(أ) الحالة السياسية: كانت تتزعم العالم الإسلامي في مشرقه أثناء القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) ثلاث دول عامة هامة هي:
الدولة العثمانية: الدولة الصفوية في فارس، والدولة المغولية في الهند (١) .
أما الدولة العثمانية: فقد وصلت إلى ذروة مجدها في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، ونظر إليها المسلمون بإعجاب وتقدير حينما وسعت فتوحاتها إلى أوروبا لنشر الإسلام (٢) ولكنها أخذت بعد ذلك تنخر فيها عوامل الضعف شيئا فشيئا حتى وصلت في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر
_________________
(١) عبد المتعال الصعيدي: المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر الهجري (ص ٤١٦ - ٤١٨) .
(٢) شفيق غربال: مقدمة كتاب (الشرق الإسلامي في العصر الحديث) تأليف حسين مؤنس ص (د) .
[ ٦ ]
الميلادي) إلى حالة سيئة من الضعف والركود السياسيين.
فقد كان سلاطينها - في ذلك الوقت - من الضعف بمكان بحيث لم يكن لهم من أمر الدولة شيء (١) بل كان الأمر استبداديا بيد وزرائهم ورؤساء الجيش الإنكشاري الذين لا يعرفون من أمور السياسة شيئا، وفوق ذلك فقد كان سلاطينها في ذلك الوقت مع زعماء الدولة الآخرين قد اشتغلوا بالملذات والشهوات، وأهملوا شؤون الدولة، واهتم الكل بأموره الخاصة، وكان بعض الوزراء من عناصر أجنبية لا تهمهم مصلحة الدولة وعزها بقدر مصلحة أنفسهم (٢) .
أما الولاة على أقاليم الدولة فقد ساءت إدارتهم، فهمهم الأكبر جمع الأموال من ولاياتهم على حساب شعوبها، مقابل ما بذلوه من رشاوي في سبيل حصولهم على إدارة هذه البلاد أو الولايات، لذلك لم يهتموا بتطوير ولاياتهم تلك، وإقامة الأمن والعدل (٣) فيها، كما أن الحاميات العسكرية التي توجد في هذه الولايات المختلفة كانت تحدث من الفوضى والنهب عند تأخر رواتبها الشيء الكثير، وهكذا تأخرت الزراعة والتجارة والحرف (٤) .
ومما زاد حال الدولة سوءا التدهور العسكري الذي منيت به في ذلك العصر، فقد أخذت دول أوربا تتألب عليها من كل جانب، فقامت حروب بين الدولة العثمانية وبين دول (النمسا وروسيا وبولونية والبندقية) انتهت بمعاهدة " كارلوفتش " المشهورة في يناير عام ١١١٠ هـ (١٦٩٩ م) والتي حرمت الدولة من كثير من ممتلكاتها في أوربا (٥) وقد زادت هذه المعاهدة من أطماع دول أوربا في
_________________
(١) محمد محمود السروجي: موقف مصر إزاء بعض مشاكل شبه الجزيرة العربية، المجلة التاريخية المصرية المجلد السابع (سنة ١٩٥٨ م) ص ٧٢.
(٢) محمد كمال جمعة: انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج الجزيرة العربية ص ١١.
(٣) لوثروب ستودارد: حاضر العالم الإسلامي، ترجمة عجاج نويهض، تعليق شكيب أرسلان، ج١، ص ٢٥٩.
(٤) محمد كمال جمعة: مرجع سابق ص ١٤.
(٥) أحمد السعيد سليمان: محاضرات في تاريخ الدولة العثمانية العام الجامعي ٩٧ - ٩٨ هـ ص ٤.
[ ٧ ]
أقاليم الدولة العثمانية، وظهر ما يسمى عند المؤرخين بـ (المسألة الشرقية) أي تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية بين الدول الأوربية الطامعة، وهي مسألة تقوم على أساس الاستيلاء على البلاد الإسلامية باسم الاستعمار السياسي، وإخفاء ما ينطوي تحته من محاولة القضاء على الدين الإسلامي، لأنه هو الذي يقف في وجه هذه المحاولات الاستعمارية (١) .
