كان عمر ﵁ في لباسه مثلًا عاليًا في الزهد والبعد عن الإسراف والمفاخرة مع حرصه على التنظف والتطيب في ملبسه، فقد كان ﵁ يلبس القميص وربما انخرق فرقعه، قال أسلم مولاه: لما نزل عمر ﵁ بالشام جاءه صاحب الارض، فأعطاه عمر قميصه ليغسله، ويرفوه (^١)، وفي عاتقه خرق، فانطلق به فغسله ثم رقعه، وقطع
_________________
(١) يرفوه: رفأ الثوب: أصلحه. الرازي/ مختار الصحاح ص ١٠٤.
[ ١ / ٢٨٦ ]
قميصًا جديدًا، فأتاه به، وأعطاه الجديد، فرآه عمر ثم رده، قال: إيتيني بقميصي (^١).
وقال أنس بن مالك ﵁: رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين وقد رقع بين كتفيه ثلاث رقاع لبد (^٢) بعضها فوق بعض (^٣).
_________________
(١) رواه عبدالله بن المبارك/ الزهد ص ٢٠٨، ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٣٢٩، ٣٣٠، ابن أبي شيبة/ المصنف ٧/ ١١، أحمد/ الزهد ص ١٤٧، ابن شبه/ تاريخ المدينة ٣/ ٤٨، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ٣٣٢، ٢٨٠، وسنده عند ابن شبه متصل ورجاله ثقات سوى هشام ابن سعد المدني فهو صدوق له أوهام يروي عن زيد بن أسلم، وهو من أثبت الناس فيه، فالأثر حسن، وفي رواية ابن المبارك وأحمد والبلاذري أن عمر ﵁ لمس القميص الجديد، فوجده لينًا فرده، وقال: لا حاجة لي فيه هذا - أي قميصه - أنشف للعرق، وسنده عند ابن المبارك رجاله ثقات، ومداره عندهم على عروة بن الزبير يرويه عن صاحب أذرعات: أن عمر قدم عليهم … ولم أقف على اسم صاحب أذرعات، وهل أدركه عروة أم لا.
(٢) لبد: الرقعة، يقال: لَبَدْتُ القميص ألْبُدُه وَلَبَّدته، ويقال للخرقة التي يرقع بها صدر القميص اللبْدَة. ابن الأثير/ النهاية في غريب الحديث ٤/ ٢٢٤.
(٣) رواه مالك/ الموطأ ٢/ ٩١، ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٣٢٧، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ٣٢٩، أبو نعيم/ معرفة الصحابة ١/ ٢٢٣، البيهقي/ شعب الإيمان/ زغلول ٥/ ١٥٨، صحيح من طريق مالك. قال: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: قال أنس بن مالك … الأثر.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وقال ﵁: لقد رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميص له (^١).
وروي عنه ﵁ أنه لبس قميصًا طويل الكمين، فقطع ما زاد على أصابع يديه (^٢).
وروي أنه أبطأ يوم الجمعة، فخرج وعليه قميص ثمنه أربعة دراهم لا يجاوز كمه رسغه (^٣).
_________________
(١) رواه ابن المبارك/ الزهد ص ٢٠٨، ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٣٢٧، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ٣٢٩، ابن أبي الدنيا/ التواضع ص ١٧٣، ١٧٤، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٢٥٨، صحيح من رواية ابن سعد. قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني عن أنس.
(٢) رواه أبو نعيم/حلية الأولياء ١/ ٤٥، وفي إسناده المقدام بن داود، قال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن يونس: تكلموا فيه. ميزان الاعتدال ٤/ ١٧٤، وفيه يحيى بن المتوكل ضعفه ابن المديني والنسائي، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أحمد: واهٍ. المصدر السابق ٤/ ٤٠٤، فالأثر ضعيف.
(٣) الرُّسْغ: مفصل ما بين الكف والساعد. الفيومي/ المصباح المنير ص ٨٦. رواه ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٣٢٩، ابن شبه/ تاريخ المدينة ٣/ ٢١، ومداره على عبدالعزيز بن أبي جميلة الأنصاري، ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. الجرح والتعديل ٥/ ٣٧٩، وذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ١٢٤، وبقيه رجاله عند ابن سعد ثقات.
