كان عمر ﵁ كثير فعل الطاعات والقربات من الصلاة والصيام والصدقة كثير التضرع والدعاء لله ﷿، فكان ﵁ يداوم على قيام الليل وهي خصلة أثنى الله ﷿ على من اتصف بها وداوم عليها ووصف الله ﷿ بها عباده المقربين، قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (^٢). سأل النبي ﷺ أبا بكر فقال: متى توتر؟ فقال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: متى توتر؟ قال: آخر الليل، فقال لأبي بكر: أخذ هذا بالحزم، وقال لعمر:
_________________
(١) رواه ابن المبارك/ الزهد ص ١٤٣، وإسناده رجاله ثقات ولكنه منقطع من رواية لاحق بن حميد أبو مجلز، وهو ثقة من كبار الثالثة، روايته عن عمر مرسلة.
(٢) سورة الذاريات الآيتان: ١٧ - ١٨.
[ ١ / ١٧١ ]
أخذ هذا بالقوة (^١).
_________________
(١) رواه مالك/ الموطأ ١/ ١٢٠، ١٢١، الشافعي/ المسند ١/ ٢٧٩، ٢٨٠، أبو داود الطيالسي/ المسند ص ٢٣٣، عبدالرزاق/ المصنف ٣/ ١٤، ابن أبي شيبة/ المصنف ٢/ ٨٠، ٨١، أبو داود/ السنن ٢/ ٦٦، ابن ماجه/ السنن ١/ ٣٧٩، أبو يعلى/ المسند ٣/ ٣٥٣ ابن المنذر/ الأوسط ٥/ ١٧١، ١٧٣، ابن حبان/ الصحيح ٤/ ٧٣، الطبراني/ المعجم الكبير ١٧/ ٣٠٣، ٣٠٤، البيهقي/ السنن الكبرى ٣/ ٣٥، ٣٦. وأسانيده عند مالك وعبد الرزاق والشافعي وأبي يعلى رجالها ثقات، إلا أنه عندهم من رواية سعيد بن المسيب عن عمر ﵁ وقد اختلف في سماعه منه. كما تقدم ذلك في ص: (٨٢، ٨٣). ورجاله عند الطيالس وابن أبي شيبة وابن ماجة ثقات سوى عبد الله بن محمّد ابن عقيل فهو صدوق في حديثه لين. ويقال تغير بآخره تق: ٣٢١. وسنده متصل. وفي إسناده عند أبي داود وابن حزم، والبيهقي من طريق يحيى بن إسحاق السليحني أبو زكريا، قال الذهبي: ثقة حافظ. الكشاف ٢/ ٣٦١. وقال ابن حجر: صدوق تق: ٥٨٧. وبقية رجاله عند أبي داود ثقات. وإسناده عند ابن المنذر وابن حبان والبيهقي من طريق آخر محمّد بن عباد بن الزيرقان المكي صدوق يهم تق: ٤٨٦. وفيه يحيى بن سليم الطائفي صدوق سيء الحفظ تق: ٥٩١. وبقية رجاله عن ابن حبان ثقات. وفيه عند الطبراني شيخه أحمد بن محمّد بن زغبة لم أجد له ترجمة، وكذلك في السند زيد عن أبي المصعب لم أعرفهما. وفيه عبد الله بن لهيعة صدوق خلط بعد احتراق كتبه. وفيه عند أبي نعيم محمّد بن حمدان النصيبي لم أجد له ترجمة. وبقية رجاله ثقات وسنده متصل. فالأثر يرتقي بمجموع طرقه لدرجة الصحيح لغيره. وقد صحّحه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٢٦٩.
[ ١ / ١٧٢ ]
فكان ﵁ يصلي من الليل ما شاء الله حتى إذا خشي الفجر أيقظ أهله فصلوا ما شاء الله (^١).
وجاء عنه ﵁ أنه كان يتهيأ لصلاة الليل فإذا صلى العشاء أمر أهله أن يضعوا عند رأسه إناء فيه ماء ثم يرقد، فإذا تعار (^٢) من الليل وضع يده في الماء ومسح به وجهه وذكر الله ﷿ ثم ينام حتى تأتي الساعة التي يقوم فيها لصلاة الليل (^٣).
_________________
(١) رواه مالك/ الموطأ ١/ ١١٣، البيهقي/ شعب الإيمان ٦/ ٣٣٠، صحيح عند مالك. وقال: عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: كان عمر … الأثر.
(٢) أي هب من نومه واستيقظ. ابن الأثير/ النهاية في غريب الحديث ١/ ١٩٠.