وكان من أهم مظاهر المسألة الشرقية في هذه المرحلة من الزمن الحملة الفرنسية على مصر والشام عام ١٢١٣ هـ (١٧٩٨ م) (٢) والتي نعتبرها - بحق - فاتحة الاستعمار في الشرق، كما أن الخطر البرتغالي الصليبي أخذ يتغلغل - قبل ذلك - في مناطق المحيط الهندي والجزء الجنوبي من البحر الأحمر (٣) .
أما الدولة الصفوية في فارس: فهي التي أنشأها (إسماعيل بن صفي الدين) سنة ٩٠٦ هـ (١٥٠٠ م) واتخذ من مدينة (تبريز) عاصمة له، وقد اتسعت دولته فامتدت من الخليج العربي إلى بحر قزوين، وكانت هذه الدولة شيعية ذات عداء مع الدولة العثمانية السنية، وانتهت هذه الدولة سنة ١١٣٥ هـ (١٧٢٢ م) فخلفها أمراء من الأفغان حتى قضى عليهم (نادر شاه) سنة ١١٤٢ هـ (١٧٢٩ م) فنادى بنفسه ملكا، ثم أخذ يوسع أملاكه حتى امتدت دولته من الخليج العربي إلى بلاد الهند (٤) .
وقد اهتم نادر شاه بقيادة جيشه وتنظيمه على النظم الحديثة، واستعان بالإنكليز على ذلك، ويقال إن نادر شاه حاول المؤاخاة بين أهل السنة والشيعة، وكان ذلك سبب مقتله بتدبير بعض أئمة المذهب الشيعي في بلاده سنة ١١٦٠ هـ (١٧٤٧ م) وبمقتله اضطرب أمر بلاد فارس واستمر هذا الاضطراب حتى قيام الدولة
_________________
(١) عبد المتعال الصعيدي: المجددون في الإسلام ص ٤١٦.
(٢) جلال يحيى: العالم العربي الحديث المدخل ص ٨٤.
(٣) محمد محمود السروجي: موقف مصر ص٧٣.
(٤) عبد المتعال الصعيدي: المجددون في الإسلام ص ٣٥٠، ٤١٧.
[ ٨ ]
القاجارية سنة ١٢٠٣ هـ (١٧٨٨ م) (١) .
أما الدولة المغولية في الهند: فقد أنشأها (بابر شاه) من نسل تيمور لنك سنة ٩٠٩ هـ (١٥٠٥هـ) وخلفه ملوك أقوياء حتى جاء القرن الثاني عشر الهجري فاضطرب أمرها وطمع فيها أمراء الهندوس بدعم من شركة الهند الشرقية الإنكليزية، فأنجدها (نادر شاه) ملك فارس وعين (محمد شاه) ملكا على الهند تحت حمايته، وكان الأخير ضعيفا فاسقا، وخلفه ملوك أشد ضعفا، مما جعل البلاد مرتعا للحروب الداخلية، فانقسمت إلى ولايات مما سهل على شركة الهند الشرقية الإنكليزية الاستيلاء عليها ولاية بعد ولاية، ولم تلبث أن انتقلت سيادة هذه الولايات إلى الحكومة الإنكليزية سنة ١٢٧٤ هـ (١٨٥٦ م) (٢) .
أما حال المسلمين على حدود العالم الإسلامي فلم تكن بأحسن من داخله، فقد تعرضت الإمارات الإسلامية على حدود روسيا القيصرية للضغط الحربي من جانب روسيا وخاصة إمارة التركستان الشرقية، حتى اضطر المسلمون هناك إلى قبول السيادة الروسية عليهم وذلك سنة ١١٤٤ هـ (١٧٣١ م) (٣) .
. كما عانى المسلمون في الصين من اضطهاد أسرة (المانشو) الحاكمة هناك، فضيقت عليهم في دينهم، وحرمت عليهم ذبح البقر مما سبب انتقام المسلمين عدة مرات (٤) .
