ومن صفات عمر ﵁ الدالة على عزمه وقوة إرادته إضافة إلى قوة دينه وإيمانه الزهد في الدنيا وزينتها، والرغبة فيما عند الله، وقد تقدم ذكر شيء من ذلك عند الكلام على طعام عمر ﵁ وشرابه ولباسه.
ومن الآثار الدالة على زهده في الدنيا ما ذكره ﵁ عن نفسه قال: كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالًا، فقلت: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال النبي ﷺ: "خذه فتموله (^١)، وتصدق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، ومالا فلا تتبعه نفسك" (^٢).
_________________
(١) تموله: اجعله لك مالًا. ابن منظور / لسان العرب ١٣/ ٢٢٤.
(٢) لا تتبعه نفسك: أي إن لم يجيء إليك فلا تطلبه بل اتركه. ابن حجر / فتح الباري ١٣/ ١٥٢. رواه البخاري / الصحيح ١/ ٢٥٧، ٤/ ٢٣٨، مسلم / الصحيح /شرح النووي ٧/ ١٣٤ - ١٣٧، النسائي / السنن ٥/ ١٠٢، ١٠٥، وغيرهم.
[ ١ / ٣٣٦ ]
ومن الآثار المروية عن عمر ﵁ والدالة بمجموعها على اتصاف عمر ﵁ بهذه الصفة ما روي من أن عمر ﵁ كان ذات يوم في إبل الصدقة، يمرن أخفافها (^١)، فجاع، فاشتد عليه الجوع والحر، فدخل منزله، فقال: هل عندكم من شيء فآكله؟ قالوا: نعم، قباع (^٢) من تمر، فأتوه به، فأكل منه، ثم شرب ماء، ومسح بطنه وقال: ويل لمن أدخله بطنه النار، إنما يكفي الرجل ما يسد جوعته (^٣).
وروي أن عبد الله بن عامر بن ربيعة (^٤) قال: كنت أفطر مع عثمان بن عفان ﵁ في شهر رمضان، فكان يأتينا بطعام
_________________
(١) يَمّرَن أخفافها: أي يدهن أسفل خفها بالودك. ابن منظور / لسان العرب ١٣/ ٨٧.
(٢) قُبَاع: مكيال واسع كبير. ابن منظور / لسان العرب ١١/ ١٧.
(٣) رواه البلاذري / أنساب الأشراف ص ٢٠٩، وفي سنده محمد بن حاتم بن ميمون المروزي، صدوق ربما وهم. تق ٤٧٢، وبقية رجاله ثقات، وفيه إنقطاع فإن رواية محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة من الثالثة. تق ٤٧٩، عن عمر منقطعة، فالأثر ضعيف.
(٤) عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي، حليف بني عدي، ولد على عهد النبي ﷺ ولأبيه صحبة مشهورة، ووثقه العجلي. تق ٣٠٩.
[ ١ / ٣٣٧ ]
هو ألين من طعام عمر ﵁ قد رأيت على مائدة عثمان الدرمك الجيد (^١)، وصغار الضأن كل ليلة، وما رأيت عمر قط أكل من الدقيق منخولًا، ولا أكل من الغنم إلا مسانها، فقلت لعثمان في ذلك، فقال: يرحم الله عمرًا، ومن يطيق ما كان يطيق عمر (^٢).
ومن ذلك ما روي في قصة قدوم عمر ﵁ الجابية (^٣) على جمل أورق (^٤) تلوح صلعته لا حقبة (^٥) ولا خشبة تصطفق رجلاه، ليس له ركاب (^٦)، وطاؤه فروة كبش ذات صوف، وهي فراشه إذا نزل،
_________________
(١) الدَرمك: الدقيق الحواري وهو الذي ينخل مرة بعد مرة. ابن الأثير / النهاية في غريب الحديث ١/ ٤٥٨، ٢/ ١١٤.
(٢) رواه الطبري / التاريخ ٢/ ٦٨١، من طريق الواقدي وفيه أيضًا ابو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، وهو متهم بالوضع، فالأثر ضعيف جدًا.
(٣) تقدم التعريف بها في ص: (٣٠٢).
(٤) تقدم شرحها في ص: (٣٠٣).
(٥) حَقبة: الحقيبة تكون على عجز البعير، تحت حقوي القتب، والحقب: حبل تشد به الحقيبة. ابن منظور / لسان العرب ٣/ ٢٥٢، ٢٥٣.
(٦) الرِكاب للسرج كالغرز للرحل. المصدر السابق ٥/ ٢٩٥.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وحقيبة نمرة (^١) أو شملة (^٢) محشوة ليفًا هي وسادته إذا نزل، وحقيبته إذا ركب (^٣).
