفتك إِلَى أَن وصل إِلَى بروسة ثمَّ عَاد وعسكر الشَّام مَعَه فعين السُّلْطَان لقتاله الْوَزير مرتضى مَعَ عدَّة أُمَرَاء وعساكر فتقابل الجيشان وانكسر مرتضى ونهبت أَمْوَاله ثمَّ خرج عَنهُ عَسْكَر الشَّام بأَمْره وَرَجَعُوا إِلَى دمشق وَبلغ السُّلْطَان مَا فعل فازداد غَضَبه عَلَيْهِ وَأرْسل إِلَى الْوَزير مرتضى وَمن مَعَه من العساكر يَقُول لَهُم أَنهم يدْخلُونَ حلب وأضاف إِلَيْهِم عَسَاكِر أحر وَأمر مرتضى باشا عَلَيْهِم وَكَانَ من جملَة أُولَئِكَ قدري باشا نَائِب الشَّام فَلَمَّا دخلُوا إِلَى حلب جَاءَ حسن باشا إِلَى كلس فَدخل بَين الْفَرِيقَيْنِ بعض أُمَرَاء تِلْكَ النَّاحِيَة بِالصُّلْحِ وَكَانَت حِيلَة من مرتضى باشا على أَن يَأْتِي حسن باشا إِلَى عِنْد مرتضى باشا فَإِذا اجْتمعَا حصلت المصافاة وَاتبع حسن باشا أَمر السُّلْطَان فِي الْمسير مَعَ مرتضى باشا إِلَى طرف السلطنة ورتب مرتضى باشا لحسن باشا ضِيَافَة وكل من أُمَرَاء مرتضى باشا أضَاف وَاحِدًا من جمَاعَة حسن باشا المتعينين بِأَمْر مرتضى باشا حَتَّى صَار كل وَاحِد من أُولَئِكَ عِنْد من عين لَهُ وأوقعوا بهم المكيدة وَقتلُوا حسن باشا وأعيان جماعته وتفرق عسكره ونهبت أَمْوَاله وَكَانَ ذَلِك فِي آخر جُمَادَى الأولى سنة تسع وَسِتِّينَ ألف
حسن الصَّفَدِي العيلبوني الشَّاعِر اللبيب الْفَائِق وَيُقَال فِيهِ أَنه درزي كَانَ حسن المطارحة طيب الْعشْرَة رَحل إِلَى مصر وَأخذ بهَا عَن الشَّمْس البابلي وَالشَّيْخ سُلْطَان والنور والشبراملسي وَغَيرهم وَدخل دمشق وجاور بهَا مُدَّة بالخانقاه السمياسطية وَله شعر كثير مِنْهُ قصيدة نونية هجا بهَا الدروز وَهِي طَوِيلَة تبلغ ثلثمِائة بَيت يذكر فِيهَا مَذْهَبهم الْفَاسِد وضلالاتهم وَله غير ذَلِك وأجود مَا ظَفرت بِهِ من شعره قَوْله
(حكى دُخان سما من فَوق وجنة من قد مص غليونه أذ هزه الطَّرب)
[ ٢ / ٧٩ ]
(غيما على بدرتم قد تقطع من أَيدي النسيم فولى وَهُوَ ينسحب)
(فَقلت وَالنَّار فِي قلبِي لَهَا لَهب لقد حكيت وَلَكِن فاتك الشنب)
ثمَّ ارتحل من دمشق إِلَى عكة وَأقَام بهَا مُدَّة بهَا وَتُوفِّي وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف والعيلبوني بِفَتْح الْعين ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة فلام فموحدة مَضْمُومَة بعْدهَا وَاو ثمَّ نون نِسْبَة إِلَى عيلبون قَرْيَة من أَعمال صفد والدرزي سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تَرْجَمَة فَخر الدّين بن معن فِي حرف الْفَاء إِن شَاءَ الله
الشَّيْخ حُسَيْن بن أبي بكر بن سَالم بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف اليمني العناتي الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف كَانَ أحد أجواد زَمَانه وَله أَحْوَال باهرة وكرامات شائعة ولد بِمَدِينَة عينات وَقَرَأَ الْقُرْآن وَصَحب أَبَاهُ وَكَانَت الْولَايَة لائحة عَلَيْهِ من صغره وَظهر برهانها عَلَيْهِ فِي كبره واشتغل بالعلوم الشَّرْعِيَّة والتصوف وَلزِمَ مطالعة كتب الْغَزالِيّ وَصَحب أَعْيَان عصره وَأخذ عَنْهُم وَلما مَاتَ أَبوهُ قَامَ مقَامه وشاع أمره وَصَارَت إِلَيْهِ الرحلة فِي وقته وَكَانَت لَهُ حفدة كَثِيرُونَ وَكَانَت العربان تفد اليه من أقطار الأَرْض وترفع أمورها إِلَيْهِ وَكَانَ محسنا إِلَى الْفُقَرَاء وَيكرهُ لَهُم التفعل فِي طلب المقامات وَيَأْمُرهُمْ بإخلاص الْعَمَل وَيَقُول لَا تَتَّخِذُوا الْأَعْمَال وَسَائِل لمقاصد النُّفُوس تُحشرُوا مَعَ الخاسرين وَكَانَ يكره الْجَبَابِرَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم الأشزرا وَإِذا جاءهوا أحدهم مَشى الهوينا وَلما كتب إِمَام الزيدية إِلَى أهل الْبِلَاد والخضرمية يستدعيهم إِلَى الدُّخُول فِي طَاعَته فَلم يرد لَهُم جَوَابا وَقَالَ حقيق لمن لم يدع إِلَى مَا يُرْجَى فِيهِ الثَّوَاب أَن يَنْقَلِب صَاحبه بِغَيْر جَوَاب وَكَانَ شَدِيد الْإِنْكَار على من يشرب التبغ واعتنى بإزالته من تِلْكَ الديار فتم لَهُ وَنُودِيَ فِي الْأَسْوَاق وصنف لَهُ الشَّيْخ مُحَمَّد عَليّ بن عَلان الْمَكِّيّ فِي حرمته مصنفين وَتَبعهُ بعض الْحَنَفِيَّة فِي تَحْرِيمه وَالَّذِي أفتى بِهِ الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي وَالشَّيْخ عبد الله بن سعيد باقشير من شافعية الْحجاز وَعدم الْحُرْمَة إِلَّا لمن حصل لَهُ بِهِ ضَرَر قلت وَظُهُور التنباك الْمُسَمّى بالتبغ وبالتتن بِجِهَة الغرب والحجاز واليمن وحضرموت كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف كَمَا وجدته بِخَط بعض المكيين وتاريخه بغى وَأما ظُهُوره فِي بِلَادنَا الشامية فَلَا أتيقنه لكنه قريب من هَذَا التَّارِيخ انْتهى وَلما حصل على السُّلْطَان عبد الله بن عمر الكثيري مَا حصل خَافَ من الْقَبْض والأسرة التجأ إِلَيْهِ فَنَجَّاهُ مِمَّا حل بِهِ وَلم يَقع فِي الْبِلَاد اختلال ومحصل القَوْل أَنه كَانَ من صلحاء وقته
[ ٢ / ٨٠ ]
وَكَانَت وَفَاته سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة عينات بِالْقربِ من وَالِده رَحمَه الله تَعَالَى
الأديب حُسَيْن بن أَحْمد بن حُسَيْن الْمَعْرُوف بِابْن الْجَزرِي الشَّاعِر الْمَشْهُور الْحلَبِي أحد المجيدين جمع فِي شعره بَين الصِّنَاعَة والرقة نَشأ بحلب وَأخذ بهَا الْأَدَب عَن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن المنلا وَالْقَاضِي نصر الدّين مُحَمَّد الحلفا وشغف بتَعَلُّم الشّعْر صَغِيرا وَحفظ قصائد عديدة وفحص عَن مَعَانِيهَا وَأكْثر من مطالعة كتب الْأَدَب واللغة حَتَّى صَار لَهُ رسوخ ثمَّ أَخذ يمدح الْأَعْيَان وَكَانَ إِذا تكلم لَا يَظُنّهُ الْإِنْسَان يعرف شَيْئا وَكَانَ لَهُ خطّ نسخي فِي غَايَة الْحسن إِلَّا أَنه كَانَ سيء الْأَخْلَاق وَلما تنبل اقتعد غارب الأغتراب فَرَحل إِلَى الشَّام وَالْعراق وَدخل الرّوم فِي سنة أَربع عشرَة وَألف وَقَرَأَ فِيهَا على مُحَمَّد بن قَاسم القاسمي الْحلَبِي حِصَّة من هِدَايَة الْفِقْه وَفِي ذَلِك بقول فِي قصيدته البائية يمدح بهَا القاسمي الْمَذْكُور وَهِي
(لقد آن أعراضي عَن الغي جانبا وَأَن أتصدّى للهداية طَالبا)
وَهِي مَذْكُورَة فِي ديوانه فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكرهَا عَاد إِلَى حلب وَاسْتقر بهَا وَكَانَ أَحْيَانًا يتَرَدَّد لبنى سَيْفا أُمَرَاء طرابلس وَله فيهم المدائح الْكَثِيرَة جمع لَهُ ديوانا وَهُوَ مَوْجُود بإيدي النَّاس وَكَانَ مغرما بِشعر أبي الْعلَا المعري كثيرا الْأَخْذ مِنْهُ وَأخْبر أَنه رَآهُ فِي مَنَامه وَكَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ اللُّزُوم وَفهم من تَقْرِيره فِي تِلْكَ الرُّؤْيَا الْخَيْر كل الْخَيْر فِيمَا أكرهت النَّفس الطبيعية عَلَيْهِ وَالشَّر كل الشَّرّ فِيمَا أكرهتك النَّفس الطبيعية عَلَيْهِ وَكتب على ديوانه اللُّزُوم قَوْله
(إِن كنت متخذا لجرحك مرهما فكتاب رب الْعَالمين المرهم)
(أوكنت مصطحبا حبيبا سالكا سبل الْهدى فلزوم مَا لم يلْزم)
وَمن شعره فِي الْغَزل قَوْله
(مَا عِشْت من ألم الْفِرَاق لَو لم أطل أمل التلاقي)
(فأظل كالملسوع من أَفْعَى النَّوَى ورجاي راقي)
(يَا ثَالِث القمرين إِلَّا فِي الْكُسُوف وَفِي المحاق)
(حتام دمعي فِيك لَا يرقا وروحي فِي التراقي)
وَالأُم يَسْتَسْقِي الْفُؤَاد ظما وأجفاني سواقي)
(وغريق دمع الْعين لَا تَلقاهُ إِلَّا فِي احتراق )
[ ٢ / ٨١ ]
(وَالْحب مَا أورى الضلوع جوى وَمَا أروى المآقي)
(فعساك إِن تجزي محبيك الْمحبَّة بالوفاق)
(وَقد لقِيت هَوَاك أعظم مَا لقِيت وَمَا أُلَاقِي)
(وَصَبَرت فِيك عَن العدا صَبر الْأَسير على الوثاق)
(وَعلمت أَن الصَّبْر يَا عذب اللمى مرّ المذاق)
(فَأَعْرض عَن الْأَعْرَاض أعراضي لديك عَن النِّفَاق)
(وأرفق وَلَو بالألتفات عَليّ مَا بَين الرفاقّ)
(فَلَقَد يكون تلفت الْأَعْنَاق دَاع للعناق)
(واستبق مني باللقاء بواقيا لَيست بواقي)
(أَعْضَاء صب مَاله ألاك من عَيْنَاك واقي)
(فالبيض سود عيونها وأمضى من الْبيض الرقَاق)
(وَقد ودهنّ واشق فِي الطعْن كالسمر الرشاق)
(وَإِذا بليت بحبهنّ بليت بالدمع المراق)
وَقَوله من قصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا
(منهل دمع الْمُحب من دَمه فارفق بمغري الْفُؤَاد مغرمه)
(أبكيته والبكاء شَاهد مَا يذوب من لَحْمه وأعظمه)
(كَأَنَّهُ فِي الْفراش من سقم معنى رَقِيق يجول فِي فَمه)
(يَا قمرًا فَرعه الظلام على غُصْن النقابا سما بأنجمه)
(أَي ظلوم سواك ينصره لم يخف الله فِي تظلمه)
(والصب بيَدي أَلِيم صبوته للحب فِي الْحبّ من تألمه )
وَمن سَائِر شعره قَوْله متغزلا
(ننقدّاك ساقيًا قد كساك الْحسن من فرقك المضيء لساقك)
(تشرق الشَّمْس من يَديك وَمن فِيك الثريا والبدر من أطواقك)
(أوليس العجيب كونك بَدْرًا كَامِلا والمحاق فِي عشاقك)
(فتنه أَنْت أذمتيت وتخمي بتلاقيك من تشاو فراقك)
(لست من هَذِه الخليقة بل أنست مليك أرْسلت من خلاقك)
وَقَوله
(يَا لَيْلَة جمعتنَا وَالسُّرُور مَعًا لَا ورّعتها دوالي الْأُفق بالفلق)
[ ٢ / ٨٢ ]
(لَو استطعنا وَقد شابت مفارقها صنعا لَهَا من سَواد الْقلب والحدق)
(بكيتها وشباب الْعَيْش فِي دعة منا وغافل طرف الدَّهْر وَلم يفق)
(علما بِأَن اللَّيَالِي غير بَاقِيَة وكل مُجْتَمع يَرْمِي بمفترق)
وَله وَهُوَ معنى غَرِيب
(وَبِي مضاضة عَيْش مهنى لغب مِنْهَا وساورني فِي سورها سغب)
(حَتَّى تصوّر لي مِنْهَا على ظمأ أَن الْمنية فِي ثغر المنى شنب)
وَله
(أحجب من أهواه خوف وشاته وأقصيه عني والمزار قريب)
(وَلم أر فِي الدُّنْيَا أشدّ مضاضة على الْقلب من حب عَلَيْهِ رَقِيب)
وَقَوله وهما من ملحه
(قديم محبَّة وَحَدِيث عهد مقرّهما فؤاد أَخ حميم)
(وَأَن خلتم سواكم لي خَلِيلًا فَإِن الْحبّ للخل الْقَدِيم)
وَقَالَ وَهُوَ بِدِمَشْق فِي غُلَام رمدت عينه
(وَمَا رمد فِي عين حبي لعِلَّة وَلَكِنِّي أنبيكم بِوُجُودِهِ)
(أَرَادَ يرى مَا فِي محياه من سنا فأثر فِيهِ جرم شمس خدوده)
وَقَالَ يمدح فصل الرّبيع
(قابلتنا أَيدي الرّبيع بِوَجْه حسن فِيهِ للمحاسن شَاهد)
(ولنعم الزَّمَان مِنْهُ منحنا فضل فصل الرّبيع لَو كَانَ خَالِد)
وَقَالَ
(يَا خير من محوه يُرْجَى لزلة أَثْبَتَت بسهو)
(إِنِّي أهل لكل ذَنْب وَأَنت أهل لكل عَفْو)
وَمن مفرداته قَوْله
(عَسى شمس هَذَا الدَّهْر تَأتي يوفق مَا نرجى وَسعد الوفق فِي شرف الشَّمْس)
وَقَوله
(تغافلت عَن أَشْيَاء مِنْهُ وَرُبمَا يَسُرك فِي بعض الْأُمُور التغافل)
وَقَوله
(نأسو برؤياك مَا أَسَاءَ بِنَا لَا يصلح الْجرْح غير مرهمه)
(فَإِن هَذَا الزَّمَان محسنة كَفَّارَة عَن ذنُوب مجرمه)
وَقَوله
(وأجاد وليل كَانَ الصُّبْح فِيهِ مآرب نؤمل أَن تقضي وخل نصادقه)
وَسَار فرفى آخر عمره إِلَى حماة الرَّجَاء عَن لَهُ بهَا فَرَأى لَيْلَة سيره كَأَنَّهُ يودع أَهله فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ ينشد
[ ٢ / ٨٣ ]
(قومِي أحسني مِنْك وداعي فَمَا بعْدك حسنا يَا ابْنة الْقَوْم)
(وزوّدي جفني طيف الكري فَلَيْسَ بعد الْيَوْم من نوم)
فَلَمَّا دَخلهَا توفّي ابْن أميرها الْأَمِير عَليّ بن الأعوج واسْمه روحي فَقَالَ
(لَا تعجبوا أَن سَالَ دمعي دَمًا واشتعلت نَارا تباريحي)
(فلست من يبكي على غَيره وَإِنَّمَا أبكى على روحي)
وَبعد مُدَّة توفّي وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف هَكَذَا ذكر البديعي وَفَاته فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ رَأَيْت فِي نُسْخَة من ديوَان ابْن الْجَزرِي بِخَط بعض الدمشقيين ذكرانه أخبرهُ الْأَمِير عَليّ بن الأعوج أَن الْجَزرِي مَاتَ بعد إنشاد الْبَيْتَيْنِ المذكوريين بِثَلَاثَة أَيَّام وَلم يقل بعدهمَا شعرًا وَأَن وَفَاته كَانَت فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وناقض أَبُو الْوَفَاء العرضي فِي وَفَاته فذكرانها فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَلست أَدْرِي أَي المقولات أصح وَزَاد العرضي أَنه توفّي غَرِيبا بحماة كَمَا توفّي وَالِده بِالْبَصْرَةِ غَرِيبا وعمره نَحْو الْخمس وَالثَّلَاثِينَ وَدفن بالتربة الْمَعْرُوفَة بالعليليات والجزري نِسْبَة إِلَى جَزِيرَة ابْن عمر من بِلَاد الأكراد بهَا كَانَ أجداده وَلَهُم فِيهَا المكانة والجاه كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك فِي بعض قصائده
(أنّ الجزيرة لَا عدا جوديها الْغَيْث الهتون)
(خلقُوا بهَا آباي آساد الشرى وَهِي العرين)
(وَلَهُم بهَا الْبَيْت المؤثل فِي قَوَاعِده المكين )
(وبركنه الْمجد المتين وظله الْمجد الْمُبين)
(ولنابهم نسب على الدُّنْيَا لَهُ شرف وَدين )
وَهَذِه القصيدة من غرر وقصائده وَهِي طَوِيلَة فتكتفي مِنْهَا بِهَذَا الْمِقْدَار فَفِيهِ كِفَايَة
حُسَيْن باشا بن جانبولاذ الْكرْدِي أَمِير الْأُمَرَاء بحلب كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره من المتفرقة ثمَّ تولى إِمَارَة كلس منصب وَالِده وعزله عَنهُ أَخُوهُ الْأَمِير حبيب وشبت الْعَدَاوَة بَينهمَا ثمَّ استمرّا بتعاذلان فَتَوَلّى ديو سُلَيْمَان كلس فَاحْتَاجَ إِلَى جمع السكبانية وَكَانَ ابْتِدَاء كثرتهم وَظُهُور قوانينهم من عبد الْحَلِيم اليازجي أحد أَتبَاع المسكور وولما سجن صَاحب التَّرْجَمَة بحلب وَيبْعَث جَمِيع أَسبَابه وعقاراته بأبخس الْأَثْمَان لمَال سلطاني كَانَ عَلَيْهِ تولى كلس بعد ذَلِك وصمم على الإمتناع من تَسْلِيمهَا أَن عَزله أحد فَكَانَ إِذا عزل من جَانب السلطنة سعى فِي الْعود من غير تَسْلِيم الْمُتَوَلِي
[ ٢ / ٨٤ ]
الْجَدِيد فلعلم أكَابِر الدولة أَنهم إِذا صمموا على عَزله شقّ العصافير فَتَرَكُوهُ وارتضوا بِالْمَالِ فكثرت أجناده وأمواله وَكَانَ لَهُ مُرُوءَة وفتوة ومحبة للْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ إِلَّا أَنه كَانَ ظَالِما لاحتياجه إِلَى علوفات السبكانية وَكَانَ لَهُ فَضِيلَة فِي علم المفلك والرايرجا والتقويمات والرمل وَصرف أَكثر عمره فِي ذَلِك وَلما توجه مُحَمَّد باشا الْوَزير ابْن سِنَان باشا الْوَزير الْأَعْظَم سردارا على حُسَيْن باشا أَمِير لِوَاء الْحَبَشَة وَكَانَ خرج عَن الطَّاعَة وشق الْعَصَا وَسَببه أَنه لما تولى إِمَارَة الْحَبَشَة أَخذ مِنْهُ أكَابِر الدولة مَالا جزيلًا اسْتَدَانَ غالبه ثمَّ عزلوه سَرِيعا فشق الْعَصَا مغاصبًا لَهُم فَتوجه صَاحب التَّرْجَمَة لحربه صُحْبَة السردار فَقدم إِلَى كاس خارجي من السبكانية يُقَال لَهُ رستم وَمَعَهُ من الْبُغَاة أجناد كَثِيرَة وَكَانَ ضَابِط كاس عَزِيز كتخدا من جمَاعَة صَاحب التَّرْجَمَة فَبعث واستنجد بعساكر حلب مِنْهُم الْعَسْكَر الْجَدِيد فَخَرجُوا لنصرته واجتمعوا جَمِيعًا فتقابلت الأجناد وَقَامَ بَينهم سوق الْحَرْب والطعن وَالضَّرْب فانتصر عَسْكَر رستم على عَسْكَر كاس وحلب وَقتل عَزِيز كتخدا وَقتل من العسكرين مَا لَا يُحْصى وولوا منهزمين فنهب الْخَارِجِي كلس وصادر أَعْيَان أهل الْقرى وَلما تولى نصوح باشا كَفَالَة حلب وَكَانَ عَسَاكِر دمشق تغلبُوا على حلب ونواحيها وَأمره السُّلْطَان أَحْمد بإخراجهم وَعجز عَن ذَلِك فاستعان بِصَاحِب التَّرْجَمَة فَبعث ابْن أَخِيه الْأَمِير عَليّ بعسكر عَظِيم فَأصْبح نصوح باشا وَقد أَخذ القلعة وَوضع متاريس تَحت قلعة حلب واستعدت جماعته فَكَانُوا نَحْو سِتّمائَة فَأخذت العساكر الدمشقية بَاب بانقوسا واستعدوا وجمعوا عساكرهم نَحْو الْأَلفَيْنِ وهم لَا يعلمُونَ أَن صَاحب التَّرْجَمَة بعث عَسَاكِر فَاحْضُرْ نصوح باشا إِلَيْهِ كنعان سردار الدمشقيين وَأخْبرهُ أَن السُّلْطَان رفعهم من الِاسْتِخْدَام وَأمر بإخراجهم من حلب بعيالهم فامتنعوا ثمَّ تواردت الْأَخْبَار أَن الْأَمِير عَليّ بن جَانِبه ولاذ وصل إِلَى قَرْيَة حيلان بعساكر لَا تحصى فَخَرجُوا فِي الظلام وَلم يبْق مِنْهُم اُحْدُ وَفِي الْيَوْم الثَّانِي دخل الْأَمِير على العساكر المتكاثقة فَتَبِعهُمْ نصوح باشا وَمَعَهُ الْأَمِير عَليّ إِلَى قَرْيَة كفر طَابَ فَوَقع بَينهم محاربه فَانْهَزَمَ الدمشقيون بعد مَا قتل مِنْهُم جم غفير فصادر نوح باشا أقاربهم وأتباعهم وَفعل حُسَيْن باشا مَعَ نصوح باشا هَذَا الْفِعْل فَأخذ نصوح باشا يتَكَلَّم بَين النَّاس أَنه يُرِيد قتل حُسَيْن باشا فَسمع الْخَبَر فَأخذ فِي جمع العساكر وَبعث جمَاعَة إِلَى السردار جارسنان باشا ابْن جغاله الَّذِي أرْسلهُ السُّلْطَان لقِتَال الشاه فَبلغ ذَلِك نصوح باشا فاشتدت
