فقد نزلت آيات عديدة من القرآن الكريم موافقة لرأي عمر ﵁ وما يميل إليه، قال ابن عمر ﵄: ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر (^١).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة / المصنف ٦/ ٣٥٤، أحمد / فضائل الصحابة ١/ ٢٥١، الفسوي / المعرفة والتاريخ ١/ ٤٦٧، الترمذي / السنن ٥/ ٢٨٠، أبو يعلى / المعجم ص ٢٧٦، ٢٧٧، أبو نعيم / الإمامة ص ٢٩٧. وفي إسناده عند ابن أبي شيبة شريك بن عبد الله النخعي صدوق تق: ٢٦٦. وفيه إبراهيم بن المهاجر صدوق لين الحفظ تق: ٩٤. وهو منقطع من رواية مجاهد بن جبر عن عمر، وهو ثقة من الثالثة. وفي إسناده عند سائر من رواه خارجة بن عبد الله الأنصاري وهو صدوق له أوهام. تق: ١٨٦. وبقية رجاله عند الترمذي وأحمد ثقات. وقد صحّح الأثر الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ٢٠٤.
[ ١ / ٣٦٧ ]
وروي عن علي ﵁ أنه قال: إن في القرآن من كلام عمر لكثير (^١).
ومن الآيات التي نزلت موافقة لرأي عمر ﵁ ما أخبر به هو عن نفسه، قال عمر ﵁: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إبراهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^٢)، وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن (^٣)، فنزلت هذه الآية (^٤).
_________________
(١) رواه أبو نعيم / الإمامة ص ٢٩٧، وفي إسناده شيخه أبو حامد أحمد بن محمّد بالوية لم أجد له ترجمة وفيه عبد الله بن عمير كذلك لم أجد له ترجمة ولعله عبد الله بن عمر بن أبان صدوق تق: ٣١٥. وفيه عبيدة بن الأسود الهمداني صدوق تق: ٧٨. وهو مدلّس من الثالثة عند ابن حجر في تعريف أهل التقديس ص: ٩٨، ولم يصرّح بالسماع. وفيه مجالد بن سعيد قال ابن حجر: ليس بالقوي. تق ٥٢٠. فالأثر ضعيف.
(٢) سورة البقرة الآية (١٢٥).
(٣) سورة التحريم الآية (٥).
(٤) رواه البخاري / الصحيح ١/ ٨٢، ٣/ ٩٩، أحمد / المسند ١/ ٢٤، ابن أبي عاصم / السنة ص ٥٧٢، ٥٧٣ وغيرهم.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وفي نزول آية الحجاب قالت عائشة ﵂: إن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع (^١) وهو صعيد أفيح (^٢)، فكان عمر يقول للنبي ﷺ: أحجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة، حرصًا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب (^٣).
وقالت عائشة ﵂: كنت آكل مع النبي ﷺ حيسًا (^٤)،
_________________
(١) المناصع: جمع مَنْصَع وهي أماكن معروفة من ناحية البقيع، سميت بذلك لأن الإنسان ينصع فيها أي يخلص. ابن حجر / فتح الباري ١/ ٢٤٩. وقال الفيروزآبادي: هي موضع بعينه خارج المدينة. وكان النساء يتبرزن إليه بالليل على مذاهب العرب في الجاهلية. وفي حديث الإفك قال: وكان متبرز النساء بالمدينة قبل أن تتخذ الكنف في البيوت المناصع. المغانم المطابق ص: ٣٩٢، ٣٩٣.
(٢) قال ابن حجر: والظاهر أن التفسير مقول عائشة ﵂، والأفيح المتسع، فتح الباري ١/ ٢٤٩.
(٣) رواه البخاري / الصحيح ١/ ٤٠، ٣/ ١٧٦، النسائي / السنن الكبرى ٦/ ٤٣٥.
(٤) الحَيْس: طعام يتخذ من التمر والإقط والسمن، وقد يجعل عوض الإقط الدقيق. ابن الأثير / النهاية في غريب الحديث ١/ ٤٦٧.
