كان عمر ﵁ شديد الخشية لله دائم الخوف والوجل من لقائه شديد المحاسبة لنفسه، قال أنس بن مالك ﵁: خرجت مع عمر بن الخطاب حتى دخل حائطًا (^٢)، فسمعته يقول وبيني وبينه الجدار، وهو في جوف الحائط: أعمر أمير المؤمنين بخٍ بخٍ (^٣)، والله يا بُنَيَّ الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك (^٤).
_________________
(١) رواه أبو بكر بن أبي شيبة / الإيمان ص ٣٦، البيهقي / شعب الإيمان ١/ ١٨١ - ١٨٢، وإسناد ابن أبي شيبة رجاله ثقات سوى محمد بن طلحة بن مصرف، صدوق له أوهام، وفيه انقطاع ذر ابن عبد الله المرهبي، ثقة من السادسة. تق ٢٠٣، روايته عن عمر معضلة، ورواه البيهقي من طريق محمّد بن طلحة. فالأثر ضعيف.
(٢) الحائط: الجدار لأنه يحوط ما فيه، والحائط البستان من النخيل إذا كان عليه حائط. ابن منظور / لسان العرب ٣/ ٣٩٥.
(٣) بخٍ بخٍ: معناها تعظيم الأمر وتفخيمه. المصدر السابق ١/ ٣٢٩.
(٤) رواه مالك / الموطأ ٢/ ١٧٠، ابن سعد / الطبقات ٣/ ٢٩٢، أحمد / الزهد ص ١٤٤، البلاذري / أنساب الأشراف ص ٢٣٠، ابن أبي الدنيا / محاسبة النفس ص ٣٠، ٣١، أبو نعيم/ معرفة الصحابة ١/ ٢١٦، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢١٤، صحيح من طريق مالك. قال: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك.
[ ١ / ٣١٩ ]
وقال عبد الله بن عمر لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري (^١) ﵃: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قال: لا، قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى، هل يسرك إسلامنا مع رسول الله ﷺ، وهجرتنا معه وجهادنا معه، وعملنا كله معه بَرَد (^٢) لنا، وان كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافًا (^٣) رأسًا برأس؟ قال: لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله ﷺ، وصلينا وصمنا، وعملنا خيرًا كثيرًا، وأسلم على أيدينا بشر كثير، وإنا لنرجوا ذلك، قال عبد الله: فقال أبي: لكني أنا والذي نفسي بيده، لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعد نجونا منه كفافًا رأسًا برأس.
_________________
(١) أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل اسمه عامر، وقيل الحارث، ثقة من الثالثة، مات سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك، جاز الثمانين. تق ٦٢١.
(٢) بَرَدَ لنا: أي ثبت لنا. ابن الأثير / النهاية في غريب الحديث ١/ ١١٥.
(٣) كفافًا: الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقد الحاجة إليه. المصدر السابق ٤/ ١٩١.
[ ١ / ٣٢٠ ]
قال أبو بردة: قلت: إن أباك والله خير من أبي (^١).
ولما حضرت الوفاة عمر ﵁ أثنى عليه الناس في إمارته وخلافته، فقال: بالإمارة تغبطوني؟! فوالله لوددت أني أنجو كفافًا لا علي ولا لي (^٢).
ودخل عليه ابن عباس ﵄ لما طعن، فقال: يا أمير المؤمنين، أبشر بالجنة، أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله ﷺ حين خذله الناس، وقبض رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ ولم يختلف في خلافتك اثنان، وقتلت شهيدًا، فقال عمر ﵁: أعد علي، فأعاد عليه، فقال عمر: والذي لا إله غيره، لو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطَّلع (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري / الصحيح ٢/ ٣٣٥، ٣٣٦.
(٢) رواه ابن سعد / الطبقات ٣/ ٣٥١، الحميدي / المسند ١/ ١٧ - ١٩، ابن أبي عمر / المسند/ المطالب العالية لابن حجر ٥٠٤/أ، صحح من طريق ابن سعد. قال: أخبرنا معن بن عيسى، قال: أخبرنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أيبه، قال: لما حضرت عمر الوفاة … الأثر.