أما المسلمون في (أندونيسيا) وما جاورها من جزر الهند الشرقية فقد كانوا على حالة من الضعف، فبالرغم من الانتشار الكبير للإسلام هناك عن طريق التجار المسلمين، إلا أن المسلمين هناك تفرقوا إلى إمارات صغيرة سهلت على الهولنديين والإنكليز غزوهم، وبالتالي استعمارهم في بلادهم (٥) .
_________________
(١) حسين مؤنس: المرجع السابق ص ٢١، ومحمد كمال جمعة: مرجع سابق ص ٢٠.
(٢) عبد المتعال الصعيدي: المجددون في الإسلام ص ٣٥٠ و٤١٨.
(٣) Akdes Numet Kurat، The Cambridge History of Islam Volume، IP ٥٠٧ Cambridge ١٩٧٠.
(٤) عباس محمود العقاد: الإسلام في القرن العشرين ص ٩٠.
(٥) المرجع السابق ص ٨٥، وتوماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص ٤٠١ و٤٠٢ ترجمة حسن إبراهيم حسن وعبد المجيد عابدين، الطبعة الثالثة عام ١٩٧١ م.
[ ٩ ]
تلك هي الحالة السياسية للعالم الإسلامي في مشرقه في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
أما المغرب الإسلامي: ففي الحقيقة لم تكن حالته السياسية بأحسن حظا من مشرقه، فقد كان العثمانيون قد استولوا على تونس والجزائر ومحوا دولتي (بني حفص وبني زيان) سنة ٩٦٤ هـ (١٥٥٦ م) بعدما كادت تقع في أيدي الأسبان، كما سقطت في مراكش دولة (بني وطاس) وقامت على أنقاضها (دولة السعديين) سنة ٩٥٦ هـ (١٥٤٩ م)، وإذا كنا قد رأينا شيئا من الضعف السياسي للدولة العثمانية في هذا القرن (الثاني عشر الهجري) فلا شك أن هذا الضعف سينعكس على كافة ولاياتها ومنها تونس والجزائر مما جعلها لا تقوى على مقاومة حملات البرتغاليين والأسبان الحربية عليها، ومما زاد الطين بلة ضعف دولة السعديين هناك، فهي لم تكن من القوة بحيث تقف أمام هذه الحملات (١) إضافة إلى وجود فتن داخلية بين العرب والبربر وبين الإمارات التي تسكنها (الهوسا) المسلمة مع بعضها، وأخيرا بين قبائل الهوسا وقبائل الفولان (٢) . كل ذلك جعل هذه المنطقة من العالم الإسلامي ضعيفة لا تقوى حتى على الصمود في وجه الحملات الأوربية عليها.
هذه لمحة موجزة عن حالة العالم الإسلامي السياسية في مشرقه ومغربه؛ وبالجملة فهي حالة سيئة تدل على ما يعانيه العالم الإسلامي في تلك الفترة من فساد سياسي عام (٣) وكان لهذا تأثير ملحوظ على الحالة الاقتصادية في العالم الإسلامي، فنتيجة لهذا التدهور انعدم الأمن والاستقرار فبارت التجارة بوارا شديدا، وأهملت الزراعة أيما إهمال (٤) هذا في الوقت الذي كانت دول أوربا تتجه نحو تقوية نفوذها على
_________________
(١) عبد المتعال الصعيدي: المجددون في الإسلام ص ٣٥٠ و٤١٨.
(٢) محمد كمال جمعة: المرجع السابق ص ٢١-٢٣.
(٣) Nicholson، R. A.، Aliteiary History of the Arabs P٤٦٦.
(٤) ستودارد: المرجع السابق ج١ ص ٢٥٩.
[ ١٠ ]
حساب العالم الإسلامي الضعيف، وتهتم بتقوية جيوشها وتطور علومها واختراعاتها، فوصلت إلى قوة الكهرباء والبخار (١) .
وبالرغم من هذا التدهور في العالم الإسلامي فإن الشعوب الإسلامية لا تخلو ممن توجد عنده الرغبة في إصلاح هذا الفساد (٢) ولكن الرغبة وحدها لا تكفي فلا بد من العمل المتواصل الهادف البناء.