حال نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (أ) الحالة السياسية: في القرن الثالث الهجري قامت في منطقة نجد دولة مستقلة عن دولة الخلافة العباسية يطلق عليها " الدولة الأخيضرية " التي أسسها (محمد الأخيضر) سنة ٢٥٣ هـ (٨٦٧ م)، واستمرت حتى منتصف القرن الخامس الهجري حيث سقطت تلك الدولة (١) وبسقوطها أصبحت بلاد نجد مجزأة إلى إمارات صغيرة يرتبط بعضها بالدويلات التي قامت في منطقة الأحساء ومنها الدولة العيونية (من سنة ٤٦٧ هـ -٧٥٠ هـ تقريبا)، ودولة بني عامر بن عقيل (من ٧٥٠ هـ - ٩٣٢ هـ)، ثم دولة بني خالد التي قامت عام ١٠٨٠ هـ (٢) .
وكان الأتراك العثمانيون قد استولوا على منطقة الأحساء سنة ٩٦٣ هـ وفي أثناء حكمهم للمنطقة لم يتعرضوا لإقليم نجد من قريب ولا من بعيد، ولذلك لم تشهد منطقة نجد خلال تلك الفترة ولاة عثمانيين، ولا حامية تركية تجوب خلال دياره (٣) ذلك أن الدولة العثمانية لم تكن سياستها في ذلك الوقت تهتم بإخضاع نجد لحكمها، وكل ما يهمها هو الحجاز حيث الأماكن المقدسة الإسلامية، بالإضافة إلى السواحل الغربية والشرقية للجزيرة العربية خصوصا بعد أن تعرضت هذه السواحل لحملات البرتغاليين في أثناء القرن الخامس عشر الميلادي (٤) .
وقد استمر العثمانيون يحكمون منطقة الأحساء حتى دخلت الدولة العثمانية فترة انحطاط في عهد السلطان (محمد خان الرابع) في العقد السابع من القرن الحادي عشر الهجري، فتمكن (بنو خالد) بزعامة (براك بن غرير آل حميد) من إجلاء الحامية
_________________
(١) عبد الرحمن بن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر ج٤ ص ٩٨، منير العجلاني: مرجع سابق ص٢٨.
(٢) عبد الله يوسف الشبل: المرجع السابق ص ٢٣ - ٢١.
(٣) ساطع الحصري: الدولة العثمانية والبلاد العربية ص ٩ و٢٣٨ و٢٣٩، ط بيروت ١٩٦٠ م.
(٤) محمد محمود السروجي: المرجع السابق (المجلة التاريخية المصرية) المجلد السابع عام ١٩٥٨.
[ ١٦ ]
التركية والاستيلاء على الأحساء سنة ١٠٨٠هـ (١٦٦٩م) وفي أوج قوة بني خالد استطاعوا مد نفوذهم إلى الكويت وبعض بلاد نجد (١) .
والواقع أنه منذ القرن الخامس الهجري أصبحت بلاد نجد مقسمة إلى إمارات صغيرة متفرقة متنازعة، وإذا كان بعض هذه الإمارات خاضعا للدويلات التي قامت في منطقة الأحساء فإن من يطلع على تاريخ نجد في تلك الفترة - على اختصاره - " تواجهه حقيقة مرعبة، وهي أن القوم كانوا في عراك مستمر ومرابطة دائمة، وثأر لا ينقطع، يتربص بعضهم ببعض الدوائر، ويتحين أهل كل قرية الفرصة للإيقاع بأهل القرية الأخرى، وقد ذهب في هذه الحروب - على صغر حجمها ولكن مع كثرة تكرارها - أعداد كبيرة، وليس من غير المتكرر أن تجد أن الجد قد قُتل في عراك قُتل فيه ابنه بعد عشرين عاما، وحفيده بعد عشرين أخرى وهكذا. . وأن تجد عائلة تخرج من الحكم ثم تعود وتخرج مخرجها مع خسائر في الأنفس في كلا الحالتين، هذا رغم أن هذه العائلات المتعادية قد تلتقي في نسبها في جد ليس بالبعيد كثيرا " (٢) .