(٣) رواه أبو عبيد/ الطهور ص ٦٥، أحمد/ الزهد ص ١٤٨، الطبراني/ المعجم الكبير ٩/ ٣٢، البيهقي/ شعب الإيمان ٤/ ١٧٥، وسنده عند أحمد رجاله ثقات سوى حزم القطيعي فهو صدوق وسماع الحسن البصري من عثمان بن أبي العاص الراوي عن زوجة عمر سابقًا مختلف فيه، وهو أيضًا يرويه عنه حكاية، ولم يصرح بالسماع. قال: حدّثنا موسى حدّثنا حزم قال: سمعت الحسن بن أبي الحسن يقول: تزوج عثمان بن أبي العاص امرأة من نساء عمر ابن الخطاب. وسنده عند أبي عيبد رجاله ثقات، وهو من رواية الحسن البصري عن عمر ﵁ وروايته عنه منقطعة. ورواه الطبراني من طريق حزم القطيعي به مثله عند أحمد. ورواه البيهقي عن عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن الحسن، ففيه إبهام وهو أيضًا منقطع.
[ ١ / ١٧٣ ]
وروي عنه ﵁ أنه ربما فاتته الصلاة من الليل فيقضيها من النهار، فقد روي أن رجلًا استأذن على عمر بالهاجرة، فحجبه طويلًا ثم أذن له، فقال: إني كنت نمت عن حزبي فكنت أقضيه (^١).
وجاء عنه أنه كان يأتي مسجد قباء فيصلي فيه كل يوم اثنين وخميس (^٢).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة/ المصنف ١/ ٤١٦، وإسناده رجاله ثقات إلا أن راويه عن عمر وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم روايته عن عمر معضلة، فهو ثقة من الخامسة، تق ٦٢٤.
(٢) رواه ابن سعد/ الطبقات ١/ ٢٤٤، البزار/ المسند ١/ ٤٣٠، وفي سنده عند ابن سعد الواقدي وهو متروك، وفيه عند البزار عبدالعزيز الداروردي، صدوق يحدث من كتب غيره فيخطئ. تق ٣٥٨، وفيه إسحاق بن المستورد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه شيء. الجرح والتعديل ٢/ ٢٣٥، وفيه عبدالرحمن ابن عمرو بن جارية لم أجد له ترجمة، فالخبر ضعيف. والثابت عن النّبيّ ﷺ أنّه كان يأتي مسجد قباء كلّ يوم سبت فيصلّي فيه، وكان ﷺ يأتيه أحيانًا راكبًا وأحيانًا ماشيًا. رواه البخاري/ الصّحيح/ فتح الباري ٣٦٨، حديث رقم: ٩١٩١، ٩١٩٣. وثبت عنه ﷺ أنّه قال: "من تطهّر في بيته ثمّ أتى مسجد قباء فصلّى فيه صلاة كان له كأجر عمرة". رواه ابن ماجة/ صحيح سنن ابن ماجة ١/ ٢٣٨.
[ ١ / ١٧٤ ]
وكان عمر ﵁ يصوم من التطوّع ما شاء الله فكان يصوم الأيام البيض من كل شهر (^١).
وجاء في رواية صحيحة أن عمر ﵁ سرد الصوم قبل موته بسنتين (^٢).
وروي عنه أنه كان يجهد نفسه وهو صائم في الحر ويقول: أبشري بالري (^٣).
_________________
(١) رواه الحارث بن أبي أسامة/ بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث/ الهيثمي ١/ ٢١٩، الطبري، تهذيب الآثار/ مسند عمر بن الخطاب ٢/ ٨٥٦، ٨٥٨، صحيح من طريق الطبري. قال: حدّثنا محمّد بن بشار وابن المثنى قالا: حدّثنا محمّد جعفر الهذلي حدّثنا شعبة عن قتادة عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس عن صوم … الأثر.
(٢) رواه ابن أبي شيبة/ المصنف ٢/ ٢٧٤، ٣٢٨، الطبري/ تهذيب الآثار/ مسند عمر ١/ ٣١٥، صحيح من طريق ابن أبي شيبة. قال: حدّثنا عبيدة بن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر … الأثر.
(٣) رواه ابن المبارك/ الزهد ص ٩٨ من زيادات نعيم بن حماد، وفي إسناده عبدالله ابن لهيعة صدوق اختلط بعد احتراق كتبه، وفيه رجل مبهم. فالأثر ضعيف.
[ ١ / ١٧٥ ]
وقال زياد بن حدير (^١): رأيت عمر بن الخطاب ﵁ أكثر الناس صيامًا وأكثر الناس سواكًا (^٢).
وكان ﵁ كثير الصدقات فقد قال ﵁: أمرنا رسول الله ﷺ يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ: "ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله.
قال: وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده، فقال له رسول الله ﷺ: "ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا (^٣).
_________________
(١) زياد بن حُدير الأسدي، ثقة عابد له في ذكر في الصحيح، من الثانية. تق ٢١٨.
(٢) رواه ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٢٩٠، ابن أبي شيبة/ المصنف ٢/ ٢٩٥، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ٢٢٤، ٢٢٥، وإسناده متصل ورجاله ثقات سوى أبي نهيك القاسم بن محمد الأسدي، ذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ٣٠٦، وقال ابن حجر: مقبول. تق ٦٧٩.
