أمّا كنيته ﵁ فقد اشتهر بـ (أبي حفص)، وقد وردت عدة أخبار تفيد أن الذي كناه بهذا النبي ﷺ فمن ذلك ما روي من أنه ﷺ قال يوم بدر (^١): "إني قد عرفت أن رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد
_________________
(١) بَدْر: هي اليوم بلدة بأسفل وادي الصفراء تبعد عن المدينة بـ ١٥٥ كيلًا، وعن مكّة المكرّمة بـ ٣١٠ أكيال، وعن سيف البحر بـ ٤٥ كيلًا. عاتق البلادي/ معجم المعالم الجغرافية ص: ٤١. ويوم بدر هو: يوم غزوة بدر الكبرى التي كانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان بين قريش بزعامة أبي جهل - لعنه الله - والمسلمين بقيادة رسول الله ﷺ، وكان عدد المشركين فيها ما بين ألف وتسعمائة وخمسين رجلًا معهم مئتا فرس، وكان عدد جيش المسملين ثلثمائة وتسعة عشر رجلًا معهم فرسان وسبعون بغيرًا، وكان النصر فيها لجند الله ورسوله، وهزم المشركون وقتل من صناديدهم عدد كبير منهم: أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وشبيبة بن ربيعة، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف. انظر: مهدي رزق الله/ السيرة النبويّة في ضوء المصادر الأصلية ص: ٣٣٧ - ٣٦٦.
[ ١ / ٧٥ ]
أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهًا" فقال أبو حذيفة (^١): أنقتُل آباءنا، وأبناءنا، وإخواننا، وعشيرتنا، ونترك العباس! والله لئن لقيته لألحمنه السيف. فبلغت رسول الله ﷺ فقال: لعمر بن الخطاب: "يا أبا حفص - قال عمر: إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ﷺ بأبي حفص - أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف (^٢).
_________________
(١) أبو حُذيفة بن عُتبة بن ربيعة القرشي العَبْشَمِي كان من فضلاء الصحابة من المهاجرين الأولين شهد المشاهد كلها وقتل يوم اليمامة، ابن عبد البر/ الاستيعاب ٤/ ١٩٧.
(٢) رواه ابن إسحاق/ سيرة ابن هشام ١/ ٢٢٤، قال: حدّثني العباس بن عبد الله ابن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس. وهذا السند رجاله ثقات، ولكن فيه إبهامُ بالبعض الذين يروي عنهم العباس بن عبد الله بن معبد، ورواه جميع من رواه من طريق العباس بن عبد الله بن معبد وهم: ابن سعد/ الطبقات ٤/ ١١، الطبري/ تاريخ الرسل والملوك ٢/ ٣٤، البيهقي/ دلائل النبوة ٣/ ١٤٠، ١٤١. ورواه الحاكم في المستدرك ٣/ ٢٢٣ أيضًا من طريق محمّد بن إسحاق عن العباس بن معبد غير أنه قال فيه: عن أبيه عن ابن عباس فيكون السند متصلًا لكن الحاكم خالف في ذلك جميع من روى الخبر ورجال سنده هم رجال السند عند البيهقي وغيره بل رواه البيهقي من طريق الحاكم وهو شيخه، فإن ثبت ما في سند الحاكم كان السند متصلًا والأثر حسنًا، وإلا فإن السند ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عباس. وأمّا ما وقع في سند الحاكم من تسمية شيخ محمّد بن إسحاق بالعباس بن معبد فقد خالف فيه أيضًا جميع من روى الأثر، حيث إنهم قالوا: "العباس بن عبد الله بن معبد". والذي اتضح لدي بعد الرجوع إلى كتب التراجم وكتب المؤتلف والمختلف في الأسماء أنه رجلٌ واحدٌ وقد نسبه الحاكم لجده، لأن العباس بن عبد الله بن معبد يروي عن أبيه كما في رواية الحاكم، ويروي عن بعض أهله كما نصّ على ذلك المزي في تهذيب الكمال. والله أعلم.
[ ١ / ٧٦ ]
ومنها: أنّ عمر سمع صوت امرأة تبكي على ميت لها، فنهاها عمر، فقال النبي ﷺ: "دعها يا أبا حفص فإن العهد قريب، والعين باكية" (^١).
_________________
(١) رواه الحميدي/ المسند ٢/ ٤٤٥ من طريق محمد بن عجلان عمن سمع أبا هريرة ﵁. وابن عجلان صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة تق ٥٨٥. وفيه إبهام بالراوي عن أبي هريرة ﵁. فالأثر ضعيف. وعند ابن ماجه أنه ﷺ قال لعمر: "دعها يا عمر" ضعفه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ضعيف ابن ماجه ص ١٢٠. وليس فيه تكنية النبي ﷺ له بأبي حفص. والحديث له طرق آخرى يحسَّن بها. انظر: ص: ٣١٠.
[ ١ / ٧٧ ]
وروي كذلك أنّ النبيّ ﷺ قال لعمر بن الخطاب لما أسلم: "قد كنت شديد الشغب علينا يا أبا حفص فدعوت الله أن يعز بك الدين" (^١).