[ ٢ / ٨٥ ]
عداونه فعزم على المفاجأة بِالْقِتَالِ لكَون كلس قريبَة من حلب فَخرج فِي عساكره مجدا حَتَّى وَصلهَا فِي يَوْم وَاحِد فقابل حُسَيْن باشا بعسكره والتقت الفئتان فانكسر نصوح باشا وَقتل أَكثر عسكره وَدخل حلب مُنْهَزِمًا ثمَّ فِي الْيَوْم الثَّانِي أَخذ فِي جمع الأجناد وبذل الْأَمْوَال لتكثير الْعدَد والأعداد ظنا مِنْهُ أَن صبح سعده أَسْفر ثمَّ جَاءَ رَسُول من السردار سِنَان باشا ابْن جغاله يُخبرهُ بالأوامر السردارية أَنه قد صَار حُسَيْن باشا كافل الممالك الحلبية وعزل نصوح باشا مِنْهَا فَلبس نصوح باشا جلد النمر وَامْتنع من تَسْلِيم حلب لحسين باشا وَقَالَ إِذا ولوا حلب لعبد أسود أطيع ذَلِك إِلَّا ابْن جانبولاذ فَمَا مضى أُسْبُوع إِلَّا وَقد أَقبلت عَسَاكِر حُسَيْن باشا بجموعها إِلَى قَرْيَة حيلان فَاسْتَقْبَلَهُمْ نصوح باشا بِالْحَرْبِ ثَانِيًا فانكسر ثَانِيًا فَنزل حُسَيْن باشا بعساكره فِي محلات حلب خَارج السُّور وأغلق نصوح باشا أَبْوَاب الْمَدِينَة وسدها بالأحجار وَفتح بَاب قنسرين وحرسه بعساكر أوقفهم هُنَاكَ وَقطع حُسَيْن باشا المَاء عَن حلب وَمنع الْميرَة وَالطَّعَام عَن دَاخل الْمَدِينَة وَنصب حُسَيْن باشا متاريس على أسوار الْمَدِينَة وصف عساكره على الأسوار مَعَ المكاحل وَقَامَت بَينهم حَرْب البسوس وَأخذ حُسَيْن باشا فِي حفر اللغوم والاحتيال على أَخذ الْبَلدة ونصوح باشا فِي حفر السراديب لدفع اللغوم وَعم الحلبيين الْبلَاء من الْمبيت على الأسوار وحفر السراديب ومصادرة الْفُقَرَاء والأغنياء كل يَوْم وَلَيْلَة لطعام السبكانية وعلوفاتهم وأغلقت الدكاكين وتعطلت الصناعات وَحرقت الأخشاب للطعام والقهوة بِسَبَب قطع حُسَيْن باشا الْميرَة حَتَّى الْخشب والحطب وَنزل الْبلَاء من جَانب السَّمَاء على حلب فَبيع مكوك الْحِنْطَة بِمِائَة قِرْش ريال وجرة الشيرج بِثمَانِيَة عشر قرشا ورطل لحم الْخَيل الكديش بِنصْف قِرْش والتنية الْوَاحِدَة بِقِطْعَة وأوقية بزر الْبِطِّيخ بِأَرْبَع قطع وَأعظم من فِي الْبَلدة يجد أكل البصل والخل من أحسن الْأَطْعِمَة وَكَانَ بَعضهم يَأْخُذ الشمع الشحمى ويضعه فِي طَعَام الْأرز والبرغل وَكَانَ العساكر لَا يَجدونَ التِّبْن بل يَأْخُذُونَ الْحصْر وينقعونها فِي المَاء ويقطعونها ويطعمونها للخيل بَدَلا من التِّبْن وكل فَقير يغرم فِي الْيَوْم قرشين والمتوسط عشرَة والغنى عشْرين وَاسْتمرّ الْحصار نَحْو أَرْبَعَة أشهر وأيامًا ثمَّ قدم السَّيِّد مُحَمَّد الْمَشْهُور بشريف قَاضِيا بحلب فَنزل خَارج الْمَدِينَة وَأخذ يسْعَى فِي الصُّلْح ثمَّ عقد الصُّلْح وَلم يرض نصوح باشا إِلَّا أيمانات السبانية وعهودهم فَإِن لَهُم عهودا وَثِيقَة فحلفهم بِالسَّيْفِ أَن يكون
[ ٢ / ٨٦ ]
آمنا على نَفسه وأمواله وَأَنه إِذا تعرضه حُسَيْن باشا يقاتلونه مَعَه ثمَّ أَمر الشريف نصوح باشا أَن يذهب بِنَفسِهِ إِلَى حُسَيْن باشا ويصالحه لكَون نصوح باشا كَانَ ضرب بنت حُسَيْن باشا وَأخذ أموالها فَذهب وَمَعَهُ شاطر وَاحِد إِلَى منزل حُسَيْن باشا فَأكْرمه وسقاه شربة سكر بَعْدَمَا امْتنع نصوح باشا فَشرب حُسَيْن باشا من الْإِنَاء قبله فاقتدى بِهِ وَشرب وَلما ذهب كَانَ لابسا درعا تَحت الثَّوْب وَظن النَّاس خُرُوج نصوح باشا خُفْيَة لَيْلًا خوفًا من حُسَيْن باشا وعساكره فَلم يكن الْأَمر كَذَلِك بل خرج بعساكره وطبوله وزموره وَقت الْغَدَاة فودعه حُسَيْن باشا وَاسْتولى على الديار الحلبية وشحنها من السكان وصادر الْأَغْنِيَاء والفقراء لأجل علوفة السكان ثمَّ أَمر سِنَان باشا حُسَيْن باشا بالتوجه إِلَيْهِ لقِتَال الشاه فَقدم رجلا وَأخر أُخْرَى وتثاقل عَن السّفر حَتَّى حصلت الكسرة بِبِلَاد الْعَجم للعساكر العثمانية فِي وقْعَة مَشْهُورَة قتل فِيهَا جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَكَانَت فِي سادس عشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع عشرَة وَألف فَلَمَّا رَجَعَ الْوَزير سِنَان باشا ابْن جغالة أدْركهُ حُسَيْن باشا فِي رجعته بِمَدِينَة وَأَن فَقتله لتأخره فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ يُرِيد جعل ابْن أَخِيه الْأَمِير عليا قَائِما مقَامه بحلب فَلَمَّا بلغه قتل عَمه تملك حلب وَخرج بهَا على السلطنة وتولدت من ذَلِك فتن عَظِيمَة سنذكرها فِي تَرْجَمَة الْأَمِير عَليّ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الشَّيْخ حُسَيْن بن حسن بن أَحْمد بن سُلَيْمَان أَبُو مُحَمَّد الغريفي البحراني فَقِيه الْبَحْرين وعالمها المشارة إِلَيْهِ فِي عصره ذكره السَّيِّد عَليّ فِي السلافة فَقَالَ فِي حَقه ذونب يضاهي الصُّبْح عموده وَحسب أَوْرَق بالمكرمات عوده وناهيك بِمن ينتمي إِلَى النَّبِي
فِي الأنتما وغصن شَجَرَة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السما وَهُوَ بَحر علم تدفقت مِنْهُ الْعُلُوم أَنهَارًا وَبدر فضل عادبه ليل الْفَضَائِل نَهَارا شب فِي الْعلم واكتهل وهمي صيب فَضله واستهل فَجرى فِي ميدانه انه طلق عنانه وجنى من رياض فنونه أزهار أفنانه إِلَّا أَن الْفِقْه كَانَ أشهر علومه وَأكْثر مَفْهُومه ومعلومه عَنهُ تقتبس أنواره وَمِنْه يقتطف ثمره ونواره وَكَانَ بِالْبَحْرَيْنِ إمامها الَّذِي لَا يباريه مبار وهمامها الَّذِي يصدق خَبره الاختبار مَعَ سجايا تستمد مِنْهَا المكارم ومزايا تستهدي محاسنها الأكارم وَله نظم كثيرا مَا يمده بالفخر وكأنما نقره من صَخْر فَمِنْهُ قَوْله
(قل للَّذي عَابَ فعاب الَّذِي قلت وَقلت السِّرّ مني ضرّ وَمن)
[ ٢ / ٨٧ ]
(لَا تمتحنها فمتحن أَنَّهَا ولية قد وليت عَن مروس)
(بل وقناتي صعدة صعبة تخبر أَنِّي الهبزري الشموس)
قلت لَو كَانَ لي أَمر السلافة مَا رضيت لَهَا هَذَا العكر وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى بعد الْألف وَلما بلغ نعيه الشَّيْخ دَاوُد بن أبي شاقين البحراني اسْترْجع وَأنْشد بديها
(هلك الصَّقْر يَا حمام فغنى طَربا أعالي الغصون)
ورثاه الشَّيْخ جَعْفَر بن مُحَمَّد الخطي البحراني بقصيدة مِنْهَا قَوْله
(جد الردى سلب الْإِسْلَام فانجذما وهد شامخ طود الدّين فانهدما)
(وسام طرف الْعلَا غمضا فأغمضه وفل غرب حسام الْمجد فانثلما)
(الله أكبر مَا أدهاك من زمن قصمت ظهر التقى وَالَّذين فانقصما)
حُسَيْن باشا ابْن حسن بن أَحْمد بن رضوَان بن مصطفى الْغَزِّي المولد حَاكم عزة كَانَ نبيه الْقدر كَبِير الهمة حسن الشكل وَله آدَاب ومآثر مأثورة يحسن بِمَالِه وجاهه إِلَى قصاده وَكَانَ أُمِّيا ويحاكي الخطوط الْحَسَنَة من مهرَة الْكتاب ولي فِي حَيَاة أَبِيه إِمَارَة نابلس وإمارة الْحَاج سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف وَلما توفّي أَبوهُ صَار مَكَانَهُ حَاكم غَزَّة وَكَانَ لَهُ حزم وَسعد فكبرت دولته وأطاعته العربان وَصَارَ ركنا ركينًا ثمَّ انتشأ لَهُ ولد اسْمه إِبْرَاهِيم فولي حُكُومَة الْقُدس ثمَّ نزل لَهُ أَبوهُ عَن حُكُومَة غَزَّة وَصَارَ هُوَ حَاكم نابلس وأمير الْحَاج وسافر إِلَى الْحَج سنتَيْن وَلما مَاتَ وَلَده الْمَذْكُور فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف بالبقاع العزيزي وَقد كَانَ تعين للسَّفر على الدروز فِي خدمَة الْوَزير أَحْمد باشا عَاد حُسَيْن باشا إِلَى حُكُومَة غَزَّة بعده ووشى بِهِ إِلَى جَانب السلطنة بِسَبَب أُمُور يرجع أَكْثَرهَا إِلَى عدم تقيده بِأَمْر الْحجَّاج وحراستهم فَأتى بِهِ من المزيريب إِلَى قلعة دمشق وضبطت أَمْوَاله وَأقَام مُدَّة مسجونًا بالقلعة وَكتب إِلَيْهِ الْأَمِير المنجكي يسليه بِهَذِهِ الأبيات
(جفن الحسام ترى أم مربض الْأسد سجن حللت بِهِ يَا خير مُعْتَمد)
(أم شمس ذاتك عَن عين الغبى غَدَتْ محجوبة وَهِي فِي الْإِشْرَاق لِلْأَبَد)
(وَقدر جاهك فِي الْآفَاق مُرْتَفع مَا حط يَوْمًا وَإِن لم يخل من حسد)
ثمَّ أَخذ إِلَى الْبَاب السلطاني مُقَيّدا وأحاطت بِهِ المكاره فسجن ثمَّ قتل فِي السجْن وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف وأنشدني صاحبنا المرحوم عبد الْبَاقِي بن أَحْمد السمان الدِّمَشْقِي هَذِه الأبيات لنَفسِهِ قَالَهَا فِي رثائه حِين بلغه قَتله وَكَانَ إِذْ ذَاك
[ ٢ / ٨٨ ]
بِمصْر قَالَ وَكنت لما مَرَرْت على غَزَّة فِي سنة إِحْدَى وَسبعين قَاصِدا مصر أسدى إِلَيّ مَعْرُوفا وأنعامًا فَقلت أرثيه
(أسفي على بَحر النوال وَمن لَهُ بَأْس الْمُلُوك وعفة الزهاد)
(لَو أَن بعض صِفَاته اقتسم الورى لرأيت أَدْنَاهُم كذي الأعواد)
(لم يجن ذَنبا غير أَن زَمَانه قد فوض الْأَحْكَام للحساد)
(هابوه وَهُوَ مُقَيّد فِي سجنه وَكَذَا السيوف تهاب فِي الأغماد)
(ذهب السرُور بفقده فَكَأَنَّمَا أَرْوَاحنَا غَضبى على الأجساد)
(يَا ثَالِث الحسنين عاجلك الردى والحتف قد يسرى إِلَى الأطواد)
(لَك بالكواكب والسحائب أُسْوَة فَاذْهَبْ كَمَا ذهب السَّحَاب الغادي)
(فسقى ثراءك مِنْهُ صيب رَحْمَة مَا أطرب الركْبَان صَوت الْحَادِي)
حُسَيْن باشا بن رستم الْمَعْرُوف بباشا زَاده الرُّومِي نزيل مصر وَاحِد الدَّهْر على الْإِطْلَاق الْمُحَقق الفهامة رَأس الْفُضَلَاء فِي وقته رَأَيْت خَبره فِي كثير من التحريرات والمجاميع وَذكره الشَّيْخ مَدين القوصوني وَقَالَ فِي تَرْجَمته مولده ببلغراد فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشر شَوَّال وَكَانَ ذَلِك فِي أَوَائِل فصل الخريف من سنة ثَمَان وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَقدم إِلَى مصر فِي سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَحج مِنْهَا إِلَى بَيت الله الْحَرَام ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْبِلَاد الرومية وَعَاد إِلَى مصر ثَانِيًا وَأقَام بهَا وَكَانَ وَالِده من موَالِي السُّلْطَان سُلَيْمَان ثمَّ إِنَّه لم يزل يتنقل فِي الولايات حَتَّى صَار أَمِير الْأُمَرَاء بطمشوار وبودين وَكَانَت وَفَاته بهَا وَأما والدته فَهِيَ بنت إِيَاس باشا الَّذِي كَانَ رَأس الوزراء فِي دولة السطان سليم وَكَانَ من موَالِي السُّلْطَان بايزيد بن مُحَمَّد وَأخذ صَاحب التَّرْجَمَة عَن جمَاعَة من الموَالِي الْعِظَام بالديار الرومية مِنْهُم الْمولى يحيى الَّذِي كَانَ متقاعدًا عَن إِحْدَى الْمدَارِس الثمان وَكَانَ أَخا للسُّلْطَان سُلَيْمَان من الرَّضَاع وَكَانَ السُّلْطَان الْمَذْكُور يعظمه ويزوره أَحْيَانًا وَيقبل شَفَاعَته وَمِنْهُم لمولى عبد الْغَنِيّ وَمِنْهُم الْمولى محمدبن بُسْتَان الْمُفْتِي وَمِنْهُم الْمولى فُضَيْل بن الْمُفْتِي عَلَاء الدّين الحمالي وَمِنْهُم الْمولى مُحَمَّد ابْن أخي وَمِنْهُم الْمولى أَبُو السُّعُود الْمُفْتِي الْعِمَادِيّ صَاحب التَّفْسِير وَصَارَ ملازما بمدرسة السُّلْطَان سليم الأول بقسطنطينية ثمَّ ترك ذَلِك وعزم على الْإِقَامَة بِمصْر وَطلب من السُّلْطَان أَن يعين لَهُ من بَيت المَال مَا يَكْفِيهِ هُوَ وَمن مَعَه من الْعِيَال من الدَّرَاهِم والغلال فعين لَهُ ذَلِك ثمَّ قدم إِلَى مصر وَأقَام بهَا بِالْعِزَّةِ والاحترام
[ ٢ / ٨٩ ]
مَعَ الْإِحْسَان والشفاعات فِي العلوفات والجرايات للخاص وَالْعَام وَأَنْشَأَ بَيْتا متسعا مطلا على بركَة الْفِيل جعله محلا للجلوس يفه للواردين عَلَيْهِ انْتهى وَرَأَيْت لَهُ تَرْجَمَة فِي بعض المجاميع وأظنها من إنْشَاء بعض المصريين قَالَ فِيهِ بعد ذكر اسْمه وشهرته غرَّة جبهة الزَّمَان وواسطة عقد الْفَضَائِل المزري بعقود الجمان جر على هَامة المجرة ذيله وأنار بقمر فَضله ليله فاصبح وَهُوَ عَزِيز مصره والفاخر ذُو التَّاج المحجب فِي قصره أجْرى بِمصْر نيله فأخجل نيلها وَمَا زَالَ مانح الْفَضَائِل والفواضل وميلها وَأما أدبه فمادة البراعة وَالْإِحْسَان الْقَاصِر عَن نظمه ونثره سحبان وَحسان وَمَا بَرحت كواكب فَضله مشرقة لائحة وسوا كب أفضاله غادية رَائِحَة حَتَّى وافته بأجله وَفَاته وعفت آثاره وبكت عَلَيْهِ عفاته وَأثبت لَهُ من شعره مَا كتب بِهِ إِلَى القَاضِي مُحَمَّد بن دراز الْمَكِّيّ قَوْله
(على ألمعي شاقني بخياله سَلام يحاكى مِنْهُ طيب خصاله)
(عشقت وَمَا أبصرته غيرانني سَمِعت من الحاكين وصف كَمَاله)
وَكتب إِلَى الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي
(عِنْدِي لودك فَاعْلَم ذَاك مِيثَاق وللتملي بمرأى مِنْك أشتاق)
(وللحلول بِأَرْض أَنْت ساكنها قلبِي بحادي الجوى والوجد ينساق)
وظفرت لَهُ بقصيدة اثبتها لَهُ فِي تَرْجَمته فِي كتابي النفحة ومطلعها أَرَاك تروم الْمجد ثمَّ تساهل وزاملة الْعُمر الْيَسِير تناقل)
وَهِي قصيدة لَا بَأْس بهَا فَارْجِع إِلَيْهَا فِي الْكتاب الْمَذْكُور وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي آخر يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَدفن يَوْم السبت بِالْقربِ من قبر القَاضِي بكار رَحمَه الله تَعَالَى
الأديب حُسَيْن بن شهَاب الدّين حُسَيْن بن جاندار البقاعي الكركي الأديب الشَّاعِر العائق كَانَ أديبا شَاعِرًا مطبوعا مقتدرا على الشّعْر جيد القريحة سهل اللَّفْظ حسن الإبداع للمعاني ذكره البديعي فِي كِتَابه ذكرى حبيب وَقَالَ فِيهِ هُوَ ثَانِي أبي الْفضل البديع الْهَمدَانِي وثالث ابْن الْحجَّاج والواساني وَقد دون مدائحه وسماها كنز اللآل وَجمع أهاجيه ووسمها بالسلاسل والأغلال فَمن حسن شعره وشعره كُله حسن قَوْله من جملَة قصيدة مطْلعهَا
(هُوَ الْحبّ لَا قرب يَدُوم وَلَا بعد وَقد دق معنى أَن يُحِيط بِهِ حد)
[ ٢ / ٩٠ ]
(يحار أولو الْأَلْبَاب فِي كنه ذَاته فَمن جده هزل وَمن هزله جد)
(لَك الله قلبِي كم نجن لواعجا يذوب لَا دنى حرهَا الْحجر الصلد)
(نَصَحْتُك جهدي لَو قبلت نصيحتي فَعدل الْهوى جور وحر الْهوى عبد)
(لقد عالج الْحبّ المحبون قبلنَا فَمَا نالهم إِلَّا القطيعة والصد)
(فَإِن قَالَ قوم أَن الْحبّ لَذَّة فَمَا اتصفوا هَذَا خلاف الَّذِي يَبْدُو)
(نعيم هُوَ الْبلوى ورى هُوَ الظما وَذَاكَ فنَاء الْجِسْم يجلبه الوجد)
(على أنني جربته وبلوته إِذا أَنه كالصاب ديف بِهِ الشهد)
(وَمَا قلت جهلا بالغرام وَإِنَّمَا يصدق قولي من لَهُ بالهوى عهد)
(لعا العثارى كم أحث عزائمي وَهل لنهوضي فِي طلاب العلى حد)
(أما آن أَن أنضو الركائب بالثرى وَإِن مسني مِمَّا أكايده جهد)
(وَإِن عايناي عناي بَان طويلع فبشراك يَا قلبِي ألم بك السعد)
(ولاحت لنا تِلْكَ الْمعَاهد من قبا وَبَانَتْ قباب البان وَالْعلم الْفَرد)
وَقَوله من قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
(مَا صَاح صاحي الْوَرق فِي أفنانه إِلَّا وأسكره بديع بَيَانه)
(وَإِذا تنازعه اللوا ثمَّ فِي الْهوى ذكر العقيق فسح من أجفانه)
(كلف إِذا هبت بِهِ نجدية يذكو بهَا مَا أَبَاحَ من أجفانه)
(معري بِذكر العامرية مغرم ظام إِلَى عذب العذيب وبانه)
(يخفى جوى لَو مس يذبل بعضه دكت هضاب الشم من أَرْكَانه)
(ويروم أَعْضَاء الجفون على القذى فرقا فيعرب شانه عَن شانه)
(يالائمى فِي حب أهيف لَو بدا للبدر لم تعدده من أقرانه)
(متمنع يرنو بناظر جؤذر ويلاي من وسنانه وسانه)
(أأذاد عَن مضمار حلبة حبه وَأَنا المجلى ويك خيل ورهانه)
(أيلوم من أودي بمهجته الْهوى من لم يذقْ فِي الدَّهْر طعم طعانه)
(حسبي بِمَا أَلْقَاهُ من ألم الجوى مَا قد ترى والعمر فِي ريعانه)
(لَو أَن بالفلك الْمُحِيط ذبالة من حرقتي ألهته عَن دورانه)
(أوحل وجدي بالكواكب لَا نبري بهرامها يشكو إِلَى كيوانه)
(أوغال رضوى بعض مَا قد غالني لرأينه كالعهن قبل أَوَانه)
[ ٢ / ٩١ ]
(أَو كَانَ يسعدني على قدر الْهوى دمعي لعم الأَرْض من طوفانه)
(وَلَقَد سلكت الْحبّ لَا غرا بِهِ وَعرفت كنه خفيه وعيانه)
(وَعلمت إِذْ ذقت الغرام بأنني حاس بكأس جميله وحسانه)
وَقَوله من قصيدة مطْلعهَا
(مَا لَاحَ برق من رَبِّي حاجر إِلَّا اسْتهلّ الدمع من ناظري)
(وَلَا تذكرت عهود الْحمى إِلَّا وَسَار الْقلب عَن سائري)
(أوّاه كم أحمل جور الْهوى مَا أشبه الأوّل بِالْآخرِ)
(يَا هَل ترى يدْرِي نؤوم الضُّحَى بِحَال ساه فِي الدجى ساهر)
(تهب إِن هبت يَمَانِية أشواقه للرّشأ النافر)
(يضْرب فِي الْآفَاق لَا يأتلي فِي جوبها مثل السائر)
(طورًا تهاميًا وطورًا لَهُ شوق إِلَى من حل فِي الحائر)
(كأنّ مِمَّا رابه قلبه علق فِي قادمتي طَائِر)
أصل هَذَا الْمَعْنى لعروة بن حرَام
(كَأَن قطاة علقت بجناحها على كَبِدِي من شدّة الخفقان)
وَذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي السلافة فَقَالَ فِي حَقه طودرسي فِي مقرّ الْعلم ورسخ وَنسخ خطة الْجَهْل بِمَا خطّ وَنسخ رَأَيْته فَرَأَيْت مِنْهُ فَردا فِي الْعُلُوم وحيدًا وكاملًا لَا يجد الْكَمَال عَنهُ محيدًا تحل لَهُ الحبى وتعقد عَلَيْهِ الخناصر أوفى على من قبله واعترف بفضله المعاصر يستوعب شَوَاهِد الْعلم حفظا بَين مقروء ومسموع وَيجمع شوارد الْفضل جمعا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مُنْتَهى الجموع حَتَّى لم ير مثله فِي الْجد على نشر الْعلم وإحياء مواته وحرصه على جمع أَسبَابه وَتَحْصِيل أدواته وَقد كتب بِخَطِّهِ مايكل لِسَان الْقَلَم عَن ضَبطه واشتغل بِعلم الطِّبّ فِي آخر عمره فتحكم بالأرواح والأجسام نهية وَأمره غير أَنه كَانَ فِيهِ كثير الدَّعْوَى قَلِيل الْفَائِدَة والجدوى لَا تزَال سِهَام رَأْيه فِيهِ طائشة عَن الْغَرَض وَإِن أَصَابَت فَلَا تخطىء نفوس أولى الْمَرَض فكم عليل ذهب وَلم يلف لَدَيْهِ فرج فَأَنْشد أَنا الْقَتِيل بِلَا إِثْم وَلَا حرج
(النَّاس يلحون الطَّبِيب وَإِنَّمَا غلط الطَّبِيب أصابة الْمَقْدُور)
وَمَعَ ذَلِك فقد طوى أديمه من الْأَدَب على أغر رديمه وَمَتى هَتَفت لهاة قَالَه بالشعر
[ ٢ / ٩٢ ]
أرخص من عُقُود اللآلي كل غالي السّعر إِلَى ظرف شيم وشمايل تطيب بأنفاسها الصِّبَا وَالشَّمَائِل والمام بنوادر المجون يحلى حَدِيثه والْحَدِيث شجون وَلم يزل يتنقل فِي الْبِلَاد ويتقلب حَتَّى قدم على وَالِده قدوم أخي الْعَرَب على آل الْمُهلب وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَسبعين وَألف فأحله الْوَالِد لَدَيْهِ محلا عقد فِيهِ نواصي الآمال بَين يَدَيْهِ وأمطره سحائب جوده وَكَرمه ورد شباب أمله بعد هرمه فَأَقَامَ بِحَضْرَتِهِ بَين خير وَخير وَتقدم مَا شَاءَ مَا شابه تَأْخِير إِلَى أَن خوى من أفق الْحَيَاة طالعه وأدجت بأفول عمره مطالعه وَمن مصنفاته شرح نهج البلاغة وعقود الدُّرَر فِي حل أَبْيَات المطول والمختصر وهداية الْأَبْرَار فِي أصُول الدّين ومختصر الأغاني والاسعاف وَغير ذَلِك وَأنْشد لَهُ قَوْله من قصيدة مطْلعهَا
(لَك الْخَيْر لَا زيد يَدُوم وَلَا عَمْرو وَلَا مَاء يبْقى فِي الدنان وَلَا خمر)
(فبادر إِلَى اللَّذَّات غير مراقب فمالك أَن قصرت فِي نيلها عذر)
(فَإِن قيل فِي الشيب الْوَقار لأَهله فَذَاك كَلَام عَنهُ فِي مسمعي وقر)
(وَقَالُوا نَذِير الشيب جَاءَ كَمَا ترى فَقلت لَهُم هَيْهَات أَن تغني النّذر)
(لَئِن كَانَ رَأْسِي غير الشيب لَونه فرقة طبعي لَا يغيرها الدَّهْر)
(يَقُولُونَ دع عَنْك الغواني فَإِنَّمَا قصاراك لحظ الْعين وَالنَّظَر الشزر)
(وَهل فِيك للغيد الحسان بَقِيَّة وَقد ظهر الْمكنون وارتفع السّتْر)
(وَمَا للغواني وَابْن سبعين حجَّة وحلم الْهوى جهل ومعروفه نكر)
(فَقلت دَعونِي فالهوى ذَلِك الْهوى وَمَا الْعُمر إِلَّا الْعَام وَالْيَوْم والشهر)
(نشأت أحب الغيد طفْلا ويافعا وكهلا وَلَو أوفي على الْمِائَة الْعُمر)
(وَهن وَإِن أعرضن عني حبائي لَهُنَّ عَليّ الحكم والنهى وَالْأَمر)
(أحاشيك بِي مِنْهُم من لَو تعرضت لنوء الثريا لاستهل لَهَا الْقطر)
(ترقرق مَاء الْحسن فِي نَار خدها فماء وَلَا مَاء وجمر وَلَا جمر)
(فيا بعد مَا بَين الحسان وَبَينهَا لَهُنَّ جَمِيعًا شطرها وَلها الشّطْر)
(برهرهة صفر الوشاح إِذا مشت تجاذب مِنْهَا الردف والعطف والخصر)
(من الْبيض لم تغمس يدا فِي لطيمة وَقد مَلأ الْآفَاق من طيبها نشر)
(تَخِر لَهَا زهر الْكَوَاكِب سجدا وتعنو لَهَا الشَّمْس المنيرة والبدر)
(تخال بجفنيها من النّوم لوثة وتحسبها سكرى وَلَيْسَ بهَا سكر)
[ ٢ / ٩٣ ]
(وَقَالُوا إِلَى هاروت ينْسب سحرها أَبى الله بل عَن لحظها يُؤْخَذ السحر)
(تخَالف حَالي فِي الغرام وحالها لَهَا مَحْض ودي فِي الْهوى ولي الهجر)
قلت وَهَذِه القصيدة من أمتن شعره وأغلاه وَقد تَرْجَمته فِي كتابي النفحة وَذكرت لَهُ أَشْيَاء من شعره مَا عَلَيْهَا غُبَار وَبِالْجُمْلَةِ فَكل شعره لطيف السبك وَكَانَت وَفَاته على مَا ذكره ابْن مَعْصُوم يَوْم الِاثْنَيْنِ لإحدى عشرَة بقيت من صفر سنة سِتّ وَسبعين وَألف عَن أَربع وَسِتِّينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى
حُسَيْن بن عبد الله بن شيخ بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس الْحَضْرَمِيّ السَّيِّد الْأَجَل أحد أسخياء الْعَالم ذكره الشلي فِي تَارِيخه وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا ثمَّ قَالَ ولد بتريم فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة واجتهدوا تبع السّنة النَّبَوِيَّة وَتخرج بوالده وَأخذ عَن أَخِيه شيخ وَغَيره من الْعلمَاء العاملين والأولياء الصَّالِحين وَلبس الْخِرْقَة الشَّرِيفَة مِنْهُم وأجازوه فِي الألباس وانتفع بِهِ كثير من النَّاس وَقصد من الْبِلَاد الْبَعِيدَة وَكَانَ يكرم الوافدين وَيحسن للْفُقَرَاء وَله كرامات ظَاهِرَة وَله جاه عَظِيم عِنْد الأكابر لَا سِيمَا أَرْبَاب السَّيْف يقابلونه بالتعظيم وَكَانَ مَشْغُولًا بِذكر الله حَتَّى مَاتَ فِي سنة ثَمَان بعد الْألف وَدفن بمقبرة زنبل رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حُسَيْن بن عبد الْكَرِيم بن عبد الله الملقب زين الدّين الغزى الْمَعْرُوف بِابْن النخالة الشَّافِعِي مفتي الشَّافِعِيَّة بغزة الْفَقِيه البارع لمتمكن من بَيت ولَايَة وورع وتقوى وَحده عبد الله نطق لَهُ الْحمار كَمَا قراته فِي بعض إجازات حُسَيْن صَاحب التَّرْجَمَة من الشَّيْخ عَامر العزيزي الْآتِي ذكره وَنَشَأ حُسَيْن هَذَا فِي غَزَّة وَقَرَأَ بهَا ثمَّ رَحل إِلَى مصر فِي حُدُود سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَأخذ بهَا عَن إِمَام الْفَرَائِض فِي زَمَنه عبد الله الشنشوري الشَّافِعِي الْخَطِيب بِجَامِع الْأَزْهَر وَعَن الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ والنور عَليّ الزيَادي وَأبي بكر بن إِسْمَاعِيل الشنواني وَيحيى ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى الهيتمي الأَصْل الأنبابي وَالشَّمْس مُحَمَّد التَّمْر تاشي صَاحب التَّنْوِير والشهاب أَحْمد بن زين الدّين الْخَطِيب الشربيني الشَّافِعِي وَالشَّيْخ عَامر ابْن عبد الله العزيزي الشَّافِعِي وَالشَّيْخ عَليّ بن عمر بن شيخ البير الْغَزِّي وَالشَّيْخ عَليّ ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد أبي العزاين أَحْمد الْعزي الشَّافِعِي الْأنْصَارِيّ الْأَزْهَرِي وَرجع إِلَى عزة وانكب على الإفادة وشاع ذكره واشتهر فَضله وَكَانَ عَالما جَلِيلًا متضلعا من الْعُلُوم وَإِن غلب عَلَيْهِ علم الْفَرَائِض وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف
[ ٢ / ٩٤ ]
الشَّيْخ حُسَيْن بن عبد الله الْمَعْرُوف بالمملوك نزيل دمشق أحد الْأَفْرَاد الْمجمع على جلالته وتبحره فِي الْعُلُوم وتمكنه فِي التصوف والمعارف الألهية وَالْأَدب وَكَانَ عَالما متجرا زاهدا ورعا عابدا منتسكا متجردا عَن المَال والأهل مُنْفَرد فِي زَوَايَا التَّوَاضُع والمسكنة حكى عَن نَفسه مرَارًا أَنه كَانَ فِي مبدأ أمره رَقِيقا لرجل من أَعْيَان التُّجَّار بِمَدِينَة حلب بمحلة البياضة يُقَال لَهُ قرابكر وَاسْتمرّ مَوْلَاهُ يربيه كولده الَّذِي من صلبه ويعلمه الكمالات ويقرئه بإجتهاد وَطَلَبه من عهد حداثته وَأَيَّام شبابه حَتَّى مَال طبعه إِلَى الْكَمَال وَقَرَأَ على مَشَايِخ حلب مِنْهُم الشَّيْخ عمر العرضي وتلميذه الشَّمْس الْعِمَادِيّ الْعُلُوم الْعَرَبيَّة والفنون الأدبية وَلم يزل حَتَّى حصل شَيْئا وافرًا من الْعُلُوم وَأخذ طَرِيق الْقَوْم عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الْعِمَادِيّ وَالِد الشَّمْس وَكَانَ لَهُ قدرَة على تأليف مقامات الصُّوفِيَّة بالألحان الطبية وينشد كَلَام الْقَوْم فِي حَلقَة الشَّيْخ مُحَمَّد الْعِمَادِيّ الْمَذْكُور ويقرئ الطّلبَة فِي مُقَدمَات الْعُلُوم وَكَانَ أعْتقهُ مَوْلَاهُ من رقّه وَأحسن إِلَيْهِ وَبَالغ فِي إكرامه وَسلم إِلَيْهِ جَمِيع مَاله وَصَارَ يُرْسِلهُ إِلَى الْبِلَاد بأسفار التِّجَارَة ويلاحظه السعد فِي أَسْفَاره إِلَى أَن حصل لسَيِّده شَيْئا كثيرا من المَال ثمَّ توفّي سَيّده بحلب فتجرد من قَيده فِي التِّجَارَة وَفَارق حلب ورحل إِلَى مصر وجاور فِي جَامع الْأَزْهَر وَقَرَأَ على مَشَايِخ ذَلِك الْعَصْر واجتهد فِي التَّحْصِيل إِلَى أَن صَار من أكَابِر الْعلمَاء وصناديد الْفُضَلَاء وَحج وجاور سِنِين وَقدم دمشق وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ سَافر إِلَى حلب وَأخذ الْعَهْد من طريف الخلوتية وتجرد وَترك صُحْبَة النَّاس ومعاشرتهم وَالْتزم السلوك فِي طَرِيق الْحَقِيقَة على دأب مَشَايِخ الصُّوفِيَّة وبرع فِي الزّهْد وَالصَّلَاح وَكَانَ لَهُ فِي الْأَدَب حَظّ وافر وَله التفوق فِي دقائق الألغاز والمعميات ونظم الشّعْر البديع وَجمع لنَفسِهِ فِي آخر أمره ديوانا من شعره وَأحسن فِي جمعه وَضَبطه وَكَذَلِكَ جَمِيع ديوانا من ألغازه ورتبه على حُرُوف المعجم ووسمه بتشحيذ الحجا بألغاز حُرُوف الهجاء وَشرح ألغاز الْأُسْتَاذ عمر بن الفارض فِي نمط بديع وأسلوب عَجِيب وَألف رسائل كَثِيرَة فِي فنون عديدة وَمن شعره قصيدته النونية فِي مدح النَّبِي
ومطلعها
(لَاحَ برق من بروق الأربقين أم سنا من نور أهل الرقمتين)
(حارت الْأَلْبَاب فِي مَعْنَاهُمَا وَمعنى الْوَصْل لَا يدْرِي لاين)
(بعد الطَّالِب وَالْمَطْلُوب هَل تَنْفَع الشكوى بعيد الهجرتين)
[ ٢ / ٩٥ ]
(لَيْسَ يُدْنِيه معِين إِذْ غَدا قاصي الدَّار معبن المقلتين)
(فَدَعَاهُ بعد بعد رَحمَه هَاتِف الْغَيْب لمجلي الحضرتين)
(ثمَّ نَادَى بِلِسَان طلق صَادِقا فِي قَوْله من غير مين)
(يَا أَخا الْعَزْم بحزم حَازِم وبقلب يقظ مَا فِيهِ رين)
(قدّم الْقلب وَأخر قالبًا وألزم التَّقْوَى بِصدق الْقَدَمَيْنِ)
(واطلب الشَّرْع ولازم عَرْشه مجمع الْبَحْرين جمع الجسّين)
(وابق بالأخيار واجمع فَوْقهم وَكن ابْن الْوَقْت وأنف العدمين)
(أَن ترم ترقى على هام العلى ساميًا فَوق سَمَاء الفرقدين)
(فأت من أَبْوَابهَا بوّابها وتوسل برَسُول الثقلَيْن)
(أَحْمد الْمُخْتَار كننز الأتقيا بهجة الكونين نور المشرقين)
(قامع الْكفَّار مَا حَيّ شركهم جَامع الْأَنْصَار حامي البلدتين)
(فاتح الْأَمْصَار بِالسَّيْفِ سوى يمن الْيمن بهَا قرّة عين)
(بِكِتَاب أسلمت واستسلمت عدن الْخَيْر وصنعا وعدين)
(لم يكن لَوْلَا وجود الْمُصْطَفى جود غفران وجود الْعَالمين)
(فجزاه الله أَعلَى مَا جزى من بني حَاتِم فياض الْيَدَيْنِ)
(يَا رَسُول الله يَا سؤل الورى يَا جميل الْوَجْه أبهى القمرين)
(يَا خطيب الْحق لِلْخلقِ وَيَا جَامع الصدْق أَمَام الْقبْلَتَيْنِ)
(يرتجي الْحسنى حُسَيْن سَيِّدي يَا أَبَا الْإِحْسَان جدّ الحسنين)
(كن لَهُ يَا ذَا الْمَعَالِي شافعاَ فِي عماد يَا عماد النشأتين)
(وأعنه حَيْثُ يَأْتِيهِ القضا وأغثه من سُؤال الْملكَيْنِ)
(وَتقبل سَعْيه يَا من بِهِ شرع الْحَج ومسعى المروتين)
(فعلى ذاتك من رب السَّمَاء صَلَاة وَسلَامًا دائمين)
(وعَلى الْآل مَعَ الْأَصْحَاب مَا ذكر الْبَدْر ببدر وحنين)
وقرأت بِخَطِّهِ على هامشها مَا صورته هَذِه القصيدة عرضت على النَّبِي
أَخْبرنِي بِهِ قطب وقته السَّيِّد صبغة الله القاطن بِالْمَدِينَةِ المنورة والعهدة عَلَيْهِ وقرأت بِخَط بعض النَّاس نقلا عَن صَاحب التَّرْجَمَة قَالَ ورد سُؤال إِلَى الْجَامِع الْأَزْهَر بِمصْر مُشْتَمل على بَيْتَيْنِ قيل أَنَّهُمَا للشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي الْحسن
[ ٢ / ٩٦ ]
الشاذلي وهما
(عينان عينان لم ترقأ دموعهما لكل عين من الْعَينَيْنِ نونان)
(نوناّن نوناّن لم يخططهما قلم لكل نون من النونين عنان)
فَأجَاب من أجَاب عَنهُ بِمَا ناسب قدره لكنه ضل فِي غيهب ليل فكرة وَمَا صَادِق قدره وألهمني الله عَنهُ مَا يقرب من الْجَواب فَلَعَلَّهُ أَن يكون قَاضِيا بِهِ لَا قاصيا عَن الصَّوَاب فَقلت
(جَوَابه سُورَة الرَّحْمَن ناطفة بِهِ أيا روح ذاتي عين إنساني)
(فَكل عين لَهَا نون عَلَيْك بهَا لَكِنَّهَا بإعتبار الْبسط نونان)
(هَذَا ونونان أَن تطلب بيانهما فأسماهما مِنْهُمَا لَا رسم قُرْآن)
(فاسم على سمك وأسم على ملك يرى لكل من الأسمين عنان)
(هاك الْبَيَان بتقرير اللِّسَان بِهِ تَحْرِير سر جناه كنز عرفان)
وَمن شعره قَوْله مقتبسا
(كم من جهول فِي الْغَنِيّ سارح وَمن عليم فِي عناء مُقيم)
(قد حارت الْأَلْبَاب فِي سرذا وطاشت النَّاس فَقَالَ الْحَكِيم)
(لَا يسئل الخلاق عَن فعله ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم)
وَقَوله
(يَا رَاضِيا بِعُلُومِهِ بَين الورى إياك فيا أَن يشينك قَادِح)
(لتَكون مرضيًا بهَا عِنْد الندى يأيها الْإِنْسَان أَنَّك كَادِح)
وَقَوله
(يَا من يروم إِلَى الْحَقَائِق مسلكًا إِن شِئْت فِيهَا أَن تصبر بَصيرًا)
(فَعَلَيْك بالهادي النصير كِفَايَة وَكفى بِرَبِّك هاديًا ونصيرًا)
وَقَوله
(ألهي تناجيك السَّمَاء وَأَهْلهَا وترجوك أهل الأَرْض حَقًا وتقصد)
(تَبَارَكت يَا رَحْمَن أَنْت رحيمنا وَمَالك يَوْم الدّين أياك نعْبد)
وَبِالْجُمْلَةِ فَلهُ آثَار كَثِيرَة وَاسْتقر آخر أمره بِدِمَشْق وَسكن فِي الْمدرسَة الكلاسة فِي حجرَة صَغِيرَة تجاه الْجَامِع الْأمَوِي فِي جوَار مرقد السُّلْطَان صَلَاح الدّين بن أَيُّوب وَقَرَأَ عَلَيْهِ الجم الْغَفِير من أهل دمشق أَنْوَاع الْعُلُوم وَبِه انتفعوا فِي فنون الْأَدَب وَفِي حل الْكَلَام ابْن الفارض وَكَانَ عيشه بِدِمَشْق أمرا غَرِيبا لَا يعرف لَهُ أحد وَجه معاش وَكَانَ لَا يقبل من أحد شَيْئا مَا وَلَو كَانَ على سَبِيل الْهَدِيَّة وَكَانَ لَا يعاشر بِلَا الْفُقَرَاء وأرباب الطَّرِيق من الصُّوفِيَّة وَكَانَ ملازما لزيارة قُبُور الْأَنْبِيَاء والأولياء ومشايخ الْعلم مِمَّن لَهُم مَرَاتِب مَعْلُومَة وَكَانَ فِي أَكثر أوقاته يُوجد منتزها فِي بساتين
[ ٢ / ٩٧ ]
دمشق وغياضها وَيجْلس على جَانب الْأَنْهَار مَعَ طلبة الْعلم والفقراء المترددين إِلَيْهِ وَعمر كثيرا حَتَّى بلغ رُتْبَة الثَّمَانِينَ وحظى فِي زَمَانه بشرف صُحْبَة أَئِمَّة كبار جالسهم وعاشرهم وَأخذ الْعلم عَن أساطين عالية الْمَقَادِير وساح كثيرا فِي الْبِلَاد حَتَّى انْتَهَت سياحته إِلَى استقراره بِدِمَشْق وَبهَا توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف وَكَانَ مَرضه الاسهال وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَقَالَ أَبُو بكر الْعمريّ شيخ الْأَدَب الْمُقدم ذكره فِي تَارِيخ وَفَاته
(مذ عَالم عصره أَمَام التَّوْحِيد قد حل برمسه غَرِيبا ووحيد)
(قَالُوا أشهادة لَهُ قد حصلت أرخت بلَى حُسَيْن قد مَاتَ شَهِيد)
الشَّيْخ حُسَيْن بن عبد النَّبِي بن عمر الْحلَبِي الأَصْل الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن الشعال أَمَام السُّلْطَان الْعَالم الْمَشْهُور وَكَانَ أَبوهُ عبد النَّبِي خَادِم نَبِي الله يحيى بن زَكَرِيَّا ﵉ وكبير الشعالين بِجَامِع مَعَ بني أُميَّة وَنَشَأ حُسَيْن هَذَا وَلزِمَ الِاشْتِغَال حَتَّى برع فِي الْفُنُون خُصُوصا القرآت وَكَانَت قِرَاءَته جَيِّدَة وصوته حسنا وَكَانَ رجل رومي ورد إِلَى دمشق فأحدث لَهُ بعض قُضَاة الشَّام إِمَامَة بِجَامِع بني أُميَّة فَكَانَ يقْرَأ الْفَاتِحَة وَيَقُول وَلَا الضَّالّين بِفَتْح اللَّام على صِيغَة التَّثْنِيَة وَكَانَ يَقُول أَيْضا غير المغضوب بِفَتْح الضَّاد وَسُكُون الْوَاو فَأنْكر النَّاس عَلَيْهِ ففرغ لحسين هَذَا عَن وَظِيفَة الْإِمَامَة الْمَذْكُورَة وباشر هامدة وَكَانَ إِذْ ذَاك مَعَ حَدَاثَة سنه متصنعًا فِي أسلوبه متعظمًا جدا وَله دَعْوَى عريضة وَدخُول فِي أَبْوَاب لم يحم حولهَا وَمِنْهَا الشّعْر حَتَّى نظم قصيدته الْمَشْهُورَة فِي مدح السَّيِّد الشريف مُحَمَّد بن السَّيِّد برهَان الدّين قَاضِي الْقُضَاة بِالشَّام وَهِي من أعجب مَا سمع من القَوْل وتعرف فِي هَذِه الْبِلَاد بالقصيدة القرمحشدية وأثبتها هُنَا لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْعجب العجاب وَهِي قَوْله مُحَمَّد قرم حشد مُحدث نجل حبر طهر حدث جزر مصدر الحكم مسبار سطاع سعدك سلع سماك سمحك شرح سكال سرك سهم سماط سحلك مدرار نجاف نجدك نجح نطاف نسلك نهر نجار نهجك نور نقاط نجلك مكثار نقاب نعتك نشر نُحَاس نجرك نقع نبال مدحك نظم نِفَاس مدحك مدكار شعاب شرك شقص شمال شهمك شرح شعار شجك شكد شقاب شهدك ممهار صدار صمدك صوف صنار صبرك صدع صِرَاط صدقك صنم صِحَاب صفقك مِقْدَار مُطَاع مرضك مَحْض مَخَاض معقك مخض ملاك ملكك ملك ملاع محرك مضمار