لقد كانت هذه الإمارات والقرى لا تعرف السكينة والأمن والحرية إلا قليلا، ففي الحرب يقتل أبناؤها، ويدمر بناؤها، ويحرق نخيلها، ويتلف زرعها، وفي فترات السلم يحبس الناس في بلدانهم فلا يستطيعون الابتعاد عنها إلا بمغامرة، فبداوة تسلب وتنهب وتقتل وتفرض على المدن المتفرقة الإتاوة، وتهدد سلامتها، وتقطع طرقها، فكانت إمارات نجد في تلك الفترة تجسيدا لقصة ملوك الطوائف في الأندلس (٣) .
ولتوضيح ذلك سنورد الآن ثلاثة نصوص كأنموذج لما تزخر به مصادر تلك الفترة في تاريخ نجد من الحوادث المفجعة، والأخبار المؤلمة، وهي من بعض مؤرخي تلك الفترة:
_________________
(١) عبد الله الشبل: المرجع السابق ص ٢٣، عبد الله العثيمين: الشيخ محمد بن عبد الوهاب: حياته وفكره ص ١١-٩.
(٢) عبد العزيز الخويطر: مقدمة تاريخ أحمد بن منقور ص ٢٢.
(٣) منير العجلاني: مرجع سابق ص ٣٦.
[ ١٧ ]
أولا: يقول الشيخ أحمد المنقور في تاريخه: " وفيها - أي سنة ثمان وتسعين وألف للهجرة - قتل أحمد بن علي راعي المجمعة، ثم آل دهيش في المجمعة بعده، ثم علي بن سليمان بعدهم، ثم علي بن محمد عندنا، وسطوة آل محدث على الزلفى، وقتل فوزان بن زامل في الزلفى " (١) .
ثانيا: يقول المؤرخ عثمان بن بشر في تاريخه: " وفي سنة عشرين ومائة وألف قُتل سلطان بن حمد القبس رئيس الدرعية وتولى بعده أخوه عبد الله ثم قتل، وفيها قتل حسين بن نفير صاحب التويم البلد المعروف في ناحية سدير قتله ابن عمه فايز بن محمد وتولى بعده في التويم، ثم إن أهل حرمة ساروا إلى التويم وقتلوا فايز المذكور وجعلوا في البلد فوزان. . ثم غدر ناصر بن حمد في فوزان فقتله، فتولى في التويم محمد بن فوزان فتمالأ عليه رجال فقتلوه منهم المفرع وغيره من رؤساء البلد وهم أربعة رجال، فلم تستقر ولاية لأحدهم، فقسموا البلد أرباعا كل واحد شاخ في ربعها فسموها المربوعة أكثر من سنة " (٢) .
ثالثا: يقول صاحب كتاب (لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب) ما نصه: " لا هناك رئيس قاهر يردع الظالم وينصر المظلوم، بل كان كل من الحكام حاكم بلده. . والبداوة إذا قبائل شتى. . فكان البدو يتحاكمون في قصصهم وحوادثهم إلى العرف لا إلى الشرع. . وأولئك الحكام طاغون لكونهم يصدون الناس عن اتباع حكم الشرع. . وكان أهل الحضر أهل المدن من نجد دائما بعضهم يحارب بعض " (٣) .
إن أوضح معطيات النصوص السابقة أن بلاد نجد كانت دائما - في تلك الفترة - تعيش حياة ملؤها الخوف والذعر وعدم الاستقرار في أمور حياتها كلها، أنتجتها تلك الحروب والفتن التي تطحنه عسكريا وخلقيا ونفسيا وفكريا، وهي - بحق - تعطي فكرة واضحة عن مدى تفكك المجتمع الذي وجد في دعوة الشيخ محمد بن
_________________
(١) أحمد بن محمد المنقور: تاريخ الشيخ ابن منقور ص ٦٣.
(٢) عثمان بن بشر: عنوان المجد في تاريخ نجد ج٢ ص ٢٢٨ و٢٢٩ (السوابق) .
(٣) مؤلف مجهول: لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب ص ٢٩ و٣٠ ط دارة الملك عبد العزيز.
[ ١٨ ]
عبد الوهاب فيما بعد منقذا له من دوامة كان يجري في فلكها دون أن يعرف طريقا للخلاص منها (١) .