ومن صفاته ﵁ الخُلقية والدالة على كمال دينه وإيمانه رجوعه للحق إذا تبين له، وإذا ذكر بالله ﷿ على الرغم من شدته ﵁ وصلابته حيث إن تلك الشدة لم تكن إصرارًا على الخطأ وتعصبًا للرأي، وإنما كانت شدة وصلابة في التمسك بالحق والدفاع عنه.
ومن أمثلة ذلك موقفه ﵁ من عيينة بن حصن الفزاري (^٢) حينما قدم عليه ونزل على ابن أخيه الحر بن قيس (^٣)، وكان الحر من النفر
_________________
(١) رواه أبو نعيم / حلية الأولياء ١/ ٥٠، ٥١، وفي إسناده أبو حامد بن جبلة، شيح أبي نعيم لم أجد له ترجمة، وبقية رجاله ثقات، وفيه انقطاع فإن رواية عامر بن شراحبيل الشعبي، وهو ثقة من الثالثة عن عمر ﵁ منقطعة، فالأثر ضعيف، ومعناه تؤيده مواقف عمر ﵁ في حياته.
(٢) تقدمت ترجمته في ص: ٢٥١.
(٣) الحر بن قيس بن حصن بن حذيفة الفزاري هو أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ بعد مرجعه من تبوك. ابن الأثير / أسد الغابة ١/ ٣٩٣، ٣٩٤.
[ ١ / ٣١٣ ]
الذين يدنيهم عمر وكان القراء أصحاب مجالس عمر ﵁ ومشاورته كهولًا كانوا أو شبانًا، فقال عيينة لابن أخيه الحر: يابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه، فأذن له عمر، فلما دخل عيينة على عمر قال: هي يابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (^١). وإن هذا من الجاهلين، قال ابن عباس ﵁: فوالله ما جاوزهما عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله (^٢).
وفي الأثر السابق دلالة أيضًا على تحلي عمر رضي الله بصفة الحلم.
ومن المواقف الدالة على قبول عمر ﵁ الحق ورجوعه إليه، موقفه مع جرير (^٣) بن عبد الله البجلي ﵁، فقد كان عمر ﵁ ومعه نفر من أصحابه فيهم جرير بن عبد الله ﵃ في بيت، فوجد عمر ﵁ ريحًا، فقال: عزمت على صاحب هذه
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: (١٩٩).
(٢) رواه البخاري / الصحيح ٣/ ١٣١.
(٣) تقدمت ترجمته في ص: ٢٣٩.
[ ١ / ٣١٤ ]
الريح لما قام فتوضأ، فقال جرير: يا أمير المؤمنين أويتوضأ القوم جميعًا، فقال عمر: رحمك الله، نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت في الإسلام (^١).
وروي أن عمر ذكر بني تميم (^٢) فذمهم، فقام الأحنف (^٣) فقال: يا أمير المؤمنين إئذن لي فأتكلم، قال: تكلم، قال: إنك ذكرت بني تميم
_________________
(١) رواه مسدد / المسند / المطالب العالية لابن حجر ص ٤٤٢/ب، ابن سعد / الطبقات / الرابعة ٢/ ٧٣٨، البلاذري / أنساب الأشراف ص ٢١٩، ابن أبي الدنيا / الأشراف ص ١٨٩، الطبراني / المعجم الكبير ٢/ ٢٩٢، وسنده عند ابن سعد وابن أبي الدنيا رجاله ثقات، ولكن فيه مغيرة بن مقسم الضبي، وهو ثقة ولكنه مدلس من الثالثة، ولم يصرح بالسماع، وفيه عند البلاذري عاصم ابن أبي النجود، صدوق له أوهام، وشيخ عاصم مبهم، حيث قال عن رجل من أصحابه عن عمر وبقية رجاله ثقات، وفيه عند مسدد والطبراني مجالد بن سعيد ضعيف. تق ٥٢٠، وبقية رجاله ثقات، فالأثر يرتقي بمجموع طرقه لدرجة الحسن لغيره.
(٢) بنو تميم بن مُرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. عمر رضا كحالة / معجم قبائل العرب ١/ ١٢٦.
(٣) تقدمت ترجمته في ص: ٢٧٠.
[ ١ / ٣١٥ ]
فعممتهم بالذم، وإنما هم من الناس، فمنهم الصالح والطالح، فقال عمر: صدقت، فعفا بقول حسن (^١).