قبل البدء بالحديث عن شخصية عمر ﵁ أود أن أشير هنا بإيجاز إلى المنزلة والمكانة التي كانت لقوم عمر وأهله وعشيرته في مكة قبل الإسلام وهذه الإشارة تتناول بني عدي قوم أبيه، وأخواله بني مخزوم.
فأما بنو عدي فهم بنو عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ابن مالك بن النضر بن كنانة يلتقون في النسب مع بني هاشم، وبني مخزوم، وبني سهم في كعب بن لؤي (^١).
وبنو عدي من قريش الأباطح الذين تزعمهم قصي بن كلاب جد النبي ﷺ، وأنزلهم أباطح مكة، وحول الحرم، وأقطعهم الدور، وأما قريش الظواهر فقد ظلوا بدوًا خارج مكة، ولم تكن لهم المنزلة التي كانت لقريش الأباطح في الجاهلية والإسلام (^٢).
وبنو عدي لم يكن لهم من الزعامة والشرف والثراء وكثرة العدد ما لبني هاشم، وبني سهم، وبني مخزوم، ولكنهم لم يكونوا بعيدين عن الساحة القرشية بل كانوا من قبائل قريش التي لها مكانتها ومنزلتها العالية وكلمتها المسموعة.
_________________
(١) الزبيري/ نسب قريش ص ١٢، ١٣، ٣٤٦، ٣٤٧.
(٢) حسين مؤنس/ تاريخ قريش ص ٨٨.
[ ١ / ٦١ ]
ومما يدلّ على ذلك أن عمر ﵁ لما أسلم قامت إليه قريش يضربونه، فمر بهم العاص بن وائل السهمي فقال: أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبكم هكذا؟! (^١).
أي أن بني عدي عندهم من القوة والقدرة والمكانة التي يستطيعون بها إنقاذ عمر من القرشيين.
وكانت بنو عدي ممن شارك قريشًا في قتال هوازن في حرب الفجار وكان الخطاب بن نفيل والد عمر بن الخطاب، وابن أخيه زي (^٢) ابن عمرو بن نفيل على زعامتهم (^٣)، وقتل في هذه الحرب أخو الخطاب واسمه عبد نهم (^٤).
وحين تنازع أبناء قصي بن كلاب من بعده فيمن يلي أمر السقاية والرفادة والحجابة واللواء، حتى كادوا أن يقتتلوا، وتعاقدوا على الحرب،
_________________
(١) حسن انظر تخريجه في ص ١٤.
(٢) زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى والد سعيد بن زيد بن عمرو أحد العشرة، وابن عم عمر بن الخطاب، كان يتعبد في الجاهلية ويطلب دين إبراهيم ﵇ ومات قبل مبعث النبيّ ﷺ. انظر: ابن الأثير/ أسد الغابة ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٨.
(٣) أبو عبيدة معمر بن المثنى/ أيام العرب قبل الإسلام ص ٥١٥.
(٤) الزبيري/ نسب قريش ص ٣٤٧.
[ ١ / ٦٢ ]
فتحالفت بنو عبد مناف مع أسد، وزهرة، وتيم، ضد بني عبد الدار وبني مخزوم، وسهم، وجمح، وعدي (^١) الذين كانوا حلفًا واحدًا.
ولما جددت قريش بناء الكعبة جعلت لكل قبيلة أو أكثر جزءًا منها، فكان شق الباب لبني عبد مناف، وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود، والركن اليماني لبني مخزوم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم، وكان شق الحِجر لبني عبدالدار، ولبني أسد، ولبني عدي بن كعب.
وبعد فراغ قريش من بناء البيت تنازعوا فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه، وعظم الخلاف، وتعاقدوا على الحرب، فقربت بنو عبدالدار جفنة مملوءة دمًا، وتحالفوا مع بني عدي بن كعب على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم، فسموا لعقة الدم (^٢).
