ومن صفات عمر ﵁ والتي فيها معنى السهولة واللطف ولين الجانب، تواضعه لربه ﷿ وعدم تكبره على رعيته بالرغم مما كان يمتلكه من صفات القوة والهيبة، وما كان تحت ملكه وتصرفه من البلاد التي شملت الجزيرة العربية، وبلاد فارس من أقصاها إلى أدناها، وبلاد الشام ومصر فلم يزده الملك إلا تواضعًا لربه ﵎ وخوفًا وخشية منه.
قدم الهرمزان المدينة وكان من ملوك فارس، فرأى عمر ﵁ مضطجعًا على الأرض في مسجد النبي ﷺ وهو أمير المؤمنين، وليس حوله خدم ولا حرس ولا حاجب قد أمن رعيته وأمنته، فرأى منظرًا عجيبًا ملأ قلبه هيبة وإجلالًا، فقال: هذا والله الملك الهني (^١)، أي ليس
_________________
(١) رواه ابن سعد / الطبقات ٣/ ٢٩٣، ٥/ ٨٩، البلاذري / أنساب الأشراف من غير إسناد ص: ٢٣٢، الطبري/ التاريخ ٢/ ٥٠٠ - ٥٠٢، الخطيب البغدادي / تاريخ بغداد ٣/ ٨٥، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٧٢، وإسناده عند ابن سعد متصل ورجاله ثقات، وتدليس حميد الطويل وهو مدلس من الثالثة عن أنس لا يضر لأن الواسطة فيه معروفة وهي ثابت بن أسلم البناني، أو قتادة بن دعامة وهما ثقتان، انظر: العلائي جامع التحصيل ص ١٦٨. ابن حجر / تعريف أهل التقديس ص ٨٦، فالأثر صحيح.
[ ١ / ٣٥٠ ]
ملوك فارس الذين امتلأت قصورهم بالحرس والخدم وامتلأت قلوبهم خوفًا وقلقًا تخافهم رعيتهم ويخافونهم.
ولما قدم عمر ﵁ بلاد الشام عرضت له في طريقه وهو راكب على بعيره مخاضة فنزل ﵁ عن بعيره، ونزع موقيه فأمسكهما بيده، فخاض الماء، ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة ﵁: قد صنعت اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، فصك في صدره وقال: آوه لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس، وأصغر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله (^١).
واستقبله ﵁ الناس بالشام، وهو على بعيره فقالوا له: يا أمير المؤمنين، لو ركبت برذونًا (^٢) حتى يلقاك عظماء الناس ووجوهم،
_________________
(١) صحيح تقدم تخريجه ص: (٣٠٢).
(٢) البِرذَون: من الخيل ما كان من غير نتاج العرب. ابن منظور / لسان العرب ١/ ٣٧٠.
[ ١ / ٣٥١ ]
فقال عمر: لا أراكم ها هنا إنما الأمر من ها هنا، وأشار بيده إلى السماء، ثم قال: خلوا سبيل جملي (^١).
ومن صور تواضعه ما رواه ربيعة بن الهدير أنه رأى عمر ﵁ يقرد بعيرًا له وينظفه بالطين وهو محرم (^٢).
وقال مالك بن ابي عامر الأصبحي (^٣) ﵀: رأيت عمر وعثمان إذا قدما من مكة ينزلان بالمعرص (^٤)، فإذا ركبوا، ليدخلوا
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة / المصنف ٧/ ٩، الخلال / السنة ص ٣١٧، أبو نعيم / حلية الأولياء ١/ ٤٧، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢، ابن قدامة / الرقه ص ٨٦، صحيح من طريق الخلال. قال: أخبرنا محمّد، قال: ثنا وكيع عن ابن أبي خالد عن قيس، قال: لما قدم عمر … الأثر.
(٢) صحيح تقدم تخريجه في ص: ٣٠٤.
(٣) مالك بن أبي عامر الأصبحي، سمع عمر ﵁. ثقة من الثالثة. تق ٥١٧.
(٤) المعرص: العَرْصَة كل جَوْبه متسعة ليس فيها بناء فهي عرصة، والعرصتان، بالعقيق من نواحي المدينة من أفضل بقاعها، وكان سعيد بن العاص قد ابتنى فيها قصارًا واحتفر فيها بئرًا. ياقوت الحموي / معجم البلدان ٤/ ١٠١، ١٠٢، وانظر: السمهودي / وفاء الوفاء ٣/ ١٠٣٧٧ - ١٠٤٢.
[ ١ / ٣٥٢ ]
المدينة، لم يبق منهم أحدٌ إلا أردف وراءه غلامًا فدخلا على ذلك، فقال له ابنه نافع: هل كانا يفعلان ذلك إرادة التواضع؟
فقال: نعم (^١)، ثم ذكر ما أحدث الناس من أن يمشوا غلمانهم خلفهم وهم ركبان، ويعيب ذلك عليهم.