[ ٢ / ٩٨ ]
دنار دينك دنس دلاض دبرك دفح دعاف دبسك دبل دثار دبرك مِسْمَار مهار معرك نتك ملاط مرحك ملح معاس معدك مهد ملاح مصرك معشار دوَام دولك درس ديار دبرك دعض دوَام درسك درد دلاس دهنك معطار جَراد جزلك جزر جماع جلك جفل جيار حرسك حَبل جراب حلبك مهدار وَهَذَا آخرهَا وَالْحَمْد لله على التَّمام وَقد شرحها الأديب أَبُو بكر الْعمريّ الْمُقدم ذكره شرحا مُسْتَوْفيا لخرافات ابتدعها وَقَالَ فِي ديباجة الشَّرْح الْحَمد لله الَّذِي خلق الْعقل وأودعه من أحب من هَذَا الْحَيَوَان النَّاطِق وَجعله زِينَة للنوع الإنساني وميز بِهِ الصاهل والناهق إِلَى آخر مَا قَالَه ثمَّ أَخذ فِي شرح الأبيات وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ شرح غَرِيب الْوَضع وَاسْتمرّ صَاحب التَّرْجَمَة مُقيما بِدِمَشْق إِلَى أَن وَقعت لَهُ مَعَ جملَة من فضلاء دمشق قصَّة جِهَات الْحسن البوريني لما مَاتَ كَمَا أسلفته فِي تَرْجَمته فَرَحل بعْدهَا إِلَى الرّوم وتوطنها وَأَرَادَ أَن يسْلك طَرِيق الموَالِي فَلم يَتَيَسَّر لَهُ فَصَارَ إِمَامًا ثَانِيًا فِي جَامع السُّلْطَان أَحْمد ثمَّ صَار خَطِيبًا بالسليمانية وَاسْتمرّ مُدَّة مديدة إِلَى أَن توفّي الْمولى يُوسُف بن أبي الْفَتْح الدِّمَشْقِي إِمَام الحضرة السُّلْطَانِيَّة فَصَارَ مَكَانَهُ إِمَامًا وَكَانَ ذَلِك فِي عهد السُّلْطَان إِبْرَاهِيم وسما حَظه ونما شَأْنه إِلَى أَن صَارَت لَهُ رُتْبَة قَضَاء الْعَسْكَر بروم إيلي وَكَانَ أَرْبَاب الدولة يجلونه ويعظمونه واشتغل عَلَيْهِ خلق كثير خُصُوصا من أهل الْحرم السلطاني وَكَانَ مغرما بالكيماء وَأنْفق عَلَيْهَا أَمْوَالًا جمة وَكَانَت وَفَاته فِي ثَالِث جُمَادَى الأولى سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف ﵀
الْحُسَيْن بن عَليّ الْوَادي اليمني من شعراء الْيمن الفائقين وَكَانَ أديبًا شَاعِرًا لطيف الطَّبْع كثير الْإِحْسَان فِي شعره رَأَيْت خَبره فِي مَجْمُوع بِخَط الْأَخ الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله وَقد أثنى على فضائله وَذكر لَهُ من شعره هَذِه القصيدة ومطلعها
(نسيم الصِّبَا فِي سوحنا يتبختر لَك الله مَا هَذَا إِلَّا ريح المعنبر)
(أَأَنْت رَسُول يَا نسيم الصباء عَن حُلُول الْحمى أم أَنْت عَنْهُم مُبشر)
(فهمت الَّذِي أودعته غير أنني أحب حَدِيثا مِنْهُم يتكرّر)
(لما ألفته النَّفس مِنْهُم وعوّدت وَإِلَّا فَعلم الْغَيْب لَا يتقدّر)
(فكرّر على سَمْعِي أَحَادِيث ذكرهم عَسى تنطفي نَار بأحشاي تسعر)
(هم استصحبوك السرّ بيني وَبينهمْ لِأَنَّك أبدى بالجميل وأبدر)
(ومثلي هداك الله يَا ساري الصِّبَا يَسُرك وَالْمَعْرُوف أجدى وأجدر)
[ ٢ / ٩٩ ]
(وأبلج أمّا الخدّ مِنْهُ فأحمر وأمّا قوام الْقد مِنْهُ فأسمر)
(وأمّا ثنايا ثغره حِين تجتلى فكأس جمانٍ فِيهِ خمرٌ وكوثرُ)
(تغازل عَن عَيْني مهاة وشادن يلاحظنا مِنْهَا سِهَام وأبتر)
(هِيَ الْبيض إِلَّا أَنَّهَا حندسية هِيَ النبل إِلَّا أَنَّهَا تتكسر)
(هِيَ السحر إِلَّا أنّ فِيهَا خصائصًا بهَا عَالم السحر الصناعي يسحر)
(وَفِي خدّه خَال يَقُولُونَ إِنَّه بِلَال لَهُ فِي جَامع الْحسن مِنْبَر)
(بلَى ذَلِك الْخَال الصَّرِيح إِشَارَة عديمة مثل لَا بِلَال وَعَنْبَر)
(شَكَوْت لَهُ من فَتْرَة فِي جفونه لشدّة مَا ألْقى بهَا حِين تفتر)
(وَمَا أَنا فِيهِ من هوى وصبابة تبيت بهَا الأحشاء تطوى وتنشر)
(وأفصح عَن لفظ توهمت أَنه جمان من الثغر الجمانيّ يبهر)
(وَقَالَ نعم هَذَا لعَيْنِي مَذْهَب وفتنة نفس الْمَرْء شَيْء مُقَدّر)
(بروحي جوّار اللحاظ وقدّه يُحَقّق فِينَا عدله حِين يخْطر)
(أَلا إِن عدل الْقد أكبر شَاهد عَلَيْك بجور الحكم وَالله أكبر)
(ورقة هَذَا الْجِسْم مِنْك بأنني رَقِيق هوى والمثل بِالْمثلِ ينظر)
(فَللَّه أزمان تواصل يَوْمهَا بليلتها والعمر كالعيش أَخْضَر)
(وليل عهدناه وَإِن كَانَ أسودًا كشعر الصِّبَا يشكو سوادًا فيشكر)
(وأحباب قلب لَيْسَ إلاّهم المنى صفاء ودادي فيهم لَا يكدر)
(دَلَائِل عشقي فِي هواهم صَرِيحَة ومعرفتي فِي حبهم لَيْسَ تنكر)
(ربحت هواهم فِي زمَان شبيبتي وشبت فَلَنْ أرْضى بِأَنِّي أخسر)
(فَلَا تنكروا أَن أرسل الجفن دمعه وَقد جَاءَ فِي رَأْسِي من الشيب مُنْذر)
(وَيَعْقُوب أحزاني ويوسف فتنتي وَصَالح أعمالي عساني أوجر)
(خليليّ عهد الله إِن جزتما الْحمى وعاينتما قلبِي ببيداه يجأر)
(فدلا عَلَيْهِ جيرة الْحَيّ واذكرا لَهُم من حَدِيث الصب مَا يَتَيَسَّر)
وَمن شعره قَوْله وهما آخر شعر قَالَه
(وَقد مَاتَ شيطاني وَلَكِن تَائِبًا عَن الغِي حَتَّى الشّعْر فَالله يرحمه)
(وخلفت دين الصادرين إلَيْكُمَا يكفر ذَنبا للقريض ويختمه)
وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَسبعين وَألف بالجبى بِفَتْح الْجِيم وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ يَاء
[ ٢ / ١٠٠ ]
نسب اسْم لحصن عَظِيم عَال من بِلَاد ريحة وَبَينه وَبَين السَّيِّد مُحَمَّد بن المطهر الجرموزي مراسلات لَطِيفَة ستأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي تَرْجَمته
الْأَمِير حسن بن فياض الحياري أَمِير الْعَرَب كَانَ من أمره أَنه لما مَاتَ أَبوهُ ظن أَنه ولي عَهده فِي الْإِمَارَة فَوضع يَدَيْهِ على خَزَائِن وَالِده واحتفت بِهِ الْعَرَب وَإِذا بِابْن عَمه الْكَبِير الْأَمِير مُدْلِج بن الْأَمِير ظَاهر قدم بِجَمَاعَة من الْأُمَرَاء وحولوا حُسَيْن عَن الْإِمَارَة وَعَن خَزَائِن وَالِده وحاولوا قَتله فهرب فانعقدت الْإِمَارَة لمدلج لكَونه أكبر مِنْهُ وأوجه وَأقرب إِلَى سلسلة الْإِمَارَة ولكونه كَانَ شريك وَالِده فِي قتل الْأَمِير شَدِيدا ابْن عَمهمَا الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ أَمِيرا وَكَانَ الْأَمِير فياض عاهده على أَنه إِذا مَاتَ تكون الْإِمَارَة من بعده لَهُ ثمَّ نزل حُسَيْن على بعض الكبراء واستظل بظله حَتَّى أصلح بَينه وَبَين مُدْلِج وَجعل لَهُ جانبا من الْولَايَة قَلِيلا ثمَّ وَقع فِي بَغْدَاد ونواحيها ثلج عَظِيم وَكَانَ لم يعْهَد وُقُوع الثَّلج قبل ذَلِك بِبَغْدَاد وحسين هُنَاكَ ومدلج بعيد عَنهُ فأمن مُدْلِج بِسَبَب ذَلِك فَركب حُسَيْن فِي الثَّلج وَذهب بعد أَيَّام إِلَى منَازِل مُدْلِج وَنزل خُفْيَة حَتَّى يدْرك اللَّيْل وَيدخل إِلَى نِسَائِهِ وَكَانَت زَوْجَة مُدْلِج بنت شَدِيد تساهر النِّسَاء وَكَانَ مُدْلِج يدْخل ثملا من الْخمر فَلبس حُسَيْن لِبَاس النِّسَاء وَدخل بَينهُنَّ وَأطَال الْجُلُوس حَتَّى يجد فرْصَة فِي قتل ابْن عَمه وَكَانَت بنت شَدِيد زَوْجَة لوالد حُسَيْن فبالفراسة عَرفته وتحيرت بَين أَن تسكت فَيقْتل زَوجهَا وَبَين أَن تَتَكَلَّم فَيقْتل ابْن زَوجهَا وَإِن قَالَت لَهُ اهرب تخَاف أَن يسمع زَوجهَا فَقَالَت فِي مُؤخر كَلَامهَا بمناسبة لَا يَنْبَغِي المخاطرة فِي الْأُمُور وَيَنْبَغِي الاحتفاظ على النَّفس من الْقَتْل فَلَمَّا علم حُسَيْن أَنَّهَا اطَّلَعت عَلَيْهِ خرج من بَين النِّسَاء هَارِبا ثمَّ وَقع فِي خاطرها أَنه رُبمَا يقتل زَوجهَا خَارج دارها فَصَبَرت سَاعَة ثمَّ بعثت لزَوجهَا إِنَّنِي رَأَيْت بَين النِّسَاء من يشبه الْحُسَيْن وَمَا تحققت هَذَا الْأَمر فاحتفظ على نَفسك فَعِنْدَ ذَلِك بعث مُدْلِج جماعته فوجدوا الْحُسَيْن ركب فرسه وَانْهَزَمَ فَاتبعهُ بالعساكر فَمَا أدركوه ثمَّ بعد ذَلِك كثر اتِّبَاع حُسَيْن من الْعَرَب وواعده طَائِفَة من الْعَرَب الَّذين عَن مُدْلِج أَن يتابعوه ويشايعوه فَأَشَارَ عَلَيْهِ قوم بِأَن يَأْخُذ من مُرَاد باشا حَاكم حلب عرضا فِي الْإِمَارَة ليتقوى من جَانب السلطنة بعد مَا قَالَ لَهُ بعض الْعَرَب الأروام لَا وَفَاء لَهُم بالعهود فَلم يسمع وَجَاء إِلَى حلب وَقدم الْهَدَايَا إِلَى الباشا ووعده وَكتب الْوَزير إِلَى مُدْلِج يطْلب مِنْهُ خَمْسَة وَعشْرين ألفا ليقْتل لَهُ الْحُسَيْن فوعده فغدر مُرَاد باشا بِحُسَيْن
[ ٢ / ١٠١ ]
وَوَضعه فِي سجن القلعة حَتَّى جَاءَ المَال فخنقه ثمَّ بعث عساكره لنهب أَمْوَاله وجماعته فقاتلوهم فَانْهَزَمَ اتِّبَاع مُرَاد باشا وَأخذ عرب حُسَيْن جَمِيع مَا كَانَ بيد جمَاعَة مُرَاد باشا حَتَّى نزعوا ثِيَابهمْ وأدخلوهم إِلَى بِلَاد أرِيحَا عُرَاة حُفَاة كَأَنَّهُمْ وردوا الْحساب ثمَّ إِن الله سلط الْوَزير الْحَافِظ حَتَّى قتل مُرَاد باشا
حُسَيْن بن قَاسم بن أَحْمد بن مُحَمَّد الملقب حسام الدّين المغربي الجويزي الْمَالِكِي العتيقي الدرعي يُقَال الدروي الأديب الشَّاعِر المفلق ذكره الشهَاب الخفاجي فِي كِتَابيه فِي قسم المغاربة والنجم الْغَزِّي فِي ذيله وَقَالَ قدم دمشق فِي سنة خمس بعد الْألف وَكَانَ قدومه إِلَيْهَا من بِلَاد الرّوم صُحْبَة منلا مُحَمَّد أَمِين العجمي السابقي دفتري دمشق بعد أَن أَقَامَ بهَا مِقْدَار نصف سنة وَكَانَ مُحَمَّد أَمِين يعظمه ويصفه بالفضيلة وَكَانَ فِي نفس الْأَمر عَلامَة يعرف الْعَرَبيَّة بأنواعها ويحيط كثيرا وَيذكر أَخْبَار عُلَمَاء الغرب من أقرانه فَمن قبلهم ويستحضر وقائعهم وَوجدت بِخَط القَاضِي عبد الْكَرِيم الطَّبَرَانِيّ فِي بعض مجاميعه أَنه اجْتمع بِهِ وَسَأَلَهُ عَن مولده ونسبته ومشايخه فَذكر أَن مولده فِي أَوَائِل صفر سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة بوادي درا ونسبته إِلَى الْعَتِيق الإِمَام أبي بكر الصّديق ﵁ وَأما مشايخه فَمنهمْ الشَّيْخ الإِمَام الْمَعْرُوف بالنجوري وَالْإِمَام الْحميدِي والزفوري والقدومي قَالَ وَأما شَيْخي الَّذِي عَلَيْهِ قَرَأت عدَّة فنون وَهِي الْفَرَائِض والحساب وَالْعرُوض وَالْفِقْه فَهُوَ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة وحيد تِلْكَ الديار الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الْمَشْهُور بِابْن القَاضِي طالما أرضعني أفاويق در الْآدَاب وَألقى إِلَيّ علوما أجلهَا الْفَرَائِض والحساب قَالَ وَسَأَلته عَن سَبَب تغربه فَقَالَ هُوَ أَمر قدره الله وَكَانَ فِي نَفسِي مُشَاهدَة أفاضل الديار الدمشقية والتعبد بالجامع الْأمَوِي حَتَّى بَلغنِي الله الأمل وأملى كثيرا من شعر أهل الْمغرب وَله من أَبْيَات كتب بهَا إِلَى مُحَمَّد بن عَليّ الفشتالي كَاتب الْإِنْشَاء الشريف بالحضرة المراكشية معاتبا
(عَلَيْك أَخَاف يَا مولى الْكِتَابَة ودادا بالصدود سددت بَابه)
(وَمَا ذَنْب الْمغرب مَعَك حَتَّى تضاع ذمامه بجفا أرابه)
قَالَ فَكتب إِلَيّ جَوَابا وَهُوَ قَوْله
(أعيدك من ظنون واسترابه بنيت قبابها فَوق الضبابه)
(بروق تَحت راعدة بصيف تثير سحابها ريح الْكِتَابَة)
[ ٢ / ١٠٢ ]
(تهدد من أَخِيك بري عيب يفر إِلَى السرُور من الكآبة)
(وَعند الله مجمع كل حق وَمَا كل الدُّعَاء بِذِي استجابة)
وَذكره الفيومي فِي فهتزهه وَأنْشد لَهُ قَوْله
(ولي صَاحب قد هذبته يَد الصِّبَا مودته فِي غية وعيان)
(وَلَكِن هَوَاهُ مَعَ هواي تخالفا تخَالف رُؤْيا السجْن للفتيان)
(فيهوى بني نجد ولين خصورهم وأهوى بَنَات الْغَوْر طول زماني)
(تذكرني حَالي وإياه قَوْله رفيقك قيسي وَأَنت يماني)
قَالَ النَّجْم الْغَزِّي ثمَّ خرج من دمشق حَاجا وقطن بِمَدِينَة العلافي طَرِيق الْمَدِينَة من الشَّام وأحبه أَهلهَا وَأَقْبلُوا عَلَيْهِ وجعلوه لَهُم إِمَامًا وخطيبا ومعلما لأطفالهم ومفتيا لَهُم على مَذْهَب مَالك لأَنهم مالكيون ثمَّ إِنَّه خرجت عِنْدهم عين مَاء قريبَة من الْبَلدة فَخرج إِلَيْهَا حُسَيْن فَوَجَدَهَا مُمكنَة الْوُصُول إِلَى مَدِينَة الْعلَا فساعده أَهلهَا حَتَّى أجروها إِلَى أَرض هُنَاكَ وخصوه بهَا وَرَأَوا أَن ذَلِك من بركته قَالَ وَلما حججْت فِي سنة سبع بعد الْألف زارني وحَدثني بِحَدِيث الْعين وَسَأَلته عَنْهَا فَأَخْبرنِي أَنَّهَا تبلغ مجْرى من المَاء بِحَيْثُ تستقل وتغني وَأَنه أَحْيَا بهَا أَرَاضِي كَثِيرَة قَالَ وحَدثني فِي تَاسِع عشر ذِي الْقعدَة أَو عشرِيَّة بالمنزلة الْمَذْكُورَة قَالَ حَدثنِي الشَّيْخ مُحَمَّد بن العجيمي النجاري قَاضِي جبلة وزبيد بِالْيمن قَالَ سَأَلت ولي الله مُحَمَّد بن عجيل اليمني فَقلت لَهُ قد تزايد ظلم الأروام وَتجَاوز فَقَالَ قلت للبرهمتوشي يَعْنِي الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد البرهمتوشي الْحَنَفِيّ عَلامَة مصر مِثْلَمَا قلت لي فَقَالَ أنْكرت ذَلِك فَذَهَبت إِلَى الدفتر دَار فَكتبت سَائِر الْمَظَالِم وسافرت إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان فَبَيْنَمَا أَنا فِي حلب إِذْ سَمِعت هاتفا جَالِسا فِي الْهَوَاء على كرْسِي فَقَالَ لي
(إِذا نَحن شِئْنَا لَا يدبر ملكنا سوانا وَلم نحتج لشخص يدبر)
(فَقل للَّذي قد رام مَا لَا نريده وحاول أَمر أدونه يتَعَذَّر)
(لعمرك مَا التَّدْبِير إِلَّا لوَاحِد وَلَو شَاءَ لم يظْهر بِمَكَّة مُنكر)
قَالَ فَرَجَعت وسلمت الْأَمر إِلَى الله تَعَالَى قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ
(أرى غَارة الأقدار وللمرء لاحقه وَلَو فر منهارا كبا متن شاهقه)
(وَمَا خطّ فِي أم الْكتاب تسوقه إِلَيْهِ الْمَقَادِير الَّتِي هِيَ سابقه)
(فَلَا ذاق من صاب التغرب من بَكَى على مغربي ضَاعَ بَين مشارقه)
[ ٢ / ١٠٣ ]
فعاتبته على ذَلِك وَقلت لَهُ مَا ضعت بَين المشارقة بل شاع ذكرك وَضاع نشْرك وسما قدرك فَمَا أنصفت فِيمَا قلت فاعترف بذلك من حَيْثُ لَا يَسعهُ الْإِنْكَار وَقَالَ إِنَّهَا نفثة مصدور على وَجه الِاعْتِذَار ثمَّ أدمج القَوْل بِأَنَّهُ وَإِن حصل فِي الْعلَا تَمام النِّعْمَة إِلَّا إِنَّه فِي بَلْدَة صَغِيرَة لَيْسَ بهَا عَالم يعرف قدره ثمَّ أَنْشدني مقَالَة العتابي يُشِير إِلَى ذَلِك
(الْمَرْء فِي سوق الزَّمَان سلْعَة يرخص أَو يغلو بِقدر الْبقْعَة)
(وَهَا أَنا بوادي درعة رخيص وَلَيْسَ لي عَمَّا قضى الله محيص)
(يَا من يَلُومن على سكني درى فَلَا تقل لما جرى كَيفَ جرى )
وَهَذِه الأبيات تدل على أَنه يُقَال للمكان درعة بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَبعدهَا عين مُهْملَة ودرى وَالرَّاء مَفْتُوحَة إِلَّا أَنه سكنها ضَرُورَة ولغة فِي درعة وَمن هُنَا يُقَال فِي النِّسْبَة إِلَيْهَا درعى ودرى وَقَالَ ثمَّ اجْتَمَعنَا بِهِ فِي الرّجْعَة فِي أَوَاخِر الْمحرم سنة ثَمَان فأنس بِنَا وانسنا بِهِ وَلما عدت إِلَى الْحَج فِي سنة عشرَة رَأَيْته قد سَافر إِلَى الرّوم وعدت إِلَى الْحَج فِي سنة إِحْدَى عشرَة فَلَمَّا كُنَّا بِمَكَّة المشرفة فِي أواسط ذِي الْحجَّة بلغنَا أَنه غرق فِي بَحر جدة فِي الْمركب الْمَعْرُوف بالخاصكية فِي الشَّهْر الَّذِي قبله لحقته غَارة الأقدار وساقت إِلَيْهِ الْمَقَادِير مَا خطّ فِي أم الْكتاب رَحمَه الله تَعَالَى
الْحُسَيْن بن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ القَاضِي الْحُسَيْن المهلا فِي حَقه إِمَام عُلُوم مُحَمَّد الَّذِي اعْترف أولو التَّحْقِيق بتحقيقه وأذعن أَرْبَاب التدقيق لتدقيقه واشتهر فِي جَمِيع الأقطار اليمنية بالعلوم السّنيَّة أَخذ عَن وَالِده الإِمَام الْمَنْصُور الْقَاسِم ولازمه حَتَّى برع وترعرع وَأخذ عَن الإِمَام الْعَلامَة لطف الله بن مُحَمَّد بن الغياث المظفري وجدي الْمُجْتَهد عبد الله المهلا وَلَقي كثيرا من شُيُوخ عصره وَله التصانيف الشهيرة كغاية السول فِي علم الْأُصُول وَشَرحه هِدَايَة الْعُقُول وَكتاب فِي آدَاب الْعلمَاء والمتعلمين اخْتَصَرَهُ من كتاب جَوَاهِر الْعقْدَيْنِ للسَّيِّد السمهودي وَكَانَ لَهُ الْخط الْحسن الَّذِي لَا نَظِير لَهُ وَمن شعره البديع قَوْله
(مولَايَ جد بوصال صب مدنف وتلافه قبل التلاف بموقف)
(وَارْحَمْ فديت قَتِيل سيف مرهف من مقلتيك طعين قد مر هف)
(فَامْنُنْ بحقك يَا حبيب بزورة تحيي بهَا الْقلب القريح فيشتفي)
(أعلمت أَن الصد أتلف مهجتي والصد للعشاق أعظم متْلف)
[ ٢ / ١٠٤ ]
(عجبا لعطفك كَيفَ رنح وانثنى متأودا وعَلى لم يتعطف)
(أَنا عَبدك الملهوف فارث لذلتي وارفق فديتك بِي لطول تلهفي)
(عَرفتنِي بهواك ثمَّ هجرتني يَا لَيْتَني بهواك لم أتعرف)
(حَملتنِي مَالا أُطِيق من الْهوى وأذقتني سم الْفِرَاق المدلف)
(يَا مهجتي ذوبي وَيَا روحي اذهبي من صده عني وَيَا عَيْني اذرفي)
(هَل من معِين لي على طول البكا أَو راحمي أَو ناصري أَو منصفي)
(وَإِلَيْك عاذل عَن ملامة مغرم لَا يرعوى عَمَّا يروم وَلَا يَفِي)
(حاشاي أَن أسلو وانسي عهد من أحببته إِنِّي أَنا الْخلّ الوفي)