واشتهر بنو عدي بالبسالة والشجاعة. قال حفص بن الأخيف من بني عامر بن لؤي يمدح بني عدي:
وبنو عدي لا أرى مثلهم … عند القتال إذ القنا متحطم (^٣)
_________________
(١) ابن هشام/ السيرة النبوية ١/ ١٧٩، ١٨٠.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢٥٤.
(٣) الفاكهي/ أخبار مكة ٣/ ٣٣١.
[ ١ / ٦٣ ]
وكان فيهم من اشتهر برجاحة العقل ومنهم جد عمر ﵁ وهو نفيل بن عبدالعزى، فقد كان ممن تتحاكم إليه قريش في الجاهلية (^١).
وكان فيهم من هو من مشيخة قريش وعلمائها بالنسب، كأبي جهم بن حذيفة بن غانم من بني عويج بن عدي بن كعب (^٢).
وكان منهم الشعراء كحفص بن حذافة (^٣).
وكان في بني عدي من تمسك بالوثنية عند مجيء الإسلام وآذى المسلمين كما كان يفعل الخطاب بن نفيل والد عمر ﵁، فقد روى ابن إسحاق أن الخطاب بن نفيل كان قد وكل صفية بنت الحضرمي بزيد بن عمرو بن نفيل، فكان إذا أراد الخروج من مكة لطلب دين الحنفية آذنته به فمنعه من ذلك، وآذى الخطاب زيدًا فكان يخرجه من مكة ويأمر شبان مكة وسفهاءها أن يمنعوه من دخولها، فكان لا يدخلها إلا سرًا (^٤).
_________________
(١) الزبيري/ نسب قريش ص: ٣٤٧، أبو جعفر بن حبيب/ المحبر ص: ١٣٣، البلاذري/ أنساب الأشراف ص: ١٣٥، ١٣٦.
(٢) أبو الجهم بن حذيفة، قال البخاري وجماعة اسمه عامر، وقيل اسمه عُبيد قاله الزبير ابن بكار، وابن سعد، وقالا: إنه من مسلمة الفتح. ابن حجر/ الإصابة ٤/ ٣٥.
(٣) الزبيري/ نسب قريش ص: ٣٧٥.
(٤) ابن هشام/ السيرة النبوية ١/ ٢٩١، ٢٩٢.
[ ١ / ٦٤ ]
وكان فيهم أيضًا النساك الحنفاء كزيد بن عمرو بن نفيل. قال ابن إسحاق: "وأمّا زيد بن عمرو بن نفيل فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان، ونهى عن قتل الموؤدة، وقال: أعبد رب إبراهيم" (^١).
ومن السابقين إلى الإسلام من بني عدي نعيم بن عبدالله المعروف بالنَّحَّام (^٢).
ومما تقدم يتبين أن بني عدي كانوا من أشراف قريش ومن أهل الحل والعقد في المجتمع المكي، وكان فيهم أهل العلم بالنسب والشعر، وكان فيهم الحنفاء، وأهل العقل والحكمة الذين تركوا ونبذوا ما كانت عليه قريش من عبادة الأوثان.
يقول الدكتور حسين مؤنس ﵀ وهو يبيّن مكانه عشيرة عمر ﵁، وذلك عند كلامه على الهجرة إلى الحبشة:
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٢٨٦، ٢٨٧.
(٢) نُعَيم بن عبدالله بن أسيد من بني عويج بن عدي، كان إسلامه قبل عمر ولكنه لم يهاجر إلا قبيل الفتح، وذلك لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم. ابن هشام/ السيرة النبوية ١/ ٣٢١، ٣٢٢، ابن حجر/ الإصابة ٣/ ٥٦٧. وروي بسند ضعيف أنّه سمي بالنَّحَّام لأن النبيّ ﷺ قال: "سمعت نحمه في الجنة". انظر تخريج الحديث في حاشية سيرة ابن هشام ١/ ٣٢١، ٣٢٢.