وقد رويت أخبار في تواضع عمر ﵁ وفيها ضعف من ذلك:
ما روي في قصة مجيء عمر ﵁ إلى زيد بن ثابت ﵁ ليستشيره في ميراث الجد، وفيها أن عمر ﵁ استأذن على زيد ورأسه في يد جارية له ترجله، فلما رأى عمر نزع رأسه، فقال له عمر: دعها ترجلك، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي جئتك، فقال عمر: إنما الحاجة لي (^٢).
_________________
(١) رواه البيهقي / شعب الإيمان / زغلول ٦/ ٢٩١ وسنده رجاله ثقات سوى حرملة بن يحيى التجيبي، فهو صدوق فالأثر حسن. قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أحمد بن سهل، نا إبراهيم بن معقل، أنا حرملة، أنا ابن وهب، حدّثني مالك عن عمه عن أبيه أنه رأى عمر وعثمان.
(٢) رواه البخاري / الأدب المفرد ص ٤٤٢، البيهقي / السنن الكبرى ٦/ ٢٤٧، وفي إسناديهما يحيى بن أيوب الغافقي، صدوق ربما أخطأ، وفيه سليمان بن زيد بن ثابت، قال ابن حجر: مقبول. تق ٢٥١، وذكره ابن حبان في الثقات ٤/ ٣١٥، وقد حسن الأثر الشيخ الألباني في صحيح الأدب المفرد ص ٤٩٥.
[ ١ / ٣٥٣ ]
وروي أن عمر ﵁ خرج يوم الجمعة، فقطر عليه ميزاب العباس، وكان على طريق عمر إلى المسجد، فقلعه عمر ﵁، فقال له العباس ﵁: قلعت ميزابي، والله ما وضعه حيث كان إلا رسول الله ﷺ بيده، فقال عمر: لا جرم (^١) أن يكون لك سُلم غيري، ولا يضعه إلا أنت بيدك، فحمل عمر العباس على عنقه، فوضع رجليه على منكبي عمر، ثم أعاد الميزاب حيث كان فوضعه موضعه (^٢).
_________________
(١) لا جرم: لا بد ولا محالة، ثم حولت وصارت بمعنى حقًا. الفيومي / المصباح المنير ص ٣٨.
(٢) رواه ابن سعد / الطبقات ٤/ ٢٠، ٢١، أحمد / المسند ١/ ٢١٠، الفسوي / المعرفة والتاريخ ١/ ٥١١، البيهقي / السنن الكبرى ٦/ ٦٦، المقدسي / المختارة ٨/ ٣٩٠، ٣٩١، وفي إسناده عند ابن سعد والفسوي والبيهقي موسى بن عبيدة الربذي، ضعيف. تق ٥٥٢، وفيه إعضال يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي صدوق من الخامسة. تق ٦٠٨، روايته عن عمر منقطعة، وإسناده عند أحمد والمقدسي معضل هشام بن سعد المدني صدوق له أوهام، من السابعة. تق ٥٧٢، يروي عن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وهو من صغار الصحابة، توفي في خلافة يزيد بن معاوية. فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٥٤ ]
ومن ذلك ما روي من أن عمر ﵁ صعد المنبر بعد أن جمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس لقد رأيتني ومالي من آكال (^١) يأكله الناس إلا أن لي خالات من بني مخزوم، فكنت أستعذب لهن الماء، فيقبضن لي القبضات من الزبيب، ثم نزل عن المنبر، فقيل له: ما أردت إلى هذا يا أمير المؤمنين؟
قال: إني وجدت من نفسي شيئًا، فأدرت أن أطأطئ منها (^٢).
وروي أن عمر ﵁ قال لسلمان الفارسي ﵁: يا سلمان ما أعلم من أمر الجاهلية شيئًا إلا وضعه الله عنا بالإسلام
_________________
(١) آكال: ما يؤكل وما ذاق أكالًا أي ما يؤكل. ابن منظور / لسان العرب ١/ ١٧١.
(٢) رواه ابن سعد / الطبقات ٣/ ٢٩٣، البلاذري / أنساب الأشراف ص ٢٣٢، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٦٨، وسنده عن ابن سعد والبلاذري فيه أبو عمير الحارث بن عمير وثقه الجمهور وفي أحاديثه مناكير ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان وغيرهما فلعله تغير حفظه في الآخر. تق ١٤٧. وشيخه مبهم، وفيه عند ابن عساكر محمد بن عبد العزيز الدينوري، قال الذهبي: منكر الحديث ضعيف كان ليس بثقة، يأتي ببلايا. ميزان الاعتدال ٣/ ٦٢٩، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٥٥ ]
إلا أنا لا ننكح إليكم، ولا ننكحكم، فهلم فلنزوجك ابنة الخطاب، أفر والله من الكبر (^١).
وروي أنه ﵁ كان يشتري اللحم لأهله ويعلقه في يده اليسرى ويحمل درته بيده اليمنى ويدور في الأسواق (^٢).