[ ١ / ٢٨٨ ]
ولبس ﵁ الإزار (^١) وربما انخرق فرقعه.
قال عبيد بن عمير ﵁ (^٢): رأيت عمر بن الخطاب يرمي الجمار عليه إزار مرقع عند مقعدته (^٣).
وقال أبو عثمان النهدي ﵁ (^٤): رأيت عمر بن الخطاب يطوف بالبيت عليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة إحداهن بأديم أحمر (^٥).
_________________
(١) الإزار: ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن. مجموعة من العلماء/ المعجم الوسيط ١/ ١٦.
(٢) عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، ولد على عهد النبي ﷺ، مجمع على ثقته. تق ٣٧٧.
(٣) رواه ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٣٢٨، أحمد/ الزهد ص ١٥١، هناد/ الزهد ٢/ ٣٦٧، ابن شبه/ تاريخ المدينة ٣/ ٢١، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ٣٣٠. صحيح من طريق ابن سعد. قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، قال: أخبرنا أبو عوانة عن بشر عن عطاء عن عبيد بن عمير، قال: رأيت عمر … الأثر.
(٤) تقدمت ترجمته في ص: ١٧٨.
(٥) رواه عبدالله بن المبارك/ الزهد ص ٣٤٣، من زيادات حسين المروزي عليه، ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٣٢٨، أحمد/ الزهد ص ١٥٣، ١٥٤، ابن شبه/ تاريخ المدينة ٣/ ٢٠، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ٣٣٠، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص: ٢٥٩، وسنده عند ابن سعد والبلاذري متصل ورجاله ثقات، إلا أن فيه سعيد الجريري، ثقة اختلط ولم يظهر لي هل سماع مهدي بن ميمون الراوي عنه قبل اختلاطه أم بعده، فإن كان قبله فالسند صحيح. وإسناده عند ابن المبارك رجاله ثقات، إلا أنه منقطع لأن الحسن البصري روايته عن عمر منقطعة، ورواه أبو نعيم وابن عساكر من طريق الحسن البصري، وفي سنده عن ابن شبه يوسف بن عطية الباهلي وهو متروك. تق ٦١١، والأثر بطريقيه الأوليين يرتقي لدرجة الحسن، وإن كان سماع مهدي ابن ميمون عن الجريري قبل الاختلاط. فالأثر صحيح.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وروي أنه لبس إزارًا فيه ثلاثة عشر رقعة (^١)، وقيل إن إزاره كان فيه أربعة عشر رقعة (^٢)، وقيل كان فيه إحدى وعشرين رقعة (^٣).
_________________
(١) رواه ابن شبه/ تاريخ المدينة ٣/ ٢٠، ٢١، وفي سنده العوام بن جويرة، قال ابن حبان: كان يروي الموضوعات، روى عنه أبو معاوية، ولم يكن ممن يعتمد. ميزان الاعتدال ٣/ ٣٠٣. فالأثر ضعيف جدًا.
(٢) رواه ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٣٣٠، البلاذري/ أنساب الأشراف ص: ١٧٨، ١٧٩، ٣٣٢، ابن أبي الدنيا/ التواضع ص ١٧٢، ١٧٣، ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص: ٢٥٩، وفي سنده عند ابن سعد الواقدي وهو متروك، ومداره عند بقية من رواه على سليمان الأعمش وهو مدلس لم يصرح بالسماع وبقية رجاله عند البلاذري وابن أبي الدنيا ثقات. فالأثر ضعيف.
(٣) رواه ابن عساكر/ تاريخ دمشق ص ٢٥٩، وفي إسناده مختار بن نافع التميمي، قال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال البخاري والنسائي وأبو حاتم: منكر الحديث. المزي/ تهذيب الكمال ٢٧، ٣٢٢، ٣٢٣. فالأثر ضعيف.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وكان عمر ﵁ يلبس الثوب، ولعل ذلك كان في الجمع والأعياد غالبًا، قال زر بن حبيش ﵀ (^١): خرج عمر بن الخطاب في يوم فطر أو في أضحى في ثوب قطن متلببًا (^٢) به يمشي (^٣).