(٣) المُطَّلع: الموقف يوم القيامة أو ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت، فشبهه بالمطَّلع الذي يُشرف عليه من موضعٍ عال. ابن الأثير / النهاية في غريب الحديث ٣/ ١٢٣، ١٣٣. رواه الطيالسي / المسند ص ٦، ٧، ابن سعد / الطبقات ٣/ ٣٥١، ٣٥٢، ابن أبي شيبة / المصنف ٧/ ١٠٠، أحمد / الزهد ص ١٥٤، البلاذري / أنساب الأشراف ص ٣٥٨ - ٣٦٥ - ٣٦٤ - ٣٦٧، الحاكم / المستدرك ٣/ ٩٢، أبو نعيم / حلية الأولياء ١/ ٥٢، ٣/ ٣٥٤، ٣٥٥، البيهقي / شعب الإيمان / زغلول ٤/ ٢٢٧، صحيح من طريق ابن أبي شيبة. قال: حدّثنا أبو خالد الأحمر عن داود عن عامر عن ابن عباس، قال: دخلت … الأثر.
[ ١ / ٣٢١ ]
وقال ﵁ لابنه عبد الله، وكان رأسه في حجره لما طعن: ضع خدي بالأرض، فقال عبد الله: فخذي والأرض سواء، فقال: ضع خدي على الأرض لا أم لك (^١) في الثانية والثالثة، ثم شبك بين رجليه، وقال: ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي (^٢).
_________________
(١) لا أم لك: ذم وسب أي أنت لقيط لا تعرف لك أم، وقيل قد يقع بمعنى التعجب منه وفيه بعد. ابن الأثير / النهاية في غريب الحديث ١/ ٦٨. وهذا من السب والدعاء الذي لا يراد معناه كقولهم: تربت يداك.
(٢) رواه ابن سعد / الطبقات ٣/ ٣٦٠، البلاذري / أنساب الأشراف ص: ٣٧٤، صحيح. قال: أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي، قال: أخبرنا مالك بن أنس، قال: وأخبرنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا: أخبرنا حماد بن زيد جميعًا عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه عثمان ابن عفان، قال: أنا آخركم عهدًا بعمر … الأثر. وجاء في رواية أن عمر قال: وددت أن أمي لم تلدني، رواها ابن المبارك / الزهد ص ٧٩، ٨٠، ١٤٧، مسدد / المسند / المطالب العالية لابن حجر ص ٥٠٤/ب، الجعد / المسند ١/ ٤٧٦، ابن أبي شيبة / المصنف ٧/ ٩٨، أحمد / الزهد ص ١٤٧، أبو العرب / المحن ص ٧٦، أبو نعيم / حلية الألياء ١/ ٥٢، ومداره على عاصم بن عبيدالله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ضعيف. تق ٢٨٥، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وروي أن عمر ﵁ أخذ تبنة من الأرض، وقال: يا ليتني هذه التبنة (^١).
وروي أنه قال: يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون، فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدًا، ثم أكلوني، فأخرجوني عذرة، ولم أك بشرًا (^٢).
ومن خشية عمر ﵁ حرصه الشديد على أداء فرائض الله ﷿، والوقوف عند حدوده.
_________________
(١) رواه ابن المبارك / الزهد ص ٧٩، ابن سعد / الطبقات ٣/ ٣٦٠، ابن أبي شيبة / المصنف ٧/ ٩٨، البلاذري / أنساب الأشراف ص ٣٧٥، البيهقي / شعب الإيمان ٣/ ٧٨، ٧٩، ومداره على عاصم بن عبيدالله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ضعيف. تق ٢٨٥، فالأثر ضعيف.
(٢) رواه هناد / الزهد ١/ ٢٥٨، البيهقي / شعب الإيمان ٣/ ٧٧، ومداره على جويبر بن سعيد الأزدي، ضعيف جدًا. تق ١٤٣، وعلى الضحاك بن مزاحم وهو صدوق من الخامسة. تق ٢٨٠، روايته عن عمر منقطعة، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٢٣ ]
قال المسور (^١) بن مخرمة ﵁: دخلت أنا وابن عباس على عمر بعدما طعن، وقد أغمي عليه، فقلنا: لا يتنبه لشيء أفزع له من الصلاة، فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين، فانتبه، وقال: لا حظ في الإسلام لامرئ ترك الصلاة، فصلى وجرحه يثعب دمًا (^٢).
وروي أن عمر ﵁ تأخر يومًا عن صلاة المغرب حتى طلع نجمان، فلما فرغ من صلاته تلك أعتق رقبتين (^٣).
