١ - قوة إيمانه: لقد كان عمر ﵁ من صحابة رسول الله ﷺ المقربين وممن شهد لهم النبي ﷺ بكمال الإيمان وصدق اليقين وذلك ثابت بالأحاديث الصحيحة التي سوف يأتي الكلام عليها في ذكر فضائل عمر ﵁ بمشيئة الله تعالى.
ومن أقواله وأفعاله ﵁ الدالة على صدق إيمانه واتباعه وتحقيقه التوحيد:
قوله ﵁ وهو يستلم الحجر الأسود ويقبله: "أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك" (^١).
_________________
(١) رواه البخاري/ الصحيح ١/ ٢٧٨، ٢٧٩، مسلم/ الصحيح/ شرح النووي ٩/ ١٥ - ١٧ وغيرهم، ورواه الحاكم/ المستدرك ١/ ٤٥٧، ٤٥٨، وفيه زيادة وهي أن علي بن أبي طالب قال لعمر بعد قوله ذلك: بلى يا أمير المؤمنين، إنه يضر وينفع، قال عمر: بم؟ قال: بكتاب الله، قال: وأين ذلك من كتاب الله؟ قال: قال الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ خلق الله آدم، ومسح على ظهره، فقررهم بأنه الرب وأنهم العبيد، وأخذ عهودهم ومواثيقهم، وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له: افتح فاك، قال: ففتح فاه، فألقمه ذلك الرق، فقال: أشهد لمن وفاك بالموافاة يوم القيامة، وإني أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله لسان ذلق، يشهد لمن يستلمه بالتوحيد"، فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع، فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن، وفي إسناد هذه الرواية عند الحاكم: عمارة بن جوين أبو هارون العبدي، قال الذهبي: أبو هارون ساقط. وقال ابن حجر: متروك، ومنهم من كذبه شيعي من الرابعة. تق ٤٠٨، ورواه البيهقي/ شعب الإيمان ٥/ ٥٨٧، ٥٨٩ من طريق الحاكم. ر
[ ١ / ١٦٦ ]
وهو ﵁ بقوله هذا يعلن براءته من الإشراك بالله وعبادة الأحجار والأوثان والتبرك بها، ويظهر طاعته وانقياده لأوامر الله ورسوله والتسليم لها.
وروي عنه ﵁ أنه كان يقول عند استلام الحجر: آمنت بالله وكفرت بالطاغوت (^١).
ومن ذلك قوله ﵁: فيما الرملان الآن والكشف عن
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة/ المصنف ٦/ ٨١، الفاكهي/ أخبار مكة ١/ ٩٩، وفي إسناديهما موسى بن عبيدة الربذي، ضعيف. تق ٥٥٢، وهو من رواية سعيد ابن المسيب عن عمر وقد اختلف في سماعه منه. كما تقدم ذلك في ص (٩٢). فالأثر ضعيف.
[ ١ / ١٦٧ ]
المناكب، وقد أطأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ (^١).