وروي أن عمر ﵁ لما قدم الشام لقيه العجم من أهل الشام، فقالوا: أين أمير المؤمنين، فقالوا: قدامكم حتى جاوزوه، فسألوا: فقيل هذا أمير المؤمنين، فرجعوا فنظروا إليه في رجل أو اثنين، أو ما شاء الله، فقالوا: هذه والله الرهبانية لا رهبانيتكم (^٤).
_________________
(١) نمرة، النمِرةُ: شملة فيها خطوط بيض وسود، وهي أيضًا: بردة من صوف يلبسها الأعراب. المصدر السابق ١٤/ ٢٩٠.
(٢) الشَّملة: كساء يتغطى به، ويتلفف به، المصدر السابق ٧/ ٢٠٢، ٢٠٣.
(٣) رواه ابن شبه / تاريخ المدينة ٣/ ٤٢، ابن قدامة / الرقة ص ٨٧، وفي إسناده عند ابن شبه عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي، ضعيف. تق ٣/ ٤٢. وفيه أبو الغالية الشامي لم أجد له ترجمة. وفي إسناده عند ابن قدامة أبو الحسن محمّد بن عبد الواحد بن جعفر لم أجد له ترجمة. وفيه يحيى بن سعيد بن أبان صدوق يغرب من التاسعة تق: ٥٩٠. وفيه رواه مبهمون حيث قال يحيى بن سعيد بن أبان: وبلغنا في بعض الحديث عمن شهد ذلك قال: قدم عمر الجابية … الأثر.
(٤) رواه ابن شبه / تاريخ المدينة ٣/ ٤٢، وفي إسناده عتاب بن بشر، صدوق يخطئ. تق ٣٨٠، وفيه سالم بن عجلان الأفطس، ثقة من السادسة. تق ٢٢٧، روايته عن عمر معضلة، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٣٩ ]
ومن ذلك ما روي من أن عمرو بن العاص كتب لعمر ﵄: إنا قد اختططنا لك دارًا عند المسجد الجامع، فكتب إليه عمر ﵁: أنّى لرجل بالحجاز تكون له دارٌ بمصر؟! وأمره أن يجعلها سوقًا للمسلمين (^١).
ومن أقوال الصحابة رضوان الله عليهم في زهد عمر ﵁ ما روي من قول سعد بن أبي وقاص ﵁ فيه: والله ما كان بأقدمنا إسلامًا، ولكن قد عرفت بأي شيء فضلنا، كان أزهدنا في الدنيا (^٢).
_________________
(١) رواه ابن عبد الحكم / فتوح مصر ص ٩٢، وفي إسناده عبد الملك بن مسلمة المصري، قال ابن أبي حاتم: مضطرب الحديث ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي منكر الحديث، الجرح والتعديل ٥/ ٣٧١، وفيه الحجاج بن راشد الصنعاني، قال ابن حجر: مقبول. تق ١٥٣، فالأثر ضعيف.
(٢) رواه ابن أبي شيبة / المصنف ٦/ ٣٥٨، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٤٤. ابن الأثير / أسد الغابة ٤/ ٦٠، وإسناده عند ابن أبي شيبة متصل ورجاله ثقات سوى محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، صدوق له أوهام. تق ٤٩٩، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة من الثالثة لم تذكر له رواية عن سعد ابن أبي وقاص، ولكن إمكان اللقاء بينهم موجود فإن أبا سلمة ولد سنة بضع وعشرين، وتوفي سنة أربع وتسعين، وتوفي سعد ابن أبي وقاص سنة خمس وخمسين. وهو عند ابن عساكر وابن الأثير من كلام طلحة بن عبيد الله ﵁، وليس من كلام سعد أبي وقاص ﵁، وفي إسناديهما علي بن عمر ابن محمد الحربي، قال الذهبي: موصوف بالزهد، والعبادة، سير أعلام النبلاء ١٧/ ٦٠٩، ولم أر فيه توثيقًا لأحد وفيه أبو سعيد حاتم بن الحسن الشاشي لم أجد له ترجمة، وبقية رجاله ثقات.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وروي أن ابن عمر ﵁ سمع رجلًا يقول: اين الزاهدون في الدنيا، والراغبون في الآخرة، فأخذه بيده، وأقامه على قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، وقال: عن هؤلاء تسأل (^١).
وروي عن عمرو بن العاص أنه قال وهو يذكر خلافة عمر ﵁: ثم ولي عمر فبعجت له الدنيا عن بطنها، وألقت إليه … كبدها، ففرص منها فرصًا وجانب غمرتها، ومشى في ضحضاحها، فخرج والله منها، وما بلت عقبه (^٢).
