وأمّا لقبه ﵁ فهو (الفاروق)، وهو ﵁ جدير بهذا اللقب فإنه ممن فرق الله به بين الإسلام والكفر بعد إسلامه
_________________
(١) رواه أبو نعيم/ معرفة الصحابة/ القسم المخطوط ١/ ٢٦٠، ٢٦١، البخاري/ التاريخ الصغير ١/ ٢٥٠ من طريق عبد الله بن شرحبيل عن رجل عن زيد بن أبي أوفى. قال ابن حجر في الإصابة ١/ ٥٦٠ في ترجمة زيد بن أبي أوفى: روى حديثه ابن أبي حاتم والحسن بن سفيان والبخاري في التاريخ الصغير من طريق ابن شرحبيل عن رجل من قريش عن زيد بن أبي أوفى ولحديثه طرق عن عبد الله بن شرحبيل، وقال ابن السكن: روي حديثه من ثلاث طرق ليس فيها ما يصح، وقال البخاري: لا يعرف سماع بعضهم من بعض ولا يتابع عليه، رواه بعضهم عن ابن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى ولا يصح.
[ ١ / ٧٨ ]
وبعد توليه الخلافة وظهر به الإسلام وخفقت راياته في أرجاء المعمورة.
وقد اختلف فيمن لقّبه بهذا اللقب فقيل إن الذي لقّبه بذلك هم أهل الكتاب. قال الزهري ﵀: وكان المسلمون يؤثرون ذلك من قولهم ولم يبلغنا أن رسول الله ﷺ ذكر من ذلك شيئًا (^١).
وقيل: إن الذي لقّبه بذلك النبي ﷺ وأنه قال: "إن الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه وهو الفاروق فرق الله به بين الحقّ والباطل" (^٢).
_________________
(١) رواه ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٢٧٠، وابن شبه/ تاريخ المدينة ٢/ ٢٢٧، البلاذري/ أنساب الأشراف/ الشيخان ١٥٢، الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ٢/ ٥٦٢، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٤٥، ابن الأثير الجزري/ أسد الغابة ٤/ ٥٧. قال ابن سعد: "أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان، قال: قال ابن شهاب: بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أوّل من قال لعمر: الفاروق، وكان المسلمون يؤثرون ذلك … " الخ. وسند ابن سعد رجاله ثقات صحيح إلى الزهري، ولكنه بلاغًا والبلاغات منقطعة. وراه سائر من رواه من طريق يعقوب بن إبراهيم بن مثلة. فالأثر ضعيف.
(٢) رواه ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٢٧٠، وابن شبه/ تاريخ المدينة ٢/ ٢٢٧، الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ٢/ ٥٦٢، أبو نعيم/ دلائل النبوة ص ١٩٤، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٤٤، ابن الأثير/ أسد الغابة ٤/ ٥٧. ابن حجر/ الإصابة ٢/ ٥١٩، وهو عند ابن سعد من طريقين: الأولى: من طريق أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص وهو ثقة، من السادسة تق ١١٩، يرفعه إلى النبي ﷺ إنه قال: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وهو الفاروق" فالإسناد معضل. والثانية: من طريق الواقدي وهو متروك عن أبي ذكوان قال: قلت لعائشة من سمى عمر الفاروق؟ قالت: النبي ﷺ. وهو عند بن شبه من طريقي ابن سعد المتقدّمتين، وفيه عند الطبري الواقدي، وفيه عند أبي نعيم إسحاق بن أبي فروة متروك تق: ١٠٢. ورواه ابن عساكر من طريق أيوب بن موسى المتقدّم عند ابن سعد ورواه ابن الأثير من طريق ابن أبي فروة فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٧٩ ]
وكلتا الروايتين لم تثبتا، ولعل الصواب أن الذين لقّبه بذلك هم المسلمون، لأن الإسلام عز وظهر بإسلامه كما ثبت ذلك في الصحيح ولا مانع أن يكون أهل الكتاب لقبوه بذلك لما رأوا من عدالته وظهور الحقّ على يديه.
ومن ألقابه ﵁ بعد الخلافة (أمير المؤمنين) وهو أول من لقب بهذا اللقب وسبب ذلك أن عمر ﵁ كتب إلى عامله بالعراق: أن ابعث إليّ برجلين جلدين، نبيلين، أسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه صاحب العراق بلبيد (^١) بن ربيعة،
_________________
(١) لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك من بني عامر بن صَعْصَعَة أبو عقيل الشاعر المشهور. قال الشعر في الجاهلية دهرًا ثم أسلم وتوفي سنة ٤١ هـ وعمره ١٤٥ سنة، الإصابة ٣/ ٣٢٦.
[ ١ / ٨٠ ]
وعدي (^١) بن حاتم، فقدما المدينة فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، فوجدا عمرو بن العاص ﵁، فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين عمر، فوثب عمرو، فدخل على عمر، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: ما بدا لك في هذا الاسم يا ابن العاص؟ لتخرجن مما قلت. قال: نعم، قدم لبيد بن ربيعة، وعدي بن حاتم فقالا لي: استأذن لنا على أمير المؤمنين. فقلت: أنتما والله أصبتما اسمه إنه الأمير ونحن المؤمنون. فجرى الكتاب من ذلك اليوم (^٢).
_________________
(١) عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي أسلم سنة تسع وقيل عشر وكان نصرانيًا. صحابي جليل مات بعد الستين وله ١٢٠ سنة، الإصابة ٢/ ٤٦٨.
(٢) رواه البخاري/ الأدب المفرد، ص: ٣٥٣ بإسناد صحيح. قال: حدّثنا عبد الغفّار بن داود، قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الرّحمن عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب أنّ عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة لِمَ كان أبو بكر يكتب: "من أبي خليفة رسول الله ﷺ، ثمّ كان عمر يكتب من بعده: من عمر بن الخطاب خليفة أبي بكر. من أوّل من كتب أمير المؤمنين؟ ". قال: حدّثتني جدّتي الشّفاء وكانت من المهاجرات الأوّل، وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا هو دخل السّوق دخل عليها، قالت: كتب عمر … الأثر. وصححه الشيخ الألباني/صحيح الأدب المفرد ٣٩٠، ورواه ابن شبه/ تاريخ المدينة ٢/ ٢٤٤، ٢٤٥، ابن أبي عاصم/ الآحاد والمثاني ١/ ٩٧، الطبراني/ المعجم الكبير ١/ ٦٤، الحاكم/ المستدرك ٣/ ٨١، ٨٢ وغيرهم.
[ ١ / ٨١ ]
وقيل: إنه لقب بذلك بعد اجتماع المسلمين وتشاورهم ثم اتفاقهم بعد ذلك على أن يدعوا عمر بأمير المؤمنين وذلك بعد أن كان يقال لأبي بكر خليفة رسول الله ﷺ فاستثقلوا أن يقولوا لعمر خليفة خليفة رسول الله ﷺ (^١).
وقيل: إن عمر ﵁ هو الذي أشار بذلك على أصحابه وقال لهم: أنتم المؤمنون وأنا أميركم (^٢).
_________________
(١) رواه البلاذري/ أنساب الأشراف/ الشيخان ص ١٩٠ بإسناد واهٍ فيه هشام ابن محمد بن السائب الكلبي، قال الدارقطني: متروك. وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة. وقال أحمد: إنما كان صاحب سمر ونسب ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه. وقال الذهبي: وهشام لا يوثق به. ميزان الاعتدال ٤/ ٣٠٤، وهو يروي عن أبيه محمّد بن السائب الكلبي وهو متهم بالكذب. تق ٤٧٩.
(٢) رواه ابن شبه/ تاريخ المدينة ٢/ ٢٤٣، الطبري/ تاريخ الأمم والملوك ٢/ ٥٦٩ بإسنادين الأول فيه جويبر بن سعيد الأزدي ضعيف جدًا تق ١٤٣، وهو معضل من رواية الضحاك بن مزاحم صدوق من الخامسة. تق ٢٨٠ وعن عمر ﵁ والآخر فيه أحمد بن عبد الصمد الأنصاري الزرقي، قال الذهبي: لا يعرف. ميزان الاعتدال ١/ ١١٧ وفيه أم عمرو بنت حسان الكوفية عن أبيها ولم أجد لهما ترجمة.
[ ١ / ٨٢ ]
وذكر أن أوّل من حيا عمر بن الخطاب (بأمير المؤمنين) هو المغيرة بن شعبة (^١).
ولا مانع أن يكون المسلمون قد اجتمعوا واتفقوا على تلقيب عمر ﵁ بهذا اللقب، بعد أن لقبه به المغيرة بن شعبة ﵁، ثم قدم الرجلان من
_________________
(١) رواه ابن شبه/ تاريخ المدينة ٢/ ٢٤٢، ٢٤٣ بإسنادين. قال: حدّثنا الحسن بن عثمان قال حدّثنا محمّد بن حرب الأبرش قال حدّثنا محمّد بن الوليد الزبيري عن الزهري. وهذا السند رجاله ثقات ورواية الزهري عن عمر منقطعة. ورواه من طريق آخر فقال: حدّثنا محمّد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران عن أبيه عن جدّه. وفي هذا السند عبد العزيز بن عمران الزهري متروك احترقت كتبه فحدّث من حفظه فاشتد غلطه، وكان عارفًا بالنسب، تق: ٣٥٨. وأبو عمران بن عبد العزيز بن عمر الزهري قال فيه يحيى ابن معين: منكر الحديث. وكذا قال البخاري. ميزان الاعتدال ٣/ ٢٣٩. وجده عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري مقبول من الثالثة. وروايته عن عمر منقطعة، فالسند ضعيف. ورواه ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص: ٢٢١ موقوفًا على الزهري فالأثر ضعيف. والمغيرة بن شعبة، هو ابن أبي عامر بن مسعود بن معتب الثقفي، أسلم عام الخندق وقدم مهاجرًا، وقيل: إن أوّل مشاهده الحديبية، توفي سنة: ٥٠ هـ. الاستيعاب ٤/ ٧ - ٩.
[ ١ / ٨٣ ]
أهل العراق ولقبا عمر أيضًا بهذا اللقب فأقرّ عمر هذا، وقال: أنتم المؤمنون وأنا أميركم.
ولقب عمر أمير المؤمنين مذكور في كتب أهل الكتاب، فقد جاء رجل من أهل الكتاب إلى عمر فقال: السلام عليك يا ملك العرب، فقال عمر ﵁: وعليك، كذلك تجده في كتابكم؟! أليس تجد نبيًا، ثم خليفة ثم أمير المؤمنين، ثم الملوك. قال: بلى (^١).