(قل مَا تشَاء فانني يَا عاذلي لَا أَنْتَهِي لَا أنثني عَن متلفي)
(أَنا عَبده لَا أكتفي عَن مالكي وَالْعَبْد عَن ملاكه لَا يَكْتَفِي)
(يَا قلبه القاسي أما ترثي لمن قَاس هَوَاك جوى وَطول تأسف)
(اعطف على قلب سلبت فُؤَاده واستبق مِنْهُ بِالنَّبِيِّ الْأَشْرَف)
وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشرى شهر ربيع الآخر سنة خمسين وَألف بِمَدِينَة ذمار وَبهَا دفن رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حُسَيْن بن كَمَال الدّين بن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حَمْزَة الْحَرَّانِي ابْن مُحَمَّد بن نَاصِر الدّين بن عَليّ بن الْحُسَيْن المحترف ابْن إِسْمَاعِيل بن الْحُسَيْن النتيف ابْن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الثَّانِي ابْن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَعْرَج ابْن الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق ابْن الإِمَام مُحَمَّد الباقر ابْن الإِمَام عَليّ زين العابدين ابْن الإِمَام السَّيِّد الْحُسَيْن بن الإِمَام عَليّ بن أبي طَالب رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ هَذَا نسب بني حَمْزَة نقباء الشَّام وكبرائها أَبَا عَن جد وَسَيَأْتِي فِي كتَابنَا هَذَا مِنْهُم أنَاس تشرف بهم هَذَا الْعَصْر وَالسَّيِّد حُسَيْن هَذَا وَأَخُوهُ السَّيِّد مُحَمَّد روح الله تَعَالَى روحهما فرقد أَسمَاء هَذَا الْبَيْت ونير فلكه وكل مِنْهُمَا بارع فِي الْفُنُون كَبِير الشَّأْن وَسَيَأْتِي السَّيِّد مُحَمَّد كَمَا ذكرنَا واما السَّيِّد حُسَيْن فَإِنَّهُ اشْتغل وبرع وسما قدره إِلَى معالي الْأُمُور فسافر إِلَى الرّوم وَأقَام بهَا زَمَانا طَويلا وتقلبت بِهِ الْأَحْوَال إِلَى أَن قدم إِلَى دمشق وَرَأس فِيهَا وَصَارَ نَائِبا بالمحكمة الْكُبْرَى وقساما للعسكر ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الفارسية برتبة الدَّاخِل وَكَانَ فَاضلا كَامِلا وجيها حسن المصاحبة لطيف الْعشْرَة أديبا مطبوعا رَأَيْت من آثاره كتابا جمعه وَسَماهُ بالتذكرة الحسينية ذكر
[ ٢ / ١٠٥ ]
فِيهِ شعراء متقدمين كالشريف الرضي وَمن نحا نَحوه وختمه يذكر بعض معاصريه من الشُّعَرَاء ثمَّ ذكر فِي آخِره حِصَّة وافية من نظمه فَمن ذَلِك قَوْله من قصيدة يمدح بهَا رُؤَسَاء الرّوم ومطلعها
(خفض عَلَيْك أَخا الظباء الغيد وَارْحَمْ مدامع جفني المسهود)
(كم ذَا أعلل بالأماني تَارَة قلبِي وطورا بانتظار وعود)
(وَلكم أَبيت بليلة الملسوع فِي اذني سميع فِي الْتِفَات رصيد)
(يَا مُسْرِفًا فِي هِجْرَة لمتيم هجرت محاجره لذيذ هجود)
(أَهْون برغبتك القلى والجهد فِي تَعْذِيب شلو فُؤَادِي المفؤود)
(لم يبْق هجرك فِي قلبًا خافقا لسرور وغد أَو لخوف وَعِيد)
(وغدوت من فعل السقام كأنني أَوْهَام فكر فِي خيال بليد)
(أدنيتني حَتَّى ملكت حشاشتي وتركتني وَقفا على التنكيد)
وَقَوله من أُخْرَى
(معَاذ الْهوى إِن الصريع بِهِ يصحو ليعقل مَا يملى على سَمعه النصح)
(وَكَيف ترجى مِنْهُ يَوْمًا إفاقة ة وَزيد الْهوى فِي عقله عظم الْقدح)
(دع الْقلب يشقى فِي طَرِيق ضلاله فَفِي رَأْيه أَن الْوُصُول بهَا نحج)
(تؤمل آمالا مدى الْعُمر دونهَا كَانَ مطايا النائبات بِهِ جمح)
(يكتم أسرار الغرام فُؤَاده ويفضحه من مزن مقلته السح)
(لقد ألفت عَيناهُ أَن تنضح الرما وَتلك دمالب بِهِ أحكم الجرج)
(يعاف الْكرَى مِنْهُ المحاجر كَارِهًا نزُول جراح جرحها شَأْنه الرشح)
(لَهُ فِي انْتِظَار لطيف جفن مؤرق تفيئه من شدَّة الأرق الْقرح)
(وَلم يدر أَن الطيف يحذر ان يرى نزيل بيُوت دأب أَبْوَابهَا الْفَتْح)
(غَدا دهره بالهجر لَيْلًا جَمِيعه وحسبك دهر بالنوى كُله جنح)
(كَانَ نُجُوم الْأُفق فِيهِ تنصرت فَلَيْسَتْ لغير الشرق وجهتها تنحو)
(كَانَ الثريا والنسور تخاصما وظلا على جد بجانبه المزح)
(كَانَ بِهِ الشهب الثواقب تنبري مَرَاسِيل ذَات الْبَين يُرْجَى بهَا الصُّلْح)
(كَانَ بِهِ خيط المجرة جدول توارده الحبشان وازدحم التَّرَحِ)
(كَانَ ظلام اللَّيْل فِي الجو عثير تغشى صُفُوف الْجَيْش من جونه قبح)
[ ٢ / ١٠٦ ]
(كَانَ بِهِ العيوق ملك مبجل كَانَ اخضرار الْفجْر فِي أفقه صرح)
وَقَوله من أُخْرَى
(خفض عَلَيْك أَخا الظباء الرتع انت الشَّرِيك بِمَا رميت بِهِ معي)
(أرْسلت من أجفان لحظك أسهما مد فوقت لم تحظ قلب مروع)
(قد ظلّ موقعها الْفُؤَاد وإنني لم ألق غَيْرك ثمَّ فِي ذَا الْموضع)
(كلفت بحبات الْقُلُوب كَأَنَّمَا تبغي الْوُقُوف على الضَّمِير الْمُودع)
(يَا من غَدا يَسْطُو عَليّ بهجره أَو مَا رحمت نحيب صب مولع)
(شَيْئَانِ تنصدع الجوانح مِنْهُمَا تغريد ساجعة وأنة موجع)
(كم رمت أُخْفِي عَن سواك صبابتي وَبهَا ينم على شَاهد أدمعي)
(يهفو لغي فِيك قلبِي ثمَّ لَا يصغى لغش بالرشاد مقنع)
(قل للعذول عَلَيْك يتْرك غشه بالنصح لي فلذاك أدنى لَا تعي)
(لم تخف قطّ بشاشة لؤم الْفَتى فالطبع يفضح حَالَة المتطبع)
(إِن الملام وَحقّ وَجهك فِي الْهوى مَا زَاد غير تولهي وتولعي)
(قد زَاد فِيك تالفي بتألمي وتفكري فِيك انْتهى لتمتعي)
قَوْله خفض إِلَى آخر الأبيات الثَّلَاثَة من المطلع هُوَ مَضْمُون قَول مهيار فِي أبياته
(أودع فُؤَادِي حرقا أودع ذَا تَكُ تؤذي أَنْت فِي أضلعي)
(امسك سِهَام اللحظ أَو فارمها أَنْت بِمَا ترمي مصاب معي)
(موقعها الْقلب وانت الَّذِي مَسْكَنه فِي ذَلِك الْموضع)
وَمن شعره قَوْله من قصيدة أُخْرَى
(أَرَانِي الزَّمَان فعالا خسيسا وخطبا يُبدل نعماه بوسا)
مِنْهَا
(ومذ أسكرتني صروف الزَّمَان نسيت بهَا الكاس والخندر يسا)
(وألزمت نَفسِي حَال الخمول وعفت المنى وهجرت الجليسا)
(فقد يمْكث السَّيْف فِي غمده حصونا ويستوطن اللَّيْث خيسا)
وَمِنْهَا فِي المديح
(بعزم ترَاهُ إِذا مَا بدا بمعضل امْر يفل الخميسا)
(وَلَا تملك الْقلب مِنْهُ الرداح وَلَو أشبه الْوَجْه مِنْهَا الشموسا)
(وَلَو تَكُ لَو تمس مَا اهتدت عصون الرياض إِلَى أَن تميسا)
[ ٢ / ١٠٧ ]
وَقَوله مضمنا بَيت الأرجاني مرتجلا
(لست أنسى لياليا قد تقضت بوصال وَطيب عَيْش بمغنى)
(كم قضينا بهَا لبانة أنس وظفرنا بِكُل مَا نتمنى)
(حَيْثُ غُصْن الشَّبَاب رَيَّان من مَاء صباه مَعَ الْهوى يتثنى)
(قد أَتَت بَغْتَة وَوَلَّتْ سرَاعًا كطروق الخيال مذ زار وَهنا)
(أَتَرَى هَل تعود لي بالتداني ومحال جمعي بهَا أونثني)
(غير أَنِّي اعلل النَّفس عَنْهَا بالاماني الْكذَّاب وهما ووهنا)
(أَتَمَنَّى تِلْكَ اللَّيَالِي المنيرات وَجهد الْمُحب أَن يتَمَنَّى)
وَهَذَا مَا وَقع اخْتِيَاري عَلَيْهِ للإثبات هُنَا من شعره وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَتُوفِّي فِي أَوَائِل شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَدفن بتربة الايجية فِي سفح قاسيون رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حُسَيْن بن مُحَمَّد البيمارستاني نقيب الاشراف بحلب وَكَانَ يكْتب الْحُسَيْنِي تولى نقابة حلب بعد موت وَالِده ونازعه الشَّمْس الرامحمداني فَإِنَّهُ كَانَ نَقِيبًا قبل وَالِد السَّيِّد حُسَيْن فتقرب السَّيِّد حُسَيْن إِلَى الْمولى يحيى بن سِنَان بالهدايا حَتَّى قررها عَلَيْهِ وَعرض لَهُ بهَا وَكَانَ صَاحب أَمْوَال جزيلة حصلها من التِّجَارَات والمداينات وَأخذ أمرا بالتقاعد عَن دفتر دارية حلب وَكَانَ لَا يَأْخُذ من الاشراف مَالا وَلَا يصادرهم بل كَانَ يبْذل لَهُم الْقرى وَيَقْضِي مهمات مصالحهم بِخِلَاف غَيره من النُّقَبَاء وَلما استولى خداوردي أحد جند الشَّام على حلب ونواحيها وامتدت يَده زوج ابْنَته لِابْنِ خداوردي كَمَا زوج الشَّيْخ أَبُو الْجُود ابْنَته لخداوردي تقربا إِلَى جاهه وَلما تولى الْوَزير نصوح كَفَالَة حلب وَفهم الشَّيْخ أَبُو الجودانة يُرِيد الانتقام من خداوردي وَبَقِيَّة أجناد دمشق المستولين على حلب فر قبل وَقع الْفِتْنَة إِلَى دمشق وَالسَّيِّد حُسَيْن ثَبت وَكَانَ يُدَارِي الباشا وَهُوَ فِي الْبَاطِن يبغضه وَيَنْوِي لَهُ السوء والأمير درويش بن مطاف أحد مُتَفَرِّقَة حلب مَقْبُول الباشا كثير البغض للسَّيِّد حُسَيْن بِوَاسِطَة أَخِيه السَّيِّد لطفي فَإِنَّهُ كَانَ عدوا للسَّيِّد حُسَيْن مَعَ كَونه أَخَاهُ فَكَانَ السَّيِّد لطفي يثلب أَخَاهُ بِحُضُور الْأَمِير درويش والأمير درويش ينْقل ذَلِك للباشا حَتَّى وَقع الْحَرْب بَين نصوح باشا وحسين باشا ابْن جانه ولاذ كَمَا ذَكرْنَاهُ سَابِقًا وانكسر نصوح باشا وَعَاد إِلَى حلب مقهور افوشي السَّيِّد لطفي أَن أَخَاهُ فَرح بِكَسْر
[ ٢ / ١٠٨ ]
عَسْكَر الباشا وَأَنه قَرَأَ مولدا فِي هَذِه اللَّيْلَة للفرح فَذهب الباشا لَيْلًا إِلَى دَار السَّيِّد حُسَيْن فَسمع ضرب الدفوف وأصوات الغواني وأمارات السرُور وَكَانَ سَببه أَن بنت السَّيِّد حُسَيْن ولدت ولدا ذكرا فِي تِلْكَ الْأَيَّام فاجتمعت النِّسَاء للفرح فَفِي الْيَوْم الثَّانِي طلب الباشا السَّيِّد حُسَيْن فَأخذ مَعَه شريفا من بَيت ضِعَاف الْحَبْس ورجلا يُقَال لَهُ مَنْصُور بن حلاوة فَدخل الثَّلَاثَة إِلَى دَار السَّعَادَة فَأمر الباشا بخنقهم خُفْيَة فخنقوا وألقيت أَجْسَادهم فِي الخَنْدَق بِحَيْثُ لَا يشْعر بهم أحد وَضبط الباشا أَمْوَال السَّيِّد حُسَيْن وهرب السَّيِّد لطفي لما قيل لَهُ الباشا يقتلك أَيْضا وليوهم النَّاس أنني مَا سعيت فِي قتل أخي وَقد كَانَ السَّيِّد لطفي يحلف الإيمانات الْعَظِيمَة أَن أَخَاهُ يشرب الْخمر ويلبس لبوس النصاري وَيذكر ذَلِك للباشا وَكَانَ قَتله فِي سنة ثَلَاث عشرَة بعد الأ " لف وعمره نَحْو سبعين سنة رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حُسَيْن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد مولى عبد يدا الْحَضْرَمِيّ الشَّيْخ الْمُفْتِي الْعلم الْكَبِير قَالَ الشلي فِي تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَغَيره واعتنى بكشف المشكلات وَصَحب العارفين الأساتذة وَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن حُسَيْن بافقيه وَالشَّيْخ زين العابدين بن عبد الله العيدروس وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف ابْن مُحَمَّد العيدروس واعتنى بِالْمذهبِ فاحكم أُصُوله وفروعه ثمَّ سعى الشَّيْخ زين العابدين فِي تَقْلِيده الْقَضَاء لواقعة وَقعت بَينه وَبَين أَخِيه شيخ بن عبد الله العيدروس سَيَأْتِي ذكرهَا فِي تَرْجَمَة زين العابدين فتقلد صَاحب التَّرْجَمَة الْقَضَاء فحمدت أَحْكَامه لكَمَال عقله وعلو همته وَلم تطل مدَّته ففصل عَنهُ وَأقَام مكبًا على دروسه وفتاويه وَكَانَ كثيرا الْعِبَادَة معتنيا بالإصلاح كثير الْخُشُوع والورع وَكَانَت لَهُ عِنْد الْمُلُوك الْمنزلَة الْعليا قَالَ الشلي رَأَيْته فِي تريم وَقد وقف على ثنية الْوَدَاع وهمت أَرْكَان حَيَاته بالإنصداع وَلم يزل فِي عز محروس الدّين وَالنَّفس إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَرْبَعِينَ وَألف بِمَدِينَة تريم رَحمَه الله تَعَالَى
الْمولى حُسَيْن بن مُحَمَّد بن نور الله بن يُوسُف الْمَعْرُوف بأخي زَاده مفتي دَار السلطنة وَأحد أَفْرَاد الْعَالم فِي الْفضل والذكا والمعرفة وَكَانَ أعجوبة وقته فِي التبحر فِي الْفُنُون وَمَعْرِفَة الْعَرَبيَّة وشاع ذكره واشتهر فَضله وَله تحريرات ورسائل تدل على دقة نظرة وتفوقه وأشعاره بالتركية كَثِيرَة وَكَانَ يتَخَلَّص بهدابي وَأما شعره الْعَرَبِيّ فَلم أَقف لَهُ الْأَعْلَى هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما قَوْله
[ ٢ / ١٠٩ ]
(أَيهَا المبتلي عَلَيْك بِخَمْر إِنَّهَا للعليل خير علاج)
(ثمَّ لَا تشر بن الأبمزج أول الْوَاجِبَات أَمر المزاج)
مولده بقسطنطينة وَبهَا نشأته ودأب فِي التَّحْصِيل حَتَّى فاق أهل عصره وَمَا زَالَ يترقى فِي المناصب إِلَى أَن ولى قَضَاء قسطنطينة فِي سنة سبع عشرَة وَألف وَليهَا ثَانِيًا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف بعد أَن كَانَ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بانا طولى ثمَّ ولي قَضَاء أَنا طولى مرّة ثَانِيَة فِي سنة خمس وَعشْرين وَولي بعد ذَلِك قَضَاء روم أيلي مرَّتَيْنِ عزل فِي الْمرة الْأَخِيرَة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَكَانَ قبل ذَلِك لما مَاتَ شيخ الْإِسْلَام الْمولى أسعد وحاول فَتْوَى الممالك الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْغَنِيّ أرسل صَاحب التَّرْجَمَة يَقُول للسُّلْطَان كل من وقف على قَدَمَيْهِ بحضوركم وَرفعت إِلَيْهِ ثلثمِائة مسئلة وَكتب جَوَاب الْمِائَتَيْنِ من غير مُرَاجعَة فليعط الْفَتْوَى فَلم يضع إِلَى هَذَا ووجعت الْفَتْوَى للْمولى يحيى بن زَكَرِيَّا فَيُقَال أَنه فَرح بذلك لكَونه أكبر مِنْهُ وأقدم فِي المناصب وَإِنَّمَا غضب لَو أَخذهَا ابْن عبد الْغَنِيّ وَحين كَانَ قَاضِيا بعساكر الرّوم أيلي وَكَانَ الْوَزير الْأَعْظَم مره حُسَيْن باشا وَكَانَت العساكر متغلبة على الدولة بِسَبَب قتل السُّلْطَان عُثْمَان وَنسب الْقُضَاة والمدرسون إِلَى الْوَزير الْأَعْظَم أَنه قَالَ عَن صَاحب الرسَالَة
أَن من مَاتَ من ألف سنة كَيفَ كَلَامه يعْتَبر وَقد صَار عظما رميما فسعى صَاحب التَّرْجَمَة فِي قَتله وعزل عَن الوزارة الْعُظْمَى وَقدم حُسَيْن باشا لضرب عُنُقه فَضَح العساكر فِي الدِّيوَان وَقَالُوا لَا تقتلوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى حَتَّى نقتلكم فَلم يبال صَاحب التَّرْجَمَة بل صعق بِصَوْت هائل وَقَالَ للجلاد اضْرِب عنق هَذَا اللغين فَضرب الجلاد عُنُقه فِي الْحَال ثمَّ بعد ذَلِك سعى فِي الْفَتْوَى وعزل الْمولى يحيى والعسكر متغلبون وَالسُّلْطَان مُرَاد ضَعِيف مَعَهم فَدخل عيد شهر رَمَضَان فَصنعَ العساكر الأراجيح وَفرقُوا الشمع على جَمِيع أكَابِر الرّوم وَكَانُوا يَقُولُونَ فلَان يعْطى مائَة قِرْش وَفُلَان يُعْطي ألف قِرْش حَتَّى فرقوا الشمع على جماعات من أهل السَّرَايَا وأعطوا الشمع للمفتي الْمَذْكُور فَرده ردا عنيفًا وأحضر أَخا لكبير أُمَرَاء السباهية وَقَالَ أَنا أعرف أَخَاك حِين كَانَ أَمْرَد معشوقًا لفُلَان واستطال عَلَيْهِ بالْكلَام فخضع لَهُ الْمَذْكُور ثمَّ إِن صَاحب التَّرْجَمَة قوى جنان السُّلْطَان مُرَاد حَتَّى جمع السُّلْطَان جمعية على السباهية زعزع أَرْكَان دولتهم وَجلسَ السُّلْطَان على سَرِير جلالته الْقَدِيمَة وَقتل الْوَزير الْأَعْظَم وَهُوَ رَجَب باشا الَّذِي كَانَ مستظلًا
[ ٢ / ١١٠ ]
بِظِل العساكر ثمَّ إِن السُّلْطَان مُرَاد بَعْدَمَا قتل صَنَادِيد الأجناد أَخذ يقتل بعض أَعْيَان الْقُضَاة من الموَالِي وَغير الموَالِي وَكَانَ من عَادَة بني عُثْمَان لَا يقتلُون الْعلمَاء فَفِي أثْنَاء ذَلِك توجه السُّلْطَان إِلَى بروسة فَاجْتمع جمَاعَة من الموَالِي وَشَكوا فِيمَا بَينهم من السُّلْطَان وَأَنه خَالف قانون أجداده فِي قتل الْعلمَاء ثمَّ إِن صَاحب التَّرْجَمَة كتب ورقة لحضرة وَالِدَة السُّلْطَان متضمنة أَن قوانين السلاطين أَن لَا يقتلُوا الْعلمَاء وَإِذا حصل مِنْهُم ظلم طردوهم إِلَى بِلَاد بعيدَة وَنحن من الداعين لابنك حَضْرَة السُّلْطَان فنؤمل إِذا قدم بِالصِّحَّةِ من السّفر تذكرين لَهُ ذَلِك بِحسن عبارَة ليترك هَذَا الْأَمر فَلَمَّا وصلت الورقة إِلَيْهَا فَكَأَنَّهُ وشى المفسدون أَن الْمُفْتِي وَالْعُلَمَاء يُرِيدُونَ الِاجْتِمَاع على خلع السُّلْطَان فَكتبت إِلَى السُّلْطَان ورقة بذلك وَبعثت بِوَرَقَة الْمُفْتِي فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَيْهِ بَادر بالمجيء من بروسة على أَجْنِحَة السرعة وَدخل قسطنطينية وأحضر الْمُفْتِي وخنقه فِي الْحَال وَذَلِكَ فِي خَارج قسطنطينية فِي قَرْيَة بساحل الْبَحْر وَدَفنه فِي مَكَان لَا يعلم قَبره وَبعث بِابْنِهِ إِلَى قبر قدس فاختل عقل ابْنه وَمَات فِي غُضُون ذَلِك وَولى الْفَتْوَى الْمولى يحيى بن زَكَرِيَّا وَكَانَ قَتله فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حُسَيْن بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن فرفرة الدِّمَشْقِي المجذوب الصَّالح المكاشف كَانَ فِي مبدأ أمره من آحَاد الْجند الشَّامي وَتعين مُدَّة فِي بَاب قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَكَانَ يحضر من يطْلب إِحْضَاره للمخاصمة فاتفق أَنه عينه بعض أَرْبَاب الْحُقُوق إِلَى قَرْيَة عين ترما من قرى دمشق لاحضار رجل من أهاليها فَسَار إِلَى أَن وصل إِلَى قرب الْقرْيَة الْمَذْكُورَة فصادفته الْعِنَايَة الربانية فسلب فِي ذَلِك الْمَكَان وساح فِي تِلْكَ الدائرة مُدَّة وَظَهَرت لَهُ أَحْوَال باهرة ثمَّ سكن حَاله وَاسْتقر فِي المنارة الغربية أحد المنارات الثَّلَاث بِجَامِع بني أُميَّة واتخذها دَار مبيته وَحفظ الْقُرْآن فِي مُدَّة قَليلَة وَكَانَ يدارس بِهِ فِي السَّبع بَين العشاءين بالجامع الْمَذْكُور وَيُؤذن بالمنارة الْمَذْكُورَة للأوقات الْخَمْسَة وَكَانَ قواما بِاللَّيْلِ يقْضِي ليله فِي تِلَاوَة الْقُرْآن وَالذكر والتوحيد وَإِذا جَاءَ وَقت الثُّلُث الْأَخير يَصِيح بِصَوْت شجي وَيَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله الْملك الْحق الْمُبين مُحَمَّد رَسُول الله الصَّادِق الْوَعْد الْأمين ويكررها إِلَى أَن يطلع المؤذنون إِلَى المنارة ويبدؤون بالتسبيح والتهليل ثمَّ يُؤذن مَعَهم أَذَان الصُّبْح وَيذْهب بعد طُلُوع الشَّمْس إِلَى مَزَار بعض الصَّالِحين تَحت القلعة بِالْقربِ من جَامع يلبغا فيمكث وَحده هُنَاكَ
