كان عمر ﵁ شديد العناية والرعاية والرقابة على أهله، يقيم فيهم أحكام الدين ويلزمهم بها قبل أن يلزم بقية رعيته.
قال عبد الله بن عمر ﵄: كان عمر إذا نهى الناس عن شيء، دخل إلى أهله - أو قال جمع أهله - فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، والناس إنما ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أوتى برجل منكم وقع في شيء مما نهيت عنه الناس إلا أضعفت له العقوبة لمكانه مني، فمن شاء فليتقدم، ومن شاء فليتأخر (^١).
وقال أسلم مولى عمر ﵄: كان عمر إذا بعثني إلى بعض ولده قال لي: لا تخبره لم بعثتك إليه، فلعل الشيطان يعلمه كذبه، فجاءت أم ولد لعبد الرحمن إلى عمر، فقالت: إن أبا عيسى لا ينفق علي ولا يكسوني، قال: ويحك من أبو عيسى؟ قالت: ابنك عبد الرحمن، فقال:
_________________
(١) رواه عبدالرزاق/ المصنف ١١/ ٣٤٣، ٣٤٤، ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٢٨٩، ابن أبي شيبة/ المصنف ٦/ ١٩٩، ابن شبه/ تاريخ المدينة ٢/ ٣١٩، ٣٢٠، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ٢٢٢، الطبري/ تاريخ الأمم والملوك ٢/ ٥٦٨، صحيح عند عبدالرزاق. قال: عن معمر عن الزهري عن سالم عن أيبه.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وهل لعيسى من أب؟ قال أسلم: فأرسلني إليه فقال: قل له أجب، ولا تخبره لأي شيء دعوته، قال: فأتيته، وعنده ديك ودجاجة هنديان، فقلت له: أجب أباك أمير المؤمنين، قال: وما يريد مني؟ فقلت: لا أدري، قال: إني أعطيك هذا الديك والدجاجة على أن تخبرني ما يريد مني، فاشترطت أن لا يخبر عمر، فأخبرته، وأعطاني الديك والدجاجة، فلما جئت عمر ﵁ قال لي: أخبرته، فوالله ما استطعت أن أقول لا، فقلت نعم، قال: أرشاك شيئًا، قلت: نعم، قال: ما رشاك؟ قلت: ديكًا ودجاجة، فقبض بيده اليسرى على يدي، فجعل يضربني بالدرة، وجعلت أنزو، وجعل يضربني وأنا أنزو، فقال: إنك لجدير، ثم جاء عبد الرحمن، فقال هل لعيسى من أب! يُكتنى أبا عيسى؟ هل لعيسى من أب؟ (^١)
وبالرغم من صرامة عمر ﵁ في مراقبة أهله وتطبيق تعاليم الدين عليهم فإنه ﵁ لم يخلُ من شفقة ورحمة لأهل بيته، رآه عيينة (^٢) بن حصن يومًا يقبل أحد أبنائه وقد وضعه في حجره وهو
_________________
(١) رواه ابن شبه/ تاريخ المدينة ٢/ ٣٢١ صحيح. قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: كان عمر … الأثر.
(٢) عُيَيْنَة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، أسلم بعد الفتح، وقيل قبل الفتح، وشهد الفتح مسلمًا، وهو من المؤلفة قلوبهم، وكان من الأعراب الجفاة، وكان ممن ارتد في عهد أبي بكر ثم عاد إلى الإسلام. ابن عبد البر/ الاستيعاب ٣/ ٣١٦، ٣١٧. ابن حجر/ الإصابة ٣/ ٥٤.
[ ١ / ٢٥١ ]
يحنو عليه، فقال عيينة: أتقبل وأنت أمير المؤمنين؟ لو كنت أمير المؤمنين ما قبلت لي ولدًا. فقال عمر: الله، الله حتى استحلفه ثلاثًا، فقال عمر: فما أصنع إن كان الله نزع الرحمة من قلبك؟ إن الله إنما يرحم من عباده الرحماء (^١).