[ ١ / ٦٥ ]
وبقي رسول الله ﷺ في نفر قليل من المؤمنين، وثبت للمحنة وهم لم يستطيعوا إيذاءه أو إيذاء حمزة أو أبي بكر أو عمر ومن إليهم لأنهم كانوا ينتمون إلى بطون كبيرة من بطون مكّة ذات السلطان والعزّة، وقد أدرك أولئك القرشيون أنهم لو آذوا رسول الله ﷺ أو واحدًا من كبار المسلمين من حوله لحدث صدع في بنيان قريش (^١).
أمّا بنو مخزوم وهم أخوال عمر ﵁ فهم أشهر من أن يكتب عنهم وهم بنو مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي يلتقون مع بني عدي في كعب بن لؤي، وهم الذين كان فيهم الشرف وكانت فيهم السيادة، فمنهم أبو جهل عمرو بن هشام (^٢)، لعنه الله، كان من سادات قريش وزعمائها وهو الذي نزل فيه قول الله ﷿: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ طَعَامُ الأَثِيمِ كَالمُهْلِ يَغْلِي فِي البُطُونِ كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ (^٣).
_________________
(١) تاريخ قريش ص: ٢٨٤.
(٢) الزبيري/ نسب قريش ص: ٢٩٩، ٣٠٠.
(٣) سورة الدخان الآيات ٤٣ - ٤٩، وانظر ابن كثير/ تفسير القرآن العظيم ٤/ ١٤٥، ١٤٦.
[ ١ / ٦٦ ]
ومنهم زعيم قريش وسيدها الوليد بن المغيرة المخزومي وهو الذي قال: أينزل القرآن على محمد ﷺ، وأترك وأنا كبير قريش وسيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي، ونحن عظيما القريتين، فنزل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾ (^١).
واشتهر بنو مخزوم بالعمل بالتجارة ولذلك كانوا من أثرياء قريش، وكان الوليد بن المغيرة، وأبو جهل من أثرياء قريش، فقد قدرت ثروة كلّ منهما بمائة ألف دينار، وكان فيهم أهل العلم بالكتابة، وذلك بحكم عملهم بالتجارة وما تتطلبه من الكتابة (^٢).
وكان في بني مخزوم ممن وقف في وجه دعوة النبي ﷺ وحاربها كما تقدم وكما هو معروف من موقف أبي جهل، والوليد بن المغيرة وغيرهما.
إلا أنّهم كان فيهم من هم من خيرة السابقين إلى الإسلام، وممن قدموا الخدمات الجليلة للدعوة الإسلامية وأهلها في أيامها الأولى.
فكان منهم الأرقم بن أبي الأرقم بن عبد مناف بن أسد بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، وهو الذي جعل داره مركزًا للهاربين من بطش القرشيين من المستضعفين من المسلمين في بداية الدعوة حتى قويت شوكتهم فخرجوا منها.
_________________
(١) الزخرف الآية (٣١). ابن هشام/ السيرة النبوية ١/ ٤٤٤.
(٢) حسين مؤنس/ تاريخ قريش ص: ١٩٤، ٢٠٠.
[ ١ / ٦٧ ]
ومن السابقين إلى الإسلام من بني مخزوم أبو سلمة بن عبدالأسد ابن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، وزوجته أم سلمة، زوج النبي ﷺ بعد وفاة زوجها ﵄، ومنهم عياش بن أبي ربيعة المخزومي (^١)، ﵃.
_________________
(١) ابن هشام/ السيرة النبوية ١/ ٣١٨، ٣١٩، ٤٠٢، ٤٠٣. عيّاش بن أبي ربيعة واسم أبي ربيعة عمر بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم وهو أخو أبي جهل لأمّه وابن عمه، كان إسلامه قديمًا أول الإسلام، قبل أن يدخل النبي r دار الأرقم. ابن الأثير/ أسد الغابة ٤/ ١٦١.
[ ١ / ٦٨ ]
المبحث الأول: نشأته
المطلب الأول: اسمه ونسبه، كنيته، لقبه، مولده، صفاته الخلقية.
المطلب الثاني: حياته في الجاهلية
المطلب الثالث: إسلامه وهجرتة
المطلب الرابع: أحواله المعيشية
[ ١ / ٦٩ ]