من صفات عمر ﵁ التي اشتهر بها الشدة في الدين، والصرامة في الحق، وشدة الغيرة على محارم الله ﷿، ومواقفه الدالة على ذلك في عهد النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ وفي خلافته كثيرة، وسيأتي إن شاء الله ذكر الكثير منها وأشير هنا إلى بعض تلك المواقف.
فمن ذلك أن عمر ﵁ أتى مسجد النبي ﷺ والحبشة يلعبون فيه بحرابهم (^١)، فأهوى ﵁ إلى الحصى، فحصبهم به، فقال النبي ﷺ لعمر: "دعهم يا عمر"، وكانت عائشة ﵂ تنظر إليهم والنبي ﷺ يسترها (^٢).
_________________
(١) الحراب: جمع حربة، تقدم الكلام عليها في ص (١٤٩).
(٢) رواه البخاري / الصحيح ١/ ١٧٦، ٢/ ١٥٣، ١٥٤، مسلم / الصحيح ٦/ ١٨٦، ١٨٧، النسائي / السنن ٣/ ١٩٦، وغيرهم.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وكان ﷺ في جنازة ومعه عمر ﵁، فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال له رسول الله ﷺ: "دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب" (^١).
_________________
(١) رواه الطيالسي / المسند ص ٣٣٩، ٣٥١، عبد الرزاق / المصنف ٣/ ٥٥٣، ابن أبي شيبة / المصنف ٢/ ٤٨٢، أحمد / المسند ١/ ٣٣٥، ابن شبه / تاريخ المدينة ١/ ١٠٣، النسائي / السنن ٤/ ١٩، ابن المنذر / الأوسط ٥/ ٣٨٨، ابن حبان / الصحيح ٥/ ٦٢، ٦٣، البيهقي / السنن الكبرى ٤/ ٧٠، ٧١، صحيح من طريق ابن أبي شيبة. قال: حدّثنا وكيع عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان وعن محمّد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة … الحديث. وفي لفظ: أن النبي ﷺ مر بجنازة يبكى عليها ومعه عمر بن الخطاب، فانتهر عمر اللائي يبكين، فقال له النبي ﷺ: "دعهن يا ابن الخطاب، فإن النفس مصابة، والعين دامعة"، وفي إسناده عند أحمد علي بن زيد بن جدعان ضعيف. تق ٤٠١، ويوسف بن مهران، لين الحديث. تق ٦١٢، وفيه عند عبد الرزاق والنسائي سلمة بن الأزرق، مقبول تق ٢٤٦، وبقية رجاله ثقات، وفيه عند الطيالسي قيس بن الربيع، صدوق تغير حفظه لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فحدث به. تق ٤٥٧، وبقية رجاله ثقات، فالأثر بهذا اللفظ يرتقي لدرجة الحسن لغيره.
[ ١ / ٣١٠ ]
وقال الأسود (^١) بن سريع ﵁: كنت أنشده يعني النبي ﷺ، ولا أعرف أصحابه، حتى جاء رجل بعيد ما بين المناكب، أصلع، فقيل لي: اسكت، فقلت: واثكلاه من هذا الذي أسكت له عند النبي ﷺ؟!
فقيل: إنه عمر بن الخطاب، فعرفت والله بعد أنه كان يهون عليه لو سمعني أن لا يكلمني حتى يأخذ برجلي، فيسحبني إلى البقيع (^٢).
وجاء عنه ﷺ أنه قال: "إن مثل عمر مثل نوح ﵇، كان أشد في الله من الحجر" (^٣).
_________________
(١) الأسود بن سَريع بن حمير بن عبادة بن النزال بن مرة السعدي التميمي غزا مع النبيّ ﷺ، يكنى أبا عبد الله نزل. وكان قاصًا محسنًا. هو أوّل من قص في مسجد البصرة. ابن عبد البر / الاستيعاب ١/ ١٨١، ١٨٢.
(٢) تقدم الكلام على هذا الأثر في ص (٩٤). وهو أثر حسن.
(٣) رواه ابن أبي شيبة / المصنف ٧/ ٤١٠، ابن أبي عاصم / السنة ص ٦٠٤، أبو نعيم / حلية الأولياء ٤/ ٣٠٤، وإسناده عند ابن أبي شيبة رجاله ثقات، ولكن محمد بن علي بن أبي طالب لم تذكر له رواية عن عمر ﵁، وذكر المزي أنه دخل على عمر، وكان مولده في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وقيل في خلافة عمر ﵁، تهذيب الكمال ٢٦/ ١٤٧، وفيه عند أبي عاصم وأبي نعيم رباح بن أبي معروف، صدوق له أوهام. تق ٢٠٥، وسعيد بن أبي عجلان، قال الأزدي: فيه نظر، وقال ابن حبان: يخطئ ويخالف. ميزان الاعتدال ٢/ ١٥١، الثقات ٦/ ٣٦٠، وعند ابن أبي عاصم، وأبي نعيم، زيادة وهي قوله ﷺ: "ومثلك يا عمر في الملائكة كمثل جبريل ينزل بالبأس"، فالحديث حسن لغيره بطريقيه إن شاء الله، وأما زيادة ابن أبي عاصم فهي ضعيفة.
[ ١ / ٣١١ ]
ومن النصوص التي فيها دلالة على شدة غيرة عمر ﵁ على محارم الله ﷿ قوله ﷺ: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته، فوليت مدبرًا"، فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله (^١)؟!
وروي أنه ﷺ قال: "عمر غيور وأنا أغير منه، والله أغير منا" (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري / الصحيح ٢/ ٢١٦، ٢١٧، ٣/ ٢٦٥، ٤/ ٢١٥، ٢١٦، مسلم / الصحيح / شرح النووي ١٥/ ١٦٣، ١٦٤، الترمذي / السنن ٥/ ٢٨٢، ٢٨٣ وغيرهم.
(٢) رواه عبد الرزاق / المصنف ١٠/ ٤٠٩، الطبراني / مجمع البحرين ٥/ ٢٠٥، وسنده عند عبد الرزاق رجاله ثقات، ورواية طاووس بن كيسان عن النبي ﷺ معضلة، وفيه عند الطبراني المقدام بن داود بن عيسى الرعيني ضعفه النسائي والدراقطني، وقال سلمة بن القاسم: رواياته لا بأس بها، ابن أبي حاتم /الجرح ٨/ ٣٠٣، الذهبي / ميزان الاعتدال ٤/ ١٧٥، ابن حجر / لسان الميزان ٦/ ٨٤، وفيه عبد الرحمن بن أشرس الأفريقي، قال ابن حجر: مجهول الحال، وقال ابن الجنيد: ليس به بأس، وضعفه الدارقطني ٣/ ٤٠٥، وفيه عبد الله بن عمر العمري، ضعيف. تق ٣١٤، فالأثر ضعيف، ومعناه صحيح.
[ ١ / ٣١٢ ]
وروي عن عمر ﵁ قوله: لقد لان قلبي في الله حتى لهو ألين من الزبد ولقد اشتد قلبي في الله حتى لهو أشد من الحجر (^١).