وفي رواية أن عمر ﵁ أبطأ على الناس يوم الجمعة، ثم خرج فاعتذر إليهم في احتباسه، وقال: إنما حبسني غسل ثوبي هذا، كان يغسل ولم يكن لي ثوب غيره (^٤).
_________________
(١) زرّ بن حُبيش بن حُباشة الأسدي الكوفي أبو مريم، ثقة جليل مخضرم. تق ٢١٥.
(٢) مُتلببًا يقال: لببه وأخذ بتلبيبه وتلابيبه، إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره ثم جررته. ابن الأثير/ النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ١٩٣.
(٣) رواه ابن أبي شيبة/ المصنف ١/ ٤٨٦، ابن المنذر/ الأوسط ٤/ ٢٦٣، ورجاله عند ابن أبي شيبة ثقات سوى عاصم بن بهدلة، فهو صدوق له أوهام، ورواه ابن المنذر من طريق ابن أبي شيبة. فالأثر حسن.
(٤) رواه ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٣٢٩، ابن أبي شيبة/ المصنف ٧/ ٢٩٧، أحمد/ الزهد ص ١٥٤، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ٣٣١، وإسناده عند ابن سعد رجاله ثقات، إلا أن رواية بديل بن ميسرة البصري، وهو ثقة من الخامسة. تق ١٢٠ عن عمر بن الخطاب معضلة، وسنده عند أحمد رجاله ثقات، إلا أن رواية قتادة بن دعامة وهو ثقة من الرابعة تق ٤٥٣، عن عمر منقطعة، ورواه البلاذري من طريقين الأولى من طريق ابن سعد المتقدم، والثانية رجالها ثقات إلا عبدالعزيز بن أبي جميلة الأنصاري، فقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. الجرح والتعديل ٥/ ٣٧٩، وذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ١٢٤، وهذه الطرق تدل على أن للخبر أصلًا.
[ ١ / ٢٩١ ]
ولبس عمر ﵁ ثوب القطن كما تقدم في الأثر السابق ولم يلبس ﵁ ثياب الخز (^١) تورعًا منه وزهدًا، قال عامر بن عبيدة الباهلي (^٢): سألت أنسًا (^٣) عن الخز، فقال: وددت أن الله لم يخلقه وما أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا وقد لبسه ما خلا عمر وابن عمر (^٤).
_________________
(١) الخَزّ: ثياب تنسج من صوف وإبريسم. ابن الأثير/ النهاية في غريب الحديث ٢/ ٢٨، والإبريسم هو الحرير. المنجد ص ١.
(٢) عامر بن عبيدة الباهلي البصري القاضي بها، ثقة من الرابعة. تق ٢٢٨.
(٣) هو ابن مالك الصحابي الجليل ﵁.
(٤) رواه ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٣٣٠، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ٣٣٢، ٣٣٣ صحيح من رواية ابن سعد. قال: أخبرنا سليمان بن دواد الطيالسي، قال: أخبرنا شعبة، قال: أخبرني عامر بن عبيدة الباهلي. قال ابن حجر ﵀: وهو (أي تحريم لبس الثوب الذي خالطه الحرير) قول بعض الصحابة كابن عمر والتابعين كابن سيرين، وذهب الجمهور إلى جواز لبس ما خالطه الحرير إذا كان غير الحرير الأغلب، قال: وقد ثبت لبس الخز عن جماعة من الصحابة وغيرهم، قال أبو داود: لبسه عشرون نفسًا من الصحابة وأكثر، وأورده ابن أبي شيبة عن جمع منهم وعن طائفة من التابعين بأسانيد جياد. قال: والأصح في تفسير الخز أنه ثياب سداها حرير ولحمتها من غيره، وقيل: تنسج مخلوطة من حرير وصوف أو نحوه، وقيل: أصله اسم دابة يقال لها الخز سمي الثوب المتخذ من وبره خزًا لنعومته، ثم أطلق على ما يخلط بالحرير لنعومة الحرير، وعلى هذا فلا يصح الاستدلال بلبسه على جواز لبس ما يخالطه الحرير ما لم يتحقق أن الخز الذي لبسه السلف كان من المخلوط بالحرير، والله أعلم. فتح الباري ١٠/ ٢٩٤، ٢٩٥.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وروي أن عمر ﵁ كان يلبس العمامة ويرخي طرفها خلفه (^١).