[ ٢ / ١١١ ]
ثمَّ يعود إِلَى المنارة الْمَذْكُورَة وَكَانَ فِي بعض الْأَحَايِين يتركع بعد الْعشَاء أَو قبلهَا فِي محراب الْحَنَابِلَة رَكْعَات كثيرات غير معتدلة وَكَانَ لَهُ نزاهة وإعراض عَن الدُّنْيَا وَرُبمَا يُعْطِيهِ بعض النَّاس شَيْئا فَيَأْخُذ مِنْهُ وَيُعْطِيه على الْفَوْر لمن يسْتَحقّهُ وَكَانَ لطيف البداهة عذب المخاطبة وَكَلَامه أَكْثَره جَوَاب وَكَانَت تعتريه أَحْوَال عَجِيبَة وحركات غَرِيبَة وَله مَنَاقِب مَشْهُورَة ومكاشفات مأثورة حدث بعض الثِّقَات عَن الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ مفتي دمشق قَالَ لما قدم الشَّيْخ يُوسُف بن أبي الْفَتْح إِلَى دمشق بعد وَفَاة السُّلْطَان عُثْمَان وَرَأس فِي دمشق كَانَ يبلغنِي عَنهُ التَّعَرُّض إِلَيّ بِبَعْض الْمَكْرُوه فَذكرت ذَلِك للسَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بالمنير وَكَانَ من المعمر بن الصَّالِحين فَقَالَ لي الْوَقْت لحسين بن فرفرة تذكر لَهُ ذَلِك فَعرض ذَلِك عَلَيْهِ فجَاء حُسَيْن بعد يَوْمَيْنِ إِلَى درس الْمَذْكُور بالجامع الْأمَوِي والفتحي جَالس يلقِي الدَّرْس فِي الشفا للْقَاضِي عِيَاض وَمَعَهُ حرَام ملأَهُ أوخام من كناسَة الْجَامِع فَدخل ونفض مَا فِيهِ على الدَّرْس الْمَذْكُور ثمَّ خرج فَبعد شهر جَاءَ بريد يَطْلُبهُ لأمامة السُّلْطَان مُرَاد وَكَانَ أَمَامه الْمَعْرُوف بمنلا أوليا قد توفّي فِي روان فَذكر بعض خدمَة السلطنة ابْن أبي الْفَتْح وَأَنه كَانَ أَمَام الحضرة السُّلْطَانِيَّة فَأخذ من دمشق بالإكرام التَّام ثمَّ أَن الْعِمَادِيّ الْمَذْكُور قَالَ للسَّيِّد الْمُنِير ذهب الفتحي لَكِن مَا ذهبت صولته فَقَالَ لَهُ أَن الْمَقْصُود كَانَ ذَهَابه من هَذِه الْبَلدة على أَي حَالَة كَانَت وَهَذَا الأبعاد عَن الديار المقدسة إِلَى الْأَبَد وَهَكَذَا أوقع فَإِن الفتحي لم يعد بعْدهَا إِلَى دمشق وَمَات بالروم وَاتفقَ لصَاحب التَّرْجَمَة من الكرامات مَا اشْتهر انه أَتَى لدرس النَّجْم الغزى مفتي الشَّافِعِيَّة مُحدث الشَّام فِي عصره على الْإِطْلَاق وَكَانَ يقرئ صَحِيح البُخَارِيّ تَحت قبَّة النسْر من جَامع بني أُميَّة فَأخذ يُورد كلَاما خَالِيا عَن الضَّبْط وَيسْأل سُؤَالَات خَارِجَة عَن الْمَقْصُود فَقَالَ لَهُ النَّجْم اسْكُتْ فَقَالَ لَهُ بل أَنْت اسْكُتْ وَقَامَ مغضبا من مجْلِس الدَّرْس فاتفق أَن النَّجْم مرض بعد أَيَّام واعتراه طرف من الفالج فأسكت وَحضر الدَّرْس نَحْو سِتَّة أَعْوَام وَهُوَ سَاكِت ثمَّ تقرب إِلَى خاطر صَاحب التَّرْجَمَة فَانْطَلق لِسَانه بعد ذَلِك وَكَانَ يقبل يَد الْحُسَيْن وَيعْتَذر إِلَيْهِ بعْدهَا يوده وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من أَرْبَاب الْقُلُوب وَالْأَحْوَال وَمَا زَالَ على حَالَته لَا يتَغَيَّر فِي طوره من الأطوار إِلَى أَن توجه إِلَى الْحَج فانتقل بالوفاة إِلَى رَحمَه الله تَعَالَى فِي الطَّرِيق وَدفن بِمَنْزِلَة تَبُوك وقبره ظَاهر يزوره الْحجَّاج ويتبر كَون بِهِ وَكَانَت وَفَاته سنة سبع وَسِتِّينَ ألف
[ ٢ / ١١٢ ]
حُسَيْن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عمر بن مُحَمَّد الْحَنَفِيّ الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بالقاري الْفَاضِل الأديب الْكَامِل نَشأ فِي كنف أَخِيه أَحْمد واشتغل على شَيخنَا عَلامَة الْعَصْر إِبْرَاهِيم ابْن مَنْصُور الفتال وعَلى غَيره وَحصل فَضِيلَة باهرة وَكَانَ يكْتب الْخط التَّعْلِيق المعجب ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الجهاركسية بصالحية دمشق واشتهرت نجابته وَكَانَ لطيف الشكل حسن الْخطاب جميل المنظر طلق اللِّسَان عالي الهمة على صغر سنه وطراوة عوده ونظم الشّعْر إِلَّا أَن شعره قَلِيل وَقل أَن يُوجد فِيهِ نادرة أَنْشدني لَهُ بعض الأخلاء قَوْله مضمنا
(بِاللَّه سل طرفِي السهران هَل هجعًا وَمَا بِهِ الْعِشْق والتبريح قد صنعا)
(قد حدّث النَّاس عَن مضني الْهوى دنفا وَمَا أَصَابُوا وَلَكِن شنعوا شنعًا)
(يَا ابْن الْكِرَام أَلا تَدْنُو فتبصر مَا قد حدثوك فَمَا رَاء كمن سمعا)
وَقَوله من الرباعيات
(أَن جزت بحيً منيتي حبيه وَأخْبرهُ عَن الْمُحب مَا يرضيه)
(أَن زار فقد حييت فِي زورته أَو صدّفانّ مهجتي تفديه)
وأنشدني قَوْله أَيْضا
(أنادي إِذا نَام الهجيع تأسفًا وقلبي من بَين الضلوع كليم)
(هَنِيئًا لطرف فِيك لَا يعرف الْكرَى وتبًا لقلب لَيْسَ لافيك يهيم)
وَقَوله
(أفديه ظَبْيًا بِالشرابِ مُولَعا يترشف الأقداح وهوالًا كيس)
(فَكَأَنَّهُ الْبَدْر الْمُنِير إِذا بدا من نور طلعته أَضَاء الْمجْلس)
وَقَوله
(زارو هُنَا مرنح الأعطاف بعد أَن كَانَ مائلًا للْخلاف)
(كم بأصداغه وَرَاح لماه رحت نشوان سالف وسلاف)
(صدّ ظلما وَلم يكن فيّ ذَنْب غير دمعي أذاع مَا هُوَ خافي)
(أَيهَا العاذل الجهول تأمّل فِي محياه ثمَّ قل بِخِلَاف)
وَفِي هَذَا الْقدر من أشعاره كِفَايَة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَسبعين وَألف عَن سبع وَعشْرين سنة وَدفن بمقبرة بَاب الضغير وَمن نوادره أَنه دخل عَلَيْهِ السَّيِّد مُحَمَّد بن حَمْزَة نقيب الْأَشْرَاف بِالشَّام فِي مرض مَوته يعودهُ وَكَانَ وصل إِلَى التلاف فَقَالَ للنقيب شرفتمونا تَارِيخ لعيادتكم هَذِه فَحسب فَوجدَ كَمَا قَالَ وَهَذَا من كَمَال فطنته
الشَّيْخ حُسَيْن بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْفَقِيه ابْن أَحْمد الشَّهِيد بن الشَّيْخ
[ ٢ / ١١٣ ]
الْمَشْهُور الْفَقِيه الْعَلامَة عبد الله بِأَفْضَل بلحاح الْحَضْرَمِيّ مؤلف الْمُخْتَصر الَّذِي شَرحه الشهَاب ابْن حجر ابْن عبد الرَّحْمَن بن الْفَقِيه أبي بكر ابْن مُحَمَّد بلحاح ابْن عبد الرَّحْمَن بن القيه عبد الله بن يحيى بن القَاضِي أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن الْفَقِيه وظل ابْن مُحَمَّد ابْن عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد هَذَا مَا وجد من نسب آل أبي فضل وَلم يعلم إِلَى أَيْن يرجعُونَ وَفِي الظَّن أَنهم يرجعُونَ إِلَى قحطان لِأَن غَالب عرب الْيمن من قحطان وَنقل الثِّقَة عَن الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه فضل بن عبد الله صَاحب الشحر أَنهم يتصلون بِسَعْد الْعَشِيرَة وَنسب سعد الْعَشِيرَة مَذْكُور فِي سيرة ابْن هِشَام وَغَيرهَا من كتب السِّيرَة والتواريخ وَالنّسب فِي طرفَة الْأَصْحَاب فِي معرفَة الْأَنْسَاب للْملك الغساني سعد الْعَشِيرَة وَهُوَ ابْن مذْحج بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة ابْن أدد بن زيد بن عمر وبن عريب بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشحب بن يعرب بن قحطان بن هود ﵇ ابْن شالخ بن أزفحشد بن سَام بن نوح ﵇ ابْن ملك بن متوشلح بن أخونخ بن أنوش بن شِيث بن آدم ﵉ ومذحج هم الَّذين قَالَ فيهم رَسُول الله
مذْحج هَامة الْعَرَب وغلصمتها وَقيل أَن آل أبي الْفضل ينسبون إِلَى بني هِلَال انْتهى والفقيه خسين الْمَذْكُور ولديندر الشحر فِي سنة تسع عشرَة وَقَرَأَ الْقُرْآن على عَمه الْفَقِيه أَحْمد بن إِبْرَاهِيم وتفقه على جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد شيخ بن الْجفْرِي قَاضِي الشحر وَقَرَأَ النَّحْو ثمَّ رَحل إِلَى الْيمن وَدخل عدنا وزبد أَو رَحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ فِي هَذِه الْبِلَاد عَن جمَاعَة وبرع فِي التصوف وَكَانَ رُبمَا تكلم بِكَلَام انتقد عَلَيْهِ ثمَّ عَاد إِلَى الشحر وَصَحب الشَّيْخ الْجَلِيل السَّيِّد أَحْمد بن نَاصِر وَالسَّيِّد حسن با عمر ورحل إِلَى الْهِنْد فَأخذ عَن السَّيِّد جَعْفَر بن عَليّ زين العابدين بن العيدروس وَعَن جمَاعَة وَعَاد إِلَى مَكَّة وَحج وَأخذ عَن ابْن عَم أَبِيه الشَّيْخ سَالم با فضل وَعَن السَّيِّد سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ وَصَحب الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الرَّحْمَن با وَزِير وَكَانَ يتَرَدَّد بَين المخبا وَمَكَّة كل سنة يتجر فِي البن والقماش وزار النَّبِي
وَأخذ عَن الصفى القشاسي وَالشَّيْخ زين بن عبد الله بِأَحْسَن وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن علوي وَرَأى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف فِي مَنَامه كَانَ ملكا نزل من السَّمَاء فَقطع رجلَيْهِ قَالَ فجصل لي بذلك الْقطع لَذَّة عَظِيمَة وتأولها الْإِقَامَة بِمَكَّة وَكَانَ كَذَلِك وسافر إِلَى مَكَّة فَأَقَامَ بهَا من سنة سِتّ وَسِتِّينَ إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ كثير المطالعة للفتوحات المكية وَيحل مشكلاتها وَكَذَلِكَ غَيرهَا من كتب ابْن عَرَبِيّ وَالْإِنْسَان الْكَامِل وَكَانَ لَا يَقُول بِعلم غير هَذَا
[ ٢ / ١١٤ ]
الْعلم وَكَانَ مُعْتَقد اللصوفية مُصدقا بِجَمِيعِ مَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ وَقد قَالَ الْجُنَيْد التَّصْدِيق بعلمنا هَذَا ولَايَة وَقَالَ إِذا رَأَيْتُمْ الرجل مُعْتَقد اللصوفية فَاطْلُبُوا مِنْهُ الدُّعَاء فَإِنَّهُ مجاب الدعْوَة وَكفى بِأبي الْقسم شَاهد حق وَصدق وَكَانَ قَائِلا بوحدة الْوُجُود الَّتِي عَلَيْهَا أَكثر الْمُحَقِّقين وَكَانَ يحضر درس الشَّمْس البابلي وَالشَّيْخ عِيسَى المغربي ثمَّ تجرد لِلْعِبَادَةِ ولازم الْمكتب الشَّرْعِيَّة حَتَّى صَار من أكَابِر العارفين المرشدين ولازم التِّلَاوَة وَالذكر وَله نظم حسن وَكَانَ ذَا ذوق وَفهم وَله تعلق بالأدب حفظ كثيرا من المقامات الحريرية وانتفع بِهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ وَلما حج السَّيِّد عبد الله بن علوي الْحداد فِي سنة تسع وَسبعين قَامَ فِي خدمته وأكرمه إِكْرَاما عَظِيما وأنزله فِي دَاره وَقَامَ بِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَة مريديه وزار مَعَه النَّبِي
ولازمه وَمرض بِالْمَدِينَةِ مَرضا شَدِيدا فكشف للسَّيِّد عبد الله أَن مدَّته قد انْقَضتْ فاستوهب لَهُ من جماعنه بعض أعمارهم فوهبوه وَتشفع بِالنَّبِيِّ
فِي ذَلِك فَقبل وعاش بقد مَا وهبوه لَهُ وَمن نظمه قَوْله
(لمعت لنا أنوار ليلى واعتلت ثمَّ انْثَنَتْ تدنوا إِلَيْنَا واختفت)
وَمِنْه أَيْضا
(بدالي سنا نجد فغابت نجومه فأفنى وجودي فِي شموس همومه)
(وأبقاني الْوَصْف الشهودي فانيًا وَأَحْكَام رسمي قد محته رسومه)
(إِذا أَن لَا أفني وَلم أك بِالَّذِي أحَاط بِهِ الْمَعْنى فَأنى عديمه)
(مَعَانِيه فِي المجلى تعاظم قدرهَا ويحظى بهَا من كَانَ حَقًا عظيمه)
(شُهُودًا وَعرفا ناترًا كم فيضه على من سقَاهُ الوجد كأسًا يقيمه)
(شراب قديم ذُو نعيم معجل وساقيه قد أسْقى الندامة نعيمه)
(هُوَ الذَّوْق للمشروب فَأعلمهُ يَا فَتى فَمن ذاق ذَاك الشّرْب فَهُوَ عليمه)
(بِعلم قديم وَهُوَ فِي الْخلق حَادث وَمن حَضْرَة الْأَسْمَاء كَانَت علومه)
(عُلُوم لَهَا فِي كل روح سرَايَة كنوز أَضَاءَت فِي الدياجي نجومه)
(هُوَ الشَّمْس للأكوان وَالشَّمْس بدره بل الرّوح للأرواح طَابَ شميمه)
ونظم تائية حَسَنَة على طَريقَة ابْن الفارض مطْلعهَا
(بعثت غرامي حاد للأحبة يحثهم شوقًا لعزة عزة)
وَمِنْهَا قَوْله
(مظَاهر أَعْيَان الكيان تصورت وجود بلاعين على العدمية)
(وَمن عجب أَنِّي أرى الْكَوْن ظَاهرا وَلَيْسَ لَهُ عين سوى المظهرية)
[ ٢ / ١١٥ ]
(فَفِي طيه قد كَانَ فِي الْعلم مُجملا وَفِي نشره وافي بِكُل عَجِيبَة)
(وَمن عجب الْأَشْيَاء عَليّ بِأَنَّهُ كصورة مَاء فِي سراب بقيعة)
(فَمَا غير شمس أشرقت فِي مغيبها وَمَغْرِبهَا قد غَابَ فِي المشرقية)
وَهِي طَوِيلَة وَكتب على المشكلات فِيهَا ثمَّ مرض مَرضا شَدِيدا فامر ببلها فبلوها فَعُوفِيَ وَمن فراسته أَن معلم أَوْلَاده عَليّ بأحداد رأى فِي مَنَامه أَنه يمشي فِي عقبه وَصَاحب التَّرْجَمَة يمشي خَلفه ثمَّ تقدم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة يدل ذَلِك على أَن ميلادك قبل ميلادي وَأَنا أَمُوت قبلك فبحث عَن ذَلِك فَوجدَ صَاحب التَّرْجَمَة ولد فِي سنة تسع عشرَة والفقيه ولد سنة ثَمَان عشرَة وَتُوفِّي والفقيه بَاقٍ وَكَانَت وَفَاته نَهَار الِاثْنَيْنِ آخر ذِي الْقعدَة سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف بِمَكَّة وَدفن بمقبرة الشويكة بِالْقربِ من قبر الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الله بن مُحَمَّد بافقيه رَحمَه الله تَعَالَى
القَاضِي حُسَيْن بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن مُوسَى الْعَدوي الزوكاري الصَّالِحِي القَاضِي الْفَقِيه الأديب الشَّافِعِي الْمَذْهَب كَانَ أمثل الْفُضَلَاء والأدباء جيد الْفَهم عَجِيب المطارحة رَقِيق الطَّبْع اشْتغل فِي مباديه بِدِمَشْق على وَالِده وَأخذ عَن الشَّمْس الميداني والنجم الْغَزِّي ورحل إِلَى الْقَاهِرَة بعد الثَّلَاثِينَ وَأخذ بهَا عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَأبي الْعَبَّاس الْمقري وَالشَّيْخ عَليّ الْحلَبِي صَاحب السِّيرَة وَالشَّمْس البابلي والعلا الأَجْهُورِيّ وَالشَّيْخ مُحَمَّد الْحَمَوِيّ وَالشَّيْخ عَامر الشبراوي وَحج وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَن الشَّيْخ غرس الدّين الخليلي نزيل الْمَدِينَة المنورة بِمَكَّة عَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن عَلان الصديقي واقرأ بِدِمَشْق وَأفَاد وَضبط الْكثير وَولي قَضَاء الشَّافِعِيَّة بمحكمة الميدان والمحكمة الْكُبْرَى سِنِين وَأفْتى على مَذْهَبهم مُدَّة وَكَانَ معاشر اللكبراء لحلاوة ومصاحبته وسكونه وَله شعر كثير من جيده قَوْله
(أرى كل إِنْسَان يرى أَن حِينه من الْخطب خَال أَن ذَاك لمغرور)
(وَكَيف وأصل البنية المَاء وَالثَّرَى وسوف إِلَى ترب الْقُبُور تصير)
(فَلَا تعتبن خلا إِذا جَار أَو جَفا فَأَنت وَرب الْعَالمين كدور)
(فَإِن جنحت مِنْك الظنون لحادث فميلك للتوحيد يَا صَاح مبرور)
(فَإِن بَقَاء الْعِزّ فِي وحدة الْفَتى كَمَا إِن كثار التَّرَدُّد مَحْذُور)
(وَمَا مذهبي إِنِّي ملول لرفقتي وَلَكِن مسلوب الكفاء مَعْذُور)
(أجل إِن أَبنَاء الزَّمَان مَا تفاوتت فَمنهمْ خَبِير بالأمور وتحرير)
[ ٢ / ١١٦ ]
(وَبِالْجُمْلَةِ التَّحْقِيق فالأنس موحش وَعَما سوى الخلاق شغلك مدحور)
(فيا رب جد بِالْعَفو والصفح وَالرِّضَا ففعلي مَذْمُوم فعلك مشكور)
وَقَوله
(وليل أدرنا فضل قاسون بَيْننَا فَكَادَتْ قُلُوب السامعين تطير)
(فَلم ندر إِلَّا الْفجْر صَار دليلنا إِلَى سفحه السفح فِيهِ نغير)
(وَفينَا هداة للطريق وقادة لَهُم كل فضل فِي الورى وصدور)
(فسرنا فَلَا وَالله لم ندر مَا الَّذِي قطعناه بعد الْمَشْي كَيفَ يصير)
(فَلَمَّا وصلنا المستغاث أغاثنا بِهِ الْغَيْث حَتَّى غوثنا لمطير)
(فزرنا وكل نَالَ مَا كَانَ نَاوِيا وفزنا بِوَقْت حسنه لشهير)
(وَمِنْه ركبنَا الجو حَتَّى كأننا نُجُوم سَمَاء والسحاب ثبير)
(إِلَى أَن هبطنا قبَّة الْملك الَّتِي تسمى بنصر مذ أعَان نصير)
(رَأينَا بهَا عقد الثريا مُعَلّقا وَعين الدراري النيرات تُشِير)
(فَلم تَرَ برجا قبلهَا حل منزلا يسير إِلَيْهِ النَّاس وَهُوَ يسير)
(وأعجب شَيْء أَن ترَاهَا مُقِيمَة وتمشي كَمَا يمشي الْفَتى ويفور)
(وأعجب من هَذَا ترَاهَا عقيمة تربي بَنَات النعش وَهِي سَرِير)
(وعدنا فحيانا حَيا فضل سحبها بِرِبْح لَهُ وَقع الْغَمَام صرير)