(٣) رواه أبو داود/ السنن ٢/ ١٢٩، الترمذي/ السنن ٥/ ٢٧٧، وسنده متصل ورجاله ثقات سوى هشام بن سعد تقدمت ترجمته في ص: (١٥٢، ١٥٣). فالأثر حسن، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣١٥.
[ ١ / ١٧٦ ]
وأتى عمر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها"، فتصدق بها عمر أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول (^١).
قال ابن عمر ﵄: تصدق عمر بمال له على عهد رسول الله ﷺ وكان يقال له ثمغ وكان نخلًا (^٢). وقد بين عمر مصدر هذا المال فقال: يا رسول الله ﷺ إني أصبت مالًا لم أصب مثله قط كان لي مائة رأس فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها، وإني قد أردت أن أتقرب بها إلى الله ﷿ … الحديث (^٣).
_________________
(١) مُتَمَوِّل: مال الرجل وتَمَوّل، إذا صار ذا مال. وتَمَوَّلهْ أي: اجعله لك مالًا. ابن الأثير/ النهاية في غريب الحديث ٤/ ٣٧٢ - ٣٧٣. والمراد به في الأثر: أي غير متخذٍ مالًا. رواه البخاري/ الصحيح ٢/ ٤٤، ١٢٤، ١٣١، ١٣٢، مسلم/ الصحيح/ شرح النووي ١١/ ٨٥ - ٨٧، أبو داود/ السنن ٣/ ١١٦، ١١٧ وغيرهم.
(٢) رواه البخاري/ الصحيح ١/ ١٣١.
(٣) رواه النسائي/ السنن وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ٢/ ٧٦٤.
[ ١ / ١٧٧ ]
وكان عمر ﵁ كثير الدعاء والتضرع إلى الله ﷿، فكان يدعو الله بجوامع الدعاء ومن دعائه ما رواه أبو العاليه (^١) ﵀ قال: أكثر ما كنت أسمع عمر يقول: اللهم عافنا واعف عنا (^٢).
وكان يسأل الله ﷿ المغفرة وأن يبدل الله سيئاته حسنات.
قال عبد الرحمن بن مل أبو عثمان النهدي (^٣): سمعت عمر بن الخطاب يقول: اللهم إن كنت كتبت علي ذنبًا أو إثمًا أو ضغنًا فاغفره لي، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب (^٤).
_________________
(١) أبو العاليه: هو رُفَيع بن مهران أبو العالية الرِّياحي، ثقة كثير الإرسال، من الثانية، مات سنة تسعين، وقيل ثلاث وتسعين، وقيل بعد ذلك. تق ٢١٠.
(٢) رواه أحمد/ الزهد ١٤٣، ١٤٧ صحيح. قال: حدّثنا عبد الصمد حدّثنا أبو خلدة حدّثنا أبو العالية قال: أكثر ما كنت … الأثر.
(٣) أبو عثمان النهدي ثقة عابد مخضرم من الثانية تق ٣٥١.
(٤) رواه البخاري/ التاريخ الكبير ٧/ ٦٣، قال البخاري: قال عبدالله نا أبو عامر قال نا قرة عن عصمة قال قال أبو عثمان وعبدالله هو ابن محمد السندي ثقة. تق ٣٢١، وأبو عامر هو العقدي ثقة، وقرة هو ابن خالد السدوسي ثقة، وعصمة هو أبو حكيمة الغزال، قال ابن أبي حاتم محله الصدق. الجرح والتعديل ٧/ ٢٠. ورواه الفاكهي/ أخبار مكة ١/ ٢٢٩، ٢٣٠، الطبري/ التفسير ٧/ ٤٠١ بلفظ: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يطوف بالبيت وهو يقول: اللهم إن كان كتابي في كتاب أهل السعادة فاثبته، وإن كان كتابي في أهل الشقاء فامحه واجعله في كتاب أهل السعادة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، وسنده عند الفاكهي رجاله ثقات سوى عبدالجبار بن العلاء البصري، قال ابن حجر: لا بأس به. تق ٣٣٢، وفيه أبو حكيمة يروي عن أبي عثمان النهدي كما في رواية البخاري. فالأثر حسن أيضًا بهذا اللفظ. وقد ذكر الطبري ﵀ هذا الأثر بعد أن ذكر أقوال العلماء في المراد بقوله تعالى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت﴾ معنى ذلك: أن الله يمحو ما يشاء ويثبت من كتاب سوى أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء. ثم قال: وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يمحو كل ما يشاء ويثبت كل ما أراد ثم أورد هذا الأثر عن عمر ﵁، التفسير ٧/ ٤٠١، ٤٠٢، ونقله أيضًا ابن كثير في تفسيره من غير تعليق ٢/ ٥١٩، وقد عزا البغوي في تفسيره القول بمحو السعادة والشقاء لعمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ ٤/ ٣٢٤.
[ ١ / ١٧٨ ]