وكان عمر ﵁ خاشع القلب، رقيقه، كثير الدمع، سريع البكاء من خشية الله.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد (^١) ﵁: سمعت نشيج (^٢) عمر وأنا في آخر الصفوف، وهو يقرأ سورة يوسف حين بلغ ﴿قَالَ إنما أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٣).
_________________
(١) عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، ولد على عهد النبي ﷺ، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين. تق ٣٠٧.
(٢) النشيج: أشد البكاء. ابن منظور / لسان العرب ١٤/ ١٣٧.
(٣) سورة يوسف الآية (٨٦). رواه عبد الرزاق / المصنف ٢/ ١١١، ابن سعد / الطبقات ٦/ ١٢٦، يحيى بن معين / التاريخ/ رواية الدوري ٢/ ٣١٣، ابن أبي شيبة / المصنف ١/ ٣١٢، الطبري / تهذيب الآثار/ مسند العباس ١/ ٣٥٣، ٣٥٤، البيهقي / السنن الكبرى ٢/ ٢٥١، صحيح من طريق ابن سعد. قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن محمّد بن سعد بن أبي وقاص سمع عبد الله بن شداد بن الهادي يقول: سمعت نشجَ عمر … الأثر.
[ ١ / ٣٢٧ ]
ومن الآثار المروية في ذلك والدالة على اتصاف عمر ﵁ برقة القلب والخشوع، ما روي من أن عمر ﵁ كان يعس المسجد بعد العشاء فلا يرى فيه أحدًا إلا أخرجه، إلا رجلًا قائمًا يصلي، فمر بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم أبي بن كعب، فقال عمر: من هؤلاء؟ قال أبي: نفر من أهلك يا أمير المؤمنين، قال: ما خلفكم بعد الصلاة؟! قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: فجلس معهم، ثم قال لأدناهم إليه: خذ، قال: فدعا فاستقرأهم رجلًا رجلًا يدعون، حتى انتهى إلي وأنا إلى جنبه، فقال: هات، فحصرت (^١) وأخذني من الرعدة أفكل (^٢)، حتى جعل يجد حس ذلك مني، فقال: ولو أن تقول اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا، قال: ثم أخذ عمر يدعو، فما كان في القوم أكثر دمعة، ولا أشد بكاء منه، ثم قال: إيهًا، الآن فتفرقوا (^٣).
_________________
(١) حصر الرجل: تعب، وقيل حصر: لم يقدر على الكلام، وحصره صدره ضاق. ابن منظور/لسان العرب ٣/ ٢٠٠.
(٢) أَفكل: على وزن أفعل، الرعدة، أفكل إذا أخذته رعدة، فارتعد من برد أو خوف. المصدر السابق ١٠/ ٣٠٩.
(٣) رواه ابن سعد / الطبقات ٣/ ٢٩٤، البلاذري / أنساب الأشراف ص ٢٣٦، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٦٣، كلهم من طريق يزيد بن هارون السلمي وهو ثقة، ولكن روايته عن سعيد الجريري بعد اختلاطه. ابن الكيال / الكواكب النيرات ص ١٨٩، وفيه عندهم أبو سعيد مولى أبي أسيد، قال ابن حجر في الإصابة: ذكره ابن منده في الصحابة، ولم يذكر ما يدل على صحبته، لكن ثبت أنه أدرك أبا بكر الصديق ﵁، فالأثر ضعيف لاختلاط الجريري.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وروي أن عمر ﵁ كان يمر بالآية فتخنقه العبرة (^١)، فيبكي حتى يسقط ثم يلزم بيته، حتى يعاد، يحسبونه مريضًا (^٢).
وروي أن عمر ﵁ كان في وجهه خطان أسودان من البكاء (^٣).
وروي أنه ﵁ خرج ليلة يعس بالمدينة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائمًا يصلي، فوقف فسمع قراءته يقرأ ﴿وَالطُّورِ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ (^٤)، فقال: قَسَمٌ وربُ
_________________
(١) العَبرة: الدمعة. ابن منظور / لسان العرب ٩/ ١٨.
(٢) رواه ابن أبي شيبة / المصنف ٧/ ٩٥، أحمد / الزهد ص ١٤٩، أبو نعيم / حلية الأولياء ١/ ٥١، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٦٣، ومداره على الحسن البصري روايته عن عمر منقطعة. ورجاله عند ابن أبي شيبة ثقات سوى جعفر الضبي فهو صدوق. فالأثر ضعيف.
(٣) رواه أحمد / الزهد ص ١٥٠، الفاكهي / أخبار مكة ٢/ ٣١٩، أبو نعيم / حلية الأولياء ١/ ٥١، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٦٢، ومداره على عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ثقة من السادسة. تق ٣١٧، روايته عن عمر منقطعة، فالأثر ضعيف.
(٤) سورة الطور الآية (٧، ٨).
[ ١ / ٣٢٩ ]
الكعبة حقٌ، ونزل عن حماره واستند إلى حائط، فلبث مليًا، ثم رجع إلى منزله، فلبث شهرًا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه (^١).
وروي أنه ﵁ مر بدير راهب فوقف، فنودي الراهب، فقيل له: هذا أمير المؤمنين، قال: فاطلع، فإذا إنسان من الضر، والاجتهاد، وترك الدنيا، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني، فقال عمر: قد علمت، ولكن رحمته ذكرت قول الله: ﴿عَامِلَة نَاصِبَة تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ (^٢)، فرحمت نصبه واجتهاده وهو في النار (^٣).
_________________
(١) رواه ابن كثير / مسند الفاروق ١/ ٦٠٧ نقلًا عن ابن أبي الدنيا، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٦٢، ابن قدامة / الرقة ص ٨١، ومداره على صالح بن بشير المري، قال ابن المديني وابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ضعيف الحديث، وقال مرة: متروك الحديث. المزي / تهذيب الكمال ١٣/ ١٦ - ١٨، وقال ابن حجر: ضعيف. تق ٢٧١، فالأثر ضعيف جدًا.
(٢) سورة الغاشية الآية (٣، ٤).
(٣) رواه عبد الرزاق / التفسير ٢/ ٣٦٨، الحاكم / المتسدرك ٢/ ٥٢١، ٥٢٢، ابن كثير / مسند الفاروق ٢/ ٦٢٠، ٦٢١، ومداره على عبد الملك بن حبيب الأزدي، أبو عمران الجوني، وهو ثقة من الرابعة. تق ٣٦٢، روايته عن عمر منقطعة، وقال الذهبي في تعليقه على الحاكم: الجوني لم يدرك عمر، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ومن ذلك ما روي أن النبي ﷺ استقبل الحجر الأسود، فاستلمه ثم وضع شفتيه يبكي طويلًا، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال: "يا عمر ههنا تسكب العبرات" (^١).