[ ١ / ٣٦٩ ]
فمر عمر فدعاه، فأكل، فأصابت يده إصبعي، فقال: حس (^١)، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزل الحجاب (^٢).
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: وطريق الجمع بينهما أن أسباب نزول الحجاب تعددت (^٣).
ومن القضايا التي نزل فيها القرآن موافقًا لرأي عمر ﵁ قضية أسارى بدر (^٤).
قال ابن عباس ﵄: فلما أسروا الأسارى، قال
_________________
(١) حِسِّ: بكسر السين والتشديد: كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما أحرقه غفلة كالجمرة والضربة ونحوها. ابن منظور / لسان العرب ٣/ ١٧١.
(٢) رواه ابن سعد / الطبقات ٨/ ١٧٥، ابن أبي شيبة / المصنف ٦/ ٣٥٨، ٣٥٩، البخاري / الأدب المفرد ص ٣٦٢، ٣٦٣. وفي إسناده عند ابن سعد الواقدي. وسنده عند ابن أبي شيبة والبخاري رجاله ثقات سوى موسى بن أبي كثير الأنصاري، صدوق. تق ٥٥٣، ومجاهد بن جبر المكي، أثبت العلائي سماعه من عائشة ﵂، جامع التحصيل ص ٢٧٣، فالأثر حسن.
(٣) فتح الباري ١/ ٢٤٩.
(٤) بَدْر: بلدة بأسفل وادي الصفراء تبعد عن المدينة ١٥٥ كيلًا وعن مكة ٣١٠ أكيال، وتبعد عن سيف البحر قرابة ٤٥ كيلًا، وكان ميناؤها الجار، فلما اندثرت قامت بالقرب منها بلدة الرايس. البلادي / معجم المعالم الجغرافية في السيرة ص ٤١.
[ ١ / ٣٧٠ ]
رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر ﵄: "ما ترون في هؤلاء الأسارى"؟
فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "ما ترى يابن الخطاب"؟
فقال عمر: قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان (نسيبًا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت يا رسول الله: أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما.
فقال رسول الله ﷺ: "أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم، أدنى من هذه الشجرة (شجرة قريبة من نبي الله ﷺ) وأنزل الله ﷿ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ (^١).
_________________
(١) سورة الأنفال الآيات ٦٧ - ٦٩. رواه مسلم / الصحيح ١٢/ ٧٤ - ٧٨، ابن أبي شيبة / المصنف ٦/ ٤٩٧، أحمد / المسند ١/ ٣٨٣ - ٣٨٤، والطبري/ التاريخ ٢/ ٤٦.
[ ١ / ٣٧١ ]
ومنها تحريم الخمر:
فقد كان عمر ﵁ يرغب في تحريم الخمر ويأمل أن ينزل الوحي بتحريمها فقال ﵁: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثم كبير﴾ (^١) فدعى عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وأنتم سُكَارَى﴾ (^٢)، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآية: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (^٣)، فقال عمر: إنتهينا (^٤).
_________________
(١) سورة البقرة الآية (٢١٩).
(٢) سورة النساء الآية (٤٣).
(٣) سورة المائدة (٩١).
(٤) رواه أحمد / المسند ١/ ٥٣، أبو داود / السنن ٣/ ٣٢٥، الترمذي / السنن ٤/ ٣١٩، ٣٢٠، النسائي / السنن ٨/ ٢٨٦، الطبري / التفسير ٥/ ٣٤، ٣٥، الدارقطني / العلل ٢/ ١٨٤، ١٨٦، الحاكم / المستدرك ٢/ ٢٧٨، ٤/ ١٤٣، البيهقي / السنن الكبرى ٨/ ٢٨٥، الصغرى ٣/ ٣٢٧، المقدسي / المختارة ١/ ٣٦٨، ٣٦٩، ومدار الحديث على عمرو بن عبدالله أبي إسحاق السبيعي، وهو مدلس من الطبقة الثالثة، ولم يصرح بالسماع، وبقية رجاله عند ابن أبي داود والنسائي والطبري ثقات. وقد صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٦٩٩.