(إِلَى أَن رمتنا بعد عالي مَكَاننَا على مغر فِيهَا الْمقَام غرور)
(وَجِئْنَا حمانا مُطْمَئِنين أنفسا ععلى أَن مر فِي المكرمات عسير)
وَدخل على شَيخنَا إِبْرَاهِيم بن الخياري الْمدنِي حِين دخل الشَّام زائر بعد انْقِطَاع فانشده معتذرا
(وَمَا عاقني عَن لثم أذيال فَضلكُمْ سوى أَن عَيْني مُنْذُ فارقتكم رمدا)
(فعاتبتها حَتَّى كَأَنِّي حبيبها فأبدت كلَاما كَانَ قلبِي لَهُ غمدا)
(وَقَالَت لقد كحلت طرفِي برفه فأفتحها سَهوا وأغمضها عمدا)
وَهَذَا معنى مبتكر جيد إِلَى الْغَايَة ثمَّ رَاجعه الخياري عَنهُ بقوله
(أيا فَاضلا أبدي لنا فِي نظامه لطيف اعتذار سكن الشوق والوجدا)
(وأشفى بلقياه مَرِيض بعاده وَقد كَانَ أشفى للبعاد وَمَا أودى)
(فصان لَهُ الْعَرْش مقلته الَّتِي ترى كل معنى دق عَن فهمنا جدا)
(لَئِن كحلت بالظرف قد أسكرت بِمَا أدارته من مقلوب أحداقها شَهدا)
[ ٢ / ١١٧ ]
(فَإِن ترني أشتاق خمرة قرقف فأطلبها سَهوا وأتركها عمدا)
وَكنت فِي أَيَّام الصِّبَا تلقيت عَنهُ بعض مَعْلُومَات لاتصال شَدِيد كَانَ بَينه وَبَين وَالِدي رحمهمَا الله تَعَالَى واستجزته فأجازني بمروياته وَأَخْبرنِي أَن وِلَادَته كَانَت فِي سنة ثَمَانِي عشرَة بعد الْألف وَتُوفِّي نَهَار الْجُمُعَة سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَتِسْعين وَألف وَدفن بسفح قاسيون
حُسَيْن بن مشيخ الْمَعْرُوف بالقاطر وَمَعْنَاهُ الْبَغْل نزيل دمشق وَكَانَ فَقِيها عَارِفًا بِأُمُور النَّاس صَاحب دربة وَكَانَ يعرف اللِّسَان الْفَارِسِي والتركي والبوسنوي وَلما ورد دمشق وتوطنها تعلم اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة عمره وَتزَوج بِإِحْدَى ابْنَتي أبي الْمَعَالِي درويش مُحَمَّد الطالوي مفتي دمشق وَسكن فِي قاعته بمحلة التَّعْدِيل هُوَ وعديله على الشاطر وَفِيهِمَا يَقُول الْحسن البوريني يُخَاطب القاعة الْمَذْكُورَة
(يَا قاعة لَيْسَ لَهَا من شبه يجلى بهَا النَّاظر والخاطر)
(فَارقهَا من كَانَ أَهلا لَهَا وحلها الشاطر والقاطر)
وَولي حُسَيْن النِّيَابَة بِدِمَشْق وحمدت سيرته وَكَانَت وَفَاته فِي خَامِس عشرى ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَخلف مَالا كثيرا وولدين أَحدهمَا زَكَرِيَّا وَالْآخر درويش مُحَمَّد وَسَيَأْتِي كل مِنْهُمَا فِي مَحَله
حُسَيْن أَفَنْدِي بن مصطفى بن حسن الْمَعْرُوف بِابْن قرنق الدِّمَشْقِي مُفْرد وقته فِي محَاسِن الشيم وكرم الطَّبْع والمهارة فِي الْعُلُوم الغريبة مثل الطلسمات والنيرنجيات والأعمال العجيبة وَأخذ هَذِه الْعُلُوم عَن الشَّيْخ المفنن سيف الدّين الصّباغ وَكَانَ سيف الدّين الْمَذْكُور أحد أَعَاجِيب الدُّنْيَا فِي هَذِه الْعُلُوم وَإِلَيْهِ النِّهَايَة فِيهَا وحَدثني بعض من لَقيته عَن حسن أَنه كَانَ يَقُول كَانَ أستاذي يَعْنِي الشَّيْخ سيف الدّين الْمَذْكُور أَشَارَ إِلَيّ بِطَلَب الإستخدام وَأَمرَنِي برياضة أَرْبَعِينَ شهرا وخلوة أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَمَّا أكملتها خرجت إِلَى حَيَّة عَظِيمَة فابتلعتني وَأَنا أتلو الْأَسْمَاء حَتَّى وصلت فِي جوفها إِلَى عِنْد فِي فَعندهَا ضَاقَ فِي نَفسِي فَتركت الْأَسْمَاء فأخرجتني ثمَّ ظَهرت لي فِي صُورَة امْرَأَة حسناء وشرعت فِي توبيخي على تركي الْأَسْمَاء وَحصل لي مِنْهَا ضَرَر عَظِيم مَنَعَنِي النُّطْق وَأدّى إِلَى اختلال وَجْهي وَفِي فَحَضَرَ عِنْدِي الْأُسْتَاذ وَأصْلح مني مَا كَانَ اخْتَلَّ وَكَانَ يلومني بعد ذَلِك على تركي الْأَسْمَاء وَكَانَ كثير الاعتناء بشيخة الْمَذْكُور بِنَقْل عَنهُ احوالا غَرِيبَة ووقائع عَجِيبَة وَمِمَّا حدث بِهِ عَنهُ
[ ٢ / ١١٨ ]
فِي بعض محاضراته أَن الشَّيْخ سيف الدّين قصد يَوْمًا التَّنَزُّه فصحبه هُوَ ورفيقان من طلبته حَتَّى انْتَهوا إِلَى جَامع يلبغا فتفقدوا بعض دَرَاهِم لأجل نَفَقَة الْيَوْم فَلم يَجدوا مَعَهم شَيْئا فَلَمَّا فطن الشَّيْخ بهم قَالَ لحسين أَنا أُعْطِيك نَفَقَة الْيَوْم ثمَّ جَاءَ إِلَى رخامة فِي الْجَامِع وَخط عَلَيْهَا دَائِرَة ثمَّ قَالَ لَهُ اسحب فسحب شريطا من ذهب حَتَّى انْتهى إِلَى مِقْدَار ثمَّ قطعه وَقَالَ لَهُ اذْهَبْ بِعْهُ وأتنا بِثمنِهِ قَالَ فَذَهَبت ووزنتته فجَاء وَزنه تِسْعَة مَثَاقِيل فأنقدت ثمنه ثمَّ أَتَيْته فَقَالَ لي اصرف مِنْهُ مِقْدَار كفايتنا وَالْبَاقِي دَعه مَعَك تنْتَفع لَهُ وَحدث أَن الشَّيْخ سيف الدّين كَانَ مستخدما كَمَا سلف قَالَ وَكنت يَوْمًا جَالِسا فَجَاءَنِي مِنْهُ رَسُول يناديني إِلَيْهِ فصحبته وَأَنا ذَاهِب فِي الطَّرِيق وَكنت إِذْ ذَاك مشتغلا بِتِلَاوَة الْأَسْمَاء فشرعت فِي تلاوتها فرأيته يتباعد عني فناديته وتكررت التِّلَاوَة مني والتباعد مِنْهُ فَقلت لَهُ مَالك تتباعد عي فَقَالَ لَا أقدر على الْقرب مِنْك وَأَنت تتلو هَذِه الْأَسْمَاء ففطنت بِهِ قَالَ وَلما اجْتمعت بالشيخ قلت أما كَانَ عنْدك رَسُول من الْأنس حى أرْسلت لي هَذَا فَأَجَابَنِي أَو تعرف إِن لي خدمَة غير هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْجِنّ وَبعد وَفَاة شَيْخه الْمَذْكُور انْفَرد هُوَ بِدِمَشْق بِمَعْرِفَة هَذَا الْفَنّ وامتحن مَرَّات وَكَانَ من جملَة ذخائره فِي هَذِه الصِّنَاعَة مرْآة إِذا أبهم عَلَيْهِ أَمر يُعْطِيهَا لآحد جُلَسَائِهِ ينظر فِيهَا وَيَتْلُو هُوَ إسما فَيرى النَّاظر فِيهَا الْمَطْلُوب على كَيْفيَّة تنْتج مَعْرفَته حَتَّى يبْقى كَأَنَّهُ مشَاهد فيخبره بِهِ النَّاظر فيشرع فِي تَحْصِيله وَمن أغرب مَا سمعته عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب أحد قُضَاة دمشق كَانَ لَهُ أَخ فِي الرّوم وكا بهَا أحد الصُّدُور فَغَضب عَلَيْهِ السُّلْطَان وعزله عَن منصبه ونفاه عَن دَار السلطنة فَلَمَّا وصل خبر ذَلِك إِلَى أَخِيه قَاضِي دمشق ظن أَنه قتل وَحصل لَهُ من الْأَلَم مَا مَنعه الهجوع فاستدعى صَاحب التَّرْجَمَة وَطلب مِنْهُ النّظر فِي حَال أَخِيه فَظهر فِي الْمرْآة مَكَانَهُ وهيئته وَذكر أَنه مُرْسل إِلَى أَخِيه القَاضِي مَكْتُوبًا وَبَين عدد أسطره وَيَوْم وُصُوله فَطلب مِنْهُ قِرَاءَته فَكَانَ النَّاظر فِي الْمرْآة يملي عَلَيْهِ وَهُوَ يكْتب إِلَى أَن انْتهى وَاتفقَ مَجِيء الْمَكْتُوب فِي الْيَوْم الَّذِي عينه فقوبل على النُّسْخَة الَّتِي كتبت فَلم يزود وَلم ينقص وَهَذِه الْوَاقِعَة من أغرب مَا سمعته وَقد رزق من الْحَظ والإقبال فِي أُمُوره نَصِيبا وافرا وَتَوَلَّى المناصب السامية وانعقدت عَلَيْهِ صدارة دمشق وتملك الْأَمْلَاك الْكَثِيرَة وَعمر الْأَمَاكِن البهية من جُمْلَتهَا قصره وقاعته بالصالحية وَهُوَ أبهى مَكَان بهَا وَقد قَالَ فِيهِ مفتي الشَّام الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد بن المهمندار مؤرخا عَام بنائِهِ بقوله
[ ٢ / ١١٩ ]
(لقد شيد الشهم الْحُسَيْن الَّذِي لَهُ مآثر مجد لَا يُحِيط بهَا عد)
(بِنَاء إِلَى أعلا السماكين أَرخُوا هِيَ القاعة الحسنا لطالعها السعد)
وَذَلِكَ سنة سبع وَسبعين والف وَولي بِدِمَشْق منصب الْمُقَابلَة والمحاسبة وتولية الْحَرَمَيْنِ المصريين والسليمانية والسليمية والصابونية وَالْجَامِع الْأمَوِي وكوجك أَحْمد باشا وَبَلغت سفراته إِلَى الرّوم الْعشْرين وَحج فِي سنة خمس وَخمسين وَفِي سنة سِتّ وَسبعين وَتُوفِّي فِي تِلْكَ السّنة أَمِير الْحَاج يُوسُف باشا فِي الطَّرِيق فاختاره أَعْيَان الْحجَّاج أَن يكون أَمِيرا فباشرها وسلك مسلكا حسنا وسافر إِلَى الرّوم بعد ذَلِك وَأَخذه مقاطعة بعلبك واقتنى من العبيد والجواري والأحفاد مَا لَا يحصر وَبلغ من الْعِزّ والرفعة مبلغا عَظِيما ثمَّ تنزل فِي آخر أمره وَفرع عَن جَهَالَة وَبَاعَ بعض عقاراته وابتلى بأمراض مهولة وَاسْتمرّ بهَا إِلَى إِن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي الْمحرم سنة تسعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
المنلا حُسَيْن بن نَاصِر بن حسن بن مُحَمَّد بن نَاصِر بن الشَّيْخ القطب الرباني شهَاب الدّين الْأَشْقَر الْعقيلِيّ الْحَمَوِيّ جد صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله لامه وَكَانَ عَالما فهامة جَامعا لأنواع الْفُنُون ولد بحماة وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن أكَابِر شيوخها كالسيد عمر بن عَسْكَر وَالشَّيْخ نجم الدّين الْحِجَازِي وَغَيرهمَا من الائمة الْأَعْلَام وَأَجَازَهُ شُيُوخه وَتَوَلَّى بحماة الْمدرسَة الجلدكية واشتهر بِالْعلمِ وَالْفضل ثمَّ رَحل بأَهْله إِلَى دمشق وتوطنها وَأخذ بهَا عَن أكَابِر الْأَعْيَان كالنجم الْعزي وَغَيره ورحل إِلَى مصر وَأخذ بهَا عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَغَيره وَكَانَ حسن الْخلق والخلق جميل الذّكر صافي الْقلب والفكر صَالحا خيرا متواضعا عَالما عَاملا مشتغلا بِالْعلمِ والإفادة مكبا على المطالعة ملازما للطاعات وَكتب بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة وَجمع مجاميع لَطِيفَة وَله أشعار بديعة وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس بِالْقربِ من قبر أبي شامة رَحمَه الله تَعَالَى
الْأَمِير حُسَيْن بن يُوسُف بن سَيْفا الْأَمِير بن الْأَمِير ولي فِي حَيَاة وَالِده كَفَالَة طرابلس الشَّام ثمَّ عزل عَنْهَا ثمَّ ولي كَفَالَة الرها ثمَّ تَركهَا من غير عزل وَقدم حلب وكافلها مُحَمَّد باشا قُرَّة قاش فَحَضَرَ الْأَمِير حُسَيْن لَدَيْهِ مُسلما عَلَيْهِ فَأكْرمه واحترمه ثمَّ دَعَاهُ إِلَى وَلِيمَة فجَاء مَعَ جمَاعَة قَليلَة فاحتاطت بِهِ جمَاعَة قُرَّة قاش وَأمرهمْ أستاذهم بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فمسكوه ورفعوه إِلَى القلعة مسجونا وَوضع فِي مَسْجِد الْمقَام
[ ٢ / ١٢٠ ]
يحْتَاط بِهِ الحرسة فَبعث قره قاش إِلَى السُّلْطَان يُخبرهُ بذلك وَبلغ وَالِده الْخَبَر فَبعث جماعته ووعد السُّلْطَان بِمِائَة ألف قِرْش إِن عَفا عَنهُ فَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك وَبعث أمرا بقتْله فجَاء الجلاد فَقَالَ بقلب جرى وجنان قوي أيليق أَن أكون من الباشوات ويقتلني الجلاد ثمَّ إِنَّه أَشَارَ ألى رجل مُعظم من أَتبَاع قُرَّة قاش أَن يقْتله وَقَالَ لَهُ اصبر عَليّ حَتَّى أكتب مَكْتُوبًا إِلَى وَالِدي وأوصيه بعض وَصَايَا فَكتب ورقة أوصاه بأولاده وَعَزاهُ فِي نَفسه ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ واستغفر الله وَقَالَ رب إِنِّي ظلمت نَفسِي وعملت سوءا بِجَهَالَة فتب عَليّ أَنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم وَوضع مُحرمَة نَفسه فِي عُنُقه وَأمر ذَلِك الرجل بخنقه وَبكى عَلَيْهِ جمَاعَة كَثِيرَة لحسنه وَكَونه شَابًّا وَكَانَ شجاعا بطلا إِلَّا أَنه كَانَ يُبَالغ فِي ظلم الْعباد ثمَّ أخرجت أمعاؤه ودفنت بتربة القلعيين وَصَبَرت جثته وَأرْسلت إِلَى وَالِده فَاسْتَقْبلهَا النِّسَاء وَالرِّجَال بالبكاء والصراخ وَالْوَيْل وَالثُّبُور وَصَارَ يَوْم دُخُوله كَيَوْم مقتل الْحُسَيْن وَقَالَت الغواني فِيهِ المراثي يضر بن وَقت إنشاد إِشْعَار مَقْتَله بالدف بِصَوْت خزين حكى قره قاش إِنِّي كنت فِي خدمَة السُّلْطَان أَحْمد وَقد خرج إِلَى الصَّيْد فعرضوا عَلَيْهِ طيور الصَّيْد ثمَّ جاؤه بطير عَظِيم لَا نَظِير لَهُ فتعجب مِنْهُ وَقَالَ من بعث هَذَا قَالُوا عَبدك حُسَيْن باشا ابْن سَيْفا أَمِير الامراء بطرابلس فَقَالَ السُّلْطَان آه آه آه من خِيَانَة مماليكي الْأَمر لله إِلَى هَذَا الْحِين هَذَا الْكَافِر بِالْحَيَاةِ فأسرها قره قاش فِي نَفسه وصاده بطيره وَكَانَ قَتله فِي أَربع عشرى شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وعمره قريب من الثَّلَاثِينَ رَحمَه الله تَعَالَى
حُسَيْن الكفوي أحد موَالِي الرّوم الْمَشْهُورين بِالْفَضْلِ والبراعة ذكره ابْن نَوْعي واثنى عَلَيْهِ كثيرا ثمَّ قَالَ قدم إِلَى قسطنطينية وَلزِمَ دَاوُد زَاده قَاضِي الْمَدِينَة ولازم مِنْهُ ودرس إِلَى أَن وصل إِلَى الْمدرسَة السلمانية ثمَّ ولى مِنْهَا قَضَاء الْقُدس فِي شعْبَان سنة سبع بعد الْألف ثمَّ وَجه إِلَيْهِ قَضَاء مَكَّة فِي شَوَّال سنة ثَمَان بعد الْألف ثمَّ عزل فِي صفر من سنة عشرَة وَكَانَ صَاحب لطائف وفضائل وَهُوَ أنبل ارباب المعارف فِي عصره لم تزل لطائفه متداولة وأشعاره وآثاره شائعة وَمن تأليفاته الجليلة تعليقاته على البُخَارِيّ وَمُسلم وَشرح الكلستان بالتركية يتَعَرَّض فِيهِ لشارحيه سروري وشمعي وَله كتاب قَالَ نامه يذكر فِيهِ غرائب وقائع وَقعت لمن تفائل بِالْقُرْآنِ وديوان حَافظ وَغَيرهمَا وَهُوَ أثر لطيف رَأَيْته وطالعته ونقلت مِنْهُ أَشْيَاء
[ ٢ / ١٢١ ]
فَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ عَن قطب العارفين يَعْقُوب الجرخي انه ذكر فِي بعض مصنفاته أَن الْعِنَايَة الإلهية ساقته إِلَى خذمة الخوجة بهاء الدّين نقشبند قَالَ فَرَأَيْت من كرمه إِلَيْهِم غَايَة الِالْتِفَات وَظهر لي انه من خَواص الْأَوْلِيَاء وَأَنه كَامِل مكمل فتفاءلت فِي شَأْنه من الْمُصحف فورد قَوْله تَعَالَى اولئك الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده وَحكى انه لما توفّي الْمولى سِنَان محشي الْبَيْضَاوِيّ وَالْهِدَايَة أَخذ بعض أَرْبَاب الْقُلُوب الْمُصحف وتفاءل فِيهِ على حسب مَال الْمولى سِنَان فورد قَوْله تَعَالَى وَلَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين وَحكى عَن نَفسه قَالَ كنت عزمت على الرحلة من بلدتي الكفة فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ أَنا ووالدتي لَكِن ترددت هَل اذْهَبْ بحرا أَو برا وتشعبت فِي المخيلة وساوس الْخَوْف من الْغَرق أَو كَثْرَة التَّعَب فتفاءلت من الْقُرْآن فورد قَوْله تَعَالَى قَالَ لَا تخافا إِنَّنِي مَعَكُمَا اسْمَع وَأرى ثمَّ أعقبت ذَلِك بتفاؤل آخر فورد ألم تَرَ أَن الله سخر لكم مَا فِي الأَرْض والفلك تجْرِي فِي الْبَحْر بأَمْره فتيمنت بالفال وركبنا الْبَحْر فوصلنا سَالِمين بعون الله تَعَالَى وَحكى أَن الْمولى مَعْرُوف أحد الموَالِي الْعِظَام الأخيار قَالَ رَأَيْت لَيْلَة رُؤْيا عَظِيمَة سررت بهَا كثيرا فَلَمَّا استيقظت أخذت أفكر فِيهَا هَل هِيَ من قبل الرَّحْمَن أَو من جَانب الشَّيْطَان فتفاءلت فِي الْجَامِع الصَّغِير للسيوطي فورد قَوْله
رُؤْيا الْمُؤمن الصَّالح بشرى من الله وَهِي جُزْء من خمسين جُزْءا من النُّبُوَّة انْتهى وَكَانَ وَقع بَينه وَبَين نكسارى زَاده محاورى ألف فِيهَا رِسَالَة وَطعن عَلَيْهِ فِيهَا وَكَانَ فِي علم الموسيقى نِهَايَة وَله أغان ربطها مَقْبُولَة متداولة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حُسَيْن الْحُسَيْنِي الخلخالي أحد مشاهير الْمُحَقِّقين وَالْعُلَمَاء العاملين أَخذ عَن الْعَلامَة حبيب الله الشهير بمرزاجان الشيزاري وَكثير وَعنهُ أَخذ عبد الْكَرِيم بن سُلَيْمَان بن عبد الْوَهَّاب الكوراني وَله مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا إِثْبَات الْوَاجِب وحاشية على حَاشِيَة العصام عَليّ الْبَيْضَاوِيّ توفّي فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف من تحريرات الْأُسْتَاذ الباهر امام التَّحْقِيق الملا إِبْرَاهِيم بن حسن الْكرْدِي نزيل الْمَدِينَة المنورة رَحمَه الله تَعَالَى
الْمولى حُسَيْن الشهير بالجنجي قَاضِي الْعَسْكَر فِي دولة السُّلْطَان إِبْرَاهِيم ولد بِمَدِينَة بور لي الزَّعْفَرَان وَكَانَ أَبوهُ من آحَاد الْمَشَايِخ بهَا فاخذ عَنهُ بعض عزائم وأدعية وَدخل قسطنطينية وتلمذ بهَا للْمولى شيخ مُحَمَّد الْمَعْرُوف حسن زَاده وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره تبدو
[ ٢ / ١٢٢ ]