_________________
(١) رواه أحمد / الزهد ص ٤٧٧، هناد / الزهد ١/ ٣١٤، ابن الأعرابي / الزهد ص: ٤١، أبو نعيم/ حلية الألياء ١/ ٣٠٦، ٣٠٧، ومداره على عاصم بن سليمان الأحول، وهو ثقة من الرابعة. تق ٢٨٥. وقال في حديثه: بلغني أن ابن عمر سمع رجلًا، والبلاغ منقطع فالأثر ضعيف.
(٢) رواه ابن شبه / تاريخ المدينة ٣/ ٣١٠. قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر بن حفص، قال: حدّثني أبي، قال: لما قدم عمرو بن العاص … الأثر. وفي إسناده محمد بن حفص بن عائشة، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا ١/ ٢٣٦، وذكره ابن حبان في الثقات ٩/ ٦٢، وهو منقطع بين محمد ابن حفص المذكور وبين عمر بن الخطاب ﵁.
[ ١ / ٣٤١ ]
ومما روي في زهده ﵁ أنه ﵁ حج فما ضرب فسطاطًا (^١) يستظل به حتى رجع (^٢).
وروي أنه ﵁ أنفق في حجه ستة عشر دينارًا (^٣) فاستكثرها (^٤).
_________________
(١) الفُسطاط: بيت من الشعر. ابن منظور / لسان العرب ١٠/ ٢٦٢.
(٢) رواه الشافعي / المسند ص ٣٦٥، البلاذري / أنساب الأشراف ص ١٨١، ١٨٢، الخلال / السنة ص ٣١٨، البيهقي / السنن الكبرى ٥/ ٧٠، وسنده عند الشافعي والبيهقي رجاله ثقات ولكن فيه انقطاع بين يحيى بن سعيد الأنصاري وهو ثقة من الخامسة. تق ٥٩١، وبين عبد الله بن عياش بن ربيعة، راوي الخبر عن عمر ﵄. وهو صحابي جليل روى عن النّبيّ ﷺ وعن عمر ﵁. انظر: ابن حجر / الإصابة ٢/ ٣٥٦. وسنده عند البلاذري والخلال رجاله ثقات، ولكن فيه إبهام بشيخ يحيى بن سعيد الأنصاري حيث قال: حدثنا شيخ لنا، فالأثر ضعيف.
(٣) الدينار: نوع من النقود الذهبية زنته عشرين قيراطًا = ٤. ٢٥ غرام، معجم لغة الفقهاء ص ٢١٢.
(٤) رواه ابن سعد / الطبقات ٣/ ٣٠٨، أبو نعيم / حلية الأولياء ٦/ ٣٧٧، وفي سنده عند ابن سعد الواقدي، وإسناده عند أبي نعيم رجاله ثقات ولكنه معضل لأنه من كلام سفيان الثوري ﵀ وهو ثقة من السابعة. تق ٢٤٤، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وقد رويت عنه ﵁ أقوال في الزهد منها:
ما روي من قوله ﵁: نظرت في هذا الأمر، فجعلت إذا أردت الدنيا أضررت بالآخرة، وإذا أردت الآخرة أضررت بالدنيا، فإذا كان الأمر هكذا فأضروا بالفانية (^١).
وروي أنه قال: لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جنبي لله في التراب أو أجالس قومًا يلتقطون طيب الكلام كما يلتقطون طيب التمر، لأحببت أن أكون قد لحقت بالله (^٢).
_________________
(١) رواه أحمد / الزهد ص ١٥٥، ١٥٦، وفي إسناده شجاع بن الوليد صدوق له أوهام وفيه إعضال لأن خلف بن حوشب، ثقة من السادسة. تق ١٩٤، روايته عن عمر معضلة.
(٢) رواه سعيد بن منصور / السنن / الأعظمي ٢/ ٣٠٩، ابن سعد / الطبقات ٣/ ٢٩٠، ابن أبي شيبة / المصنف ٤/ ٢١٤، أحمد / الزهد ص ١٤٥، ١٤٦، البلاذري / أنساب الأشراف ص ٢٢٥، وكيع / الزهد ١/ ٣١٥، ٣١٦، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٦٧، وإسناده عند ابن أبي شيبة رجاله ثقات، لكن مدار الحديث على يحيى بن جعدة المخزومي، وهو ثقة من الثالثة. تق ٥٨٨، روايته عن عمر منقطعة، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وروي أن عمر ﵁ خطب أم أبان بنت عتبة (^١)، فردته، فقيل لها في ذلك، فقالت: إن دخل دخل ببأس، وإن خرج خرج ببأس، قد أذهله أمر آخرته عن أمر دنياه، كأنه ينظر إلى ربه بعينيه (^٢).