[ ١ / ٣٧٢ ]
ومن موافقات القرآن لعمر ﵁ موافقته له في عدم الصلاة على زعيم المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول (^١).
فلما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له، فأعطاه النبي ﷺ قميصه، فقال: آذني أصلي عليه، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر ﵁، فقال: أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين، فقال ﷺ: "أنا بين خيرتين قال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم"، فصلى عليه، فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (^٢).
_________________
(١) هو: عبد الله بن أبي بن سلول. قال ابن هشام: "سلول امرأة من خزاعة وهي أم أبي مالك بن الحارث. وهو من بني عوف بن الخزرج. قدم رسول الله ﷺ المدينة وكان سيد أهلها لا يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين حتى جاء الإسلام. وكان عبد الله قد نظم له قومه الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم. فجاءهم الله تعالى برسوله ﷺ وهم على ذلك. فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام ضغن، ورأى أن رسول الله ﷺ قد استلبه ملكه، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارهًا مصرًّا على نفاق وضغن". السيرة النبويّة ٢/ ٤٤٦، ٥٢٦، ٥٨٤.
(٢) سورة التوبة الآية (٨٤). رواه البخاري / الصحيح ١/ ٢٢٠، ٢٣٧، ٣/ ١٣٧، مسلم / الصحيح / شرح النووي ١٥/ ١٦٧، ١٦٨، الترمذي / السنن ٤/ ٣٤٢، ٣٤٣، وغيرهم.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وروي أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيمانكم وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ …﴾ (^١)، أن رسول الله ﷺ بعث غلامًا له من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب ﵁ ليدعوه، فانطلق إليه، فوجده نائمًا فدفع الباب، وسلم فاستيقط عمر، وانكشف منه شيء، ورآه الغلام، وعرف عمر أنه رآه فقال: وددت أن الله ﷿ نهى أبناءنا، ونساءنا أن يدخلوا هذه الساعات، فنزلت هذه الآية (^٢).
وروي في سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ …﴾ (^٣)، أن رجلين احتكما إلى النبي ﷺ، فقضى لأحدهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر، فقال رسول الله ﷺ: نعم انطلقوا إلى عمر، فانطلقا، فلما أتينا عمر، قال الذي قضى عليه: يابن الخطاب، إن رسول الله ﷺ قضى لي، وإن هذا قال: ردنا إلى عمر، فردنا إليك رسول الله ﷺ، فقال عمر للذي قضى عليه: كذاك؟ فقال
_________________
(١) سورة النور الآية (٥٨).
(٢) رواه أبو نعيم / معرفة الصحابة ٢/ ٢٠٩ /ب. ابن الأثير / أسد الغابة ٤/ ٣٤١، ٣٤٢، وانظر ابن حجر / الإصابة ٣/ ٣٩٥، نقلًا عن ابن منده ومداره على محمد بن السائب الكلبي وهو متهم بالكذب. ونقله الواحدي في أسباب النزول من غير إسناد ص: ٣٨٠.
(٣) سورة النساء الآية (٦٥).
[ ١ / ٣٧٤ ]
عمر: مكانك حتى أخرج فأقضي بينكما، فخرج مشتملًا على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ قتل عمر صاحبي ولولا أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله ﷺ: "ما كنت أظن عمر يجرؤ على قتل مؤمن"، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ …﴾ الآية (^١).
_________________
(١) رواه ابن كثير / مسند الفاروق ٢/ ٥٧٥، نقلًا عن ابن دحيم في تفسيره، وإسناده رجاله ما بين ثقة وصدوق، ولكنه مرسل فيه ضمرة بن حبيب ثقة من الرابعة، روايته عن النبي ﷺ مرسلة، ورواه في تفسيره ١/ ٥٢١، نقلًا عن ابن أبي حاتم وفي إسناده عبدالله بن لهيعة خلط بعد احتراق كتبه، وأبو الأسود محمد بن عبدالرحمن بن نوفل، وهو ثقة من السادسة روايته عن النبي ﷺ معضلة فالحديث ضعيف.
[ ١ / ٣٧٥ ]