خامسا: في غرب إفريقية: ونعني به ما كان يطلق عليه (السودان الأوسط والغربي)، ويشمل الدول غير العربية الواقعة في غرب إفريقية، والتي استبشرت كثير من قبائلها بإشراقة شمس الدعوة السلفية في أراضيها، وقامت قبائل من هذه المنطقة - بعد اعتناقها للدعوة - بمهمة نشر الدعوة، خاصة قبيلة (الفلبي)، وكان ذلك في مطلع القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي)، ولم يكن ذلك التاريخ أول عهد لهذه المناطق بنور الإسلام وانتشاره فيها، فالإسلام أخذ ينتشر في هذه المناطق منذ مطلع القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، وكانت قبيلة (الفلبي) أول من اعتنق الإسلام في هذه المناطق أيضا (٣) .
كانت تلك القبيلة العظيمة على جانب عظيم من النشاط الاقتصادي ووفرته فيها من رعي وزراعة وتجارة، كما وصف أفرادها بالكرم والشجاعة وكانوا مهرة في استخدام سلاحهم أثناء الحروب (٤) .
ولم يكن انتشار الدعوة السلفية - على يد أفراد هذه القبيلة - انتشارا دينيا فحسب بل وسياسيا أيضا - وهي بذلك تشبه انتشار الدعوة في الهند على يد السيد (أحمد الباريلي) في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي أيضا كما سبق.
أما بطل قصة انتشار الدعوة السلفية في أفريقيا فهو الشيخ الداعية المسلم (عثمان دانفوديو) من أفراد قبيلة الفلبي (الفولا) والذي ذهب إلى مكة لأداء فريضة الحج فتأثر بالدعوة السلفية - التي كانت قوتها آخذة في النمو في الوقت الذي زار فيه مكة -
_________________
(١) عباس العقاد: ص ١٦٤.
(٢) أحمد عبد الرحيم مصطفى: ص ٤٥.
(٣) انظر: مصطفى مسعد: أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على حركة عثمان بن فوديو، مجلة كلية العلوم الاجتماعية، العدد الخامس ١٤٠١ هـ ص ٢١٢.
(٤) أحمد عبد الغفور عطار: ص ٢١٥.
[ ٩٣ ]
وأعجب بمبادئ الدعوة وعاد إلى بلاده وكله حماس وغيرة من أجل إصلاح عقيدة المسلمين هناك على أساس الإسلام الصحيح الخالص من كل شوائب الشرك والبدع والفساد والخرافات (١) فحارب تلك الأمور في عشيرته وقومه وعمل للقضاء على الوثنية وعبادة الأموات التي كانت لا تزال مختلطة بالعقيدة الإسلامية في نفوس السودانيين هناك، وعن طريق نشره لمبادئ الإسلام الصحيحة - وذلك بإذاعة ونشر مبادئ الدعوة السلفية - استطاع أن يجمع قبيلته حوله في وحدة متماسكة مرتبطة بوحدة الدين والعقيدة، بعد أن كانت منقسمة إلى عدة وحدات ضعيفة متخاذلة متنازعة (٢) .
بعد ذلك ابتدأ مرحلة (الدعوة بالقوة) عام ١٢١٧ هـ (١٨٠٢ م)، وقام بحروب ضد قبائل (الحوصة) الوثنية، كما قضى على (مملكة جبير) التي تقع على امتداد مجرى نهر النيجر، ولم تأت سنة ١٢١٩ هـ (١٨٠٤ م) - بعد سنتين من الجهاد - حتى تم له توحيد تلك المناطق باسم (مملكة سوكوتو) الإسلامية، والتي اتسعت رقعتها فامتدت إلى جميع الأقطار الواقعة بين مدينة (تمبكتو) - في الغرب على نهر النيجر - وبحيرة " تشاد " في الشرق، حتى قدرت مساحتها بأربعمائة ألف كيلو متر مربع، وقدر سكانها بعشرة ملايين من الأنفس (٣) .
ولكن على الرغم من وفاة مؤسسها (عثمان دانفوديو) عام ١٢٣١ هـ (١٨١٦ م) إلا أن مملكته تلك بقيت في عقبه، وأخذت تتسع في مساحتها حتى تحولت إلى إمبراطورية امتدت من مدينة (أدماوا) في الشرق إلى مدينة (إلورن) في الجنوب الغربي، وكان لهذا الاتساع الكبير في (مملكة سوكوتو) دوره الكبير في نشر العقيدة الإسلامية في تلك المناطق من أفريقيا (٤) .
وقد بقيت تلك الإمبراطورية مستقلة تحت نفوذ (الفلبي) قرابة قرن من الزمن أي طول القرن التاسع عشر الميلادي، حتى قضى المستعمر الأوروبي البريطاني على
_________________
(١) توماس أرنولد: ص ٣٦٠.
(٢) محمد عبد الله ماضي: ج١ ص ٦٦.
(٣) المرجع السابق ص ٦٦، ولوثروب ستودارد ج١ ص ٣٠٢ ط ١٣٤٣ هـ.
(٤) مصطفى مسعد: المرجع السابق، العدد الخامس، مجلة كلية العلوم الاجتماعية ص ٢١٧ وما بعدها، وأحمد عبد الغفور عطار ص ٢١٧.
[ ٩٤ ]
استقلالها، وذلك بقيام الإدارة البريطانية في نيجيريا عام (١٣١٨ هـ ١٩٠٠ م) .
ومما هو جدير بالذكر أن قيام الاستعمار الأجنبي في تلك المنطقة لم يمنع انتشار الإسلام سلميا في المناطق الوثنية المجاورة، وذلك على يد مسلمي قبائل (الفلبي - الحوصة) وغيرهم رغم محاولة إرساليات التبشير النصراني عرقلة هذا الانتشار بقوتها المادية ونفوذها السياسي، بل وبقوة السلاح أيضا (١) .
ومن قريب خرج من قبيلة الفلبي الداعية الإسلامي المجاهد (أحمد وبللو) - رئيس وزراء نيجيريا الشمالية سابقا - وبذل جهودا كبيرة لنصرة عقيدته ووطنه ومكافحة المستعمرين (٢) ولكن لم يلبث أن اغتيل - ﵀ - على يد أعداء الإسلام في ٢٤ رمضان عام ١٣٨٥ هـ (يناير ١٩٦٦ م) بعد أيام من عودته من مكة المكرمة معتمرا (٣) .
ومع كل هذه العراقيل استمر الإسلام في انتشاره بسهولة بتلك المناطق وغيرها من قارة أفريقية، وبقيت الدعوة السلفية رمزا له هناك، وظل المسلمون هناك صامدين على إسلامهم أمام هذه القوى الصليبية وغيرها من القوى المعادية " ولا زالوا يتمسكون بمبادئه ويتحلون بفضائله " (٤) وبقيت إفريقية هي " قارة الإسلام " المرتقبة عن قريب - بإذن الله.