_________________
(١) رواه الشافعي/ المسند ص ١٢٨، قال: أخبرنا سعيد عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة أن عمر بن الخطاب … إلى آخره. سعيد بن سالم بن القداح صدوق يهم التقريب ص: ٢٣٦. عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ثقة تق: ٣٦٢. مدلس من الثالثة ولم يصرح بالسماع. عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ثقة من الثالثة تق: ٣١٢. حديثه عن عمر بن الخطاب مرسل جامع التحصيل ص: ٢١٤. أبو داود الطيالسي/ المسند ص ٧. قال: حدّثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر أنه طاف … إلى آخره. زمعة بن صالح الجندي ضعّفه أحمد وابن معين وقال مرة: صويلح الحديث. وقال أبو زرعة: لين واهي الحديث. وقال البخاري: يخالف في حديث تركه ابن مهدي أخيرًا. وقال أبو داود: ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي كثير الغلط عن الزهري. الميزان ٢/ ٨١. وقال ابن حجر: ضعيف حديثه عند مسلم مقرون تق: ٢١٧. سلمة بن وهرام صدوق تق: ٢٤٨. عكرمة مولى ابن عباس تقدم. أحمد/ المسند ١/ ٤٥. قال: حدّثنا عبد الملك بن عمرو ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه. عبد الملك بن عمرو القيسي أبو عامر العقدي ثقة من التاسعة تق: ٣٦٤. هشام بن سعد صدوق له أوهام تق: ٥٧٢. وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم. المزي/ تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٨٠. زيد بن أسلم العدوي ثقة من الثالثة تق: ٢٢٢ أسلم مولى عمر ثقة مخضرم. الفاكهي/ أخبار مكة ٢/ ٢١١. حدّثنا يعقوب بن حميد قال: ثنا إسماعيل بن داود عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه. تقدمت دراسته في سند أحمد. أبو داود/ السنن ٢/ ١٧٨، ١٧٩. قال: حدّثنا أحمد بن حنبل حدّثنا عبد الملك ابن عمرو حدّثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه. تقدمت دراسته في سند أحمد. البزار/ المسند ١/ ٣٩٢. حدّثنا أحمد بن المثنى وعمر بن عليّ قالا: نا هشام ابن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر. تقدمت دراسته في سند أحمد. البيهقي/ السنن الكبرى ٥/ ٧٩. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدّثني محمّد بن صالح بن هاني ثنا أبو سعيد الحسن بن عبد الصمد ثنا يحيى بن يحيى أنبأنا محمّد بن إسماعيل بن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه. تقدمت دراسته في سند أحمد. فالأثر حسن من طريق أحمد الذي تقدم الكلام عليه. وهشام بن سعد حسن الشيخ الألباني ﵀ حديثه في عدة مواضع عن كتابه السلسلة الصحيحة وهي: ١/ ٣٢٥، ٣/ ٨، ٤/ ٢٨٥، ٤/ ٣٧٧. قال في ٣/ ٨: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. ولولا أن هشامًا هذا له أوهام لحكمت عليه بالصحة.
[ ١ / ١٦٨ ]
وهو ﵁ بين أن اتباعه للنبي ﷺ ليس مقيدًا بمعرفة الحكمة والسؤال عنها في الأمر المتبع، ولكنه اتباع وطاعة مطلقة مصدرها
[ ١ / ١٦٩ ]
الإيمان المطلق بكل ما جاء عن رسول الله ﷺ وهذا هو الواجب على كل مؤمن ومؤمنه.
وقرأ ﵁ قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (^١) فقال: ما االأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الأب (^٢).
ومن الأخبار الدالة على تحقيقه ﵁ التوحيد وبعده عن الشرك دقيقة وجليلة، ما ثبت من أن النبي ﷺ أدرك عمر ﵁ في ركب وعمر يحلف بأبيه، فقال رسول الله ﷺ: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، قال عمر ﵁: فوالله ما حلفت بها ذاكرًا ولا آثرًا (^٣).
_________________
(١) سورة عبس الآية (٣١).
(٢) رواه عبدالرزاق/ التفسير ٢/ ٣٤٩، سعيد بن منصور/ السنن ١/ ١٨١، ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٣٢٧، ابن أبي شيبة/ المصنف ٦/ ١٣٦، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ٣٢٩، ٣٣٠، الحاكم/ المستدرك ٢/ ٢٩٠، ٥١٤، البيهقي/ شعب الإيمان ٥/ ٢٢٩، ٢٣٠، صحيح من طريق البلاذري. قال البلاذري: حدّثنا خلف بن هشام حدّثنا حماد بن زيد عن ثابت البناني عن أنس. خلف بن هشام ثقة تق: ١٩٤. حماد بن زيد ثقة تق: ١٧٨. ثابت البناني ثقة تق: ١٣٢.
(٣) ذاكرًا ولا آثرًا: أي ما حلفت بها مبتدئًا من نفسي، ولا رويت عن أحد أنه حلف بها. ابن الأثير/ النهاية في غريب الحديث ١/ ٢٢. رواه البخاري/ الصحيح ٤/ ١٥١، مسلم/ الصحيح/ شرح النووي ١١/ ١٠٤، ١٠٥ وغيرهما.
[ ١ / ١٧٠ ]
ومما روي عن عمر ﵁ في الإيمان بالقضاء والقدر والرضا به قوله: ما أبالي على أي حال أصبحت على ما أحب أو على ما أكره، لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره (^١).