_________________
(١) المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين سمع من النبيّ ﷺ وحفظ عنه توفي وهو ابن اثنتين وستين سنة في العاشر من ربيع الآخر. ابن عبد البر / الاستيعاب ٣/ ٤٥٥ - ٤٥٦.
(٢) يثعب: يجري دمًا. ابن منظور / لسان العرب ٢/ ٧٩. رواه مالك / الموطأ ١/ ٤٤، عبد الرزاق / المصنف ١/ ١٥٠، ابن سعد / الطبقات ٣/ ٣٥٠، ٣٥١، ابن أبي شيبة / المصنف ٧/ ٤٣٨، الإيمان ص ٣٤، أحمد / الزهد ص ١٥٤، البلاذري / أنساب الأشراف ص ٣٥٦، ٣٥٧، ابن المنذر / الأوسط ١/ ١٦٦، ١٦٧، ابن الأعرابي / المعجم ١/ ٤١٥، الدارقطني / السنن ١/ ٢٢٤، ٤٠٦، المروزي / تعظيم قدر الصلاة ٢/ ٨٩٢، ٨٩٧، أبو نعيم / معرفة الصحابة ١/ ٢١٥، صحيح من طريق مالك. قال: عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أخبره أنه دخل على عمر … الأثر.
(٣) رواه عبد الله بن المبارك / الزهد ص ١٨٧، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٦٥، وفي إسناده عند ابن المبارك محمد بن عبد الرحمن بن أبي مسلم الأزدي، ذكره ابن أبي حاتم والبخاري ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. الجرح ٧/ ٣٢٠، التاريخ الكبير ١/ ١٥١، وذكره ابن حبان في الثقات ٧/ ٤١٠، وفيه جده أبو مسلم لم أجد له ترجمة، وبقية رجاله ما بين ثقة وصدوق، ورواه ابن عساكر من طريق ابن المبارك.
[ ١ / ٣٢٤ ]
ومن خشية عمر ﵁ أنه كان إذا غضب ثم ذكر الله عنده هدأ عنه الغضب وذهب كما مر ذلك في قصة دخول عيينة بن حصن عليه (^١).
وروي أن أسلم مولى عمر ﵁ قال: صاح عمر يومًا، وعلاني بالدرة، فقلت: أذكرك الله فطرحها (^٢).
وروي كذلك أن بلال بن رباح ﵁ قال لأسلم: يا أسلم، كيف تجدون عمر؟ فقال: خير الناس إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم، فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب، قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه.
_________________
(١) انظره في ص: (٣١٣، ٣١٤).
(٢) رواه ابن سعد / الطبقات ٣/ ٣٠٩، البلاذري / أنساب الأشراف ص: ٢٥٥، ٢٥٦، من طريق الواقدي، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وروي أيضًا أن ابن عمر ﵄ قال: ما رأيت عمر غضب قط، فَذُكِرَ الله عنده أو خُوّف، أو قرأ عنده إنسان آية من قرآن إلا وقف عما كان يريد (^١).
ورويت آثار تشير إلى كثرة ذكر عمر ﵁ للموت، فروي عنه أنه قال: ما ترك الموت لذي لب قرة عين (^٢).
ورُوي أنه كان يتمثل بهذا البيت:
لا يغرنك عشاء ساكن … فقد توافى بالمنيات السحر (^٣)
_________________
(١) رواه والأثر الذي قبله ابن سعد / الطبقات ٣/ ٣٠٩، البلاذري / أنساب الأشراف ص ٢٥٥، ٢٥٦، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٦٤، ومدارهما على الواقدي.
(٢) رواه البلاذري / أنساب الأشراف ص ٢٠٩، وفي إسناده شيخه أبو موسى إسحاق العروي، لم أجد له ترجمة، وبقية رجاله ثقات، ولكنه منقطع من رواية محمد بن سيرين، وهو ثقة من الثالثة، عن عمر ﵁. فالأثر ضعيف. وما ورد في السند أيوب بن محمّد بن سيرين خطأ والصواب: أيوب عن محمّد ابن سيرين. وهو أيوب بن أبي تميمة.
(٣) تقدّم تخريجه في ص: ١٩٤. ومما لا شك فيه أن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا أكثر الخلق ذكرًا للموت واستعدادًا له.
[ ١ / ٣٢٦ ]