وروي عنه ﵁ أنه كان يلبس النعل، وكان لنعله قبالان (^٢).
وكلم بعض أصحاب عمر عمر أن يلبس ثيابًا لينة رقيقة تتناسب مع منزلته وكونه خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، ولكنه أبى ذلك، ولامهم على كلامهم ذلك.
_________________
(١) رواه البيهقي/ السنن الكبرى ٣/ ٢٨١، وسنده رجاله ثقات سوى إسماعيل بن عياش الحمصي فهو صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، وهو هنا يروي عن محمد بن يوسف بن أخت النمر المدني. فالأثر ضعيف، وهو مما يتساهل فيه.
(٢) القِبال: زمام النعل، وهو السير الذي يكون بين الأصبعين. ابن الأثير/ النهاية في غريب الحديث ٤/ ٨. رواه ابن أبي شيبة/ المصنف ٥/ ١٧٦، الطبراني/ مجمع البحرين ٧/ ١٥٧، وسنده عند ابن أبي شيبة رجاله ثقات ولكن فيه انقطاع بين محمد بن سيرين وهو ثقة من الثالثة. تق ٤٨٣، وبين عمر بن الخطاب ومراسيل ابن سيرين أثنى عليها العلماء. وفي إسناده عند الطبراني شيخه إبراهيم بن إسحاق لم أجد له ترجمة. وبقية رجاله ما بين ثقة وصدوق. وسنده متصل عن أبي هريرة عن عمر …
[ ١ / ٢٩٣ ]
فقد قدم الربيع بن زياد الحارثي (^١) على عمر ﵁، فأعجبت عمر هيئة الربيع وشكا عمر ﵁ طعامًا غليظًا أكله، فقال الربيع: يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بطعام لين، ومركب لين، وملبس لين لأنت، فرفع عمر جريدة معه، فضرب بها رأسه وقال: أما والله ما أراك أردت بها الله، وما أردت إلا مقاربتي إن كنت لأحسب أن فيك (^٢).
وروي أن حفصة أم المؤمنين ﵂ قالت لعمر ﵄: لو لبست ألين من ثوبك هذا، وأكلت أطيب من طعامك هذا، قد فتح الله عليك، وأوسع عليك الرزق، قال: أخاصمك إلى نفسك، أما تعلمين ما كان يلقى رسول الله ﷺ من شدة العيش، وجعل يذكرها شيئًا مما كا يلقى رسول الله ﷺ حتى أبكاها، ثم قال: إنه كان
_________________
(١) الربيع بن زياد بن الربيع الحارثي له صحبة، ولا أقف له على رواية عن النبي ﷺ، استخلفه أبو موسى سنة سبع عشرة على قتال مناذر فافتتحها عنوة، وقتل وسبى. ابن عبدالبر/ الاستيعاب ٢/ ٦٨.
(٢) رواه ابن سعد/ الطبقات ٣/ ٢٨٠، ٢٨١، إسحاق بن راهويه/ المسند/ البوصيري/ إتحاف الخيرة المهرة ق ٤١/ب، ابن شبه/ تاريخ المدينة ٢/ ٢٦٢، البلاذري/ أنساب الأشراف ص ١٨٦، ١٨٧، صحيح من طريق ابن سعد. قال: أخبرنا عارم بن الفضل، قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن الرّبيع بن زياد الحارثيّ.
[ ١ / ٢٩٤ ]
لي صاحبان سلكا طريقًا، فإني إن سلكت غير طريقهما، سُلك بي غير طريقهما، فإني والله لأشاركهما في مثل عيشهما الشديد لعلي أدرك معهما عيشهما الرضي (^١).