ثانيا: في ليبيا: في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ظهرت دعوة إصلاحية اتخذت ليبيا مركزا لها، وكانت هذه الدعوة بزعامة " محمد بن علي السنوسي " (١٢٠٢-١٢٧٦ هـ ١٧٨٧ -١٨٥٩ م) وإليه تنسب تلك الدعوة وسميت " السنوسية " نسبة إلى جده الرابع (١) .
وقد ولد " السنوسي " في " مستغانم " بالجزائر عام ١٧٨٧ م، وتلقى علومه الإسلامية الأولى في " فاس " ببلاد المغرب، وقد بدأت مقدمات دعوته تلك حين إحساسه بضعف
_________________
(١) عباس محمود العقاد: ص١٢٩-١٣٣.
[ ٨٧ ]
المسلمين في عصره دينيا وسياسيا واقتصاديا بسبب انحرافهم عن طريق الإسلام السوي، وبذلك تسلطت الدول الأوربية عليهم وغزتهم في عقر دارهم.
وقد قام السنوسي بعدة رحلات في مدن الشمال الإفريقي (فاس، طرابلس، بني غازي، القاهرة) حتى إذا كان عام ١٢٥٣ هـ ١٨٣٧ م) جاء إلى الحجاز لأداء فريضة الحج (١) وهناك التقى ببعض علماء الدعوة السلفية وتأثر بآرائهم وبنى عليها أسس دعوته التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله تعالى والبعد عن أنواع البدع والخرافات كالتوسل بالصالحين، كما دعا إلى الاجتهاد وحارب التقليد، فرغم أنه كان مالكي المذهب إلا أنه قد يخالفه إذا رأى الدليل بخلافه (٢) وفي هذا الأمر شابهت دعوة (السنوسي) دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب السلفية، كما تشابهت مع الدعوة في البيئة التي ظهرت فيها (٣) حيث جعل واحة (جغبوب) في الصحراء الليبية المصرية منطلقا رئيسيا لدعوته، كما كانت (نجد) منطلقا للدعوة السلفية ومركزا لها، وكان لـ (جغبوب) موقعها الهام، فهي بعيدة عن عصا السلطة السياسية في الشمال، وهي ممر هام للقوافل، وبذلك يسهل على السنوسية نشر الإسلام في الجنوب.
ولكن هناك أمور تختلف فيها السنوسية عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأهمها:
١ - أن في الدعوة السنوسية بعض مبادئ التصوف، وهو ما تنكره الدعوة السلفية - كما سبق - ويظهر هذا التصوف في دعوتها المتشددة للزهد والعبادة، وبطلبها ممن يريدون الدخول في دعوتها قراءة الفاتحة، ثم يمر بثلاث درجات أولاها (المنتسبون) وثانيها درجة (الإخوان) وثالثها درجة (الخواص)، كما يظهر ميلها إلى التصوف في إنشائها (الزوايا) وهي أماكن خاصة لأتباعها تستعمل للزهد والعبادة بجانب أعمال أخرى كالزراعة والتجارة وطلب العلم (٤) .
_________________
(١) أحمد عبد الرحيم مصطفى ص ٣٨.
(٢) جمال الدين الشيال: ج١ ص٧٠، وعبد الفتاح منصور ص ٣٨-٣٩.
(٣) أحمد عبد الغفور عطار ص ١١٥، وعبد الرحمن الجطيلي (محمد بن عبد الوهاب) ص ٥٤.
(٤) جمال الدين الشيال: ج١ ص ٦٩، أحمد عبد الرحيم مصطفى ص ٤١.
[ ٨٨ ]
٢ - أنها كانت دعوة سلمية اتخذت الطريق السلمي لنشر مبادئها وابتعدت كل البعد عن أسلوب القوة، بل إن (السنوسي) هادن القوى الموجودة في المجتمع ليتفرغ للعمل في إرساء قواعد حركته فخالف بذلك كلا من ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، ولذلك قام بتوزيع (الزوايا) على عدد من البلاد الإسلامية في الشمال الإفريقي والحجاز والسودان ومصر، واعتبرت زاوية (جغبوب) المركز الرئيسي لهذه الزوايا، وعن طريق هذه الزوايا المتعددة استطاع السنوسي أن ينشر دعوته حتى أصبح للسنوسية أتباع كثيرون في أكثر الأقطار الإسلامية (١) . ومع وجود هذا الأسلوب السلمي للسنوسي فإن الدولة العثمانية لم ترض عن السنوسي ولا عن دعوته، فقد كانت تخشى دائما هذه الدعوات الإصلاحية وما قد تؤدي إليه من حركات انفصالية، ولكن لم تلبث أن استفادت من أتباع هذه الحركة في نضالها ضد الإيطاليين في ليبيا والإنجليز في مصر (٢) .
والحق أن هذا الأسلوب السلمي للدعوة والحركة السنوسية قد أعطى أتباعها بواعث قوية من الإيمان استطاعوا بها أن يصبروا على بلاء الاستعمار الإيطالي والفرنسي في شمال إفريقيا، وأن يقدموا أرواحهم في تلك المناطق دفاعا عن عقيدتهم وأوطانهم، وقد كان لهذه التضحيات أكبر الأثر في هزيمة الاستعمار وزواله نهائيا من تلك المنطقة، وكان الشهيد (عمر المختار) - وهو من أتباع السنوسي - ورفاقه المجاهدون خير شاهد على ما نقول (٣) .