وروي أن الزبير بن العوام خرج بغلس يريد أرضًا له، فلما كان ببعض الطريق إذا هو بعمر ﵁ على عنقه قربة من ماء، فعرفه الزبير، فقال له: والله ما أعلم هذا يسعك، لقد أغناك الله عن هذا وأقناك بما خولك وأعطاك، فما يحملك على هذا؟ قال عمر: لما رأيت هؤلاء الوفد سامعين لأمري، مطيعين لي، وما كنا نرى أنه لا تنجح لنا بطاعة،
_________________
(١) رواه عبد الله بن المبارك / الزهد، من زيادات نعيم بن حماد ص ٥٢، وفي إسناده إبهام بشيخ ابن المبارك وفيه إعضال بين يزيد بن أبي حبيب المصري، وهو ثقة من الخامسة. تق ٦٠٠، وبين عمر بن الخطاب، فالأثر ضعيف.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا / التواضع والخمول ص ١٣٢، ١٣٣، وفي إسناده الأصبغ ابن نباتة التميمي الحنظلي، وهو متروك، ورمي بالرفض. تق ١١٣، فالأثر ضعيف جدًا.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ولا تطيع لنا أمرًا (^١)، دخلتني لذلك نخوة، فأردت أن أكسرها، قال الزبير: فمال بالقربة إلى حجرة أرملة من الأنصار، فأفرغها في جرارها (^٢).
وروي أن عمر ﵁ خرج في يوم حار، واضعًا رداءه على رأسه، فمر به غلام على حمار، فقال: يا غلام، احملني معك، فوثب الغلام عن الحمار، وقال: اركب يا أمير المؤمنين، فقال عمر: لا، اركب وأركب خلفك تريد أن تحملني على المكان الوطئ، ولكن اركب أنت، وأكون أنا خلفك، فدخل المدينة وهو خليفة والناس ينظرون إليه (^٣).
_________________
(١) قوله: وما كنا نرى أنه لا تنجح لنا بطاعة، ولا تطيع لنا أمرًا، لعلّ مراد عمر ﵁ أنّه كان يستبعد أن تخضع له رقاب الناس ويذلون لطاعته.
(٢) رواه ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٧١، ابن قدامة / الرقة ص ٨٤، وفي إسناده عند ابن عساكر أحمد بن مروان ضعيف، الذهبي / سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٢٧، وفيه رشاء بن نظيف لم أجد له ترجمة، وهو معضل حماد بن سلمة، ثقة من الثامنة، روايته عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ معضلة، وفيه عند ابن قدامة هشام بن زياد أبو المقدام، متروك. وهو أيضًا منقطع من رواية عروة بن الزبير بن العوام عن عمر ﵁ وهو ثقة من الثالثة. تق ٥٧٢، فالأثر ضعيف.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا / ذم الدنيا ص ١٠٤، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٧١، ومداره على الحسن البصري، ورواية الحسن عن عمر ﵁ منقطعة وبقية رجاله عند ابن أبي الدنيا ما بين ثقة وصدوق، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وروي كذلك أنه ﵁ فقد عمار بن ياسر ﵁، فجاءه في منزله، وهو يبني داره، فوجده ينقل طينًا ولبنًا، فنقل عمر ﵁ معه بنفسه طينًا ولبنًا (^١).
ومما لا شك فيه أن تواضع عمر ﵁ لم يكن تواضعًا فيه الضعف والخور والتماوت بل كان ﵁ مع تواضعه قويًا شديدًا ذا وقار وهيبة، وسيرته ﵁ دالة على ذلك، وروي أن الشفاء بنت عبد الله (^٢) رأت فتيانًا يقصدون في المشي، ويتكلمون رويدًا، فقالت: ما هؤلاء؟ قالوا: نساك، فقالت: كان والله عمر بن الخطاب إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وهو والله الناسك حقًا (^٣).
_________________
(١) رواه ابن شبه / تاريخ المدنية ١/ ٢٣٥، ولم يسق إسنادًا، بل قال: كان عبيد الله ابن أبي عبيدة بن محمد بن عمار يذكر … وذكر الأثر، وعبيد الله المذكور لم أجد له ترجمة.
(٢) الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس بن خلف القرشية العدوية، أسلمت قبل الهجرة، وهي من المهاجرات الأول، وكان عمر يقدمها في الرأي، ويرعاها، ويفضلها، وربما ولاها شيئًا من أمر السوق. ابن حجر / الإصابة ٤/ ٣٤١.
(٣) رواه ابن سعد الطبقات ٣/ ٢٩٠، البلاذري / أنساب الأشراف ص ٢٢٦، الطبري/ التاريخ ٢/ ٥٧١، ٥٧٢، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٤٥، ومدار الأثر على الواقدي فيكون ضعيفًا، غير أن معناه صحيح.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وروي أن عمر ﵁ وابنه عبد الله كانا لا يعرف فيهما البر حتى يقولا أو يفعلا، فسئل الزهري عن المراد بذلك؟ فقال: لم يكونا مؤنثين ولا متماوتين (^١).