مِنْهُ بَوَادِر بِأَنَّهُ سيصير صَاحب مرتبَة وجاه فيعجب مِنْهُ من يسمعهُ وَرُبمَا سخر وامنه وَاتفقَ أَن السُّلْطَان إِبْرَاهِيم طلب أَن يرْزق ولدا فَكَانَ يستدعى من مَشَايِخ وقته وأطبائه أدعيتهم ومعالجاتهم وَلِهَذَا كَانَ كل من عرف شخصا يتوسم فِيهِ الصّلاح أَو معرفَة الطِّبّ أَو العزائم يَسُوقهُ إِلَى طرف السلطنة وَكَانَت وَالِدَة صَاحب التَّرْجَمَة تعرف رجلا من مقربي السُّلْطَان فَذكرت لَهُ أَنه يعرف بعض العزائم فَلَمَّا بلغ خَبره إِلَى السُّلْطَان استحضره فَقَرَأَ شَيْئا من عَزَائِمه الَّتِي يعرفهَا فاعتدل مزاج السُّلْطَان وحملت بعض جواريه فَأقبل على صَاحب التَّرْجَمَة وَعين لَهُ جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَوجه إِلَيْهِ مدرسة الْخَارِج والداخل والصحن دفْعَة ثمَّ وَجه إِلَيْهِ فِي مُدَّة قَليلَة قَضَاء الغلطة فتملك دَارا بِالْقربِ من جَامع مَحْمُود باشا وبناها بِنَاء عَظِيما وَصدر الْأَمر السلطاني للْمولى مَحْمُود بن قره جلبي أَن يُزَوجهُ ابْنَته فَزَوجهُ إِيَّاهَا وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدولى بخيلها ورجلها ثمَّ ولي قَضَاء عَسْكَر أَنا طولي وَأطلق عَلَيْهِ معلم السُّلْطَان وَحصل أَمْوَالًا عَظِيمَة وجاها بالغاوبني فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة ابنية جليلة وخانا وحماما وَحكى أَنه دفن فِي جدران ابنيته أَمْوَالًا كَثِيرَة فَلَمَّا خلع السُّلْطَان إِبْرَاهِيم أخرج من دفائنه نَحْو ثَلَاثَة آلَاف كيس كلهَا نقد ثمَّ حبس ثمَّ بعث بِهِ إِلَى قَصَبَة ميخاليج فَقتل بهَا وَكَانَ قَتله فِي أَوَاخِر سنة ثَمَان وَخمسين وَألف ﵀
حُسَيْن باشا الْمَعْرُوف بدالي حُسَيْن نديم السُّلْطَان مُرَاد وَأحد الوزاراء الْكِبَار أَصله من قَصَبَة بيكشهر من نَاحيَة قرمان رَحل فِي مبدأ أمره إِلَى قسطنطينية وخدم فِي حرم السلطنة وَصَارَ بهَا من طَائِفَة اليلطجية وَقدم دمشق فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف قَاصد الْحَج وَعَلِيهِ خدمَة السِّقَايَة فِي طَرِيق الْحَج ثمَّ ترقى بعد ذَلِك إِلَى أَن صَار محافظ مصر وَقدم دمشق فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَتوجه إِلَيْهَا وَكَانَت أَحْكَامه فِيهَا معتدلة ثمَّ عزل عَنْهَا وَسَار إِلَى درا السلطنة وَلما اجْتمع بالسلطان مُرَاد أوصله دفترا بِجَمِيعِ مَا حصله فِي مصر من مَال وَأَسْبَاب وأمتعة وَقَالَ لَهُ هَذَا جَمِيع مَا أملكهُ فِي دولة الْملك فانعم عَلَيْهِ وقربه وَجعله من أخصائه وندمائه وَصَحبه مَعَه فِي سفر بَغْدَاد وَبعد وَفَاة السُّلْطَان مُرَاد ولي حُكُومَة بَغْدَاد وَهُوَ ثَالِث حَاكم بهَا بعد فتحهَا الْأَخير ثمَّ ولي بودين وَولي وزارة الْبَحْر ثمَّ عين فِي زمن السُّلْطَان إِبْرَاهِيم إِلَى حزيرة كريت فَسَار إِلَيْهَا وَأقَام بهَا سَبْعَة عشر سنة فِي محاربة وَفتح أَكثر بلادها وقراها وَلم يبْق بهَا إِلَّا قلعة قندية كَمَا أسلفته فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان إِبْرَاهِيم ثمَّ أرسل إِلَيْهِ ختم الوزارة الْعُظْمَى
[ ٢ / ١٢٣ ]
وَبَقِي لوصوله إِلَيْهِ مَسَافَة أَربع سَاعَات فاسترد وَكَانَت الوزارة فوضت إِلَى غَيره ثمَّ طلب هُوَ إِلَى تخت السلطة وَدخل إِلَى أدرنة بموكب حافل وَاجْتمعَ بالسلطان مُحَمَّد ابْن إِبْرَاهِيم فَأقبل عَلَيْهِ ثمَّ أرْسلهُ إِلَى قسطنطينة وَأمر بِوَضْعِهِ فِي الْمَكَان الْمَعْرُوف بيَدي قله وَبعد أَيَّام أَمر بقتْله فَقتل وَدفن فِي دَاخل الْمَكَان الْمَذْكُور وقبره ظَاهر ثمَّة ولقتله خبر مطول مخلصه إِسْنَاد بعض حَسَدْته إِلَيْهِ التهاون فِي أَمر قندية وَأَنه كَانَ فَاجر مَعَ الْكفَّار فِي محاصرتها واستفتى مفتي الدولة فِي قَتله فَامْتنعَ ذَهَابًا مِنْهُ إِلَى بَرَاءَته من ذَلِك فعزل ذَلِك الْمُفْتِي وَولي مَكَانَهُ رجل أفتى بقتْله فَقتل وَكَانَ قَتله سنة اثنيتين وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
حُسَيْن باشا الْوَزير الْمَعْرُوف بصاري حُسَيْن أَي الْأَصْغَر وَهُوَ أَخُو سياغوش باشا الْوَزير الْأَعْظَم كَانَ من مشاهير الوزراء لَهُ الصولة الباهرة والهيبة الْعَظِيمَة وَكَانَ فِيهِ تلطف بالرعايا وانتقام من ذَوي الْكبر والمناصب ولي حلب مُدَّة ثمَّ نقل مِنْهَا إِلَى نِيَابَة الشَّام فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف وعينه السُّلْطَان وَهُوَ نائبها السّفر قمنيجة من بِلَاد الليه فَتوجه إِلَيْهَا وَفِي خدمته العساكر الشامية وَتعين هُوَ وَبَعض الوزراء للمحاربة فَكَسرهُ وَهُوَ ورفقاؤه وشاع أَن الكسرة كَانَت بِسوء تَدْبِير مِنْهُ فَغَضب عَلَيْهِ السُّلْطَان وعزله عَن حُكُومَة الشَّام وَرفع مِنْهُ رُتْبَة الوزارة وَأمره بالإعتزال فِي دَاره بقسطنطينة فَأَقَامَ مُدَّة منعزلا حَتَّى لم يبْق فِيهِ رَمق ثمَّ عطفت عَلَيْهِ وَالِدَة السُّلْطَان وشفعت لَهُ بِمنْصب التفتيش بِولَايَة أَنا طولي فَوَلِيه وَظهر سَعْيه فِيهِ لطرف السلطنة فجوزى على ذَلِك بحكومة الشَّام ثَانِي مرّة فَقَدمهَا ومهد أمورها بعد إختلال كَانَ أَصَابَهَا من حكامها وساس الرّعية سياسة عَجِيبَة وَلزِمَ كل أحد حَده فِي عَهده وَعمر الْقصر الْمَعْرُوف بِهِ الْآن فِي طرف الشّرف بالميدان الْأَخْضَر من دمشق وَكَانَ مَكَانَهُ يعرف قَدِيما بالخانوتية وتأنق فِي وَضعه وغرس فِيهِ أَنْوَاع الْأَشْجَار من كل صنف وَعز عَلَيْهِ بِدِمَشْق بعض أَنْوَاع الْفَاكِهَة فجلب من أَمَاكِن بعيدَة وَالْحَاصِل أَنه أثر أثرا حسنا وَفِي أَيَّامه وَقع الْجَرَاد بِدِمَشْق ثَلَاث سِنِين مُتَوَالِيَات فَبعث رجلَيْنِ من أهل دمشق إِلَى أنقره ليأتيا بِمَاء السمرمر الَّذِي يُقَال أَنه إِذا كَانَ فِي بَلْدَة يطرد الْجَرَاد عَنْهَا وَكَانَ وصولهما إِلَى دمشق فِي أَوَاخِر الْمحرم سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف فَأمر حُسَيْن باشا بِخُرُوج الصُّوفِيَّة بالإعلام وَعَامة النَّاس بالتهليل إِلَى لِقَائِه فَدَخَلُوا بِهِ على سفح قاسيون من نَاحيَة القابون حَتَّى وضعُوا مِنْهُ حِصَّة عَليّ
[ ٢ / ١٢٤ ]
رَأس المنارة الغربية بالجامع الْأمَوِي وَحِصَّة على مَنَارَة جَامع الْمصلى قلت وَمَاء السمرمر هَذَا قد ذكره غير وَاحِد مِنْهُم ابْن الوردي فِي خريدة الْعَجَائِب فِي فصل عجائب الْعُيُون والآبار قَالَ عين سرم وَهِي بَين أصفهان وشيراز بهَا مياه مَشْهُورَة وَهِي من عجائب الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَن الْجَرَاد إِذا نزلت وَوَقعت بِأَرْض يحمل إِلَيْهَا من تِلْكَ الْعين مَاء فِي ظرف أَو غَيره فَيتبع ذَلِك المَاء طيور سود تسمى السمرمر وَيُقَال لَهَا السوادية بِحَيْثُ أَن حَامِل المَاء لَا يَضَعهُ الأَرْض وَلَا يلْتَفت وَرَاءه فَتبقى تِلْكَ الطُّيُور على رَأس حَامِل ذَلِك المَاء كالسحابة السَّوْدَاء إِلَى أَن يصل إِلَى الأَرْض الَّتِي بهَا الْجَرَاد فَتُصْبِح الطُّيُور عَلَيْهَا وتقتلها فَلَا ترى من الْجَرَاد متحر كابل يموتون من أجل تِلْكَ الطُّيُور انْتهى وَذكر ابْن الْحَنْبَلِيّ فِي تَارِيخه أَن من شَرطه أَن يكون الْوَارِد بِهِ من أهل الصّلاح وَلَا يمر بِهِ تَحت سقف وَقَالَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي الْجُزْء الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ من تَذكرته قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين أَبُو الثنا مَحْمُود الْأَصْبَهَانِيّ أَن بِمَدِينَة قشمير مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام عَن أَصْبَهَان عين مَاء سارحة بَرزَة يُسمى مَاؤُهَا بِمَاء الْجَرَاد لَهُ خاصية أَن من حمل من مَائِهَا فِي إِنَاء إِلَى الأَرْض الَّتِي أَتَاهَا الْجَرَاد فيعلق ذلمك الْإِنَاء فِي تِلْكَ الأَرْض فيقصدها مَا لَا يحصر من طير يُقَال لَهُ سَار يَأْكُل مَا فِيهَا من الْجَرَاد حَتَّى يفنى وَشرط هَذَا الْإِنَاء أَن لَا يمس الأَرْض فِي طَرِيقه وَلَا فِي مَكَان تَعْلِيقه انْتهى ثمَّ أَمر حُسَيْن باشا بِالسَّفرِ إِلَى محاصرة قلعة بتيج من بِلَاد الأنكروس فسافر إِلَيْهَا وَمَعَهُ عَسْكَر الشَّام وَكَانَ الْوَزير الْأَعْظَم قُرَّة مصطفى باشا قد سبقهمْ إِلَى بلغراد وَجعلهَا مجمع العساكر جَمِيعهَا وَلما تَكَامل جمع الجموع رَحل بهم إِلَيْهَا ونازلوها وَكَاد أَن يفتحوها عنْوَة قدر الله تَعَالَى مَا قدر من مَجِيء جَيش كَبِير من الْكفَّار وكسروا عَسْكَر الْمُسلمين وفرقوهم فِي تِلْكَ النواحي كَمَا سنفصله فِي تَرْجَمَة الْوَزير مصطفى باشا الْمَذْكُور وَنسب الْوَزير هَذِه الكسرة إِلَى فشل بعض الوزراء وَمِنْهُم حُسَيْن باشا صَاحب التَّرْجَمَة فَأَرَادَ قَتله فَكَانَت منينه أسبق فتوفى فِي غُضُون ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي شهر رَمَضَان سنة أَربع وَتِسْعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حَمْزَة بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن حَمْزَة الْحُسَيْنِي الدِّمَشْقِي المولد الْحَنَفِيّ السَّيِّد الْأَجَل الأديب الْفَاضِل كَانَ رَئِيسا نبيه الْقدر وافر الْحُرْمَة جليل الْقدر سَاكِنا وقورا نَشأ وَقَرَأَ على عُلَمَاء زَمَانه حَتَّى حصل فَضِيلَة مقبوله واشتهر بدماثة الْأَخْلَاق وَطيب الْعشْرَة وكرم النَّفس وَكَانَ حسن الْحَظ صَحِيح الإملا وَكتب كثيرا
[ ٢ / ١٢٥ ]
من الْكتب وخطه مَرْغُوب فِيهِ لضبطه وَحسنه وسافر إِلَى الرّوم فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف ولازم من نقيب الدولة السَّيِّد مُحَمَّد بن السَّيِّد برهَان الدّين الْمَعْرُوف بشيخي وولاة نقابة الشَّام عَن أَخِيه الْأَكْبَر السَّيِّد كَمَال الدّين وَعَاد إِلَى دمشق وَأقَام بمنزله فِي مهابة وإنكفاف عَن مُخَالطَة الْأُمُور وَبعد مُدَّة عزل عَن النقابة وأعيدت إِلَى أَخِيه الْمَذْكُور ثمَّ وَليهَا عَنهُ مرّة ثَانِيَة وَصَارَ نَائِبا بمحكمة الْبَاب فِي زمن قَاضِي الْقُضَاة الْمولى مصطفى الْمَعْرُوف بِابْن مرطلوس وَاسْتمرّ نَائِبا مدَّته كلهَا وانتظم حَاله بعد إختلال ثمَّ عزل عَن النقابة وأعيد إِلَيْهَا مرَّتَيْنِ وَكَذَلِكَ للنيابة ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الحافظية بصالحية دمشق وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة تسع وَألف وَتُوفِّي فِي ثَالِث ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حنيف الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى بن مرشد الْعمريّ الْحَنَفِيّ الْمَكِّيّ الْمُفْتِي الْحَنَفِيَّة بالديار الحجازية وَالْمَدينَة وَابْن مفتيها الْعَالم الْعلم الْفَقِيه الباهر كَانَ عَالما دينا عفيفا ملازما لِلْعِبَادَةِ وَكَانَ يَصُوم رَجَب وَشَعْبَان وَالْأَيَّام الْبيض وَأخذ عَن وَالِده وَعبد الْعَزِيز الزمزمي وَأبي الْعَبَّاس الْمقري وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الخياري وَالشَّيْخ خَالِد الْمَالِكِي وَغَيرهم وَولى بعد موت وَالِده خطابة الْجُمُعَة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام والتدريس خلف مقَام الْحَنَفِيَّة وتدريس مدرسة مُحَمَّد باشا وَغير ذَلِك ثمَّ ولي الْإِفْتَاء السلطاني بالديار الحجازية فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وانتفع بِهِ خلق كَثِيرُونَ مِنْهُم وَلَده عبد الرَّحْمَن وَالشَّيْخ أَحْمد أوليا وَأَوْلَاد عَمه أَحْمد وهم عِيسَى ومرشد وَإِمَام الدّين ومصدر الدّين وقاسم سنجق دَار وَأحمد المنلا وصنف عدَّة كتب مِنْهَا شرح مَنَاسِك الْوَسِيط للمنلا على مَذْهَب الْحَنَفِيّ وَشرح على المنسك الصَّغِير للملا أَيْضا وَكتاب سَمَّاهُ بغيه السالك الناسك فِيمَا يتَعَلَّق بآداب السّفر وأدعية الْمَنَاسِك وشفاء الصَّدْر بِبَيَان لَيْلَة الْقدر وَالْقَوْل الْمُفِيد بِبَيَان فضل الْجُمُعَة الْيَوْم الْمَزِيد وَالْقَوْل الْمُحَقق فِي بَيَان التَّدْبِير الْمُطلق والمقيد وَالْمُعَلّق ورسالة فِي استبدال الْوَقْف سَمَّاهَا السَّيْف الشهير على من جوز استبدال الْوَقْف بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير وَله نظم مستعذب وترجمه ابْن مَعْصُوم فَقَالَ فِي حَقه فَاضل نبيه قَامَ مقَام أَبِيه فتقلد منصب الْفتيا بعده واجتلى فِي مطالع الإقبال سعده فَجلى بسناه الظُّلم وَمن يشابه أبه فَمَا ظلم
(شَبيه أَبِيه خلقَة وخليقة كَمَا حذيت يَوْمًا على أُخْتهَا النَّعْل)
وَبَلغنِي أَنه كَانَ يُنكر على أَبِيه عشرَة قضايا من فَتَاوِيهِ ثَبت لَدَيْهِ بصلانها وَلم ينص
[ ٢ / ١٢٦ ]
بِصِحَّتِهَا برهانها وَكَانَ يَقُول لَوْلَا خطة أخافها لأشتهر عني خلَافهَا وَله فِي الْأَدَب مَحل لَا ينْقض أبرامه وَلَا يحل ملك بِهِ زِمَام السجع والقريض وميز بِهِ بَين الصَّحِيح وَالْمَرِيض فَمن نظمه مَا كتبه إِلَى بعض الْأَعْيَان مراجعا عَن لِسَان وَالِده
(تبدّي لنا برق بافق رَبِّي نجد فأذكرني عهدا وناهيك من عهد)
(وهيمني شوقًا وَزَاد بِي الأسى وأضرم بِي نَار الصبابة والوجد)
(وجددّ لي ذكر اللَّيَالِي الَّتِي خلت وَطيب زمَان بالحمى طيب الْورْد)
(زَمَانا جلاذ وَالْحسن شمس جماله علينا فشاهدنا بِهِ الشَّمْس فِي برد)
(وأيدت لنا ذَات الْجمال جبينها فأخجل بدر الْأُفق فِي طالع السعد)
(هِيَ الرَّوْض تبدو للأنام بوجهها فنقطف زهر الْورْد من خدّها الوردي)
(وفاع لنا نشر الخزامي بروضة شدت وَرقهَا شوقًا على الأغصن الملد)
(تعنت على غُصْن الْأَرَاك بمدح من علا قدره السَّامِي على ذرْوَة الْمجد)
(جمال أهالي الْعَصْر أوحد وقته مشيد ربع الْمجد بالسعد والجدم)
(كَمَال قُضَاة الْمُسلمين أمامهم وموضح منهاج الرشاد لَدَى الرشد)
(عَلَيْهِ مدى الْأَيَّام منى تَحِيَّة تفوق فتيت الْمسك وَالْعود والند)
وَقَالَ فِي مثل هَذَا الْغَرَض
(غنت الْوَرق فِي المسا والبكور ساجعات على غصون الزهور)
(وتبدت من كلة الْحسن خود تخجل الشَّمْس من سناء البدور)
(قد تحلت من الجمان بِعقد جلّ فِي الْحسن والبها عَن تظير)
(فاقتطفنا من خدّها زهر ورد فاق نشر النسرين والمنثور)
(وارتشفنا من ثغرها العذب شَهدا فانتشونا لَا نشوة المخمور)
(برّدت بالوصال قلب كئيب كَانَ فِيهِ للهجر نَار السعير)
(يَا لَهَا عذبة الثنايا رادحًا قد تبدّت فِي زِيّ طبي غرير)
(قد أتتنا من عَالم الْعَصْر مولى قد تسامى على السهى والأثير)
(الإِمَام الْهمام رب الْمَعَالِي الْفَقِيه البليغ فِي التَّقْرِير)
(ظلّ دَوْمًا بِمصْر مفتي البرايا أوحد الْعَصْر ذِي الْمقَام الخطير)
(قد أَتَانِي مولَايَ مِنْك كتاب ذُو نظام حكى عُقُود النحور)
(ففضضت الختام عَن كنز علم حَاز مِنْهُ الْغناء كل فَقير)
[ ٢ / ١٢٧ ]
(وتأملت فِي رياض حماه وتنسمت مَا بِهِ من عبير)
(فَبَدَا نظم طرسه مَعَ نثر ذِي بَيَان فسر مِنْهُ ضميري)
(دمت يَا أوحد الزَّمَان فريدا فِي أَمَان بِحِفْظ رب خَبِير)
(وَصَلَاة الْإِلَه تترى دوامًا مَعَ سَلام على البشير النذير)
وَمن شعره على مَا رَأَيْته مَنْسُوبا إِلَيْهِ قَوْله
(أَمْسَى وَأصْبح من تدكاركم وصبا يرثى لي المشفقان الْأَهْل وَالْولد)
(قد خدّد الدمع خدّي من تذكركم واعتادني المضنيان الوجد والكمد)
(وَغَابَ عَن مقلتي نومي لغيبتكم وخانني المسعدان الصَّبْر وَالْجَلد )
(لاغر وللدّمع أَن تجْرِي غوار بِهِ وَتَحْته المظلمان الْقلب والكبد)
(كَأَنَّمَا مهجتي شلو بمسبعة ينتابها الضاريان الذِّئْب والأسد)
(لم يبْق غير خفيّ الرّوح فِي جَسَدِي فدى لَك الباقيان الرّوح والجسد)
وَكَانَت وِلَادَته بِمَكَّة وَقت الْعشَاء من لَيْلَة الْأَحَد منتصف صفر سنة أَربع عشرَة بعد الأف وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة خلون من شعْبَان سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف بِالْمَدِينَةِ وَدفن ببقيع الْغَرْقَد وَقيل فِي تَارِيخ وَفَاته
(حنيف الدّين فِي الجنات راقى )
الْمولى حيدر بن إِبْرَاهِيم المنعوت بتاج الدّين الصَّغِير ابْن عبد الله الْحميدِي الْأَصْلِيّ أحد موَالِي الرّوم وَهُوَ أَخُو الْمولى عبد الْوَهَّاب قَاضِي الشَّام الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى أصل وَالِده من بَلْدَة حميد قدم إِلَى قسطنطينة وتوطن بهَا وَهُوَ من عُلَمَاء دولة السُّلْطَان سُلَيْمَان وَله حَاشِيَة على صدر الشَّرِيعَة يرد فِيهَا إعتراضات ابْن الْكَمَال على صدر الشَّرِيعَة وَولد ابْنه حيدر هَذَا بقسطنطينة وَنَشَأ ودأب بهَا حَتَّى تميز بِالْفَضْلِ الباهر وَله من الْآثَار تعليقات على الدُّرَر وَالْغرر ولازم من ابْن جوى ودرس بمدرسة أون قباني ثمَّ أعْطى مدرسة برغوس وَلما تمت مدرسة عَليّ باشا القبودان بطوبخانة فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة أعطيها وَهُوَ أول مدرس بهَا ثمَّ فِي سنة ألف نقل إِلَى مدرسة قلندرخانه ثمَّ نقل إِلَى إِحْدَى الثمان ثمَّ إِلَى مدرسة الشهزاده ثمَّ إِلَى السليمانية ثمَّ ولي قَضَاء حلب فأسكدار ثمَّ بروسة ثمَّ الْقَاهِرَة وَتوجه إِلَيْهَا بحرًا فَفِي معبر الْإسْكَنْدَريَّة غرق الْمركب الَّذِي كَانَ فِيهِ وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى