كان عمر ﵁ ممن أوتي علمًا كبيرًا وفقهًا عظيمًا. ولا شكّ أن ما اتصف به عمر ﵁ من صدق الإيمان بالله واليقين التام
[ ١ / ١٧٩ ]
وخلوص العقيدة من الشرك بأنواعه والبدع والشبهات وما اتصف به كذلك من حسن الالتزام بشعائر الدين والتقرب إلى الله تعالى بأنواع القربات من أسباب سعة علمه وفقهه ﵁. فقد شهد له بذلك رسول الله ﷺ فقال: "بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب"، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: "العلم" (^١).
ومن شهادة الصحابة رضوان الله عليهم له بالعلم قول عبد الله ابن مسعود ﵁: لو وضع علم الناس في كفة ميزان، وعلم عمر في كفة لرجح علم عمر (^٢).
وقال: إن عمر كان أعلمنا بالله، وأقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في
_________________
(١) رواه البخاري/ الصحيح ١/ ٢٧، ٢/ ٢٩٤، ٤/ ٢١٣، ٢١٦، ٢١٧، مسلم/ الصحيح/ شرح النووي ١٥/ ١٥٩، ١٦٠، الترمذي/ السنن ٣/ ٣٦٧، ٣٦٨، ٥/ ٢٨٢ وغيرهم.
(٢) رواه ابن أبي شيبة/ المصنف ٦/ ٣٥٧، ابن أبي خثيمة/ العلم ص ١٢٣، أبو نعيم/ الإمامة ص ٢٨٤، ٢٨٥، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٢٤١، ٢٤٢، صحيح من طريق ابن أبي شيبة. قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله (أي: ابن مسعود) لو وضع … الأثر. وتدليس الأعمش لا يضرّ لأنه يروي عن شقيق أبي وائل وهو من المكثرين عنه.
[ ١ / ١٨٠ ]
دين الله (^١).
وروي عنه ﵁ أنه قال: إن كنا نحسب أن عمر قد انفرد بتسعة أعشار العلم (^٢).
وروي عن حذيفة بن اليمان (^٣) أنه قال: كأن علم الناس مدسوس
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة/ المصنف ٦/ ٣٥٥ وسنده متصل ورجاله ثقات سوى عبدالملك الرواي عن زيد بن وهب فإنه إما أن يكون ابن أبي سليمان صدوق له أوهام. تق ٣٦٣ أو ابن أبي ميسرة فهو ثقة، فالأثر لا ينزل عن درجة الحسن، والله أعلم.
(٢) رواه ابن سعد/ الطبقات ٢/ ٣٣٦، الدرامي/ السنن ١/ ١٠١، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ١٥٠، أبو نعيم/ الإمامة ص ٢٨٥، وسنده عند ابن سعد رجاله ثقات، ولكن إبراهيم النخعي روايته عن ابن مسعود منقطعة. ورواه سائر من رواه من رواية النخعي عن ابن مسعود، ونقل العلائي عن البيهقي قوله: إن مراسيل النخعي عن ابن مسعود صحاح، جامع التحصيل ص ١٤١، ١٤٢.
(٣) حُذَيْفَة بن اليمان العبسي. يكنى أبا عبد الله. واسم اليمان: حسيل بن جابر العبسي. كان عمر ﵁ يسأله عن المنافقين. وهو معروف في الصحابة بصاحب سرّ رسول الله ﷺ، شهد نهاوند فلما قتل النعمان بن مقرن آخذ الراية وكان فتح همذان والري والدينور على يده. مات سنة ست وثلاثين. ابن عبد البر/ الاستيعاب ١/ ٣٩٣، ٣٩٤.
[ ١ / ١٨١ ]
في حجر مع علم عمر (^١).
وشهد له بذلك التابعون ومن بعدهم، قال مسروق بن الأجدع (^٢) ﵀: انتهى علم أصحاب النبي ﷺ إلى هؤلاء النفر الستة: عمر وعلي وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء (^٣)، وزيد بن ثابت (^٤).
_________________
(١) رواه ابن سعد/ الطبقات ٢/ ٣٣٦، ابن أبي شيبة/ المصنف ٦/ ٣٥٩، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ١٥٠، ١٥١، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٢٤٣، وفي إسناده عندهم سليمان الأعمش وهو مدلس ولم يصرح بالسماع، وفيه شمر بن عطية الأسدي، صدوق من السادسة، يروي عن حذيفة وروايته عنه معضلة. فالأثر ضعيف.
(٢) مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبو عائشة ثقة فقيه عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة ثلاث وستين. تق ٥٢٨.
(٣) أبو الدرداء اسمه عُوَيْمِر بن عامر بن مالك الخزرجي تأخر إسلامه قليلًا، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد. ابن عبدالبر/ الاستيعاب ٤/ ٢١١
(٤) رواه ابن سعد/ الطبقات ٢/ ٣٥١، ابن أبي خيثمة/ التاريخ ص ١٥٥، الحاكم/ المستدرك ٣/ ٣٦٥، أبو نعيم/ معرفة الصحابة ٢/ ١٦٦، الخطيب البغدادي/ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٢٨٨، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٢٤٠، صحيح من طريق ابن سعد. قال: أخبرنا الفضل بن دكين أخبرنا القاسم بن معن عن منصور عن مسروق.
[ ١ / ١٨٢ ]
وقال قبيصة بن جابر (^١): ما رأيت رجلًا أعلم بالله، ولا أقرأ لكتاب الله وأفقه في دين الله من عمر (^٢).
وروي عن أيوب السختياني (^٣) أنه قال: إذا بلغك اختلاف عن أصحاب النبي ﷺ، فوجدت في ذلك الاختلاف أبا بكر وعمر فشد يدك به فهو الحق وهو السنة (^٤).
وعن رجل من أهل المدينة قال: دفعت إلى عمر بن الخطاب، فإذا الفقهاء عنده مثل الصبيان قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه (^٥).
_________________
(١) قَبِيصَة بن جابر بن وهب الأسدي، ثقة من الثانية، مخضرم، مات سنة تسع وستين. تق ٤٥٣.
(٢) رواه ابن ابي شيبة/ المصنف ٦/ ٣٥٥، أبو نعيم/ الإمامة ص ٢٩٤، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٢٤٣، ٢٤٤، صحيح من طريق ابن أبي شيبة. قال: حدّثنا حسين بن عليّ عن زائدة قال: قال عبد الملك حدّثني قبيصة بن جابر قال: ما رأيت … الأثر.
(٣) أيوب بن أبي تَمِيمَة: كيسان السختياني، ثقة حجة من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة. تق ١١٧.
(٤) رواه ابن المنذر/ الأوسط ١/ ٢٢٣، وفيه إبهام بشيخ ابن المنذر حيث قال: حدثني بعض أصحابنا، وبقية رجاله ثقات.
(٥) رواه ابن سعد/ الطبقات ٢/ ٣٣٦، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ١٥١، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٢٤٠، وسنده عن ابن سعد رجاله ثقات ولكن فيه الإبهام بالرجل من أهل المدينة، ورواه بقية من رواه من طريق ابن سعد
[ ١ / ١٨٣ ]
ولمكانة عمر ﵁ العلمية العالية فقد كان من أهل الفتوى من أصحاب النبي ﷺ، قال مسروق بن الأجدع (^١) ﵀: كان أصحاب الفتوى من أصحاب النبي ﷺ عمر وعلي، وابن مسعود، وزيد، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري ﵃ (^٢).
وجاء عن حذيفة بن اليمان ﵁ قوله: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة، رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه، قالوا: ومن ذاك؟ قال: عمر بن الخطاب، قال: وأمير لا يخاف، أو أحمق متكلف (^٣).
وكان ﵁ شديد الحذر في الفتوى، قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: لم يكن أحد بعد النبي ﷺ أهيب لما لا يعلم من أبي بكر،
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص (١٨٢).
(٢) رواه ابن سعد/ الطبقات ٢/ ٣٥١. صحيح. قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا حسن بن صالح بن مطرف حدّثني عامر عن مسروق.
(٣) رواه عبدالرزاق/ المصنف ١١/ ٢٣١، الدارمي/ السنن ١/ ٦١، ٦٢، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٢٤٣، وسنده عند عبدالرزاق رجاله ثقات إلا أنه من مراسيل ابن سيرين عن حذيفة وسنده عند الدارمي رجاله ثقات أيضًا وهو أيضًا من رواية ابن سيرين إلا أنه يرويه عن أبي عبيدة بن حذيفة بن اليمان عن أبيه فالسند متصل، وأبو عبيدة وثقه العجلي وابن حبان، وقال ابن حجر: مقبول. فالأثر حسن إن شاء الله.
[ ١ / ١٨٤ ]
ولم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من عمر (^١).
ومن العلوم التي كان عمر ﵁ يجيدها علم القراءة والكتابة وهما فنان لم يكن يجيدهما إلا القلائل من العرب في الجاهلية وأوائل الإسلام. ففي قصة همرة عمر ﵁ مع عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص أنه كتب بيده قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ …﴾ الآية (^٢). وبعثها إلى هشام بن العاص بمكة (^٣).
وإن كانت قريش من أكثر قبائل العرب كتابة راءة وذلك لتحضرها وانشغالها بالتجارة التي تسلتزم ذلك (^٤).
ومن العلوم التي نقل عن عمر ﵁ اهتمامه بها. ومعرفته لها الشعر. والشعر هو: ديوان العرب وصحيفة مفاخرهم، وسجل مناقبهم، وشاهد صوابهم وخطئهم، وأصل يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم، به يفتخرون، وبنابغيه يعتزون، لم تخل قبيلة من قبائلهم من شاعر يحمى
_________________
(١) رواه ابن سعد/ الطبقات ٣/ ١٧٧، ١٧٨ صحيح. قال: أخبرنا الفضل بن عنبسة الخزاز الواسطي وعارم بن الفضل، قالا: أخبرنا حماد بن زيد، قال: أ خبرنا سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين …
(٢) سورة الزمر الآية: ٥٣.
(٣) صحيح تقدم تخريجه في ص: (١٥٨) حاشية (٣).
(٤) انظر: حسين مؤنس/ تاريخ قريش ص: ٢١٠.
[ ١ / ١٨٥ ]
ذمارها، ويفاخر بأمجادها، ويصور عواطفها، وكانت القبيلة تزهو ويرتفع شأنها إذا نبغ منها شاعر ينافح عنها، ويشيد بمفاخرها، وكان للشعر تأثير كبير في نفوسهم يدلّ على ذلك أن الشاعر قد يخض بشعره شأن قبيلة ويرفع شأن قبيلة أخرى. ومن أمثلة ذلك:
قول جرير (^١) في بني نمير من عامر بن صعصعة:
فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعبًا بلغت ولا كلابًا
جعل هذا البيت كلّ نميري إذا سئل عن نسبه قال: إنه عامري.
وعكس ذلك قول الحطيئة (^٢):
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم … ومن يساوى بأنف الناقة الذنبا
_________________
(١) جرير بن عطية بن الخَطَفَى والخَطَفَى لقب واسمه: حذيفة بن بدر بن سلمة ابن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة التميمي الخنظلي. أبو الفتح الأصفهاني/ الأغاني ٨/ ٢٢٩.
(٢) هو: جرول بن أوس بن مالك بن حيوة العبسي كان من فحول الشعراء ومقدّميهم وفصحائهم. وكان يتصرف في جميع فنون الشعر من مدح وهجاء وفخر ونسب. ويجيد في جميع ذلك. وكان كثير الهجاء حتى هجا أباه وأمّه وأخاه وزوجته ونفسه. وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام. وكان أسلم في عهد النبيّ ﷺ ثم ارتد، ثم أسر وعاد إلى الإسلام. وكان يلقب الحطيئة لقصره. ابن حجر/ الإصابة ١/ ٣٩٧.
[ ١ / ١٨٦ ]
فقد رفع هذا البيت شأن بني أنف الناقة وجعلهم يفاخرون بقبيلتهم بعد أن كان الواحد منهم إذا سئل عن نسبه قال: من بني قريع. وهو نسب آخر لهم.
وبعد مجئي الإسلام كان النبي ﷺ يعلم مدى تأثير الشعر في نفوس العرب. فيأمر حسان (^١) بن ثابت ﵁ أن يدافع وينافح عنه وعن صحابته، وأن يهجو المشركين. فيقول له ﷺ: "اهجهم وهاجهم وجبريل معك" (^٢). ودعا له ﷺ فقال: "اللهم أيده بروح القدس" (^٣).
وقد أوجد الإسلام الكثير من المعاني والأغراض بما جد من شؤون وأحداث لم تكن عند العرب من قبل، وكان من أهم هذه الأغراض الدعوة للجهاد وتحميس الجند وحضّهم على الاستبال والاستشهاد في
_________________
(١) هو: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد بن مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي شاعر رسول الله ﷺ، كان شاعر الأنصار في الجاهلية. وشاعر النبي ﷺ في أيام النبوّة، وشاعر اليمن كلّها في الإسلام. مات قبل الأربعين، وقيل: سنه أربعين، وقيل: خمسين، وقيل: أربع وخمسين. عاش مائة وعشرين سنة. ابن حجر/ الإصابة ١/ ٣٢٦.
(٢) رواه مسلم/ الصحيح/ شرح النووي ١٦/ ٤.
(٣) المصدر السابق ١٦/ ٤٥.
[ ١ / ١٨٧ ]
سبيل الله (^١).
ومما جاء عن عمر ﵁ في بيان أهمية الشعر ما روي من قوله ﵁: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصحّ منه" (^٢).
وقد روي عنه ﵁ آثار فيها دلالة على حبّه سماع الشعر الذي لا لغو فيه. ومن ذلك أنه ﵁ سمع رجلًا يتغنى بفلاة من الأرض، فقال عمر ﵁: "الغناء زاد الراكب" (^٣).
_________________
(١) انظر: أبو زيد شلبي/ تاريخ الحضارة الإسلامية ص: ٢٥٢ - ٢٥٤.
(٢) أخرجه ابن سلام الجمحي/ طبقات الشعراء ١/ ٢٤، وقال: قال ابن عون عن ابن سيرين قال: قال عمر: … الأثر. وابن عون هو: عبد الله بن عون ثقة تق: ٣١٧. وابن سيرين هو: محمّد بن سيرين ثقة من الثالثة تق: ٤٨٣. لكن روايته عن عمر منقطعة. وقد أثنى العلماء على مراسيله. وقالوا: إنها صحيحة. العلائي/ جامع التحصيل ص: ٩٠.
(٣) رواه البيهقي/ السنن الكبرى ٥/ ٦٨. قال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم أنبأ أبو عبد الله محمّد بن يعقوب ثنا محمّد بن عبد الوهّاب، أنبأ جعفر بن عون أنبأ أسامة بن زيد عن زيد بن أسلم عن أبيه سمع عمر رجلًا … الأثر. وأسامة بن زيد لعله الليثي فهو صدوق، أو هو: أسامة بن زيد بن أسلم فهو ضعيف تق: ٩٨. وجعفر بن عون صدوق تق: ١٤٠. وبقية رجال السند ثقات.
[ ١ / ١٨٨ ]
وروي عن خوات (^١) بن جبير ﵁ قال: خرجنا حجاجًا مع عمر ابن الخطاب، فسرنا في ركب فيهم أبو (^٢) عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن (^٣) بن عوف ﵄، فقال القوم: غننا يا خوات، فغناهم، فقالوا: غننا من شعر ضرار (^٤). فقال عمر ﵁: "دعوا أبا عبد الله يتغنى من بنيات فؤاده". يعنى: من شعره. قال: فما زلت أغنيهم
_________________
(١) خوات بن جبير بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة الأنصاري الأوسي شهد أحدًا والمشاهد بعدها. مات سنة أربعين وعمره أربع وسبعين سنة بالمدينة. ابن حجر/ الإصابة ١/ ٤٥٧، ٤٥٨.
(٢) هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال القرشي الفهري من العشرة السابقين إلى الإسلام هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها. قال فيه النبيّ ﷺ: "لكلّ أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". أخرجاه في الصحيح. اتفقوا على أنه مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان عشرة. ابن حجر/ الإصابة ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٤.
(٣) عبد الرحن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحرث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. أسلم قديمًا قبل دخول النبيّ ﷺ دار الأرقم. وشهد بدرًا وسائر المشاهد. مات سنة إحدى وثلاثين. ودفن بالبقيع. ابن حجر/ الإصابة ٢/ ٤١٦، ٤١٧.
(٤) ضرار بن جبير بن مرادس الفهري. كان من فرسان قريش وشجعانهم المطبوعين المجودين. وكان من مسلمة الفتح. ابن عبد البر/ الاستيعاب ٢/ ٣٠٠، ٣١٠.
[ ١ / ١٨٩ ]
حتى إذا كان السحر قال عمر ﵁: "ارفع لسانك يا خوات فقد أسحرنا" (^١).
وروي أن عمر ﵁ بينما هو يسير في طريق مكّة في خلافته، ومعه المهاجرون والأنصار فترنم عمر ببيت. فقال له رجل من أهل العراق ليس معه عراقي غيره: "غيرك فليقلها يا أمير المؤمنين". فاستحيا عمر ﵁ من ذلك وضرب راحلته حتى انقطعت من الموكب (^٢).
وكان عمر ﵁ كثيرًا ما يتمثل بأبيات الشعر لذلك روي أنه كان
_________________
(١) رواه البيهقي/ السنن الكبرى ٥/ ٦٩. وفي إسناده فليح بن سليمان صدوق كثير الخطأ. وفيه قيس بن أبي حذيفة ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. الجرح والتعديل ٧/ ٩٥، وبقية رجاله ثقات سوى أبي الأزهر أحمد بن الأزهر صدوق تق: ٧٧. فالأثر ضعيف.
(٢) رواه البيهقي/ السنن الكبرى ٥/ ٦٩. ورجاله ثقات. سوى محمّد بن خالد الحمصي، فهو صدوق. وإبراهيم بن عبد الرحن بن عبد الله بن أبي ربيعة. ذكره ابن حبان في الثقات ٦/ ٦. ووثقه مغلطاي. وقال ابن خلفون: ثقة مشهور. وقال ابن حجر: مقبول. وفيه الحارث بن عبد الله بن عياش. ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. ٣/ ٧٧. وذكره ابن حبان في الثقات ٤/ ١٣١.
[ ١ / ١٩٠ ]
لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر (^١).
ومن الأخبار الواردة عنه في ذلك:
ما روي من أنه ﵁ خرج في الجاهلية مع عمارة (^٢) بن الوليد بن المغيرة إلى الشّام، فشذت ناقة له فلحقها عمر بعد طلب، فاعتقلها وطرحها لجنبها يسيرًا فحسده عمارة على ما رأى من قوته، فقال: انحرها وهي لنا طعامًا، فاختبز عمر وطبخ وقدم إلى عمارة طعامًا، فقال له: الشحم الحار على الخبز الحار في اليوم الحار، ما تريد إلا قتلي، ثم وثب إليه يضربه، فبادر عمر إليه بالسيف، فهرب عمارة من بين يديه وعمر يقول:
والله لولا شعبة الكرم … وسبطة (^٣) في الحي من خال وعم
لضمني الشر إلى مضم … وما أساء مطعم ولا ظلم
_________________
(١) نقله الجاحظ عن محمّد بن سلام عن بعض أشياخه. قالوا: كان عمر … الخ. البيان والتبيين ١/ ٢٠٢، ٢٠٣.
(٢) عمارة بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. مات عمارة كافرًا لأن قريشًا بعثوه إلى النجاشي فجرت له معه قصة، فأصيب بعقله، وهام مع الوحش، وقد بينت أنه ممن دعا النبيّ ﷺ عليهم من قريش لما وضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره وهو يصلي. ابن حجر/ الإصلابة ٣/ ١٧١.
(٣) السِبْطُ: واحد الأسباط، وهم ولد الولد. أبو بكر الرازي/ مختار الصحاح ص ١٢٠.
[ ١ / ١٩١ ]
إذ خلط الخبز بلحم ودسم (^١)
ومما قال عمر ﵁ يتمثل به من الشعر وهو محرم:
إليك تعدو قلقًا وضينها (^٢) … معرضًا في بطنها جنينها
مخلفًا دين النصارى دينها (^٣)
وروي أنه ﵁ كان يتمثل أيضًا وهو محرم وقد ركب راحلته، فتدلت فجعلت تقدم يدًا وتؤخر أخرى بهذا البيت:
_________________
(١) ضعيف، تقدم تخريجه في ص (٩٧).
(٢) القَلَقُ: الانزعاج، والوَضِين: حِزام الرحل. ابن الأثير/ النهاية في غريب الحديث ٤/ ١٠٣.
(٣) رواه الشافعي/ المسند ص ٣٧٣، ابن أبي شيبة/ المصنف ٥/ ٢٧٥، البيهقي/ السنن الكبرى ٥/ ١٢٦. وسنده عند ابن أبي شيبة متصل ورجاله ثقات سوى محمّد بن فضيل، فهو صدوق. تق: ٥٠٢. فالأثر حسن. وفي رواية البيهقي كان عمر يوضع في محسر وهو يتمثل بهذا البيت، قال ابن الأثير وضع البعير يضع وضعًا، وأوضعه راكبه إيضاعًا، إذا حمله على سرعة السير. النهاية في غريب الحديث ٥/ ١٩٦. وهذا البيت من الشعر الذي تمثل به عمر ﵁ لابن رئيس نجران الذي كان في عهد النبيّ ﷺ أسلم وحجّ وقال هذا البيت. انظر: ابن هشام/ السيرة النبويّة ٢/ ٢٥٦.
[ ١ / ١٩٢ ]
كأن راكبها غصن بمروحةٍ (^١) إذا تدلت به أو شارب ثمل (^٢).
وروي عن أسلم مولى عمر ﵁ أنه قال: خرجنا مع عمر بن
_________________
(١) المَرْوحة بالفتح: الموضع الذي تخترقه الريح. ابن الأثير/ النهاية في غريب الحديث ٢/ ٢٧٣.
(٢) ثَمَل: الذي أخذ منه الشراب والسُكر. المصدر السابق ١/ ٢٢٢. رواه الشافعي/ المسند ص ٣٦٦، ابن شبة/ تاريخ المدينة ٣/ ٧، ٨، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ١٦٠، أبو نعيم/ حلية الأولياء ٩/ ١٥١، البيهقي/ السنن الكبرى ٥/ ٦٨. وفي إسناده عند الشافعي شيخه عبد الرحمن بن الحسن الأزرقي ذكره ابن حجر ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. تعجيل المنفعة ص: ٢٤٧. وأبيه الحسن الأزرقي، قال ابن حجر: غير مشهور. المصدر السابق ص: ٩٥. وفيه عند ابن شبه أحمد بن معاوية ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. الجرح والتعديل ٢/ ٧٦، وفيه أبو عمرو بن العلاء يروي عن عمر وهو ثقة من الخامسة، روايته عن عمر منقطعة، وفيه عند البلاذري سالم بن حفص لم أجد له ترجمة، وهو يروي عن أشياخ حدثوه، ففيه إبهام بالأشياخ. ورواه أبو نعيم عن الشافعي. ورواه البيهقي من طريق عبدالرحمن الأزرقي به مثله عند الشافعي. فالأثر ضعيف. وأمّا قائل البيت، فقد نقل ابن منظور عن ابن بري أنّ البيت لعمر ﵁ قال: وقيل: لغيره. وتمثل به هو وأنه قديم. لسان العرب ٥/ ٣٥٦.
[ ١ / ١٩٣ ]
الخطاب إلى الشام، فاستيقظنا به ليلة، وقد رحّل (^١) رواحلنا، وهو يرحل لنفسه ويقول:
لا يأخذ الليل عليك بالهم … والبس له القميص واعتم
وكن شريك رافع وأسلم (^٢) … واخدم القوم حتى تخدم
فقال أسلم: فقلت - رحمك الله - يا أمير المؤمنين لو أيقظتنا كفيناك (^٣).
وروي أنه ﵁ كان يعظ نفسه ويتمثل بهذا البيت:
لا يغرنك عشاء ساكن … فقد توافى بالمنيات السحر (^٤).
_________________
(١) رَحّل البعير: شَدَّ على ظهره الرحل، أبو بكر الرازي/ مختار الصحاح ص: ١٠٠.
(٢) رافع وأسلم: خادمين للنبيّ ﷺ. أبو نعيم/ معرفة الصحابة ٢/ ٢٥٢، ابن الأثير/ أسد الغابة ١/ ٧٥، ابن حجر/ الإصابة ١/ ٣٨، وذكر ابن سعد أن رافعًا هو مولى عمر بن الخطاب ﵁. الطبقات ٥/ ٢٩٩.
(٣) رواه الخطيب البغدادي/ تاريخ بغداد ٦/ ٣٣٣، أبو نعيم/ معرفة الصحابة ٢/ ٢٥٢، ابن الأثر/ أسد الغابة ١/ ٧٥، ابن حجر/ الإصابة ١/ ٣٨. ومداره على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. تق: ٣٤٠. وبقية رجاله عند الخطيب ثقات. فالأثر ضغيف.
(٤) رواه البيهقي/ شعب الإيمان/ زغلول ٧/ ٣٦٧، وفي إسناده يحيى بن سليم الطائفي صدوق سيئ الحفظ. وفيه إعضال لأنه من رواية سفيان الثوري عن عمر وهو ثقة من السابعة تق: ٢٤٤.
[ ١ / ١٩٤ ]
ومما ثبت تمثله به من الشعر ما تقدم ذكره من أنه ﵁ مرّ بشعب ضجنان وذكر ما كان عليه في طفولته من الشيء وما هو عليه من النعمة والرخاء والخلافة فتمثل بهذا البيت:
لا شيء من الدنيا تبقى بشاشته … يبقى الإله ويفنى المال والولد (^١).
ومما روي تمثله به قوله:
هون عليك فإن الأمور … بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك مَنْهِيُّها … ولا حاضر عنك مأمورها (^٢).
وكان عمر ﵁ مع حبّه للشعر وتمثله به في مناسبات عديدة فإنه أثر عنه أنه كان ناقدًا للشعر وعالمًا بمعانيه.
فال الجاحظ: قال العائشي: كان عمر بن الخطاب أعلم الناس بالشعر (^٣).
وقال ابن رشيق: كان عمر من أنقد أهل زمانه للشعر وأنفذهم فيه معرفة (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه والكلام عليه في ص: (١١٨).
(٢) أورده ابن رشيق/ العمدة ص: ٣٣. وقال: يروى للأعور الشَّنِّيِّ.
(٣) البيان والتبيان ١/ ٢٠٢.
(٤) العمدة ص: ٣٣.
[ ١ / ١٩٥ ]
ومن الأخبار التي جاءت عنه ﵁ والدالة على علمه بمعاني الشعر، وأغراضه، وأهدافه، ونقده لذلك، وثنائه ومدحه للشعر المشتمل على المعاني والأغراض الخيرة الحسنة، ونقده وذمّه للشعر ذي المعاني السيئة ومعاقبته لمن قاله:
١ - موقف عمر ﵁ من شعر النابغة الذبياني (^١).
روي أن ربعي بن خراش قال: لما أتينا عمر بن الخطاب في نفر من غطفان قال: من أشعر شعرائكم؟
قلنا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين.
قال: من الذي يقول:
أتيتك عاريًا خلقًا ثيابي … على خوف تظن بي الظنون
فألفيت الأمانة لم تخنها … كذلك كان نوح لا يخون (^٢)
_________________
(١) النابغة الذبياني هو: زياد بن معاوية بن ضباب بن جناب بن يربوع بن غيظ ابن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن ريث بن غطفان شاعر جاهلي. كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ فتقصده الشعراء فتعرض عليه أشعارها. الزركلي/ الأعلام ٣/ ٥٤، ٥٥. والشنقيطي/ شرح المعلقات العشر ص: ١٤١.
(٢) انظر: البيتين في ديوان النابغة ص: ٢٦٤، ٢٦٥. وفيه مكان "أتيتك" في البيت الأوّل: "فجئتك".
[ ١ / ١٩٦ ]
قلنا: النابغة.
قال: فمن الذي يقول:
كن كسليمان إذ قال الإله له … قم في البرية فاحجزها عن الفند (^١)
قلنا: النابغة.
قال فمن الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة … وليس وراء الله للمرء مذهب (^٢)
قلنا: النابغة.
قال: هذا أشعر شعرائكم حين ذهب إلى هذا المذهب (^٣).
_________________
(١) البيت في ديوان النابغة ص: ١٣. وصيغته: إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البريّة فاحددها عن الفند والفَنَد: الخطأ في الرأي والقول. وأفنده: خطَّأ رأيه. ابن منظور/ لسان العرب ١٠/ ٣٣٢.
(٢) البيت في ديوان النابغة الذبياني ص: ٧٦.
(٣) رواه ابن أبي شيبة/ المصنف ٥/ ٢٧٤، ابن شبه/ تاريخ المدينة ١/ ٤، ٥، ابن أبي الدنيا/ الأشراف ص: ٣٠٧، الطبري/ تهذيب الآثار/ مسند عمر بن الخطاب ٢/ ٦٦٥ - ٦٦٨، كلّهم من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي عن ربعي ابن خراش. ومجالد بن سعيد قال عنه ابن حجر: ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره. تق ٥٢٠.
[ ١ / ١٩٧ ]
٢ - موقفه من هجاء الحطيئة (^١) للزبرقان بن بدر التميمي (^٢).
فقد جاء أن الحطيئة هجا الزبرقان بن بدر فشكاه إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إنه هجاني. فقال عمر ﵁: وما قال لك؟ فقال: قال:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقال عمر ﵁: ما أسمع هجاء ولكنها معاتبة جميلة.
فقال الزبرقان: وما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس، والله يا أمير المؤمنين ما هُجيت ببيت قط أشدّ عليّ منه. سل ابن الفريعة يعنى حسان ابن ثابت (^٣).
فقال عمر ﵁: علي بحسان. فجيئ به، فسأله عمر ﵁. فقال: لم يهجه ولكن سَلَح (^٤) عليه. فأمر به عمر ﵁ فجعل في نقير
_________________
(١) تقدمت رجمته في ص: (١٨٦).
(٢) هو: الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس بن خلف بن بهدله التميمي السعدي. كان اسمه: الحصين ولقب بذلك لحسن وجهه. وهو اسم من أسماء القمر. وذكر ابن إسحاق قدومه في وفد بني تميم على النبيّ ﷺ، وقال أبو عمر بن عبد البر: ولاه رسول الله ﷺ صدقات قومه فأداها في الردة إلى أبي بكر فأقره عمر. ابن حجر/ الإصابة ١/ ٥٤٤.
(٣) تقدمت ترجمته في ص: (١٨٧).
(٤) سَلْح: السّلاح بالضم: النجو ومن سَلَم يَسْلَم سَلْمًا. ابن منظور/ لسان العرب ٦/ ٣٢٢. وسَلَح: راث فهو سالح والسُّلاح كلّ ما يخرج من البطن من الفضلات. المعجم الوسيط ١/ ٤٤٣. وفي بعض ألفاظ الأثر: ذرق عليه. والذرق أيضًا هو: ذرق الحباري بسلحه. وأذرق الطائر يَذْرُق ويَذْرِق ذَرْقًا وأذرق: خذق بسلحه، وقد يستعار في السبع والثعلب. ابن منظور/ لسان العرب ٥/ ٣٩.
[ ١ / ١٩٨ ]
بئر (^١) ثم ألقى عليه حفصة (^٢). فقال الحطيئة:
ما ذا تقول لأفراخ (^٣) بذي مرخ (^٤) … حمر الحواصل (^٥) لا ماء ولا شجر
_________________
(١) نَقير بئر: المِنقَرُ والمُنْقَرُ: بئر صغيرة، وقيل: بئر ضيقة الرأس، تحفر في الأرض الصُّلبة لئلا تهشم. ابن منظور/ لسان العرب ١٤/ ٢٥٦، ٢٥٧. وفي رواية ابن سلام في طبقات فحول الشعراء ١/ ١١٦: فألقاه عمر في حفرة اتخذها محبسًا.
(٢) الحَفْصُ: زبيل من جلود، وقيل: زبيل صغير من آدم. ابن منظور/ لسان العرب ٣/ ٤١. ولعل المراد أنه ألقى عليه قطعة من جلد حتى يحجب عنه النور.
(٣) الفَرْخ: ولد الطائر. هذا الأصل وقد استعمل في كلّ صغير من الحيوان والنبات والشجر وغيرها. المصدر السابق ١٠/ ٢١٢.
(٤) ذي مَرَخ: هو وادٍ بين فدك والوابشية خضر نضر كثير الشجر. قال ياقوت: وقال الحفصي في كتابه: الخارجة قرية لبني يربوع باليمامة وفيها يمر ذو مَرَخ. قال ياقوت: وأظن الوادي قرب فدك هو ذو مرخ. معجم البلدان ٥/ ١٠٣.
(٥) حمر الحواصل: في رواية الطبري في تهذيب الآثار ٢/ ٦٦٨: زغب الحواصل. والزَّغَبُ: الشعيرات الصفر على ريش الفرخ. وقيل: هو صغار الشعر والريش ولينه. وقيل: الزغب أوّل ما يبدو من شعر الصبيّ والمهر وريش الفرخ. ابن منظور/ لسان العرب ٦/ ٥٠. والحواصل: جمع حوصلة. وهي في الطائر ما يجتمع فيه الطعام. المصدر السابق ٣/ ٢٠٨. والحطيئة يصف أبناءه بصغر السن كالطائر الصغير الذي ما زال الزغب عليه ولم يغط الشعر حمرة لحم حوصلته.
[ ١ / ١٩٩ ]
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة … فاغفر عليك سلام الله يا عمر
فأخرجه عمر وقال: إياك وهجاء الناس. قال: إذن تموت عيالي جوعًا، هذا كسبي ومنه معاشي. قال: فإياك والمقذع من القول. قال: وما المقذع؟ قال: أن تخاير بين الناس فتقول: فلان خير من فلان، وآل فلان خير من آل فلان. قال: أنت والله أهجى مني. ويقال إن عمر ﵁ قال: والله لولا أن تكون سنة لقطعت لسانك (^١).
_________________
(١) رواه ابن سلام الجمحي/ طبقات فحول الشعراء ١/ ١١٤، ١١٧، ابن شبه/ تاريخ المدينة ٢/ ١٢١، ١٢٢، ٣/ ١ - ٣، الطبري/ تهذيب الآثار/ مسند عمر ابن الخطاب ٢/ ٦٦٨، ٦٦٩، الخرائطي/ مساوئ الأخلاق ص: ٣٧، ٣٨. وليس فيه عند الطبري والخرائطي ذكر للبيت الذي هجا فيه الحطيئة الزبرقان. أبو الفرج الأصفهاني/ الأغاني ٢/ ٤٤٧ - ٤٥٣، ابن الأثير/ أسد الغابة ٢/ ١٩٤، ١٩٥، ابن حجر/ الإصابة ١/ ١٧٤. وإسناده عند ابن سلام معضل. قال: أخبرني يونس النحوي قال: خرج … الأثر. جرحًا ولا تعديلًا. وهي معضلة من رواية ابن الأعرابي محمّد بن زياد اللغوي عن عمر، وهو متوفى سنة: ٣٢١ هـ. السير ١٠/ ٦٨٧. ورواه من طريق خامس ولكن ليس في متنه ذكر للبيت الذي هجا به الحطيئة الزبرقان، وفي الإسناد شيخ الأصفهاني أحمد بن عبد العزيز الجوهري لم أجد له ترجمة، وفيه حبيب بن نصر المهلبي ذكره الخطيب ولم يذكره فيه جرحًا ولا تعديلًا. تاريخ بغداد ٨/ ٢٥٣. وفيه أحمد بن معاوية ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. الجرح والتعديل ٢/ ٧٦. وبقية رجال السند تكلم عليهم عند دراسة سند ابن شبه حيث يرويه عن أحمد بن معاوية عن أبي عبد الرحمن الطائي عن عبد الله بن عياش عن الشعبي قال: شهدت زيادًا … الخ. وأورده ابن الأثير وابن حجر من غير إسناد. وطرق الخبر المتقدّمة تثبت له أصلًا.
[ ١ / ٢٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ويونس النحوي هو: أبو عبد الرحن يونس بن حبيب الضبيّ إمام النحو. توفي عام: ١٩٣ وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. ٨/ ١٩١. وفي إسناده عند ابن شبه محمّد بن عباد بن عباد المهلبي قال الذهبي: قال الحربي وجماعة لم يكن بصيرًا بالحديث. ميزان الاعتدال ٣/ ٥٨٩. وفيه محمّد بن الزبير الحنظلي متروك تق: ٤٧٨. ورواه من طريق آخر وفيه أحمد بن معاوية شيخ ابن شبه ذكره ابن أبي حاتم لم يذكره فيه جرحًا ولا تعديلًا. الجرح والتعديل ٢/ ٧٦. وفيه أبو عبد الرحمن الطائي لم أجد له ترجمة. وفيه عبد الله بن عياش لم أعرفه ولعله القتباني صدوق يغلط. تق: ٣٧٧. وفيه أبو علاثة التيمي لم أجد له ترجمة. وفيه قيس بن فهد الأنصاري ذكره ابن حبان في الثقات ٣/ ٣٣٩. وقال: له صحبة. وذكره البخاري في التاريخ الكبير ٧/ ١٤٢. ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكر ابن حجر الاختلاف في اسمه قيس بن عمرو أو قيس ابن قهد، أو قيس بن فهد. الإصابة ٣/ ٢٥٥، ٢٥٧. ورواه من طريق ثالث رجاله ثقات ولكنه معضل. من رواية عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ثقة من السابعة. تق: ٢٥٧. روايته عن عمر ﵁ معضلة، وليس فيه ذكر للبيت الذي هجا به الحطيئة الزبرقان، بل فيه ذكر لإخراج عمر له من حبسه بعد تعطف الحطيئة له بأبيات ذكرها. وفي إسناده عند الطبري محمّد بن الضحاك بن عثمان ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. الجرح والتعديل ٧/ ٢٩٠. وذكره ابن حبان في الثقات ٩/ ٥٩. يروي عن أبيه الضحاك بن عثمان الأسدي القرشي وهو
[ ١ / ٢٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) صدوق من كبار العاشرة مات على رأس المائتين. تق: ٢٧٩. وهو يروي عن عمر ﵁، فروايته عنه معضلة. ورواه من طريق آخر رجاله ثقات ولكنه معضل أيضًا من رواية عبد الحكم ابن أعين بن عبد الله صاحب التاريخ عن عمر ﵁. وتوفي عبد الحكم سنة: ٢٣٧. السير ١١/ ١٦٢. وإسناده عند الخرائطي رجاله ثقات. لكنه فيه إعضال بين الزبير بن بكار وهو ثقة من صغار العاشرة. تق: ٢١٤ وبين زيد بن أسلم العدوي وهو ثقة من الثالثة. تق: ٢٢٢. ورواه الأصفهاني من عدة طرق: الأولى معضلة من رواية محمّد بن سلام الجمحي صاحب طبقات الشعراء عن عمر وهو صدوق توفي سنة: ٢٣١. السير ١٠/ ٦٥١. والثانية: من طريق محمّد بن سلام الجمحي عن يونس وهو معضلة. يونس: هو ابن حبيب الضبيّ النحوي. توفي سنة: ١٨٣. وقد مرّت هذه الطريق عند ابن سلام. والثالثة: فيها محمّد بن الحسن بن دريد الأديب قال الذهبي: قال الدارقطني: تكلموا فيه. السير ١٥/ ٩٦، وهي معضلة من رواية أبي عبيدة. معمر بن المثنى النحوي توفي سنة: ٢٠٩. السير ٩/ ٤٤٥. والرابعة: يروي فيها الأصفهاني عن اليزيدي عن عمه عبيد الله لم أجد لها ترجمة. وفيها أبو حبيب الصواب في اسمه: اسمه ابن حبيب، وهو: محمّد بن حبيب بن أمية. ذكره ابن النديم في الفهرست ص: ١٣٦ ولم يذكر فيه لأحد
[ ١ / ٢٠٢ ]
قال ابن سلام الجمحي ﵀ في سؤال عمر ﵁ لحسان: ما تقول أهجاه؟ قال: وعمر يعلم من ذلك ما يعلم حسان ولكنه أراد الحجة على الحطيئة (^١).
وقال العقاد ﵀: في قول عمر ﵁ للزبرقان بن بدر ﵁: ما أسمع هجاء ولكنها معاقبة. قال: فنسي أنه الأديب الراوية ولم يذكر إلا أنه القاضي الذي يدرأ الحدود بالشبهات، ولا يحكم بما يعلم ون ما يعلمه
_________________
(١) طبقات فحول الشعراء ١/ ١١٦.
[ ١ / ٢٠٣ ]
أهل الصناعة (^١).
٣ - ما روي من نقد عمر ﵁ لشعر الحطيئة وتكذيبه فيه.
روي الأصفهاني أن النبيّ ﷺ سبق على فرس له فجثا (^٢) على ركبته وقال: إنه لبحر (^٣).
فقال عمر ﵁: كذب الحطيئة يقول:
وإن جياد الخيل لا تستفزنا (^٤) … ولا جاعلات
_________________
(١) عبقرية عمر بن الخطاب ﵁ ص: ١٩٤، ١٩٥. وانظر: محمّد أحمد أبو النصر/ عمر بن الخطاب ص: ٢٢٢.
(٢) جَثَا يَجْثو، وَيَجْثِي جَثُوت وجثيًا جلس على ركبته للخصومة ونحوها. ابن منظور/ لسان العرب ٢/ ١٨٠.
(٣) بَحْر: يسمى الفرس الواسع الجري بحرًا. قال الأصمعي: يقال فرس بحر وفيض وسكب وحَثٌّ إذا كان جوادًا كثير العدو. ابن منظور/ لسان العرب ١/ ٣٢٤. وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁ قال: كان فزع بالمدينة فاستعار النبيّ ﷺ فرسًا من أبي طلحة يقال هل: المندوب، فلما رجع قال: ما رأينا من شيء وإن وجدناه لبحرًا. فتح الباري ٥/ ٢٤١.
(٤) لا تَسْتَفزنا: استفزه: استخفه، ورجل فزٌّ، أي: خفيف. ابن منظور/ لسان العرب ١٠/ ٢٥٧. ولعل المراد في البيت أي: تستخفنا بأن نهواها ونعجب بها، وتأخذ بعقولنا وفي ذلك نوع من الاستخفاف.
[ ١ / ٢٠٤ ]
الريط (^١) فوق المعاصم (^٢)
لو ترك هذا أحد لتركه رسول الله ﷺ (^٣).
_________________
(١) الرَّيْطه: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن لفقين، وقيل: هي كلّ ثوب دقيق. المصدر السابق ٥/ ٣٩٠.
(٢) المَعَاصِم: جمع معصم، وهو موضع السوار من اليد. المصدر السابق ٩/ ٢٤٨.
(٣) رواه أبو الفرج الأصفهاني/ الأغاني ٢/ ٤٤٥. قال: نسخت من كتاب لحماد ابن إسحاق حدّثني به أبي وأخبرني به عمي عن الكراني عن الرِّياشي قال: حدّثني محمّد بن الطفيل عن أبي بكر بن عياش عن الحارث بن عبد الرحمن عن مكحول قال: سبق رسول الله ﷺ … الحديث. حماد بن إسحاق لعله التميمي المعروف بالموصلي ذكره الخطيب وقال: روى عن أبيه كتاب الأغاني ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. تاريخ بغداد ٨/ ١٥٩. وأبوه هو: إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمّد التميمي المعروف والده بالموصلي. قال إبراهيم الحربي كان إسحاق الموصلي ثقة صدوقًا عالمًا. وهو صاحب كتاب الأغاني الذي يرويه عنه ابنه حماد. توفي سنة: ٢٣٥ هـ. المصدر السابق ٦/ ٣٣٨. والكراني لم أجد له ترجمة. والرِّياشي هو: عباس بن الفرج الرِّياشي أبو الفضل البصري ثقة من الحادية عشرة تق: ٢٩٣. ومحمّد بن الطفيل هو: ابن مالك النخعي صدوق من العاشرة تق: ٢٨٥. وأبو بكر بن عياش لم أعرفه، ولعله الأسدي ثقة من السابعة، أو السلمي مقبول من السابعة. والحارث بن عبد الرحمن لعله الدوسي أو العامري وكلاهما صدوق من الخامسة تق: ٦٢٤. ومكحول لعله الشامي ثقة من الخامسة تق: ٥٤٥. روايته عن عمر ﵁ معضلة. والاحتمال الذي ذكرته في ترجمة أبي بكر بن عياش والحارث ومكحول، لأني لم أجد ذكرًا لأبي بكر بن عياش في شيوخ محمّد بن الطفيل الذي روى عنه هنا. وكذلك لم أجد لابن الطفيل ذكرًا في تلاميذ أبي بكر. وكذلك الحال في كلّ من الحارث بن عبد الرحمن الذي يروي عنه أبو بكر بن عباش، ومحكول الذي يروي عنه الحارث. ومكحول إن كان هو الشامي فروايته عن عمر معضلة فيكون الأثر ضعيفًا.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ورى أن عمر ﵁ أنشد قول الحطيئة:
متى تأته تعشو (^١) إلى ضوء ناره … تجد خير نارٍ عندها خير موقد
فقال عمر: كذب بل تلك نار موسى نبيّ الله ﷺ (^٢).
_________________
(١) عشا النار: رآها ليلًا على بعد فقصدها مستضيئًا بها، ومعنى البيت: أي: متى تأته لا تتبين ناره لضعف بصرك. ابن منظور/ لسان العرب ٩/ ٢٢٦.
(٢) رواه أبو الفرج الأصفهاني/ الأغاني ٢/ ٤٦١. قال أخبرني الحسن بن عليّ حدّثنا محمّد بن موسى قال: حدثّنا أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني عن عليّ بن مجاهد عن هشام بن عروة أن عمر … الأثر. أحمد بن الحارث الخزاز لم جد له ترجمة. وعلىّ بن مجاهد لم أعرفه. وإن كان هو عليّ بن مجاهد بن مسلم القاضي الكابلي الذي ذكرته كتب التراجم فهو متروك تق: ٤٠٥. وهشام بن عروة ثقة من الخامسة تق: ٥٧٣، روايته عن عمر ﵁ معضلة. فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٢٠٦ ]
٤ - موقفه من شعر زهير (^١) بن أبي سلمى.
فال الجاحظ: قال العائشي: ولقد أنشدوه أي: عمر بن الخطاب ﵁ شعرًا لزهير، وكان شعره مقدمًا فلما انتهوا إلى قوله:
وإن الحقّ مقطعه ثلاث
يمين (^٢) أو نفار (^٣) أو جلاء (^٤)
قال عمر ﵁ - كالمعتجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها وإقامته أقسامها -:
وإن الحقّ مقطعه ثلاث: يمين أو نفار أو جلاء
_________________
(١) هو: زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني من مضر حكيم الشعراء في الجاهلية وفي أئمة الأدب من يفضله على شعراء العرب كافة. قال ابن الأعرابي: كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره، كان أبوه شاعرًا، وخاله شاعرًا، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرة. ولد في بلاد مزنية بنواحي المدينة. وكان يقيم في الحاجر من ديار نجد. الزركلي/ الأعلام ٣/ ٥٢.
(٢) يمين: أي: حَلِفًا باليمن.
(٣) نِفَار: نافر الرجل منافرة ونِفارًا: حاكمه. ابن منظور/ لسان العرب ١٤/ ٢٣٢.
(٤) جلاء: الوضوح، وأراد به في البيت البينة والشهود. وقيل: أراد الإقرار. المصدر السابق ٢/ ٣٤٣.
[ ١ / ٢٠٧ ]
يردِّد البيت من التعجب (^١).
وذكر أن عمر ﵁ قال لابنة زهير: ما فعلت حلل هرم (^٢) بن سنان التي كساها أباك؟
قالت: أبلاها الدهر. قال: لكن ما كساه أبوك هرمًا لم يبله الدهر.
وقيل: إنه ﵁ قال لبعض ولد هرم بن سنان: أنشدني ما قال فيكم زهير. فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن. قال: يا أمير المؤمنين: إنا كنا نعطيه فنجزل. قال عمر: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم (^٣).
_________________
(١) البيان والتبيان ١/ ٢٠٢.
(٢) هرم بن سنان بن أبي حارثة المري من أجود العرب في الجاهلية يضرب به المثل وهو ممدوح زهير بن أبي سلمى. الزركلي/ الأعلام ٨/ ٨٢.
(٣) رواه أبو الفرج الأصفهاني/ الأغاني فال: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدّثنا عمر بن شبه، وقال المهلبي في خبر له عن الأصمعي: قال أنشد عمر … الأثر. أحمد بن عبد العزيز الجوهري لم أجد له ترجمة. وحبيب بن نصر المهلبي، ترجم له الخطيب البغدادي ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. تاريخ بغداد ٨/ ٢٥٣. وعمر بن شبه هو: النميري صدوق من كبار الحادية عشرة تق: ٤١٣. والأصمعي هو: عبد الملك بن قريب الباهلي صدوق من التاسعة تق: ٣٦٤. فالسند ضعيف للجهالة بحال المهلبي، وعمر بن شبه روايته عن عمر معضلة. وكذلك الأصمعي روايته عن عمر معضلة. وأورد الخبر ابن رشيق في العمدة ص: ٨١ من غير سند.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال عمر بن الخطاب ليلة مسيره إلى الجابية: أين ابن عباس؟ قال: فأتيته … ثم قال: هل تروي لشاعر الشعراء؟ قلت: ومن هو؟ قال الذي يقول:
ولو أن حمدًا يخلد الناس أخلدوا ولكن حمد الناس ليس بمخلد
قلت: ذاك زهير. قال فذاك شاعر الشعراء. قلت: وبم كان شاعر الشعراء؟ قال: لأنه كان لا يعاظل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعر ولم يمدح أحدًا إلا بما فيه.
قال الأصمعي: يعاظل بين الكلام: يداخل فيه، ويقال: يتبع حَوشِيَّ الكلام وَوَحْشِيَّ الكلام والمعنى واحد (^١).
_________________
(١) رواه محمّد بن سلام/ طبقات فحول الشعراء ١/ ٦٣. فقال: أخبرني عيسى بن يزيد بن داب بإسناد له عن ابن عباس قال: قال لي عمر … الأثر. عيسى بن داب هو الليثي. قال الذهبي: كان إخباريًا علامة نسابة، لكن حديثه واه. قال خلف الأحمر: كان يضع الحديث. وقال البخاري وغيره: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. ميزان الاعتدال ٣/ ٣٢٧، ٣٢٨، لسان الميزان ٤/ ٤٠٨. وفي الإسناد أيضًا جهالة بالرجال بين ابن داب وابن عباس ﵄. ورواه أبو الفرج الأصفهاني/ الأغاني ١٠/ ٤٤٣ فقال: أخبرني أحمد بن عبدالعزيز الجوهري
[ ١ / ٢٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ، قال: حدّثنا عمر بن شبه، قال: حدّثنا هارون بن عمر قال: حدّثنا أيوب بن سويد، قال: حدّثنا يحيى بن يزيد عن عمر بن عبد الله الليثي عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب … الأثر. وفي هذا السند أحمد بن عبد العزيز الجوهري شيخ أبي الفرج الأصفهاني لم أجد له ترجمة، وكذلك هارون بن عمر شيخ ابن شبه لم أجد له ترجمة، وأيوب بن سويد لم أعرفه. ولعله الرملي صدوق يخطئ من التاسعة تق: ١١٨. وفيه كذلك يحيى بن يزيد وشيخه عمر بن عبد الله الليثي لم أجد لهما ترجمة. وبهذا السند روى أبو الفرج الكلام الذي دار بين عمر بن الخطاب وابن عباس ﵄. ورواه أبو الفرج من طريق آخر فقال: أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدّثنا عبد الله بن عمرو القيسي، قال: حدّثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان عن زيد بن ثابت عن عبد الله بن سفيان عن أبيه عن ابن عباس، قال: خرجت مع عمر … الأثر. وفي هذا السند عبد الله بن عمرو القيسي لم أجد له ترجمة، ولم أجده في تلاميذ خارجة ولا في شيوخ ابن شبه. وخارجة بن عبد الله صدوق له أوهام، وزيد بن ثابت المذكور في السند لم أعرفه. ولم أجده في شيوخ خارجة، وإنما روى خارجة عن أبيه عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت. وكذلك لم أجده في تلاميذ عبد الله بن أبي سفيان. وعبد الله بن أبي سفيان لعله ابن أبي أحمد مقبول من الرابعة تق: ٣٠٦. وأبوه لعله أبو سفيان مولى أبي أحمد. قيل: اسمه: وهب، وقيل: قزمان. ثقة من الثالثة. تق: ٦٤٥. لم تذكر له روايته عن عمر ﵁. وأورد هذا الخبر ابن رشيق في العمدة ص: ٩٨ نقلًا عن ابن سلام الجمحي.
[ ١ / ٢١٠ ]
٥ - موقفه ﵁ من هجاء النجاشي (^١) لبني العجلان قوم تميم (^٢) بن مقبل.
روي أن بني العجلان كان يفخرون بهذا الاسم لقصة كانت لصاحبه في تعجيل قرى الأضياف إلى أن هجاهم به النجاشي فضجروا منه وسبوا به فاستعدوا عليه عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين، هجانا فقال: وما قال؟ فأنشدوه:
إذا الله عادى أهل لؤم وَرِقَّةٍ … فعادى بني عجلان رهط ابن مقبل
فقال عمر بن الخطاب ﵁: إنما دعا عليكم ولعله لا يجاب، فقالوا: إنه قال:
قبيلة لا يغدرون بذمة … ولا يظلمون الناس حبة خردل
فقال عمر: ليتني من هؤلاء أو قال: ليت آل الخطاب كذلك أو كلامًا يشبه هذا. قالوا: فإنه قال:
_________________
(١) النجاشي، هو: قيس بن عمرو بن مالك من بني الحارث بن كعب بن كهلان شاعر هجاء مخضرم. اشتهر في الجاهلية والإسلام. أصله من بخران، وانتقل إلى الحجاز. قال البكري: النجاشي من أشراف العرب إلا أنه كان فاسقًا، وكانت أمه من الحبشة فنسب إليها. الزركلي/ الأعلام ٥/ ٢٠٧.
(٢) تميم بن مقبل بن عوف بن حنفي بن قتيبة بن العجلان بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة أدرك الإسلام فأسلم. ابن حجر/ الإصابة ١/ ١٨٧.
[ ١ / ٢١١ ]
ولا يردون الماء إلا عشية … إذا صدر الوُرَّاد عن كلّ منهل
فقال عمر: ذلك أقل للسكاك. يعني: الزحام، قالوا فإنه قال:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم … وتأكل من كعب بن عوف ونهشل
فقال عمر: كفى ضياعًا من تأكل الكلاب لحمه. قالوا: فإنه قال:
وما سمي العجلان إلا لقولهم … خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
فقال عمر: كلنا عبد وخير قوم خادمهم. فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا فقال: ما أسمع ذلك. فقالوا: فاسأل حسان بن ثابت. فسأله فقال: ما هجاهم ولكن سلح (^١) عليهم (^٢).
قال ابن رشيق: وكان عمر ﵁ أبصر الناس بما قال النجاشي
_________________
(١) تقدم شرحها في ص: (١٩٩).
(٢) ذكره ابن قتيبة/ الشعر والشعراء ص: ١٥٢، من غير إسناد. وكذلك بان رشيق/ العمدة ص: ٥٢ من غير إسناد. ونقل ابن حجر/ الإصابة ١/ ١٨٧ عن ثعلب في فوائده من رواية أبي الحسن بن مقسم عنه قال: قال أصحابنا … وذكر الرواية باختلاف يسير عما نقله ابن قتيبة وابن رشيق. وثعلب هو: أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني مولاهم البغدادي. قال الذهبي: العلامة المحدّث إمام النحو. قال الخطيب: ثقة حجة دين صالح مشهور بالحفظ. مات في ٢٩١ هـ. السير ١٤/ ٥. روايته عن عمر ﵁ معضلة. فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٢١٢ ]
ولكن أراد أن يدرأ الحد بالشبهات. فلما قال حسان ما قال، سجن عمر النجاشي وقيل: إنه حده.
وقال: كان عمر ﵁ عالمًا بالشعر، قليل التعرض لأهله، استعداه رهط تميم بن أبي مقبل على النجاشي لما هجاهم، فأسلم النظر في أمرهم إلى حسان بن ثابت، فرارًا من التعرض لأحدهما، فلما حكم حسان أنفذ عمر حكمه على النجاشي كالمقلد من جهة الصناعة، ولم يكن حسان على علمه بالشعر أبصر من عمر ﵁ بوجه الحكم (^١).
ولما ذكر من حبّ عمر ﵁ لسماع الشعر وتمثله بأبيات منه في مناسبات عديدة ونقده له وعلمه بمعانيه روي أنه ﵁ كان شاعرًا.
قال الشعبي (^٢) - ﵀ -: "كان أبو بكر شاعرًا، وكان عمر شاعرًا، وكان عليّ بن أبي طالب شاعرًا (^٣). أي: عالمًا بالشعر وبمعانيه
_________________
(١) العمدة ص: ٧٦.
(٢) عامر بن شراحيل الشعبي ثقة، مشهور، فقيه، فاضل من الثالثة. قال مكحول: ما رأيت أفقه منه. مات بعد المائة وله نحو من ثمانين. تق: ٢٨٧.
(٣) رواه البلاذري/ أنساب الأشراف ص: ١٥٩، ١٦٠، الطبري/ تهذيب الآثار/ مسند عمر بن الخطاب ٢/ ٦٣٧. وسنده عند البلاذري رجاله ثقات سوى أبي الجحاف داود بن أبي عوف وثقه أحمد ويحيى. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن عدي: ليس هو عندي ممن يحتج به شيعي عامه ما يرويه في فضائل أهل البيت. ميزان الاعتدال ٢/ ١٨. وقال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ تق: ١٩٩. ورجال إسناده عند الطبري ثقات سوى عبيد بن أسباط القرشي فهو صدوق تق: ٣٧٧. فالأثر صحيح بطريقيه إلى الشعبي.
[ ١ / ٢١٣ ]
وأغراضه متذوقًا له".
لأن أهل النقد والأدب والشعر قديمًا وحديثًا لم يذكروا عمر ﵁ في الشعراء ولم تثبت عنه قصائد وأبيات من نظمه (^١)، بل روي عنه ﵁ أنه قال لمتمم بن نويرة أخي مالك (^٢) بن نويرة: "لو كنت شاعرًا أثنيت على أخي (^٣) كما أثنيت على أخيك متمم". فقال: لو كان مهلك أخي
_________________
(١) انظر: محمّد أحمد أبو النصر/ عمر بن الخطاب ص: ٢٠٩ - ٢١٧.
(٢) مالك بن نويرة بن حمزة بن شداد بن عبد ثعلبه بن يربوع التميمي كان شاعرًا شريفًا فارسًا معدودًا في فرسان بني يربوع في الجاهلية. وكان النبيّ ﷺ استعمله على صدقات قومه، فلما بلغته وفاة النبيّ ﷺ أمسك الصدقة وفرقها في قومه. قتله ضرار بن الأزور الأسدي صبرًا بأمر خالد بن الوليد بعد فراغه من قتال الردة. ابن حجر/ الإصابة ٣/ ٣٥٧.
(٣) أخو عمر ﵁ هو: زيد بن الخطاب بن نفيل العدوي، وكان أسن من عمر، وأسلم قبله وشهد بدرًا، والمشاهد، واستشهد باليمامة. وكانت راية المسلمين معه سنة اثنتي عشرة في خلافة أبي بكر. وحزن عيله عمر حزنًا شديدًا. ولما قتل قال عمر: سبقني إلى الحسنيين: أسلم قبلي، واستشهد قبلي. ابن حجر/ الإصابة ١/ ٥٦٥.
[ ١ / ٢١٤ ]
كمهلك أخيك لتعزيت عنه. فقال عمر: "ما رأيت تعزية أحسن من هذه" (^١).
وكان لعمر ﵁ اهتمام بأخبار الجاهلية وخاصة ما له تعلق بالإسلام وأحكام الدين، فقد أرسل عمر ﵁ إلى شيخ من بني زهرة كان قد أدرك الجاهلية فجاء الشيخ إلى عمر وهو في حِجر الكعبة، فسأله عمر رضي لله عنه عن أولاد من أولاد الجاهلية فقال
_________________
(١) رواه ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٣٧٨، ابن قتيبة/ الشعر والشعراء ص: ١٥٧، البلاذري/ أنساب الأشراف ص: ٢٠٨، ٤١٣، ٤١٤، فتوح البلدان ص: ١٠٧، ١٠٨، أبو الفرج الأصفهاني/ الأغاني ١٥/ ٢٠٥، البيهقي/ شعب الإيمان/ زغلول ٧/ ٢٥٢. وفي إسناده عند ابن سعد والبلاذري الواقدي، وهو متروك. ورواه ابن قتيبة من غير إسناد. ورجال إسناده عند أبي الفرج لم أجد لهم تراجم. وفي إسناده عند البيهقي محمّد بن هانئ الطائي ذكره الخطيب البغدادي ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا تاريخ بغداد ٣/ ٣٧٠. وهو معضل من رواية خالد ابن سعيد بن عمرو بن سعيد عن عمر ﵁. وهو صدوق من الثامنة تق: ١٨٨. فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٢١٥ ]
الشيخ: أما النطفة فمن فلان، وأما الولد فعلى فراش فلان، فقال عمر: صدقت، ولكن رسول الله ﷺ قضى بالفراش، فلما ولى الشيخ دعاه عمر، فقال: أخبرني عن بناء الكعبة، فقال: إن قريشًا تقربت لبناء الكعبة، فعجزوا واستقصروا فتركوا بعضًا في الحجر، فقال عمر: صدقت (^١).
ومما اختص به عمر ﵁ من العلم صدق الحدس، وهو علم جِبلِّي خلقي، وقد أخبر ﷺ بذلك عن عمر حيث قال: إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحَدَّثُون (^٢)، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب (^٣).
_________________
(١) رواه عبدالرزاق/ المصنف ٥/ ١٢٨، ١٢٩، الحميدي/ المسند ١/ ١٥، البيهقي/ السنن الكبرى ٧/ ٤٠٢، وسنده عند عبد الرزاق متصل ورجاله ثقات، وراويه عن عمر أبو يزيد المكي وثقه العجلي وابن حبان ويقال: له صحبة. تق ٦٨٥. فالأثر صحيح. قال: عن ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: حدّثني أبي أن عمر … الأثر.
(٢) محدثون: هم الملهمون، والملهم هو الذي يلقى في نفسه الشيء، فيخبر به حدسًا وفراسةً، وهو نوع يختص به الله ﷿ من يشاء من عباده الذين اصطفى مثل عمر. ابن الأثير/ النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٥٠.
(٣) رواه البخاري/ الصحيح ٢/ ٢٦١، ٢٩٥، مسلم/ الصحيح/شرح النووي ١٥/ ١٦٦ وغيرهما.
[ ١ / ٢١٦ ]
ومن الأخبار الدالة على اختصاص عمر ﵁ بذلك، ما رواه ابن عمر ﵁ قال: ما سمعت عمر ﵁ يقول لشيء قط: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن (^١).
وقال علي ﵁: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر (^٢).
وقال ابن مسعود ﵁: ما رأيت عمر إلا وكأن بين عينيه ملكًا يسدده (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري/ الصحيح ٢/ ٣٢٣.
(٢) رواه الجعد/ المسند ٢/ ٨٨٥، عبد الرزاق/ المصنف ١١/ ٢٢٢، ابن أبي شيبة/ المصنف ٦/ ٣٥٤، ٢٢٣، أحمد/ المسند ١/ ١٠٦، فضائل الصحابة ٢/ ٣٣٠، ٣٩٥، ٤٠١، ٤١٠، ٤٤٢، ٤٤٤، الفسوي/ المعرفة والتاريخ ١/ ٤٦١، ٤٦٢، صحيح من طريق ابن أبي شيبة. قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن الشّيباني عن الشّعبي، قال: قال عليّ: …
(٣) رواه ابن أبي شيبة/ المصنف ٦/ ٣٥٤، أحمد/ فضائل الصحابة ١/ ٢٤٧، الفسوي/ المعرفة والتاريخ ١/ ٤٦٢، الطبراني/ المعجم الكبير ٩/ ١٨١، ١٨٣، ١٨٦، صحيح عند ابن أبي شيبة. قال: حدّثنا وكيع عن سفيان عن واصل عن أبي وائل، قال عبد الله: ما رأيت … الأثر.
[ ١ / ٢١٧ ]
وقال عبد الله بن سلمة المرادي (^١) ﵀: دخلنا على عمر معاشر مذحج (^٢)، وكنت من أقربهم منه مجلسًا، فجعل عمر ينظر إلى الأشتر (^٣) ويصرف بصره، فقال: أمنكم هذا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ماله قاتله الله، كفى الله أمة محمد ﷺ شره، والله إني لأحسب أن للناس منه يومًا عصيبًا (^٤).
ولعلّ مما يلتحق بذلك وهو من كرامات عمر ﵁ ما رواه عبد الله ابن عمر أنّ عمر بن الخطاب ﵄ بعث جيشًا وأمّر
_________________
(١) عبدالله بن سلمة المرادي، صدوق من الثانية. تق ٣٠٦.
(٢) مَذْحِج هو مالك بن أدد بن زيد بن يَشْجُب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ. ابن حزم/ جمهرة النسب ص ٤٨٥.
(٣) الأَشْتر: هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي الكوفي، كان من شيعة علي ﵁، وشهد معه الجمل وصفين ومشاهده كلها، وكان رئيس قومه، وله بلاء حسن في وقعة اليرموك، وذهبت عينه يومئذ وكان ممن سعى في الفتنة، وألب على عثمان ﵁، وشهد حصره، وروي أن عائشة ﵂ دعت عليه. المزي/ تهذيب الكمال ٢٧/ ١٢٧.
(٤) رواه أبو بكر الخلال/ السنة ص ٥١٦، ٥١٧، ورجاله ثقات سوى عبدالله بن سلمة، فهو صدوق وسنده متصل. فالأثر حسن.
[ ١ / ٢١٨ ]
عليهم رجلًا يدعى سارية (^١)، فبينما عمر يخطب الناس يومًا فجعل يصيح وهو على المنبر: "يا ساري الجبل يا ساري الجبل". قال: فقدم رسول الجيش، فسأله فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمناهم، فإذا بصائح يصيح: "يا ساري الجبل" فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله (^٢).
وجاء في رواية أن عمر ﵁ قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال ابن من؟ قال ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقه، قال: أين مسكنك؟ قال: الحرة، قال بأيها؟ قال: بذات لظى، قال: أدرك أهلك فقد
_________________
(١) سارية بن زنيم بن عبد الله بن جابر الدؤلي كان مخضرمًا وقال العسكري: روى عن النبيّ ﷺ ولم يلقه. الإصابة ٢/ ٣.
(٢) رواه ابن سعد الطبقة الرابعة/ ٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥، أحمد/ فضائل الصحابة ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص: ٢٨٩. وهو عند ابن سعد من طريق الواقدي، وسنده عند أحمد رجاله ثقات، سوى يحيى بن أيوب فقد وثّقه ابن معين والبخاري والحربي. وقال أبو حاتم: محله الصدق ولا يحتج به. وقال أبو داود: صالح. ميزان الاعتدال ٤/ ٣٦٢. وقال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ تق ٥٨٨. وفيه محمّد بن عجلان صدوق تق: ٤٩٦. وهو عند ابن عساكر من طريق يحيى بن أيوب به. فالأثر حسن. وقد حسّنه ابن حجر في الإصابة ٢/ ٢ - ٣. وحسّنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/ ١٠١.
[ ١ / ٢١٩ ]
احترقوا، فرجع الرجل، فوجد أهله قد احترقوا (^١).
وقال طارق بن شهاب (^٢) رحمه الله تعالى: كان رأي عمر كيقين
_________________
(١) رواه مالك/ الموطأ ٢/ ١٥٢، عبدالرزاق/ المصنف ١١/ ٤٣، ٤٤، ابن شبه/ تاريخ المدينة ٢/ ٣٢٢، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ١٧٦، ١٧٧، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٢٣٩، وسنده عند مالك فيه إعضال بين يحيى بن سعيد الأنصاري وهو ثقة من الخامسة. تق ٥٩١، وبين عمر بن الخطاب وعند عبدالرزاق فيه رجل مبهم حيث أن معمر يرويه عن رجل عن سعيد بن المسيب، لكن قال ابن حجر في الإصابة ١/ ٢٦٣: رواه عبدالرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب، ولم أجده. والسند الذي ساقه ابن حجر رجاله ثقات ولكن سماع سعيد من عمر مختلف فيه كما تقدم في ص: (٩٢). وفيه عند البلاذري هشام بن محمد بن السائب الكلبي، تقدمت ترجمته في ص: (١٠٨). وأبوه محمد بن السائب الكلبي متهم بالكذب، ورمي بالرفض. تق ٤٧٩. ورواه ابن شبه وابن عساكر من طريق مالك به مثله، وقال ابن حجر في الإصابة: وروينا في فوائد أبي القاسم بن بشران من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر. . . . . . . . . . . وهذا السند رجاله ثقات، ولكني لم أعرف حال الرجال بين أبي القاسم وموسى بن عقبة.
(٢) طارق بن شهاب بن عبد شمس الأحمسي قال أبو داود رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه. تق ٢٨١.
[ ١ / ٢٢٠ ]
آخر (^١).
وجاء عنه أنه قال: إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدث به أنه كذب فهو عمر (^٢).
_________________
(١) رواه ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٢٣٩، ٢٤٠، فقال: أخبرنا أبو البركات عبدالوهاب بن المبارك أنا أبو الفضل بن خيرون أنا أبو القاسم عبدالملك بن محمد بن بشران أنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف أنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة نا أبي نا وكيع نا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، وهذا الإسناد رجاله ثقات سوى محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وثقه صالح جزرة، وقال ابن عدي: لم أرى له حديثًا منكرًا، وهو على ماوصف ابن عبدان لا بأس به، وقال الخطيب: له معرفة وفهم، وله تاريخ كبير. وكذبه عبدالله بن أحمد بن حنبل، وقال عطية: هو عصا موسى تلقف ما يأفكون. ميزان الاعتدال ٣/ ٦٤٢. وقد دافع عنه المعلمي في التنكيل فقال: وأما التكذيب فإنه تفرد بنقله أحمد بن محمد بن سعيد بن عقده وليس بعمدة، ولا يقبل من ابن عقده ما ينقله من الجرح، ولا سيما إذا كان في مخالفه في المذهب كما هنا، ويؤكد ذلك هنا أن ابن عقده نقل التكذيب عن عشرة مشهورين من أهل الحديث، وتفرد بذلك كله فيما أعلم، فلم يروي غيره عن أحد منهم تكذيب محمد بن عثمان … الخ ١/ ٤٧٤. فالأثر حسن إن شاء الله.
(٢) رواه العسكري/ تصحيفات المحدثين ١/ ٢٦٩، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٢٤٠ وسنده عند العسكري فيه الحسين بن أحمد بن بسطام شيخ العسكري لم أجد له ترجمة، وفيه محمد بن ميمون الخياط البزار، صدوق ربما أخطأ، وبقية رجاله ثقات.
[ ١ / ٢٢١ ]
ومن العلوم التي وهبها الله تعالى لعمر وعرف بها علم القيافة، قال الحكم بن أبي العاص (^١): كنت قاعدًا مع عمر بن الخطاب، فأتاه رجل فسلم عليه، فقال له عمر: بينك وبين أهل نجران (^٢) قرابة؟ قال الرجل: لا، قال عمر: بلى، قال الرجل: لا، قال عمر: بلى والله، أنشد الله كل رجل من المسلمين يعلم أن بين هذا وبين أهل نجران قرابة لما تكلم. فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين بلى بينه وبين أهل نجران قرابة من قبل كذا وكذا، فقال له عمر: مه فإنا نقفو الآثار (^٣).
_________________
(١) الحكم بن أبي العاص الثقفي قال ابن سعد يقال له صحبه، وولاه أخوه عثمان البحرين فافتتح فتوحًا كثيرة. ابن حجر/ الإصابة ١/ ٣٤٥، وقال أبو حاتم له صحبه. الجرح والتعديل ٣/ ١٢١.
(٢) نَجْرَان: من مخاليف اليمن من ناحية مكة، قالوا سمي بنجران بن زيدان بن سبأ ابن يشجب ابن يعرب بن قحطان، كان أول من عمرها ونزلها. ياقوت/ معجم البلدان ٥/ ٢٦٦. أقول: وهي الآن من مدن المملكة العربية السعودية الحدودية الجنوبية.
(٣) رواه ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٢٨٩، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ٢٢٤، وسنده عند ابن سعد متصل ورجاله ثقات. فالأثر صحيح. قال: أخبرنا عارم ابن الفضل، قال: أخبرنا القاسم بن الفضل، قال: حدّثني معاوية بن قرة عن الحكم بن أبي العاص الثقفي، قال: كنت قاعدًا مع عمر … الأثر.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وروي أن عمر ﵁ مر به رجل ضخم طويل سبط (^١)، ثم اتبعه رجل نحيف جعد أسود، فقال عمر: هما أخوان، فنظر فإذا هما أخوان، وكان عمر قائفًا (^٢).