ومن صفات عمر ﵁ الدالة على كمال دينه وورعه وشدة تحرزه في دينه وتركه الشبهات استبراءًا لدينه وعرضه، ومن أخباره ﵁ الدالة على ذلك:
أنه ﵁ كان له ناقة يحلبها ويشرب لبنها، فأتى له غلامه يومًا بلبن أنكره، فقال عمر ﵁: ويحك من أين هذا اللبن لك؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها، فشربها، فحلبت لك ناقة من مال الله، فقال عمر ﵁: ويحك، تسقني نارًا (^٢).
_________________
(١) العَبرات: جمع عبرة وهي الدمعة. ابن منظور / لسان العرب ٩/ ١٨. رواه عبد بن حميد / المنتخب من المسند ص ٢٤٥، الفاكهي / أخبار مكة ١/ ١١٤، ١١٥، ابن ماجه / السنن ٢/ ٩٨٢، البيهقي / شعب الإيمان ٧/ ٦٠٢، ٦٠٣، ومداره على محمد بن عون الخراساني وهو متروك. تق ٥٠٠. فالأثر ضعيف جدًا.
(٢) رواه ابن زنجويه / الأموال ٢/ ٦٠٢، ابن شبه / تاريخ المدينة ٢/ ٢٦٨. وفي إسناده عند ابن زنجويه أبو قيس مالك بن الحكم لم أجد له ترجمة، ولعله مالك ابن أبي مريم الحكمي. ذكر في تلاميذ عبد الرحمن بن غنم وهو هنا يروي عنه. انظر: تهذيب الكمال ١٧/ ٣٣٨ - ٣٤٠. ومالك بن أبي مريم الحكمي مقبول من الخامسة ق: ٥١٨. وعبد الرحمن بن غنم الأشعري مختلف في صحبته. وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين تق: ٣٤٨. وهو هنا يروي عن عمر ﵁ حديثًا قال: نزلت على عمر ﵁ فكانت لعمر ناقة … الأثر. وإسناده عند ابن شبه متصل ورجاله ما بين ثقة وصدوق، وفيه ابن لهيعة، صدوق خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرها ويروي عنه هنا عبد الله بن وهب، فالأثر حسن.
[ ١ / ٣٣١ ]
وروي أن عمر ﵁ شرب لبنًا فأعجبه، فسأل الذي سقاه من أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماء قد سَماه، فإذا نعم من نعم الصدقة، وهم يسقون، فجعلوا لي من ألبانها، فجعلته في سقائي هذا، فأدخل عمر ﵁ إصبعه في فيه واستقاء (^١).
_________________
(١) رواه البيهقي / السنن الكبرى ٧/ ١٤، شعب الإيمان / زغلول ٥/ ٦٠، وفي إسناده أبو بكر محمد بن جعفر المزكي لم أجد له ترجمة، ويحيى بن بكير، ثقة في الليث وتكلموا في سماعه من مالك، وهو هنا يروي عنه وفيه زيد بن أسلم، ثقة من الثالثة. تق ٢٢٢، روايته عن عمر منطقعة، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وروي أن عوف بن مالك الأشجعي (^١) ﵁ قال: كنت في الغزاة التي بعث فيها رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل (^٢)، فصحبت أبا بكر وعمر، فمررت بقوم على جزور قد نحروها، وهم لا يقدورن على أن يعضوها (^٣)، وكنت امرأً لبقًا (^٤) جازرًا، فقلت: أتعطوني منها عشيرًا على أن أقسمها بينكم؟ قالوا: نعم، فأخذت الشفرتين، فجزأتهما مكاني، وأخذت منها جزءًا، فحملته إلى أصحابي، فأطبخناه، فأكلناه، فقال لي أبو بكر وعمر ﵄: أنى لك هذا اللحم يا عوف؟ فأخبرتهما خبره، فقالا: والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا، ثم قاما يتقيآن ما في بطنيهما من ذلك (^٥).
_________________
(١) عوف بن مالك الأشجعي أبو عبد الرحمن، صحابي جليل أول مشاهده خيبر، وكانت معه راية أشجع يوم الفتح. ابن عبد البر / الاستيعاب ٣/ ٢٩٨.
(٢) ذات السلاسل: اسم مكان من أرض بني عذرة أو بني جذام، وديار بني عذرة من وادي القرى (وادي العلا) إلى تبوك إلى تيماء، وتقرب من خيبر شمالًا، وديار جذام كانت بين تبوك والبحر، عاتق البلادي / معجم المعالم الجغرافية ص: ١٥٩.
(٣) يعضّوها: عضّيت الذبيحة: جعلتها أعضاءً. الفيومي / المصباح المنير ١٥٨.
(٤) اللبق واللبيق: الحاذق في عمله. المصدر السابق ص ٢٠٨.
(٥) رواه ابن إسحاق / السير النبوية لابن هشام ٤/ ٣٦٢. قال: أخبرني يزيد بن أبي حبيب أنه حدّث عن عوف بن مالك. البيهقي / دلائل النبوة ٤/ ٤٠٤، ٤٠٥، ومداره على يزيد بن أبي حبيب وهو ثقة من الخامسة، روايته عن عوف الأشجعي معضلة وبقية رجاله عند ابن إسحاق ثقات، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وروي أن عمر وعثمان ﵄ دعيا إلى طعام فلما خرجا، قال عمر لعثمان: لقد شهدت طعامًا، وددت أني لم أشهده، فقال عثمان: وما ذاك؟ قال عمر: خشيت أن يكون جعل مباهاة (^١).
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الحرام (^٢).
_________________
(١) رواه عبد الله بن المبارك /الزهد ص ٦٦، ٦٧، أحمد / الزهد ص ١٥٧، ومداره على حميد بن نعيم بن عبد الله كاتب عمر بن عبد العزيز، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا ٣/ ٢٣٠، وقال ابن حجر: مقبول من السادسة، وأورده باسم نعيم بن عبد الله القيني. تق ٥٦٥، وروايته عن عمر معضلة، فالأثر ضعيف.
(٢) رواه عبد الرزاق / المصنف ٨/ ١٥٢، ابن أبي شيبة / المصنف ٤/ ٤٤٩، البلاذري / أنساب الأشراف ص ٢٠١، ٢٠٢، ٢٥٤، ومداره على عيسى بن المغيرة التميمي الحزامي مقبول من السادسة. تق ٤٤١، وفيه انقطاع بين عامر الشعبي وبين عمر بن الخطاب ﵁، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وروي أن المسور بن مخرمة (^١) ﵄ قال: كنا نلزم عمر نتعلم منه الورع (^٢).
ففي هذه الآثار دلالة على تخلق عمر ﵁ بهذه الصفة الجليلة ومما لا مراء فيه أن صحابة النبي ﷺ هم أكثر هذه الأمة ورعًا وتقوى لله، وبالأخص صاحبي النبي ﷺ أبي بكر وعمر ﵄.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ص: ٣٢٤.
(٢) رواه ابن سعد / الطبقات ٣/ ٢٩٠، الطبقة الخامسة ص ١٥٦، البلاذري / أنساب الأشراف ص ٢٢٦، ابن عساكر / تاريخ دمشق ص ٢٤٥، ومداره على الواقدي، فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٣٣٥ ]